Indexed OCR Text
Pages 461-480
= كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في الجسم» ذكره الحافظ ابن حجر، وقال: ((وكأنه يريد أن النهى عن تمنى الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا، وقد ذكره عياض احتمالا))(١). وبنحوه أجاب القرطبى عن الحديث، فقال: ((وأما الحديث فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدة ماينزل بالناس من فساد الحال في الدين وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرر ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله مما يحبط به عنه خطاياه)»، ثم استدل على هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء له: «اللهم إنى أسالك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت - ويروى أدرت - في الناس فتنة، فاقبضنی إليك غیر مفتون»(٢). وهناك قول آخر: وهو أنه ليس بين هذا الخبر وحديث النهى عن تمنى الموت معارضة، لأن النهى صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة تحصل ينشأ عنها هذا التمنى، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإِخبار عما سيقع» ذكره ابن حجر دون تصريح بمن قاله، ثم عقب عليه بقوله: «ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: ((وليس به الدين إنما هو البلاء)»، فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا، ويؤيده ثبوت تمنى الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف»(٣). وأما ابن كثير فذهب إلى القول بجواز سؤال الوفاة عند حلول الفتن مطلقا دون تفصيل، واستدل على ذلك بالحديث السابق الذى ورد فيه: («وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون» (٤). = (١) فتح البارى (٧٥/١٣). (٢) التذكرة للقرطبى (ص ١٣)، وأما الحديث فهو عند الترمذى في سننه (٣٦٦/٥ - ٣٦٧ رقم ٣٢٣٣) وله طرق. (٣) فتح البارى (١٣/ ٧٥). (٤) النهاية (الفتن والملاحم) (٣٧/١ - ٣٨). - ٤٦١ - = ولعل الصواب من هذه الأقوال هو ماتقدم أولا عن ابن عبد البر وغيره، وقد فعل ذلك جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم. كما سبق بيانه، وهو الذى اختاره النووى حيث قال عند الحديث السابق في النهى عن تمنى الموت: ((فيه التصريح بكراهة تمنى الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررا في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره، وقد فعل هذا الثانى خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم»(١). : وكذا ذهب إلى اختياره الحافظ ابن حجر في موضع آخر حيث اكتفى بذكره، واستدل عليه بما جاء عند ابن حبان: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدينا)» على أن في هذا الحديث سببية أي بسبب أمر من الدنيا»(٢) (١) شرح النووى لصحيح مسلم (٧/١٧ -٨). (٢) فتح البارى (١٢٨/١٠)، وأما الحديث فانظره في الإحسان (١٥٧/٢ - ١٥٨ رقم ٩٦٤) ولا يوجد فيه (في الدنيا». - ٤٦٢ - ٣٢ - باب النية في الفتنة، ومن أفاد منها مالا ١٨٢ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله التاجر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن صالح، قال: حدثنا محمد بن هارون ( ....... )(١) قال: حدثنا معمر بن سهل(٢)، قال: حدثنا عامر بن مدرك (٢)، عن السرى بن إسماعيل(٤)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المرأ مع من أحب »(٥). (١) طمس في الأصل مقدار كلمة في مكان البياض، ولعله («الزرقى))، ومحمد بن هارون لعله محمد بن هارون بن موسى بن يعقوب أبو موسى الأنصارى الزرقى، ذكره الخطيب وقال: ((وكان أحد الثقات، كتب الناس عنه لستره وثقته))، توفي سنة ٢٩٣ فـ. تاريخ بغداد (٣٥٤/٣ - ٣٥٥). (٢) هو أهوازى، ذكره ابن حبان في الثقات (١٩٦/٩) وقال: شيخ متقن يغرب. (٣) ابن أبى الصفيراء، ذكره ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل (٣٢٨/٦)، ونقل عن أبيه أنه قال: ((هو شيخ)». (٤) هو الهمدانى الكوفى ابن عم الشعبى، ولي القضاء، وهو متروك الحديث، من السادسة. (٥) لم أجد من أخرجه بهذا السند مختصرا هكذا، وقد أخرجه البزار في مسنده (كما في كشف الأستار ٢٣٠/٤ رقم ٣٥٩٧) عن أحمد بن إسحاق، ثنا عامر بن مدرك به في سياق طويل، ولفظه: «أتى النبى صلى الله عليه وسلم أعرابى، فقال: يامحمد! إنى لأحبك - أحسبه قال - : والله إنى لأحبك، ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا الحالف على ماحلف؟ فقال الرجل: أنا يارسول الله! فقال: انطلق فأنت مع من أحببت، وعليك ما اكتسبت، ولك ما احتسبت)) وهو ضعيف لأجل السرى بن إسماعيل كما في مجمع الزوائد (١٠ / ٢٨٠)، ولكن = -٤٦٣ - ١٨٣ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبد الله بن عمرو الجريري(١)، عن زيد بن أبي أنيسة(٢)، عن عمرو بن مرة (٢)، الحديث مروي من طرق أخرى صحيحة، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، = باب علامة الحب في الله (٥٥٧/١٠ رقم ٦١٦٨، ٦١٦٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب المرء مع من أحب (٢٠٣٤/٤ رقم ١٦٥)، والإمام أحمد في مسنده (٣٩٢/١) من طرق عن الأعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبى صلى الله عليه وسلم مختصرا مثله، ومطولا، جاء فيه: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله! كيف ترى في رجل أحب قوما، ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره. كما أن الحديث مروي عن أبى موسى الأشعرى وأنس وعلى وصفوان بن عسال وأبى هريرة وغيرهم بنفس السياق وبسباقات أخرى. راجع الصحيحين، ومسند الإمام أحمد (١٠٤/٣، ١١٠، ١٥٩ وأماكن أخرى كثيرة)، وسنن الترمذى (٥٩٥/٤ - ٥٩٦)، وتحفة الأحوذي (٢٨١/٣)، وقال الحافظ ابن حجر: ((قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه «كتاب المحبين مع المحبوبين» وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين)». فتح البارى (٥٦٠/١٠). (١) كذا في الأصل ((عبد الله بن عمرو الجريرى))، ولعل الصواب ((عبيد الله بن عمرو الرقى» لأنه هو الذى ذكره المزى في مشايخ على بن معبد، وكذا ذكره فیمن روى عن زيد بن أبى أنيسة. انظر تهذيب الكمال (٩٩٢/٢،٤٤٨/١). (٢) هو الجزرى، أبو أسامة، ثقة له أفراد، مات سنة ١١٩ هـ. (٣) هو المرادى، أبو عبد الله الكوفى الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإِرجاء، مات سنة ١١٨ هـ. - ٤٦٤ - ۔۔ : عن القاسم بن عبد الرحمن(١)، قال: قال ابن مسعود: ((تكون أعمال، من رضيها ممن غاب عنها فهو كمن شهدها، ومن كرهها ممن شهدها فهو كمن غاب عنها))(٢). ١٨٤ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: نا بقية، عن محمد بن عبد الرحمن(٣)، عن الأعمش، عن زاذان أبى عمر(٤)، عن أبي (١) هو المسعودى، أبو عبد الرحمن الكوفى، ثقة عابد، مات سنة ١٢٠ هـ. (٢) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ٦٨ / أ رقم ٧٤٣)، وابن أبى شيبة في المصنف (١١٧/١٥) من طريق مالك بن مغول، عن القاسم بن عبد الرحمن به نحوه. ووقع عند نعيم بن حماد شك في الإسناد، فإنه قال: ((عن القاسم بن عبد الرحمن أو عون بن عبد الله». ورواه نعيم بن حماد (رقم ٧٤٢)، والطبرانى في المعجم الكبير (٢٠١/٩ رقم ٨٨٨٨) من طريق المسعودى، عن عون بن عبدالله، عن ابن مسعود نحوه، وعند الطبرانى أن عون بن عبد الله ذكره لعمر بن عبد العزيز فأعجبه. وكلا الإسنادين موقوف، وفي كل منهما انقطاع لأن القاسم وعونا لم يدركا عبد الله بن مسعود، وفي الإسناد الثانى علة أخرى، وهى أن المسعودى اختلط. انظر: مجمع الزوائد (٢٩٠/٧)، وتهذيب التهذيب (٣٢١/٨). وله إسناد ثالث عند أبى بكر الشافعى رواه في الغيلانيات (ص ٢١٨) بسنده عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن زبيد بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود نحوه. كما أنه روي من طريق آخر مرفوعا، أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهى (٤ /٥١٥ رقم ٤٣٤٥) من حديث العرس بن عميرة الكندى، وصرح الألبانى في تعليقه على المشكاة (١٤٢٢/٣ رقم ٥١٤١) بأن إسناده حسن. (٣) هو القشيرى الكوفى، قال فيه ابن عدى: منكر الحديث، وقال أيضا: مجهول، وقال الدارقطنى في غرائب مالك: متروك الحديث .. انظر الكامل (٢٢٦١/٦)، ولسان الميزان (٢٥٠/٥). (٤) هو الكندى البزاز، ويكنى أبا عبد الله أيضا، صدوق، يرسل، وفيه شيعية، مات سنة ٨٢ هـ. -٤٦٥ - هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصاب دينارا أو درهما في فتنة طبع الله على قلبه بطابع النفاق حتى يؤديه )»(١). حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا الأعناقي، ١٨٥ - قال: حدثنا أبو الفتح(٢)، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أحمد بن أبي أحمد القيسى(٣)، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر(٤) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون فتنة لاينجو منها إلا من لم يصب منها شيئا، فمن أصاب من مالها كمن أصاب من دمها )»(٥). (١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٢٢٦١/٦) من طرق عن هشام بن خالد الأزرق، ثنا بقية، حدثنى محمد - يعنى القشيرى - به مثله. وأورده الهندى في كنز العمال (١٨٧/١١) وعزا تخريجه إلى الديلمى. وأورده الذهبى في ميزان الاعتدال (٦٢٣/٣ - ٦٢٤) من هذا الطريق - أى من طريق هشام - إلا أنه قال في المتن: ((أظنه قال: من الغنيمة .. )) وهو ضعيف، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن القشيرى قيل فيه: متروك الحديث. (٢) هو نصر بن مرزوق. (٣) لم أهتد إلى من ترجم له. (٤) في الأصل ((عبد الله بن أبى جعفر)»، والتصويب من ع والفتن لنعيم بن حماد، وهو المذكور في مشايخ ابن لهيعة، وهو أبوبكر الفقيه المصرى، ثقة وكان فقيها عابدا، ونقل عن أحمد أنه لينه، مات سنة ١٣٢ هـ. انظر تهذيب الكمال (٧٢٧/٢) .. (٥) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ٣٤ / ب رقم ٣٦٩) من طريق آخر عن ابن لهيعة به. وهو مرسل، لأن عبيد الله بن أبى جعفر من صغار التابعين، وهو أيضا ضعيف لأجل ابن لهيعة. -٤٦٦ - التعليق: عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب وترجم له بقوله «باب النية في الفتنة، ومن أفاد منها مالا)) فهو يشتمل على أمرين، أولهما: أمر النية في الفتنة. والثانى: أمر من أخذ من الفتنة مالا. وأورد في الأمر الأول حديثين، أحدهما مرفوع، والثانى: موقوف، أما الحديث المرفوع فهو ((المرء مع من أحب)) واستدل به المؤلف على أن الأصل في الأمور النية، والأعمال تابعة لها. فإن المحبة من أعمال القلوب، فإذا أخلصها الرجل لشخص أثيب عليه بأنه سيكون معه في الآخرة. إن أخلصها للأخيار يكون معهم، وإن أخلصها للأشرار يكون معهم، ومما يستدل به على أهمية النية الحديث المعروف الذى رواه البخارى في مستهل كتابه بسنده عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مرفوعا: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إلیه»(١). وجاءت أهمية النية لأنها تميز العمل لله عن العمل لغيره، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة، كالصوم عن الحمية(٢). ولما رأينا المؤلف في الأبواب السابقة أنه قرر في ضوء الأحاديث والآثار عدم الخوض في الفتنة لا بالسلاح والعتاد ولا باللسان أراد أن يقرر في هذا الباب عدم الدخول فيها بالنية بأن يوالي البغاة والظالمين والمثيرين لها ويرجو لهم الغلبة، فإنه إذا فعل ذلك يكون حسابه معهم على ماجاء في الحديث الذى أورده المؤلف فلا ينبغى للرجل المسلم أن يميل إلى المبطلين والمثيرين للشغب والفتنة، ولا يقر أعمالهم المخالفة للإسلام، لا باللسان ولا بالقلب. لأنه لو أقرها ورضي بها ولو بالقلب يكون كواحد ممن باشرها وعمل بها، وهذا هو المعنى للحديث الثانى الذى أورده المؤلف عن ابن مسعود موقوفا، ويؤيده حديث أبى سعيد الخدرى الذى بين فيه النبى صلى الله عليه وسلم المراحل التى تجب مراعاتها عند = (١) انظر صحيح البخارى (٩/١ رقم ١)، وهو أيضا في صحيح مسلم (١٥١٥/٣ رقم ١٩٠٧). (٢) انظر فتح البارى (١٣٥/١، ١٠/ ٥٥٨). -٤٦٧ - ۔۔ = تغيير المنكر، وآخر هذه المراحل أنه إذا رأى المنكر ولا يجد عنده قدرة لإزالته باليد أو اللسان يجب عليه أن ينكره بقلبه، وهذه آخر درجة للإيمان ليس بعدها درجة. وينبغى أن تظهر عليه علامة إنكاره بالقلب، وذلك بأن لا يخالط أصحاب المعاصى ولا يؤاكلهم ولا يشاربهم، وأن لا يحضر مجالسهم، ليكون ذلك علامة على إنكار ماهم عليه، بل ربما يؤدى ذلك إلى إقلاعهم عن المعاصى والله أعلم. وأما الشق الثانى لما جاء في هذا الباب وهو حكم من أفاد من الفتنة مالا فأورد فيه المؤلف حديثين ضعيفين، ولكن هناك من الأدلة العامة الكثيرة مايمنع من أخذ مال المسلمين بغير حق، ومن ذلك ماقاله النبى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) (١) .. ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ((بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))(٢). ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله))(٣). فهذه الأحاديث وغيرها كثير، تدل على صراحة على أن أخذ أموال المسلمين بغير حق حرام، وليس في حدوث الفتن، ووقوع القتال بين طائفتين من المسلمين مايسوغ لإحداهما نهب مال الأخرى، وتعرض المؤلف لهذه المسألة لدفع ما قد يتطرق إلى أذهان بعض الناس أو تسول له نفسه جواز ذلك بناء على ما أذن الشارع لمن يجد في نفسه قدرة وكفاءة، بالوقوف أمام طغيان البغاة والأخذ على أيدي المشاغبين والمفسدين في صفوف الأمة الإسلامية فإن ذلك شيء، وأخذ أموالهم شيء آخر، والشارع لم يبح منه إلا = (١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٥٧/١ رقم ٦٧)، ومسلم في صحيحه (١٣٠٥/٣ رقم ١٦٧٩)، وأماكن أخرى. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٩٨٦/٤ رقم ٢٥٦٤). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٥/١ رقم ٢٥)، ومسلم في صحيحه (٥١/١ - ٥٢ رقم ٢٠ - ٢٣). - ٤٦٨ - = القدر الذى يوقفهم عند حدهم، ويكفى لأن تفيء الطائفة الباغية إلى الله تعالى. وقد حصل شىء من هذا النوع لبعض من شايع عليا رضي الله عنه في وقعة الجمل، فسألوا علي بن أبى طالب أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم، فطعن فيه لسبائية ، وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم، ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه !! ثم وزع عليه من بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة(١)، ولعل ذلك كان إرضاء لهم، كما أن قوله: ((أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه)) قصد بذلك إسكاتهم على طلبهم، ولم يكن هو وحده سببا لامتناعه عن تلبية طلبهم، بل لأنه لم يجد من الشرع مايبيح له أموال إخوانه من المسلمين وإن برزوا لقتاله. والله أعلم. (١) انظر: البداية والنهاية (٢٥٦/٧). -٤٦٩ - ٣٣ - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ((هلاك أمتي على أيدي(١) أغيلمة سفهاء من قريش» ١٨٦ - حدثنا حمزة بن علي، قال: حدثنا الحسن بن يوسف، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا شيبان أبو معاوية(٢)، عن عاصم بن بهدلة(٣)، عن يزيد بن شريك العامرى(٤)، قال: سمعت مروان(٥) يقول لأبي هريرة: يا أبا هريرة ! حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن هلاك العرب على يد غلمة من قريش)) قال مروان: بئْس الغلمة أولئك)»(٦). (١) في ع ((یدی)). (٢) هو ابن عبد الرحمن البصرى، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، مات سنة ١٦٤ هـ. (٣) هو ابن أبى النجود الكوفى، أبوبكر المقرىء، صدوق، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة ١٢٨ هـ. (٤) هكذا ورد في الأصل ((العامرى)) وأنا لم أجد من ذكر له هذه النسبة، وهو التيمى الكوفى، ثقة، مات في خلافة عبد الملك. (٥) هو ابن الحكم أبو عبد الملك الخليفة الأموى، مات سنة ٦٥ هـ. (٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢ / ٥٢٠)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ٢٩ / ب رقم ٣١٦) من طريق آخر عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن يزيد بن شريك به نحوه، وسياق الإِمام أحمد طويل، وعندهما قصة في أوله، وهى: «أن الضحاك بن قيس أرسل معه (أى يزيد بن شريك) إلى مروان بكسوة، فقال مروان: انظروا من ترون بالباب؟ قال: أبو هريرة، فأذن له، فقال: ياأبا هريرة! حدثنا بشىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. )) هذا = - ٤٧١ - ١٨٧ - حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن عمرو بن سعيد(١)، قال: أخبرنى جدى(٢) قال: كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ومعنا مروان، فقال أبو هريرة (٣): سمعت الصادق المصدوق، يقول: ((هلكة (٤) أمتي على يدي أغيلمة (٥) من قريش». فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة ، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: ((بني فلان، وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدى إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلمانا = لفظ أحمد، ولا يوجد عندهما في آخره قول مروان. وأخرجه نعيم بن حماد (ق ١١٢ / أ رقم ١٢٥٠) من نفس الطريق مختصرا، إلا أنه قال: ((عن عمار بن أبى عمار، عن يزيد بن شريك)) بدل ((عن عاصم بن بهدلة)»، وللحديث طرق أخرى يأتى بعضها عند المؤلف بعده. (١) هو أبو أمية السعيدى المكى، ثقة. (٢) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص المدنى ثم الدمشقى ثم الكوفى، ثقة، مات بعد سنة ١٢٠ هـ. (٣) في ع ((فقال: حدثنا أبوهريرة)) بزيادة ((حدثنا)) وهى خطأ. (٤) في الأصل وع ((هلكت)) والتصويب من صحيح البخارى. (٥) كذا في الأصل، وفي ع وصحيح البخارى ((علمة)»، وأغيلمة تصغير غلمة، وهو جمع غلام. وقال الحافظ ابن حجر: يقال للصبى حين يولد إلى أن يحتلم: غلام، وذكر ابن الأثير أن المراد بالأغيلمة الصبيان ولذلك صغرهم. انظر النهاية (٣٨٢/٣)، وفتح البارى (٩/١٣). -٤٧٢ - أحداثا(١)، قال (لنا)(٢): عسى هؤلاء أن يكونوا منهم، قلنا: أنت أعلم )) (٣). ١٨٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، [ قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، ](٤) قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، حدثنا أشعث بن شعبة، عن إبراهيم بن محمد، عن شعبة، عن سماك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن فساد أمتي - أو هلاك أمتي - على رؤس غلمة سفهاء من قريش)) (٥). (١) في الأصل ((غلمان أحداث)) والصواب ماأثبته عربية، وكذا هو في صحيح البخارى، وفي ع «فإذا نراهم)) دون قوله ((غلمانا أحداثا)). (٢) مابين القوسين غير موجود في الأصل، وهو مثبت من ع وصحيح البخارى. (٣) أنظر الحديث في صحيح البخارى، كتاب الفتن، باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: «هلاك أمتى على يدى أغيلمة سفهاء)» (٩/١٣ رقم ٧٠٥٨). وأخرجه أيضا البخارى في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٦١٢/٦ رقم ٣٦٠٥) عن أحمد بن محمد المكى، والإمام أحمد في مسنده (٣٢٤/٢) عن روح، كلاهما عن أبى أمية عمرو بن يحيى بن سعيد به نحوه، وليس عند البخارى في هذه الرواية الجملة الأخيرة: ((فكنت أخرج مع جدى .. )). وعند الإِمام أحمد: قال (أى عمرو بن يحيى): فقمت أخرج أنا مع أبى وجدى إلى مروان بعد ماملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، قال لنا: هل عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذين سمعت أبا هريرة يذكر أن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا». (٤) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، وسياق الإسناد يقتضيه، وأكثر المؤلف رحمه الله الرواية من هذا الطريق (٥) نقل الحافظ ابن حجر في فتح البارى (٩/١٣) عن ابن بطال أن على بن معبد أخرجه في كتاب الطاعة والمعصية من رواية سماك، عن أبى هريرة. وهو منقطع، لأن = - ٤٧٣ - ١٨٩ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أشعث بن شعبة، سماك بن حرب من الطبقة الرابعة، وجل روايتهم عن كبار التابعين، ولم يذكر المزى = في مشايخه أبا هريرة. انظر تهذيب الكمال (٥٤٩/١). والحديث أخرجه غير واحد من المحدثين من طريق سماك، فزادوا بينه وبين أبى هريرة واسطة راو. فأخرجه أبوداود الطيالسى في مسنده (ص ٣٢٧ رقم ٢٥٠٨)، والإمام أحمد في مسنده (٢٩٩/٢، ٣٢٨)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١١٢ / أ رقم ١٢٤٩)، والبخارى في التاريخ الكبير (٣٠٩/٧)، والحاكم في مستدركه (٤ /٤٢٧) من طرق عن شعبة، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الفتن، (كما في تحفة الأشراف ٣١٣/١٠) بسنده عن أبى عوانة، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٨٨/٢)، وابن حبان في صحيحه (كما في الإحسان ٢٥١/٨ رقم ٦٦٧٨)، والحاكم في مستدركه (٤٧٠/٤) من طرق عن سفيان، ثلاثتهم (شعبة وأبو عوانة وسفيان) عن سماك بن حرب، عن مالك بن ظالم، عن أبى هريرة، بألفاظ متقاربة، وبعضها مثل ماعند المؤلف .. وصححه الحاكم، وأقره الذهبى في الموضعين. وقال الحاكم في الموضع الأول (٥٢٧/٤) بعد حكمه على الحديث: «لم يخرجاه لخلاف بين شعبة وسفيان الثوری فیه». وقال الذهبى في التلخيص: ((تركاه لعلة)) ثم أشار إلى هذه العلة، وهى أنه جاء في رواية عن سفيان ((عبد الله بن ظالم)) بدل (مالك بن ظالم)) .. وأخرج هذه الرواية الإِمام أحمد في مسنده (٣٠٤/٢، ٤٨٥) عن عبد الرحمن بن مهدى، عن سفيان، عن سماك، قال: حدثنى عبد الله بن ظالم، قال: سمعت أبا 1 هريرة ... )) الحديث. وقد فصل أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند (١٤ /٢٥٦ رقم ٧٨٥٨) في هذه - - ٤٧٤ - .... عن إبراهيم بن محمد، عن شعبة، عن أبي التياح(١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش»(٢). حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال: ١٩٠ - حدثنا نصر، [قال: حدثنا علي(٣)] قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن عبيد الله(٤)، عن أبيه(٥)، قال: سمعت أبا المسألة، وقرر بأنه وقع سهو من عبد الرحمن بن مهدى في تسمية هذا التابعى، = بدليل أن جماعة من الرواة خالفوه في ذلك. (١) هو يزيد بن حميد الضبعى، بصرى مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٨ هـ. (٢) لم أهتد إلى من رواه بهذا الإسناد، وفيه أيضا انقطاع، لأن أبا التياح من صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة ولم يثبت لبعضهم السماع منهم، ولم يذكر المزى في مشايخه أبا هريرة. انظر تهذيب الكمال (١٥٣١/٣). وهو مخرج عند غيره من طريق أبى التياح، بزيادة راو بينه وبين أبى هريرة. فأخرجه البخارى في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٦١٢/٦ رقم ٣٦٠٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (٢٢٣٦/٤ رقم ٧٤)، والإِمام أحمد في مسنده (٣٠١/٢) من طرق عن شعبة، عن أبى التياح، عن أبى زرعة بن عمرو، عن أبى هريرة نحوه. وعند الجميع زيادة في آخره وهى قوله: قالوا: ((فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم)). والروايات الماضية تخصص ماورد في هذه الرواية من العموم، وتبين أن المراد بعض قريش، وهم الأحداث منهم لا كلهم. انظر: شرح النووى لصحيح مسلم (٤١/١٨)، وفتح البارى (١٠/١٣). (٣) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، والمؤلف رحمه الله أكثر الرواية من هذا الطريق، وفي أغلبها على نحو ما أثبته. (٤) ابن عبد الله بن موهب التيمى المدنى متروك، وأفحش الحاكم، فرماه بالوضع. (٥) هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب أبو يحيى التيمى المدنى، مقبول. - ٤٧٥ - هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(١): ((أعوذ بالله من إمارة الصبيان)) ( فقال أصحابه: وما إمارة الصبيان(٢)؟) قال: «إن أطعمتوهم هلكتم، وإن عصيتموهم أهلكوكم")). (١) في ع ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول)). (٢) مابين القوسين غير موجود في ع. (٣) أورده الحافظ ابن حجر في فتح البارى (١٠/١٣) نقلا عن ابن بطال، وقد عزا تخريجه إلى على بن معبد وابن أبى شيبة عن أبى هريرة مرفوعا. وذكر أن في رواية ابن أبى شيبة زيادة في آخره، وهى «أن أبا هريرة كان يمشى في السوق ويقول: ((اللهم لا تدركنى سنة ستين ولا إمارة الصبيان)). وهذا الإسناد ضعيف لأجل يحيى بن عبيد الله وهو متروك، وقد ورد ذكر الاستعاذة من إمارة الصبيان في حديث آخر أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٢٦/٢، ٣٥٥، ٤٤٨)، والبزار في مسنده (كما في كشف الأستار ١٢٦/٣ رقم ٣٣٥٨). من طرق عن كامل بن العلاء، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: «كان النبى صلى الله عليه وسلم يتعوذ من رأس السبعين ومن إمارة الصبيان)). وقال الهيثمى: ((رجال أحمد رجال الصحيح غير كامل بن العلاء وهو ثقة)). انظر مجمع الزوائد (٧ /٢٢٠). . وأورده الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٣٦/٣ رقم ٢٤٦٠) بلفظ «الستين» بدل «السبعين)) وضعفه. وقال الحافظ ابن حجر في رواية ابن أبى شيبة .. (وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين فمات، ثم ولي ولده معاوية ومات بعد أشهر)). فتح البارى (١٣ /١٠) .: وأما عزو ابن بطال للحديث إلى ابن أبى شيبة فلم أهتد إلى محله في المصنف، ووجدته أنه أخرج في (٢٤٥/١٥) بسنده عن سماك، عن أبى الربيع، عن أبى هريرة قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب: إمارة الصبيان، إن أطاعوهم أدخلوهم =. - ٤٧٦ - النار، وإن عصوهم ضربوا أعناقهم)). = وهو إسناد موقوف. التعليق: عقد المؤلف هذا الباب ولعله أراد من خلاله أن يشير إلى بعض الأسباب التى تؤدى إلى حدوث الفتن في صفوف المسلمين، وهو وثوب الصبيان من غير ذوى الرشد والأحلام أو الرجال الذين يحملون في رؤسهم عقول الصبيان إلى سلطة الحكم والإِمارة، لأن هؤلاء لسبب الضعف في عقولهم، ولعدم الخبرة الكافية في أعمالهم يتسببون لإيقاع المشاكل وإحداث البلابل في حكم الناس ورعايتهم، كما تشهد بذلك الوقائع التاريخية التى سجلها لنا التاريخ عن دولة بنى أمية، وذلك عندما وصل إلى سلطة الحكم أمثال يزيد بن معاوية(١) وعبيد الله بن زياد، ومن ينزل منزلتهم من أحداث ملوك بنى أمية، فقد صدر منهم من الحوادث الفظيعة والأمور المستنكرة الشىء الكثير، ومن أبشع مافعلوه هو قتال الحسين بن علي رضى الله عنه، وانتهاك حرمة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتل والسبى، وكذلك وقعة الحرة التى أبيحت فيها المدينة مدة ثلاثة أيام للنهب والقتل، وماصدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإباحة البلد الحرام، وانتهاك حرمة بيت الله، فهو شاهد عيان لما تعرضت له الأمة الإسلامية في عهد هؤلاء الأحداث من ملوك بنى أمية وأمرائهم(١). والنبى صلى الله عليه وسلم كان قد أخبر بذلك قبل حدوثه بأعوام عديدة، حيث قال: ((هلكة أمتي على يدي أغيلمة من قريش)» وفي رواية ((إن هلاك أمتي على رؤس غلمة سفهاء من قريش»، وفي رواية ((يهلك الناس هذا الحى من قريش))، ثم وقع ذلك وفق ما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم، فهو معجزة من معجزاته الكثيرة، وقد = (١) هو أول الأغيلمة الذين بويع لهم من بنى أمية، كما قال الحافظ مستدلا بحديث أبى هريرة ((اللهم لا تدركنى سنة ستين ... )) وقد تقدم ذكره. (٢) انظر التذكرة للقرطبى (ص ٦٦٢)، والبداية والنهاية (٢٣٢/٦ - ٢٣٤)، والنهاية (الفتن والملاحم) (٢٠/١ - ٢١). - ٤٧٧ - أورد المؤلف - رحمه الله تعالى - هذا الحديث برواياته العديدة في الباب. = وأما المراد من الهلاك في الحديث فقد جاء مفسرا فيما أخرجه المؤلف في آخر الباب بسنده عن أبى هريرة مرفوعا: ((أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم - أى في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم)) أى في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما جميعا، فالمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله، فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالى الفتن، وقد وقع الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم (١). ثم إن المراد بالغلمة والأغيلمة : - لغة - الصبيان، كما تقدم ذكره في محله، ولكن ذهب الحافظ ابن حجر في تعيين المراد منه مذهبا آخر، فقال: ((وقد يطلق الصبى والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلما، وهو المراد هنا، فإن الخلفاء من بنى أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ، وكذلك من أمروه على الأعمال، إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف، فوقع الفساد بسببهم، فنسب إليهم ، والأولى الحمل على أعم من ذلك)). ثم أيد الاحتمال الثانى بقول عمرو بن يحيى بن سعيد: «فكنت أخرج مع جدى إلى بنى مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا .. )) فقال: ((هذا يقوى الاحتمال الماضى، وأن المراد أولاد من استخلف منهم)) (٢). قلت: وهناك روايات أخرى تؤيد الاحتمال الأول، وهى التى حذر فيها النبى صلى الله عليه وسلم عن إمرة السفهاء، وعده من علامات الساعة. ومن هذه الروايات مارواه المؤلف عن عبس الغفارى مرفوعا: ((سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته ستا - إمرة السفهاء ... )) الحديث. (٣) ... ويلاحظ أنه جاء فيما رواه أبو التياح عن أبى زرعة بن عمرو عن أبى هريرة عند الشيخين والإِمام أحمد زيادة قوله: ((قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((لو أن الناس اعتزلوهم»، = (١) انظر فتح البارى (١٠/١٣)، وأيضا شرح النووي (٤١/١٨). (٢) فتح البارى (٩/١٣). (٣) سيأتى عند المؤلف (برقم ٣٢٤، ٤٣٦). - ٤٧٨ - = وفقل عبد الله بن أحمد عقب هذه الرواية عن أبيه أنه قال في مرضه الذى مات فيه: ((اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم، يعنى قوله: ((اسمعوا وأطيعوا واصبروا))، وعلق عليه أحمد شاكر فذكر أن ذلك كان احتياطا منه رحمه الله خشية أن يظن أن اعتزالهم يعنى الخروج عليهم، وفي الخروج فساد كبير بما يتبعه من تفريق الكلمة ومافيه من شق عصا الطاعة(١). قلت: ولا أتصور أنه فهم من الاعتزال الخروج، وبينهما فرق واضح، بل الذى دعاه إلى هذا القول هو تعارضه للأحاديث الكثيرة في السمع والطاعة للأمراء والسلاطين والصبر على أذاهم، كما صرح به هو نفسه في كلامه، ثم إنه ربما بدا له من ناحية الإسناد شىء مما يجعله لا يقاوم في نظره تلك الأحاديث الكثيرة في السمع والطاعة. وقال الحافظ ابن حجر: ((والمراد باعتزالهم أن لايداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن»(٢). وقول أبى هريرة في إحدى الروايات للحديث: ((لو شئت أن أقول: بنى فلان، وبنى فلان لفعلت)» يدل على أنه كان لديه من علم الفتن الشىء الكثير والتعيين على من يحدث عنه الشر الغزير، ولكنه سكت عن تعيينهم مخافة مايطرأ من ذلك من المفاسد، وقد صرح بذلك فيما أخرجه البخارى بسنده عنه قال: ((حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثئته قطع هذا البلعوم)»(٣). وحمل العلماء هذا الوعاء الذى لم يبثه على الأحاديث التى فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه، كقوله: ((أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان)»، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاءه فمات قبلها بسنة)) (٤). (١) تعليق أحمد شاكر على المسند (١٦١/١٥ - ١٦٢). (٢) فتح البارى (١٠/١٣) وتقدم التفصيل في العزلة واختلاف العلماء فيها. (٣) انظر صحيح البخاري، كتاب العلم (٢١٦/١ رقم ١٢٠). (٤) انظر التذكرة القرطبى (ص ٦٦٢)، وفتح البارى (١٠/١٣،٢١٦/١). -٤٧٩ -