Indexed OCR Text

Pages 721-740

أبيه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((مامسخت أمة قط فتكون لها ناسلة))(١).
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (ص ٤٢٩) والذهبى في معجم
الشيوخ (٢٢٨/٢ رقم الترجمة ٧٨٣) من طريق مسلمة بن على به، نحوه.
وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (١١/٨-١٢) وأعلّه بمسلمة بن على قال: ((وهو
ضعيف)»، وقال الذهبى: ((منكر الحديث)).
ووصفه الحافظ بأنه متروك، ولكن ورد في الصحيح ما يشهد لهذا الحديث أخرجه
مسلم في صحيحه (٤ /٢٠٥٠ -٢٠٥٢ رقم ٢٦٦٣)، والإمام أحمد في مسنده
(٣٩٠/١، ٤١٣، ٤٦٦) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا في سياق طويل ولفظ
الشاهد منه: ((قال رجل: يا رسول الله! القردة والخنازير هى مما مسخ؟ فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل لم يهلك قوما أو يعذب قوما، فيجعل لهم نسلا ... ))
الحديث، هذا لفظ مسلم في إحدى الروايات.
وقد روي ذلك من حديث أم سلمة عند أبي يعلى في مسنده (ص ٦٣٥ مخطوط)
والطبرانى في المعجم الكبير (٣٢٥/٢٣ رقم ٧٤٦) ولفظه: «مسخ الله من شى فكان
له عقب ولا نسل»، وفي إسناده ليث بن أبى سليم ضعيف لأجل اختلاطه.
ولكن يشهد له الحديث السابق، ولذلك أورده الألباني في صحيح الجامع الصغير
(١٥٥/٥ رقم ٥٥٤٩)، وقال: «صحيح» وأشار إلى حديث الباب وحديث ابن مسعود.
التعليق:
تعرض المؤلف في الباب السابق لبيان مختلف الأنواع من العقوبات والشدائد التى
يعذب بها الله تعالى الأمم والشعوب على ارتكابهم للجرائم البشعة واقترافهم للمعاصى،
ولما بين ذلك عقد هذا الباب وترجم له «باب ما جاء في الخسف والقذف والمسخ
والرجف)) ليشير من خلاله إلى أن هذه الأمور أيضا مما يعاقب به الناس على خروجهم
عن طاعة الله تعالى وارتكابهم للذنوب والمعاصى.
والخسف: هو سؤوخ الأرض بما عليها وذهابها به.
=
- ٧٢١ -

= يقال: خسف الله به الأرض، وخُسف المكان يخسف خسوفا: ذهب في الأرض(١).
والرجف والرجفة: الزلزلة، يقال: رجفت الأرض إذا تزلزلت، وأصل الرجف: الحركة
والاضطراب، كذا ذكر ابن منظور، ونقل عن الليث: ((أن الرجفة في القرآن كل عذاب
أخذ قوما، فهى رجفة وصيحة وصاعقة))(٢)، والقذف: هو الرمي بالسهم والحصى
والكلام وكل شيء والمراد هنا الرمى بالحجارة، كما ذكر السندى في حاشيته على سنن
ابن ماجه(٤)، وعلى هذا هو مرادف للرجم.
وأما المسخ: فهو تحويل صورة إلى صورة أقبح منها، أو تحويل خلق إلى صورة
أخرى(٥)، واختلف في المراد من هذه الكلمة الواردة في الأحاديث على قولين، أحدهما
أن المراد حقيقة المسخ، أى تحويل الصور الظاهرية وتبديلها.
والثانى: أن المراد مسخ القلوب الباطنية، وهو كناية عن تبدل أخلاقهم، ولكن الأول
أصح وأنسب للسياق في الأحاديث(٦)، وقد حصل عقاب الله تعالى لبعض الأمم
السابقة بهذا النوع من العقوبة، حيث مسخهم قردة وخنازير عقابا لهم على طغيانهم
وتمردهم، كما وقع عقاب الله تعالى لبعض الأمم الأخرى على تمردهم بالخسف والقذف
والرجف، وقد تحدث عنه القرآن الكريم في آيات عديدة بيد أنهم لا يبقى لهم نسل،
كما تقدم التصريح بذلك في بعض الأحاديث المتقدمة.
وأما الأحاديث التى أوردها المؤلف في الباب فيمكن تصنيف الصحاح منها إلى ثلاثة
أصناف، أولها ماورد فيه ذكر هذه الأمور بلفظ أو أسلوب يدل على أن هذه الأمور
تقع قبل قيام الساعة دون تعليق بظهور المعاصى أو الذنوب المعينة، وهى إذن من
الأشراط الكثيرة التى تتقدم قيام الساعة إيذانا به، وهناك حديث آخر أكثر صراحة في =
(١) انظر: لسان العرب (٦٧/٩).
(٢) المصدر السابق (١١٣/٩).
:
(٣) انظر: لسان العرب (٢٧٧/٩).
(٤) (٥٠٣/٢).
(٥) انظر: لسان العرب (٥٥/٣).
(٦) انظر: فتح البارى (٥٦/١٠)، وحاشية السندى على سنن ابن ماجه (٥٠٣/٢).
- ٧٢٢ -
:

= ذكر ثلاثة خسوف تقع بين يدي الساعة حيث قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم:
((فإنها لا تقوم حتى تكون قبلها عشر آيات)) وذكر منها هذه الخسوف الثلاثة، ((خسف
بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب»، وهو مخرج في صحيح مسلم وغيره
وسيأتى عند المؤلف برقم ٥١٩.
وقد عدّ بعض من كتب في أشراط الساعة مثل البرزنجى والسفارينى هذه الأمور من
الأمارات البعيدة التى ظهرت وانقرضت(١)، وأورد الأول بعض الحكايات والوقائع من
كتب التاريخ، ومما وقع في أيامه التى تدل على وقوع الخسوف الثلاثة وغيرها، وعلى
وقوع القذف والرجف والمسخ في هذه الأمة(٢)، وفيما يبدو لى - والله أعلم - أن هذه
الأمور من الأمارات المتوسطة التى ظهرت ولكنها لم تنته بعد بل لا تزال تتزايد
وتتكامل، لأننا نسمع ونشاهد كثيرا من هذه الأمور سوى المسخ، وإذا حملناه على
القول بأن المراد مسخ القلوب الباطنية فهو أيضا مستمر، وأما الخسوف الثلاثة فهى
من الأمارات الكبيرة التى تعقبها الساعة، لأنها ذكرت مع طلوع الشمس من مغربها
ويأجوج ومأجوج والدابة وغيرها مما لم يختلف في كونه من الأمارات الكبيرة.
وذكر صاحب تحفة الأحوذي عند هذا الحديث أنه وجد الخسف في مواضع، ولكن
يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا أعلى مما وجد، كأن يكون أعظم
مكانا وقدرا(٢) - والله أعلم.
وأما الصنف الثانى من الأحاديث الواردة في الباب فهو ماورد فيه ذكر الخسف
والقذف والمسخ معلقة على ظهور بعض الذنوب والمعاصى، مثل شرب الخمر
واستباحتها، واتخاذ القيان وظهور المعازف وغيرها من أمور اللهو واللعب التى فيها
خروج عن طاعة الله تعالى وتعدٍّ على حدوده، وليس بين هذا الصنف والصنف الأول =
(١) انظر: الإشاعة (ص ٤٩ - ٥٢)، ولوامع الأنوار (٦٧/٢).
(٢) ذكر البزرنجى أن الخسوفات الثلاثة وقعت في عهد سليمان بن عبد الملك كما ذكر
وقائع أخرى في الخسف والقذف والرجف والمسخ، وحكى أن المسخ وقع للأشخاص
من الرافضة. والله أعلم بصحة تلك الوقائع.
(٣) انظر: تحفة الأحوذي (٢١٤/٣).
-٧٢٣ -

= تعارض أو تناقض، لأنه يمكن أن يعاقب الله تعالى بهذه العقوبات أو ببعضها بعض
الناس على عصيانهم وتمردهم وهى في نفس الوقت تكون من أمارات الساعة القريبة
أو البعيدة علما بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وهى كلما يقترب وقوعها
يزداد ظهور المعاصي والذنوب والله أعلم.
وأما الصنف الثالث من الأحاديث فهو ماورد فيه ذكر لخسف الجيش الذى يبعث إلى
مكة في طلب العائذ بالبيت فيخسف به بالبيداء، وسيأتى الكلام عليه في باب مستقل
«باب ماجاء في الجيش الذى يخسف بهم».
هذا وقد ورد في بعض الأحاديث مايدل على أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الرجم
والخسف، ذكر ابن حجر هذه الأحاديث وأشار إلى مايوجد بينها وبين أحاديث الباب
من تعارض، وذكر في دفع هذا التعارض عدة احتمالات، منها أن الإعاذة المذكورة
مقيدة بزمان مخصوص وهو وجود الصحابة والقرون المفضلة، وأما بعد ذلك فيجوز
وقوع ذلك فيهم، ومنها أن ذلك لا يقع لجميعهم، وإن وقع لأفراد منهم غير مقيد بزمان
كما في خصلة العدو الكافر والسنة العامة، وقد أعاذ الله تعالى أن يستأصل بهما هذه
الأمة، ومع ذلك قد يقع تسليط العدو الكافر على بعض المؤمنين أو تصيبهم السنة لكن
لا يقع عموما، فكذلك الخسف والرجم(١).
(١) راجع للتفصيل فتح البارى (٢٩٢/٨ - ٢٩٣).
- ٧٢٤ _

٥٧ - باب ماجاء في الطاعون
٣٥٢ - حدثنا على بن محمد بن خلف(١)، قال: حدثنا عبد الله بن أبى
هاشم، قال: حدثنا عيسى بن مسكين، وأحمد بن أبى سليمان،
قالا: حدثنا سحنون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
مالك، عن محمد بن المنكدر، وأبى النضر (٢) مولى عمر بن عبيد
الله، عن عامر بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، أنه سأل(٣)
أسامة بن زيد: ماذا(٤) سمعت(٥) من رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((الطاعون رجز(١)، أرسل على طائفة من
بنى إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض
فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا
منه».
(١) في الأصل ((خليفة)) والصواب ما أثبته من بعض مصادر ترجمته، وتقدمت ترجمته
في رقم ٫٥
(٢) هو سالم بن أبى أمية المدنى، ثقة ثبت، وكان يرسل، مات سنة ١٢٩ هـ.
(٣) في ع والموطأ (أنه سمعه يسأل).
(٤) في الموطأ (ما) بدل (ماذا).
(٥) في ع ((سمع)).
(٦) قال ابن الأثير: هو بكسر الراء، العذاب والإثم والذنب، ورجز الشيطان وساوسه.
النهاية (٢٠٠/٢).
- ٧٢٥ -

قال مالك: قال أبو النضر: ((لا يخرجكم إلا فراراً(١) منه)) (٢) .:
٣٥٣ - حدثنا محمد بن عبد الله المرى، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا
على بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا
يحيى بن سلام(٣)، قال: وأخبرنى صاحب (٤) لى، عن الأعمش،
عن إبراهيم بن سعد بن مالك(٥) عن سعد بن مالك قال(٦): قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعون رجز(٧) وعذاب،
(١) كذا وقع في الأصل وصحيح البخارى (فرارا) بالنصب، وفي الموطأ (فرار) بالرفع،
وقد اختلف الرواة عن الإمام مالك في ذلك فوقع عند أكثر رواة الموطأ بالرفع، وهذا
لا إشكال فيه، وهو مطابق للرواية الأولى «فلا تخرجوا فرارا منه»، وأما الرواية
بالنصب فقد استشكلها العلماء وأجابوا عنها بعدة أجوبة. منها أنها زائدة، وتجوز
زيادتها كما تزاد «لا»، ووصف القاضى عياض هذا القول بأنه أقرب، وفي هذا وجميع
ما أجيب به تكلف ظاهر، ويمكن أن يقال في هذه الرواية: إنها خطأ من بعض الرواة،
كما وصف القاضي ما وقع لبعض الرواة ((لا يخرجكم إلافرار)) بأنه وهم ولحن. انظر
فتح البارى (٥٢٠/٦) وأيضا شرح النووي (١٤ /٢٠٧).
:
(٢) لا يوجد في ع ((قال مالك: قال أبو النضر :.. )) الخ، وانظر الحديث في موطأ الإمام
مالك، كتاب الجامع، باب ماجاء في الطاعون (٨٩٦/٢)، ومن طريق مالك أخرجه
البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء (٥١٣/٦ رقم ٣٤٧٣)، ومسلم في
صحيحه، كتاب السلام، باب الطاعون (١٧٣٧/٤ رقم ٩٢).
وأخرجه مسلم أيضا (برقم ٩٣) عن المغيرة، عن أبى النضر، و (برقم ٩٤) عن
سفيان، عن محمد بن المنكدر، كلاهما عن عامر بن سعد به.
(٣) في الأصل («أحمد بن سلام)) والتصويب مما تقدم برقم ١٣٥.
(٤) لم أهتد إلى معرفته.
(٥) هو إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص المدنى، ثقة، مات بعد المائة.
(٦) هو سعد بن أبى وقاص، الصحابي الجليل.
(٧) في ع «بقية رجز».
- ٧٢٦ -

عذب به من كان قبلكم، فإذا وقع بأرض، وأنتم بها فلا
تخرجوا منها، وإن وقع بأرض ولستم بها فلا تقدموا عليه» (١)
حدثنا سلمة(٢) بن سعيد، قال: حدثنا على بن عمر، قال: حدثنا
٣٥٤ _
أبو حامد محمد بن هارون الحضرمى، قال: حدثنا الأزهر بن
جميل(٣)، قال: حدثنا حاتم بن وردان(٤)، قال: حدثنا عبد
(١) لم أجد من أخرجه بهذا الإسناد، وفيه رجل مبهم، وهو الراوى عن الأعمش، ثم إن
الأعمش لم يذكر فيمن روى عن إبراهيم بن سعد ففيه انقطاع أيضا.
وقد أخرج الحديث من طريق الأعمش، مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب
الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (٤ /١٧٣٩ رقم ٩٧)، فزاد بينه وبين إبراهيم حبيب
بن أبي ثابت، وفيه: كان أسامة بن زيد وسعد جالسين يتحدثان، فقالا: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ... بنحو حديثهم، (أى الذين سبق تخريج رواياتهم عنده).
وأخرجه من طريق حبيب بن أبى ثابت، البخارى في صحيحه، كتاب الطب، باب ما
يذكر في الطاعون (١٧٨/١٠ رقم ٥٧٢٨)، ومسلم في المصدر المذكور له، والإمام
أحمد في مسنده (٢١٣/٥) بأوجه مختلفة، وعند البخارى: ((قال سمعت أسامة بن
زيد يحدث سعدا عن النبى صلى الله عليه وسلم»، ونحوه عند مسلم في إحدى
الروايات، وفيها قصة، ووقع في رواية أخرى عنده وعند الإمام أحمد ((عن سعد بن
مالك وخزيمة بن ثابت، وأسامة بن زيد، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ».
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك، وقال: ((وهذا الاختلاف لا يضر لاحتمال أن يكون
سعد تذكر لما حدثه به أسامة، أو نسبت الرواية إلى سعد لتصديقه أسامة، وأما
خزيمة فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد ذلك، فضمه إليها تارة،
وسكت عنه أخرى».
فتح البارى (١٨٢/١٠)
(٢) في الأصل (مسلمة)) والصواب ما أثبته، وقد تقدم غير مرة.
(٣) هو البصرى الشطى، صدوق يغرب، مات سنة ٢٥١ هـ.
(٤) هو أبو صالح البصرى، ثقة، مات سنة ١٨٤ هـ.
- ٧٢٧ -

الرحمن بن إسحاق(١)، عن الزهرى، عن عامر بن سعد، عن
زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا(٢) وقع بأرض
وأنتم بها فلا تخرجوا منها» (٣).
٣٥٥ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال:
حدثنا أبو إسماعيل الترمذى محمد (٤) بن إسماعيل، قال:
حدثنا الحسن بن سوار(٥)، قال: حدثنا هشام بن سعد(٦)، عن
الزهرى، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف(٧)، عن عبد
الرحمن(٨)، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(١) هو المدني، نزيل البصرة، ويقال له: عباد، صدوق رمي بالقدر.
(٢) في ع ((إن)) بدل ((إذا)).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٦٠/٥ - ١٦١ رقم ٤٨٩٧) من طريق أزهر بن
جميل به مثله.
وأورده الهيثمى بزيادة في أوله، وقال: ورجاله ثقات.
مجمع الزوائد (٣١٥/٢)
قلت: إسناده حسن، فيه أزهر بن جميل صدوق يغرب، وعبد الرحمن بن إسحاق
صدوق.
(٤) زاد في الأصل ((عن)) قبل ((محمد)) وهو خطأ، لأن أبا إسماعيل هو نفسه محمد بن
إسماعيل، وقد ذكره المزى في قائمة الرواة عن الحسن بن سوار.
. انظر: تهذيب الكمال: (٢٦٣/١).
(٥) هو أبو العلاء المروزى، صدوق.، مات سنة ٢١٦ هـ.
(٦) هو المدنى، أبو عباد أو أبو سعد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، مات سنة
١٦٠ هـ.
(٧) هو المدنى، ثقة، مات سنة ١٠٥ هـ.
(٨). في ع «عبد الرحمن بن عوف)) وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
-٧٢٨ -

((إذا سمعتم به بأرض ولستم بها فلا(١) تدخلوها، وإذا (٢) وقع
وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه)) (٣).
٣٥٦ - حدثنى على بن أبى بكر، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا
عيسى وأحمد، قالا: حدثنا سحنون، عن ابن القاسم، عن
مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٤)، أن
عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، فلما بلغ سرغ (*) بلغه أن
الوباء (٦) وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم به بأرض فلا
تقدموا عليه، وإذا (٧) وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا
(١) كلمة (فلا) تكررت في الأصل.
(٢) في ع ((إن)) بدل ((إذا)).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٩٤/١) عن الحسن بن سوار به مثله.
وصحح أحمد شاكر إسناده في تعليقه على المسند (٣ /١٤٠ رقم ١٦٨٤).
قلت: وقد روي نحوه من حديث عبد الرحمن في سياق قصة في الصحيحين وغيرهما،
وستأتي الإشارة إليه في الرقم الآتى.
(٤) هو أبو محمد المدنى، ولد على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، وثقه العجلى، مات
سنة بضع وثمانين.
(٥) هى بفتح الراء وسكونها: قرية بوادى تبوك، بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة،
كذا في معجم البلدان (٢١٢/٣). وتقع في الوقت الحالى على مائة وسبعة عشر كيلا
إلى شمال الشمال الغربى من تبوك.
انظر: في شمال غرب الجزيرة (ص ٤٤٤)
(٦) وقع في بعض الروايات الأخرى ((الطاعون)) بدل ((الوباء)» وليس بينهما تعارض، فإن
كل طاعون وباء ووجع من غير عكس.
أفاده الحافظ ابن حجر في فتح البارى (١٨٥/١٠).
(٧) في ع ((إن)) بدل ((إذا)).
- ٧٢٩ -

.-
منه))، فرجع عمر بن الخطاب من سرغ (١).
٣٥٧ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،
قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا سليمان بن
حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة قال:
وقع الطاعون بالشام، فقال عمرو بن العاص: ((إن هذا الرجز
قد وقع، فتفرقوا عنه» فقام معاذ، فقال: ((بل هو شهادة ورحمة
ودعوة نبيكم عليه السلام))(٢).
(١) في ع ((عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) وانظر الحديث في الموطأ للإمام مالك، كتاب
الجامع، باب ماجاء في الطاعون (٨٩٦/٢ رقم ٢٤)، وأخرجه من طريق مالك،
البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب مايذكر في الطاعون (١٠ /١٧٩ رقم ٥٧٣٠)
عن عبد الله بن يوسف، وكتاب الحيل، باب مايكره من الاحتيال في الفرار من
الطاعون (١٢ /٣٤٤ رقم ٦٩٧٣) عن عبد الله بن مسلمة،
ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها
(٤ /١٧٤٢ رقم ١٠٠)، عن يحيى بن یحیی،
كلهم عن مالك به، ولا يوجد عند البخارى في الموضع الأول الجملة الأخيرة أى
((فرجع عمر .. )) وهذا الحديث مختصر جدا، ورواه مالك مطولا من حديث ابن عباس
في سياق قصة طويلة فيها ذكر لرجوع عمر بن الخطاب مع الناس من سرغ حينما
سمع بالطاعون في الشام، بعد استشارته في ذلك كبار الصحابة، وإخبار عبد
الرحمن بن عوف إياه بالحديث.
انظر: الحديث بكامله في موطأ الإمام مالك (٨٩٤/٢)، وصحيح البخارى (رقم
٥٧٢٩)، وصحيح مسلم (رقم ٢٢١٩).
(٣) تقدم بنفس السند والمتن برقم ٩، وفيه زيادة قول أبى قلابة ((فلم أدر مادعوة نبيكم؟
- حتى بلغنى الحديث ... )» الخ.
وتقدم أن هذا الإسناد منقطع، لأن أبا قلابة لم يدرك معاذا، وقد ثبت من طرق
أخرى أصح منه أن هذه المراجعة وقعت بين عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة
=
- ٧٣٠ -

= وأما قوله ((بل هو شهادة ورحمة))، فقد ثبت ذلك في بعض الأحاديث المرفوعة، فورد
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الطاعون شهادة لكل مسلم)).
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون (١٠ / ١٨٠ رقم
٥٧٣٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء (١٥٢٢/٣ رقم
١٦٦)، من حديث أنس، وجاء في أحاديث أخرى صحيحة، أن من مات في الطاعون
فهو شهيد، راجع المصدرين السابقين.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: ((الطاعون كان عذابا يبعثه الله على
من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين ... )) الحديث أخرجه البخارى، في باب أجر
الصابر على الطاعون (١٩٢/١٠ رقم ٥٧٣٤)، والإمام أحمد في مسنده (٦٤/٦)
من حديث عائشة.
وأما المراد من قوله ((دعوة نبيكم عليه السلام)) فتقدم في الرقم المشار إليه من قول
أبى قلابة مايوضحه.
التعليق:
لما أشار المؤلف في البابين السابقين إلى بعض الأنواع من العقوبات التى يعذب
بها الله تعالى بعض الأمم والشعوب على خروجها عن حدوده، وعلى ارتكابها للمعاصى
المنكرة عقد هذا الباب ليبين أن الطاعون أيضا مما يعاقب به الله تعالى العاصين
من عباده على بعض المعاصى، ولا سيما على ارتكاب الفاحشة(١)، وقد سماه النبى
صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول والثانى من هذا الباب رجزا وعذابا.
واختلف أهل اللغة والفقه وعلماء الطب القديم في وصف الطاعون وأسبابه، والنسبة
التى توجد بينه وبين الوباء، وقد أورد الحافظ ابن حجر الكثير من أقوالهم، ثم
استخلص منها فقال: ((والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب
الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء =
(١) تقدم بعض الأحاديث في ذلك في الباب الذى قبل السابق، وانظر أيضا فتح البارى
(١٩٣/١٠).
- ٧٣١ -

= يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت)»(١)، ومما
يجدر بالذكر هنا أنه ورد وصف الطاعون على لسان النبى صلى الله عليه وسلم فيما
روته عائشة الصديقة بأنه غدة كغدة البعير(٢)، وفي رواية أخرى عنها ((يشبه الدمل
يخرج في الآباط والمراق .. )»(٣)، وهذا الوصف موافق لما وصفه به الطب الحديث، كما
صرح به الدكتور محمود ناظم النسيبى، إذ ذكر الأنواع الثلاثة للطاعون (الدبلى،
والانثانى والرئوى) ثم قال: ((إن معظم إصابات الطاعون في وبائه تترافق بالتهاب
العقد البلغمية وضخامتها، ولذا فإن الذى يلفت الانتباه إلى تشخيص الطاعون
سريريا (قديما وحديثاً) هو وجود وباء يتصف بضخامة العقد البلغمية والتهابها)).
وأورد بعده حديث عائشة بالروايتين، وأشار إلى انسجام وصفى الطاعون في
الحديث والطب الجديد (٤).
وقد استدرك الحافظ ابن حجر أثناء نقله عن الأطباء وغيرهم ممن تكلموا في وصف
الطاعون أنهم لم يتعرضوا لأصل الطاعون، وهو أنه من وخز الجن وطعنهم، كما
ثبت ذلك بأحاديث عديدة، منها حديث أبى موسى الأشعرى مرفوعا: ((فناء أمتى
بالطعن والطاعون، فقيل: يارسول الله! هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال:
وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة» (٥)
(١) المصدر السابق (١٠ /١٨٠ - ١٨١).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٤٥/٦، ٢٥٥) والغدة: كل عقدة في الجسد أطاف بها
شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب. انظر لسان العرب (٣٢٣/٣).
(٣) رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (٣٩٦/٣ رقم ٣٠٤١) وأورده الهيثمى
من رواية أحمد والبزار وغيرهما وقال: «رجال أحمد ثقات وبقية الأسانيد حسان».
انظر مجمع الزوائد (٣١٥/٢) وأيضا صحيح الجامع الصغير (١٨/٤ رقم ٣٨٤١،
٣٨٤٣) والمراق: مارقّ من أسفل البطن ولان. النهاية (٣٢١/٤).
(٤) الطب النبوى والعلم الحديث (٣٨٠/٢ - ٢٨٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٩٥/٤، ٤١٧) من طرق، وهو صحيح كما في:
صحيح الجامع الصغير (٤ /٩٠ - ٩١ رقم ٤١٠٧).
- ٧٣٢ -

= وذكر أن هذا لا يخالف ماقاله الأطباء وغيرهم لأنه يجوز أن يحدث ماقالوه من
هيجان الدم أو انصبابه بسبب تلك الطعنة الباطنة التى تكون من الجن، ورد على
من ذهب لأجل الحديث المذكور إلى تقسيم الطاعون إلى قسمين، قسم يكون بسبب
وخز الجن، وقسم يكون من غير سبب يكون من الجن، فقرر أن الطاعون لا يكون
إلا من وخز الجن، وذكر أن مما يؤيد ذلك وقوعه غالبا في أعدل الفصول، وفي أصح
البلاد هواء وأطيبها ماء، ولو كان بسبب فساد الهواء كما يقول الأطباء لدام في
الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى .. )) (١).
وقد رأى من المعاصرين الدكتور محمود ناظم النسيبى في هذا الحديث إذا حمل على
معناه الحقيقى مخالفة للواقع والحقيقة العلمية، مما جعله أوّل الحديث بالمعنى
المجازي، فقال بعد أن برهن في رأيه على وجود الصارف من الواقع عن إرادة المعنى
الحقيقى للحديث من عدة أوجه: ((أما المعنى المجازى الذى أرجح فإنه حاصل من
وجود تشبيه بليغ ، حذفت من التشبيه الأداة ووجه الشبه ، فالمعنى: وخز أعدائكم
أمثال الجن في الخفاء عن الأنظار، أى أن هناك مخلوقات تدق عن أبصاركم عدوة
لكم تسبب لمن تخزه وتؤذيه الطاعون .. »، ثم قرر بأن هذه الأعداء هى نوع من
الجراثيم العصوية المعروفة بـ ((عصيات يه رسن)) تكون في البدء في الجرذان
المطعونة، ومنها تنقلها البراغيث إلى الإنسان، وتختفى تلك البراغيث عن أنظارنا في
الشقوق وفي التراب وفي طيات الكتب، فما البراغيث الواخزة للإِنسان ولا جراثيم
الطاعون الداخلة إلى جسمه من الوخزة غالبا إلا أعداء لنا منها مالا نراه بالعين
المجردة، كالجن، ومنها ما يختفى(٢).
قلت: قد يحتمل الحديث هذا المعنى، إلا أن تعيينه بدعوى المخالفة لما توصل إليه
الطب الجديد فيه نظر، كما أن تسمية ماوصل إليه الطب الجديد بالحقيقة العلمية
فيها نظر، لأن هذه الأشياء مجرد نظريات قد تنتقض في الأيام المقبلة، كما هو =
(١) فتح البارى (١٨٠/١٠ - ١٨١)، وانظر أيضا بذل الماعون (ق ٩/أ).
(٢) الطب النبوى والعلم الحديث (٣٨٦/٢ - ٣٩٠).
-٧٣٣ -

= المشاهد في غيرها من النظريات.
وسبق أن ذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم سمى الطاعون في بعض أحاديث الباب
رجزا وعذابا، فهو كان كذلك بالنسبة للأمم السابقة من بنى إسرائيل وغيرهم، ولكن
الله تعالى عظمت رحمته، جعله لهذه الأمة رحمة وشهادة، ويدل على ذلك ما أورده
المؤلف من قول معاذ بن جبل: «بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم صلى الله عليه
وسلم) وهناك من الأحاديث المرفوعة ما يشهد له (١)، وقد تقرر فيما سبق أن الطاعون
قد يقع عقوبة بسبب فاحشة تنتشر بين الناس فكيف يكون شهادة؟
وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر وأجاب عنه بقوله: «ويحتمل أن يقال: بل تحصل
له درجة الشهادة لعموم الأخبار الواردة .. ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن
اجترح السيئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة، لأن درجات الشهداء متفاوتة
كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا مقبلا
غير مدبر، ومن رحمة الله بهذه الأمة المحمدية أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولا
ينافى ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر
تلك الفاحشة، وإنما عمّهم - والله أعلم - لتقاعدهم عن المنكر)» وذكر كلاما طويلا بدل
على أن الشهادة قد تحصل للعصاة من المؤمنين، وأن الشهادة معناها أن الله تعالى
يثيب من حصلت له ثوابا مخصوما ويكرمه كرامة زائدة، مما يدل على أن الطاعون
قد يقع للناس عقابا لهم ويكون في الوقت نفسه شهادة لهم، والله أعلم(٢).
۔۔۔
(١) انظر ما تقدم تحت رقم ٣٥٧، وراجع أيضا شرح النووى لصحيح مسلم
(١٤ /٢٠٤).
(٢) فتح البارى (١٩٣/١٠)، وانظر أيضا بذل الماعون (ق ١٩ / ب)، (ق ٣٤/ ب -
٣٥/ ب).
- ٧٣٤ -

٥٨ - باب من رأى أن يخرج من الطاعون
٣٥٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قال: حدثنا يوسف
بن يعقوب النجيرمى، قال: حدثنا الحسن(١) بن المثنى، قال:
حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا يحيى
بن سعيد: أن القاسم بن محمد سئل عن الطاعون يقع
بأرض، أيتنحى عنه؟ قال: ((نعم، إلا أن يكون غازيا(٢)).
٣٥٩ - حدثنا ابن خالد، قال: حدثنا أبو الطيب عبد الرحمن بن
محمد بن شيبة، قال: حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب،
قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن الحكم
وإسماعيل قالا: ((كان مسروق يخرج من الطاعون))(٣).
(١) في الأصل ((الحسين)» والصواب ما أثبته، وقد تقدم في رقم ٤٤.
(٢) لم أهتد إلى من رواه غير المؤلف، وهو صحيح من حيث الإسناد.
(٣) لم أهتد إلى من وراه.
وقد ذكر مسروق ضمن القائمين بجواز الخروج من بلد الطاعون في فتح البارى
(١٨٨/١٠)، وبذل الماعون (ق ٨٩ / ب).
التعليق:
جاء عقد المؤلف لهذا الباب بالمناسبة وهى أنه لما أورد في الباب السابق الأحاديث
التى وردت في النهى عن القدوم على بلد الطاعون وعن الخروج منه، عقد هذا الباب
للإشارة إلى أن المسألة خلافية بين علماء السلف، وأحاديث الباب السابق تدل على حرمة
الخروج من أرض وقع بها الطاعون فرارا منه، وكذا الدخول في أرض وقع بها الطاعون،
لأن الأصل في النهى التحريم، وهذا هو مذهب الكثير من أئمة السلف، ولكن خالفهم
البعض في ذلك، فقالَ الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث ابن عباس: ((وفي هذا الحديث
جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما =
- ٧٣٥ _

= هى من منع الإلقاء إلى التهلكة ... )).
ثم ذكر أن قوما زعموا أن النهى عن ذلك إنما هو التنزيه وأنه يجوز الإقدام على أرض
فيها الطاعون لمن قوي توكله وصح يقينه، وتمسكوا في ذلك بما صح عن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه من أنه ندم على رجوعه من سرغ(١).
وقد أجاب عنه القرطبى بأن ذلك لا يصح عن عمر، وقال: ((وكيف يندم على فعل ما أمر به
النبى صلى الله عليه وسلم ويرجع عنه ويستغفر منه»؟؟(٢).
ولكن السند بذلك إلى عمر بن الخطاب صحيح ثابت فلا يستحسن رده مع إمكان الجمع
فيقال: إن سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد.
المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب منه إلى أن يرتفع عنه الطاعون، فيدخل
إليها ويقضى حاجة المسلمين))(٣).
هذا بالنسبة للقدوم على البلد الذى فيه الطاعون، وأما الخروج منه فذهب إلى جوازه
جماعة من الصحابة منهم أبو موسى الأشعرى والمغيرة بن شعبة، وأما التابعون فمنهم
الأسود بن هلال ومسروق، وذهب جماعة أخرى إلى أن النهى فيه للتنزيه، فيكره الخروج
ولا يحرم(٤)، ولكن الصواب هو ما تقدم أولا أى أنه يحرم القدوم على بلد فيه الطاعون،
وكذلك يحرم الخروج منه فرارا. وأما الخروج لعارض فلا بأس به، هذا هو مذهب
الجمهور، وهو الذى قرره النووى وغيره.(٥).
وقد ترجم ابن خزيمة في صحيحه بأن الفرار من بلد الطاعون من الكبائر، وأن الله يعاقب
من وقع منه ذلك مالم يعف عنه(٦).
(١) رواه ابن أبى شيبة في مصنفه، ذكره ابن حجر وقوى سنده.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر.
(٣) فتح الباري (١٠ /١٨٧).
(٤) المصدر السابق (١٨٨/١٠) وانظر أيضا شرح النووى لصحيح مسلم (١٤/ ٢٠٥
- ٢٠٦).
(٥) انظر شرح النووى (١٤ /٢٠٧)، وتحفة الأحوذي (١٦٠/٢ - ١٦١).
(٦) انظر بذل الماعون (ق ٤٥ / ب).
- ٧٣٦ -

= وأما الحافظ ابن حجر فذهب إلى التوفيق بين الأقوال، إذ ذكر في المسألة ثلاث صور،
إحداها: أنه خرج لقصد الفرار محْضا، فهذا يتناوله النهى لا محالة، والثانية: أنه خرج
لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا، فهذا لا يدخل في النهى.
والثالثة: أنه عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من
الإقامة بالبلد التى وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع، ومن جملة هذه الصورة أن تكون
الأرض التى وقع بها وخمة، والأرض التى يريد التوجه إليها صحيحة فيتوجه بهذا
القصد، فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفا، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في
الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا لأنه لم يتمحض للفرار،
وإنما هو لقصد التداوى (١)
وأما هذا النهى فذهب بعض أهل العلم إلى أنه أمر تعبدى لا يعقل معناه، والأولى فيه
التسليم وامتثال ما أمر به الشارع، ولكن أكثرهم ذهبوا إلى تعليله، فذكروا له عدة علل،
منها أن الإقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وأما الفرار فقد يكون
داخلا في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه، فأمرنا الشارع بترك
التكلف في الحالتين حكاه ابن دقيق العيد (٢)
والحقيقة أن الإسلام قد سبق بهذا النهى إلى أفضل وسيلة يراها الطب الحديث للوقاية
من سراية الأمراض المعدية بإذن الله، ألا وهى وسيلة العزل والحجر، وذلك عند مانهى
عن القدوم على منطقة الوباء، وعن الخروج منها، فلا دخول إليها لئلا يتعرض الداخل
للعدوى، ولا خروج منها فرارا خشية أن يكون السليم ظاهرا من حملة جراثيم ذلك الوباء
أو من حملة الحشرات الناقلة لجراثيمه، كالبراغيث المصابة بجراثيم الطاعون، فيكون
واسطة لنقل الوباء إلى منطقة أخرى، وبهذا خطط النبى صلى الله عليه وسلم طريق
الوقاية وسبيل الحجر الصحى قبل اكتشاف الجراثيم وتعيين مدة حضانة الأمراض
(١) فتح البارى (١٨٨/١٠) وانظر أيضا بذل الماعون (ق ٤٥ / ب - ٥٠ / ب).
(٢) ذكر عنه مع أقوال أخرى الحافظ ابن حجر في فتح البارى (١٨٩/١٠ - ١٩٠)
وبذل الماعون (ق ٥٠/ ب).
- ٧٣٧ -

= السارية والوبائية بأربعة عشر قرنا وزيادة(١).
ومما ينبغى معرفته هنا أنّه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طيرة))
كما ثبت عنه قوله: ((فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد))(٢) والحديث الذى ورد في النهى
عن الخروج من وإلى أرض الطاعون من هذا القبيل، وقد وفق أهل العلم بين هذه
الأحاديث بمختلف الأوجه، وأحسنها ماجمع به الحافظ ابن حجر حيث ذكر أن الأصل
الاعتقاد بأنه لا عدوى ولا طيرة، وهو الذى يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يعدى
شىء شيئا))(٣) وغيره من الأحاديث، وأما أمره باجتناب بعض الأمراض الخطيرة مثل
الجذام والبرص وغيرهما فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذى يخالطه شىء من
ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد
صحة العدوى فيقع في الخرج، فأمر بتجنبه حسما للمادة - والله أعلم(٤).
(١) راجع للتفصيل: الطب النبوى والعلم الحديث (٣٨١/٢ - ٣٨٤).
(٢) روى البخاري في صحيحه (١٥٨/١٠ رقم ٥٧٠٧) كلا الحديثين في سياق واحد
من حديث أبى هريرة مرفوعا.
(٣) رواه الترمذى في سننه (٤ /٤٥٠ رقم ٢١٤٣).
(٤) انظر للتفصيل: نزهة النظر (ص ٣٨) وفتح البارى (١٥٩/١٠ - ١٦٣).
- ٧٣٨ -
۔۔

٥٩ - باب قول النبى وَ له :
((لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين»
وأنها لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يزال فيها
من إذا سئل وفق(١) ونحو ذلك
٣٦٠ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد ابن
أبى رافع، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا عارم
بن الفضل(٢)، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى
قلابة، عن أبى أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((لا(٣) تزال طائفة من أمتى على الحق
ظاهرين(٤)، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله))(٥).
(١) أسلوب المؤلف في الترجمة يدل على أن قوله «وأنه لا يزال فيها من إذا سئل وفق»
أيضا مما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم، مع أن ذلك لم يرد من قوله صلى
الله عليه وسلم فيما أعلم،
وقد أورد المؤلف في هذا الباب من قول معاذ بن جبل مايدل على هذا المعنى، وهو
الآتي برقم ٣٦٣، ولم يرو حديثا مرفوعا.
(٢) هو محمد بن الفضل، أبو الفضل البصرى، وعارم لقبه، ثقة ثبت، تغير في آخر عمره،
مات سنة ٢٢٣ هـ.
(٣) في جزء أحاديث السختيانى ((لن)).
(٤) في جزء أحاديث السختياني لا توجد كلمة ((ظاهرين)).
(٥) انظر الحديث في جزء أحاديث أيوب السختيانى (ق ٣٦/ب)، وأخرجه مسلم في
صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتى ... ))
(١٥٢٣/٣ رقم ١٧٠)، وأبوداود في سننه، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن
ودلائلها (٤ /٤٥٠ - ٤٥٢ رقم ٤٢٥٢) في سياق طويل، والترمذى في سننه، كتاب =
-٧٣٩ -

٣٦١ - حدثنا أبو الربيع ابن داود، قال حدثنا ابن أبى رافع، قال:
حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أبى أسماء، عن
ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة
من أمتى على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى
يأتي أمر الله))(١).
٣٦٢ - أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
زياد، قال: حدثنا إبراهيم بن صالح الشيرازى(٢)، قال: حدثنا
عمرو بن حكام(٣)، قال: حدثنا شعبة، عن داود بن أبى هند،
= الفتن، باب ماجاء في الأئمة المضلين (٥٠٤/٤ رقم ٢٢٢٩) من طرق عن حماد بن
زيد به مثله، إلا أن مسلما زاد في بعض رواياته في آخر الحديث ((وهم كذلك)).
والحديث مخرج عند غيرهم أيضا، كما أنه مروى عن عديد من الصحابة، وحديث
بعضهم في الصحيحين، راجع للتفصيل: الأحاديث الصحيحة للألبانى (٤ /٥٩٩
رقم ١٩٥٧) وصحيح الجامع الصغير (١٤٥/٦ - ١٤٧)، ورواه نعيم بن حماد في
الفتن (ق ١٦٩ / ب رقم ١٧١٠) عن بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبى حكيم، عن
مكحول، عن معاوية مرفوعا.
(١) رواه المؤلف بنفس السند والمتن في المكتفى (ص ٢٠٢) وهو في جزء أحاديث أيوب
السختيانى (ق ٣٦/ب) إلا أنه ورد فيه مطولا، وتقدم برقم ٤.
وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٧٨/٥) عن سليمان بن حرب به مثله - مطولا
- وهو حديث صحيح.
(٢) في المعجم لابن الأعرابى زيادة قوله ((بالبصرة)) بعد ((الشيرازى)) وإبراهيم بن صالح
لم أجد ترجمته.
(٣) في الأصل ((عمر)) والتصويب من معجم ابن الأعرابى، قال البخارى: ليس بالقوى
عندهم، ضعفه على بن المدينى، وأورده العقيلى وغيره في الضعفاء، وقال ابن عدي:
عامة مايرويه عمرو بن حكام غير متابع عليه إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه.
- ٧٤٠ -