Indexed OCR Text
Pages 421-440
= حرب أو قطاع طريق إذا علم ذلك ولو بقرائن»(١). وكذلك إنى لم أهتد إلى من خالف في هذه المسألة حيث أباح بيع السلاح في الفتنة مطلقا سوى ماذكر الحافظ ابن حجر عن ابن عيينة حيث قال: ((بع حلالك ممن شئت)»(٢)، والصواب ماتقدم من عدم جواز بيع الأسلحة والدواب وآلات الحرب لمن يخشى منه الاستعانة بها في قتال المسلمين، وأما من لا يخشى منه ذلك فلا بأس في بيعها منه حتى في زمن القتال. والدليل على عدم الجواز هو العموم في قوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾(٣). وفي بيعها ممن يخوض في قتال المسلمين إعانة له على الإثم والعدوان، لأن قتال المسلمين محرم بالكتاب والسنة. إلا إذا كان يقاتل البغاة وقطاع الطرق، فلا بأس في بيعها منه بل هو مشروع، لأنه إعانة له على البر والتقوى، والله أعلم. (١) كشف المخدرات (ص ٢١٧). (٢) فتح البارى (٣٢٣/٤). (٣) سورة المائدة: آية ٢. - ٤٢١ - ٢٦ - باب ما جاء في كراهية البيع والشراء في الفتن من أهلها ١٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا حسين بن عبد الرحمن(١) مولى يونس(٢) عمن حدثه (٣)، أن ابن سيرين بعث إلى أيوب(٤) السختياني(٥) بخُرْج(٦) يبيعه، فلما كان في فتنة ابن المهلب(٧) أرسل إليه: ((رُدّ عليّ خرجى))(٨). (١) لم أعثر على ترجمته. (٢) (٣) لم أتمكن من معرفتهما. (٤) في الأصل («أبى أيوب))، والصواب ما أثبته، كذا هو في ع. (٥) هذه النسبة إلى عمل السختيان وبيعها، وهى الجلود الضأنية ليست بأدم. الأنساب (٩٦/٧). (٦) قال ابن منطور: الخُرْج: من الأوعية، معروف .. وهو جوالق ذو أذنين. لسان العرب (٢٥٢/٢). (٧) هو يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، ولي المشرق بعد أبيه، ثم ولي البصرة لسليمان بن عبد الملك، ولما استخلف يزيد بن عبد الملك غلب على البصرة وتسمى بالقحطانى، فسار لحربه مسلمة بن عبد الملك فالتقوا، فقتل يزيد في صفر سنة ١٠٢ هـ. راجع لذلك: الكامل لابن الأثير (٤ /١٧١ وما بعدها)، وسير أعلام النبلاء (٤ /٥٠٣ - ٥٠٦). (٨) لم أهتد إلى من أخرجه غيره، والإسناد فيه رجل مبهم. - ٤٢٣ - : ١٥٤ - قال ابن معبد: وحدثنا الثقة، قال: ((كان سعيد بن المسيب(١) يقول: إذا وقعت الفتنة لم يبع ولم يشتر))(٢). قال ابن معبد: وحدثنا أشعث بن شعبة، عن إبراهيم بن ١٥٥ _ محمد، قال: قلت للأوزاعى: أرأيت إن وقعت الفتنة بثغر أترى(٢) لأحد أن يبيع منهم شيئا؟ قال: ((لا، ولا مخلاة(٤) من تبن إلا ممن يثق به ))(٥). (١) كذا في الأصل ((يقول)) وفي ع ((قال)) ووضعت على الكلمة في الأصل علامة (ص) ولعلها للإِشارة إلى أنها زائدة لا معنى لها، ولكنها تحتمل وجها إذ هى بمعنى «یقتی». (٢) لم أجد من رواه غير المؤلف، وفي هذا الإسناد أيضا رجل مبهم. (٣) في ع ((ترى)) دون همزة الإستفهام. (٤) المخلاة: مايوضع فيه التبن بعد جزه وقطعه. . انظر: لسان العرب (٢٤٣/١٤). (٥) لم أهتد إلى من رواه غيره، وفي الإسناد أشعث بن شعبة وهو مقبول. التعليق: : لما تعرض المؤلف في الباب السابق لما كرهه بعض السلف من بيع الأسلحة والدواب في الفتنة، عقد هذا الباب ليبين أن هناك من السلف من يكره مطلق البيع والشراء من أصحاب الفتن، وذلك لإضعاف مواردهم المادية التى يستعينون بها على إضرام نيران الفتنة فيما بينهم. وذكر المؤلف كراهية البيع والشراء في الفتنة عن ابن سيرين وسعيد بن المسيب والأوزاعى. وقد كره الأخير بيع مخلاة من تبن في الفتنة، ولكن الإسناد إليهم فيه بعض الشىء، ولم أهتد إلى من ذكر هذه المسألة بالتفصيل . . - ٤٢٤ - ٢٧ - باب ما جاء في الفرار بالدين من الفتن ١٥٦ - حدثنا علي بن محمد بن خلف، قال: نا عبد الله بن أبي هاشم، قال: حدثنا عيسى بن مسكين وأحمد بن أبي سليمان، قالا: حدثنا سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله [ بن](١) عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصارى، ثم المازنى(٢)، عن أبيه(٢)، عن أبي سعيد الخدرى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم(٤) يتبع بها شعف(٥) الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)»(٦). (١) في الأصل ((قال)) مكان ((أبن)) والتصويب من الموطأ وغيره من مصادر التخريج. (٢) ثقة، مات في خلافة المنصور. (٣) هو عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المدني، ثقة. (٤) كذا في الأصل ((غنم)» بالرفع، وكذا في بعض المصادر، وفي ع والموطأ ((غنما))، وقال الحافظ: يجوز في ((خير) الرفع والنصب، فإن كان ((غنم)) بالرفع فالنصب وإلا فتح البارى (١٣ / ٤٢). فالرفع .. والأشهر في الرواية («غنم)» بالرفع. (٥) هى جمع شعفة، وهى رؤوس الجبال، والمرعى فيها والماء، ووقع في بعض الروايات ((شعب))، وهى جمع شعبة وهى ما انفرج بين جبلين، وورد في بعض الروايات (سعف)) بالسين المهملة، وهى جريد النخل، والمراد أعلى الجبال لأن جريد النخلة. يكون غالبا أعلى ما في النخلة. انظر: النهاية (٤٨١/٢)، وفتح البارى (٦١٤/٦، ٤٢/١٣). (٦) انظر الحديث في الموطأ لمالك، كتاب الاستئذان، باب ماجاء في أمر الغنم (٢ / ٩٧٠ رقم ١٦). والحديث أخرجه أيضا البخارى في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن (٦٩/١ رقم ١٩)، عن عبد الله بن مسلمة، وكتاب بدء الخلق، باب خير = - ٤٢٥ - ١٥٧ - وحدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال: حدثنا سعيد الأعناقي، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس(١)، عن أبيه(٢) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس في الفتن رجل أخذ برأس(٢) فرسه، يخيف العدو، مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال (٦ /٣٥٠ رقم ٣٣٠٠) عن إسماعيل بن أبى = أويس، وكتاب الفتن، باب التعرب في الفتنة (٤٠/١٣ رقم ٧٠٨٨) عن عبد الله بن يوسف، وأبو داود في سننه، كتاب الفتن، باب مايرخص فيه من البداوة في الفتنة (٤ /٤٦١ رقم ٤٢٦٧) عن عبد الله بن مسلمة، والنسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه، باب الفرار بالدين من الفتن (١٢٣/٨) من طريقين عن معن وابن القاسم، والإِمام أحمد في مسنده (٤٣/٣) عن إسحاق بن عيسى، و(٥٧/٣) عن عبد الرزاق .. كلهم عن مالك به مثله. وأخرجه أيضا البخارى في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٦١١/٦ رقم ٣٦٠٠)، وكتاب الرقاق، باب العزلة راحة من خلاط السوء (٣٣١/١١ رقم ٦٤٩٥)، وابن ماجة في سننه، كتاب الفتن، باب العزلة (١٣١٧/٢ رقم ٣٩٨٠)، والإمام أحمد في مسنده (٦/٣، ٣٠)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٢٠ رقم ٢١٩، ق ٦٧/ب رقم ٧٣٦،٧٣٣)، من طرق عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة به، ووقع في الرواية الأخيرة عند نعيم ((عن عبد الله بن عبد الرحمن)) ولعله خطأ، والله أعلم. (١) هو عبد الله بن طاوس اليمانى أبو محمد، ثقة فاضل عابد، مات سنة ١٣٢ هـ .. (٢) هو طاوس بن كيسان اليمانى. : (٣) كذا هو في الأصل وبعض المصادر، وجاء في بعض المصادر الأخرى ((برسن)»، وهو الحبل الذى يقاد به البعير وغيره. انظر: النهاية (٢٢٤/٢)، وهذا هو الأنسب. (٤) في ع ((يخوف العدو، ويخوفونه)». - ٤٢٦ - ويخيفونه(٤)، ورجل معتزل يؤدي حق الله عليه))(١). ١٥٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله التاجر، قال: حدثنا يوسف بن. (١) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٢٠ رقم ٢٢١، وق ١/٤٨ رقم ٥١١، وق ١/٦٨ رقم ٧٤٠) عن ابن المبارك به مثله. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٦٨/١١ رقم ٢٠٧٦٠) عن معمر به نحوه، وفيه («آخذ بعنان فرسه، أو قال: برسن فرسه)». وهذا الإسناد مرسل، لأن طاوسا تابعى لم ير النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن الحديث روي مرفوعا متصلا أخرجه الحاكم في مستدركه (٤ /٤٤٦، ٤٦٤) عن إسحاق بن إبراهيم الدبرى ويحيى بن جعفر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مثله. وقال الحاكم في الموضعين: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبى، ووافقهما الألبانى في الأحاديث الصحيحة (٣١٨/٢ رقم ٦٩٨). وللحديث شاهد، أخرجه الترمذى في سننه، كتاب الفتن، باب ماجاء كيف يكون الرجل في الفتنة (٤٧٣/٤ رقم ٢١٧٧) عن محمد بن جحادة، عن رجل، عن طاوس، عن أم مالك البهزية قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقرّ بها، قالت: ((قلت: يارسول الله! من خير الناس فيها؟ قال: رجل في ماشيته يؤدى حقها، ورجل آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه». وقال الترمذى: ((وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه))، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤١٩/٦) من طريق آخر عن ليث بن أبى سليم، عن طاوس، عن أم مالك البهزية مرفوعا، ولفظه: ((خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربه، ويؤدى حقه، ورجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله يخيفهم ويخيفونه))، وقد أشار إليه الترمذى. وأورد الألبانى بعض هذه الطرق، وقرر صحة الحديث في المصدر المذكور له. قلت: وقد ورد هذا المعنى دون تقييد بزمن الفتنة فيما أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٠/١١ - ٣٣١ رقم ٦٤٩٤)، ومسلم في صحيحه (١٥٠٣/٣ رقم ١٨٨٨) من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا. وكذلك فيما أخرجه مسلم (رقم ١٨٨٩) من حديث أبى هريرة مرفوعا. - ٤٢٧ - يعقوب البصرى، قال: حدثنا محمد بن خالد الراسبى(١)، قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل بن مجالد(٢)، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن عمرو بن دينار قال: ((من فرَّ بدينه شبرا حشر مع عيسى بن مريم))(٣). ١٥٩ - حدثنا عبد الرحمن بن عفان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقى، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس(٤) أنه سمع عروة بن الزبير يقول: حدثنى كرز بن حبيش الخزاعى(٥)، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله ! هل. للإسلام منتهى؟ قال: ((نعم، من أراد الله به خيرا من عجم (١) الراسبى: منسوب إلى بنى راسب، وهى قبيلة نزلت البصرة. الأنساب (٣٦/٦) ومحمد بن خالد لم أهتد إلى ترجمته. (٢) في الأصل ((مخلد)» والصواب ماأثبته، لأنه هو الذى يروى عن يحيى بن اليمان، والحسن هو أبو سعيد المجالدى المصيصى، ثقة، مات بعد الأربعين ومائتين. (٣) لم أهتد إلى من أخرجه غير المؤلف، وهو مقطوع لأنه من كلام عمرو بن دينار، ورجال إسناده ثقات سوى محمد بن خالد، فإنى لم أجد ترجمته. ولعل عمرو بن دينار اعتبر في قوله: ((حشر مع عيسى بن مريم» هروبه عليه السلام من اليهود متسترا، كما تفيد بذلك الأخبار، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وشبه لهم .. ﴾ (سورة النساء: الآية ١٥٧) والله أعلم. (٤) هو أبو حمزة الدمشقى الأفطس، صدوق، له أوهام ومراسيل. (٥) هو كرز بن علقمة الخزاعى، ويقال له: كرز بن حبيش، له صحبة، أسلم يوم الفتح، وعُمِّر طويلا، وكان ممن جدد أنصاب الحرم في زمن معاوية .. - ٤٢٨ - أو عرب(١) أدخله عليه، ثم تقع فتن كالظلل (٢) يعودون فيها(٣) أساود صمّا(٤) يضرب بعضهم رقاب بعض، فأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقى ربه، ويدع الناس من شره»(٥). (١) في ع «أو من عرب)). (٢) هو جمع واحده ظلة: وهى كل ما أظل الإِنسان، أراد كأنها الجبال أو السحب. انظر: النهاية (٣ /١٦٠). (٣) كلمة ((فيها)) غير موجودة في ع. (٤) كذا في الأصل وموارد الظمآن (صما)، والأصم من الحيات: مالا يقبل الرقية كأنه قد صم عن سماعها، أنظر لسان العرب (٣٤٤/١٢). وفي ع وأغلب المصادر الأخرى ((صبا)»، وقال ابن الأثير بعد أن ذكر هذا الجزء من الحديث: الأساود: الحيات، والصب: جمع صبوب، على أن أصله صبب، كرسول ورسل، ثم خفف كرسل ... قال النضر: ((إن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ)»، ويروى: ((صُبّى)) بوزن حبلى)). النهاية (٥/٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٧٧/٣)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٢ رقم ٨) والبزار في مسنده (كما في كشف الأستار ١٢٥/٤ رقم ٣٣٥٥)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٥٧٧/٧ رقم ٥٩٢٥)، وأبو نعيم في الدلائل (ص ٤٨٠) من طرق عن الأوزاعى به نحوه. وفي هذا الإسناد عبد الواحد بن قيس، قال فيه الحافظ ابن حجر: ((صدوق له أوهام» ولكنه توبع، فقد تابعه الزهرى، وكفى به متابعة، أخرجه الحميدى في مسنده (٢٦٠/١ رقم ٥٧٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٦٢/١١ رقم ٢٠٧٤٧)، وابن أبى شيبة في مصنفه (١٣/١٥)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ٢/أ رقم ٧)، والإِمام أحمد في مسنده (٤٧٧/٣)، والبزار كما في كشف الأستار (١٢٤/٤ رقم ٣٣٥٣، ٣٣٥٤)، والطبرانى في المعجم الكبير (١٩٧/١٩ رقم ٤٤٢ - ٤٤٦)، والحاكم في مستدركه (٤٥٤/٤ - ٤٥٥)، وأبو نعيم في الدلائل (ص ٤٧٩)، والبيهقى في الدلائل (٥٢٩/٦)، والبغوى في شرح السنة (٢٩/١٥) من طرق عديدة عن الزهرى، عن = - ٤٢٩ - ١٦٠ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن مخلد العطار(١)، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة (٢)، قال: حدثنا علي بن حكيم(٣)، قال: أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرواسى(٤)، عن محمد بن مسلم الطائفى(٥)، عن عثمان بن عبد الله بن أوس(٦)، عن سليمان بن هرم(٧)، عن عبد الله بن عمرو قال: ((أحب شيء إلى الله عز عروة بن الزبير به نحوه، وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد)» ووافقه = الذهبى، وقال الهيثمى: «رواه أحمد والبزار والطبرانى بأسانيد، وأحدها رجاله رجال الصحيح)». مجمع الزوائد (٣٠٥/٧). ولعله يقصد بذلك طريق الزهرى، والله أعلم. (١) هو أبو عبد الله الدورى ثم البغدادى العطار الخضيب، قال فيه الدارقطنى: ((ثقة مأمون)» وأثنى عليه الذهبى ووصفه بالعلم والصدق والصلاح، توفي سنة ٣٣١ هـ. انظر سير أعلام النبلاء (٢٥٦/١٥). (٢) هو العبسى الكوفى، صاحب كتاب العرش، وهو مختلف فيه، فضعفه جماعة، حتى قال بعضهم: إنه كذاب، ووثقه آخرون، قال فيه الذهبى: «وجمع وصنف، وله تاريخ كبير، ولم يرزق حظاً، بل نالوا منه، وكان من أوعية العلم»، ووصل الألبانى في دراسته عن الرجل إلى أنه حافظ لا بأس به، وقال: ((وفيه كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، إن شاء الله))، ويبدو أن هذا هو الصواب، وتوفي أبو جعفر سنة ٢٩٧ هـ. راجع للتفصيل: سير أعلام النبلاء (٢١/١٤)، وميزان الاعتدال (٦٤٢/٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٦/٤). (٣) في الأصل ((عفان)) والتصويب من الغرباء للآجرى، وهو على بن حكيم بن ذابيان الكوفى، ثقة، مات سنة ٢٣١ هـ. (٤) هو أبو عوف الكوفى، ثقة، مات سنة ١٨٩ هـ. (٥) هو صدوق يخطىء، مات قبل سنة ١٩٠ هـ. (٦) هو الثقفى الطائفى، مقبول. (٧) قال فيه العقيلى: مجهول، حديثه غير محفوظ، ونقل الذهبى عن الأزدى أنه قال: لا = - ٤٣٠ - وجل الغرباء، قيل: وما الغرباء؟ قال: ((الفرارون بدينهم يحشرون إلى(١) عيسى بن مريم يوم القيامة))(٢). ١٦١ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا ابن ثابت، قال: حدثنا الأعناقى، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا ابن معبد، قال: حدثنا إسحاق بن أبي يحيى(٣)، عن المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن زبيد أو غيره، عن الحارث الحضرمى(٤)، عن ابن مسعود قال: ((ألا يصح حديثه. = الضعفاء (٢ / ١٤٤)، وميزان الاعتدال (٢٢٧/٢). (١) في ع «صوابه مع عيسى .. )) ولم يذكر ((إلى)). (٢) انظر الحديث في الغرباء (١/٨)، وفيه ((يجتمعون))، بدل ((يحشرون)) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (ص ٥٣١ - ٥٣٢ رقم ١٥١٣)، ومن طريقه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/١٦ رقم ١٧٠) عن محمد بن مسلم به، ووقع عندهما ((سليمان بن هرمز)) ولعله خطأ. والحديث موقوف، وإسناده ضعيف لأجل سليمان بن هرم. وقد أخرجه عبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد (ص ١٤٩) مرفوعا، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢٥/١) عن سفيان بن وكيع، ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ثم ذكر نحوه، وفيه: «يبعثهم الله عز وجل يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليه السلام». وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣٣٨/٤ رقم ١٨٥٩)، وضعفه، والعلة فيه سفيان بن وكيع، وقال فيه الحافظ في التقريب (ص ١٢٩): ((كان صدوقاً، إلا أنه ابتلي بوارقه، فأدخل عليه ماليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه)» وفيه ابن جريح وهو مدلس وقد عنعنه. (٣) هو الكعبى. (٤) لم أهتد إلى من ترجم له، وقد ذكر المزى في تهذيب الكمال (٧٤١/٢) فيمن روى عن عبدالله بن مسعود رجلين باسم الحارث، أحدهما: الحارث بن سويد التيمى، وهو کوفی. = - ٤٣١ - أخبركم بخير الناس في ذلك الزمان، كل غني خفي(١)، قال: قلت: ما أنا بالغني ولا الخفي، قال: ((كن كابن لبون(٢) بلا ضرع فتحلب، ولا ظهر فتركب» قال: ألا أخبركم بشر الناس في ذلك الزمان: كل خطيب مصقع(٣)، أو راكب موضع))(٤). والثانى: الحارث بن عبد الله الأعور الهمدانى، وهو أيضا كوفى، الأول ثقة ثبت، = والثانى كذبه الشعبى في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف. (١) الخفى: هو المعتزل عن الناس الذى يخفى عليهم مكانه. انظر: النهاية (٢ /٥٧). (٢) هو من ذكور الإِبل ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت أمه لبونا، أى ذات لبن، لأنها تكون قد حملت حملا آخر ووضعته. انظر: النهاية (٢٢٨/٤). (٣) ذكر ابن الأثير في النهاية (٤٢/٣) هذا الجزء من حديث حذيفة بن أسيد، وقال: ((أى البليغ الماهر في خطبته، الداعى إلى الفتن الذى يحرض الناس عليها. وهو مفعل من الصقع، وهو رفع الصوت ومتابعته، ومفعل من أبنية المبالغة)) .. (٤) ذكر ابن الأثير في النهاية (١٩٧/٥) هذا الجزء من حديث حذيفة، وقال: ((أى المسرع فيها». وأما حديث الباب فلم أهتد إلى من أخرجه، وهو موقوف، وفي إسناده إسحاق الكعبى وهو هالك، وليث بن أبى سليم، وقد ترك حديثه لأجل اختلاطه، وورد نحوه من حديث حذيفة بن أسيد، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٩٤/١١ - ٣٩٥ رقم ٢٠٨٢٧) ومن طريقه الخطابى في غريب الحديث (٤٩٩/٢) عن معمر، عن قتادة، عنه، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٥٢٩/٤ - ٥٣٠) من طريق آخر عن قتادة، عن أبى الطفيل، عنه في سياق قصة طويلة تتعلق بالدجال إلا أن الخطابى ساقه مختصرا، الشطر الأخير فقط، وقال الحاكم: ((حديث صحيح الإسناد»، وقال الذهبى: ((على شرط الشيخين)). وهو موقوف في حكم المرفوع، لأنه ليس من قبيل الرأى والاجتهاد. وروي ذلك أيضا من حديث أبى هريرة مرفوعا أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ٣٤ / ب رقم ٣٦٨) عن ضمرة، عن يحيى بن أبى عمرو = - ٤٣٢ - ١٦٢ - وحدثنا عبد الرحمن بن عثمان أيضا، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا عبد الله بن راشد اليمانى(١)، عن عمران بن عطية (٢)، عن عبد الله ابن أبي جعفر(٢) قال: «الهارب بدينه كالمهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٤). ١٦٣ - وحدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو يحيى الخراسانى(٥)، عن عباد بن كثير(١) يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بشر الفرارين بدينهم إيمانا واحتسابا من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، إنهم معي(٧) أو مع السيبانى، عنه نحوه، وضعفه على المتقى في كنز العمال (١١ /١٤٤)، ولعل السبب = في ضعفه هو إرسال يحيى، لأن روايته عن الصحابة مرسلة كما قال الحافظ في التقريب (ص ٣٧٨). وقد يكون من أوهام نعيم بن حماد، ومما يؤيد ذلك أنه رواه أيضا من حديث حذيفة بن اليمان موقوفا. انظر الفتن (ق ١٥ / ب رقم ١٦٨). (١) لم أجد من ترجم له. (٢) لم أجد من ترجم له. (٣) كذا في الأصل ((عبد الله))، ولعل الصواب ((عبيد الله)) وستأتى ترجمته برقم ١٨٥. (٤) لم أهتد إلى من رواه غير المؤلف. وهو مقطوع، وفي إسناده رجال لم أجد ترجمتهم. (٥) لم أتمكن من معرفته. (٦) لعله عباد بن كثير الثقفى البصرى، متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب، مات بعد الأربعين ومائة. (٧) في ع ((معنا)). - ٤٣٣ - إبراهيم يوم القيامة كهاتين ) وجمع بين أصبعه(١) الوسطى والتي تليها))(٢). (١) في ع «أصابعه))، وما في الأصل هو الصواب. (٢) لم أجد من رواه، وهو حديث معضل، لأنه سقط من إسناده أكثر من روايين متتاليين. وإذا كان عباد بن كثير هو الذى ذكرت ترجمته فهو متروك، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الناس يروون عنه صلى الله عليه وسلم: «يأتى على أمتى زمان لا يسلم بدينه إلا من يفر من شاهق إلى شاهق)) وقال: هذا اللفظ ليس معروفا عن النبى صلى الله عليه وسلم. مجمع الفتاوى (٣٨٣/١٨). فلا يستبعد أن يكون حديث الباب أيضا من هذا القبيل، والله أعلم. التعليق: سبق أن تعرض المؤلف في بعض الأبواب السابقة لبيان التحذير الشديد الذى ورد في حق من يخوض في الفتن ويتسبب لإِضرام نيرانها بين صفوف الأمة الإسلامية، وكذلك لبيان الفضل الذى ورد في حق من يجتنبها ويتقاعد عنها، ويلتزم البيوت، وبعد ذلك عقد المؤلف هذا الباب ليبين فيه أن من لم يسعه لزوم بيته في الفتن حيث خاف من أن يجر إليها، أو خاف من أن يصاب منها بمكروه فهو في فسحة لأن يرتحل عن مكان الفتنة، ويبتعد عن الناس كما فعل بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم مثل سلمة بن الأكوع حيث انتقل إلى الربذة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه، ولم يرجع منها إلى المدينة إلا قبل موته بليالى، وكان قد أذن له النبى صلى الله عليه وسلم بذلك(١). ولذلك عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابين في هذا الموضوع، أحدهما في كتاب الإِيمان، وترجم له بقوله: «باب من الدين الفرار من الفتن»(٢). (١) انظر القصة في صحيح البخارى (١٣ / ٤٠ رقم ٧٠٨٧). (٢) انظر صحيح البخارى (٦٩/١). - ٤٣٤ - والثاني في كتاب الفتن، وترجم له بقوله: «باب التعرب في الفتنة»، والتعرب: هو = السكنى مع الأعراب، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد الذى هاجر إليه فيسكن مع البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيا، وكان ذلك في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة محرما إلا أن يكون الشارع قد أذن له بذلك، ولما قيد الإمام البخارى البابين بالفتنة، فكأنه أشار إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن، وقد قيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، وهذه المسألة قد اختلفت فيها آراء السلف من الصحابة وغيرهم، فمنهم من آثر السلامة، والاعتزال في الفتن، كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر وطائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور، ويجب علينا إزاء ماحدث فيما بين الصحابة من فتن أن نحمل عمل كل أحد منهم على السداد، فمن لابس القتال وخاض في الفتنة اتضح له الدليل لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد واعتزل عنه لم يتضح له أى الفئتين هى الباغية، ولم يكن له قدرة على القتال(١). وهذا هو الواجب على المسلمين فيما يحصل بينهم من الفتن، وقد تقدم ذكر هذه المسألة بشىء من التفصيل في بعض الأبواب السابقة. وأورد المؤلف في هذا الباب من الأحاديث مايدل على مشروعية الاعتزال، بل على أفضليته في الفتنة، ومنها حديث أبى سعيد الخدرى: ((يوشك أن يكون خير مال المسلمين غنم .. ))، وقال الحافظ ابن حجر في هذا الحديث: ((والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه»(٢). وهناك أحاديث أخرى تدل على تفضيل العزلة على الاختلاط مطلقاً دون تقيد بزمن الفتنة أو خوف على الدين، تقدم ذكرها ، وقد اختلف علماء السلف في أصل العزلة، فمنهم من ذهب إلى أن الاختلاط أولى من الاعتزال لما في الاختلاط من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من = (١) انظر: صحيح البخارى مع الفتح (١٣ /٤٠ - ٤٢). (٢) فتح البارى (٤٢/١٣). - ٤٣٥ - = إغاثة وإعانة، ومنهم من ذهب إلى أن العزلة أولى من الاختلاط لتحقق السلامة فيها. واستدل كل من الفريقين بأدلة من الكتاب والسنة على ما ذهبوا إليه(١). ويظهر من خلال النظر في النصوص الدالة على كل من القولين أن المسألة فيها تفصيل، وهو أنه يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح عليه أحد الأمرين، وأما إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فممن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينا، وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح عليه من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وممن يستوى عنده الأمران من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعم من ليس أهلها كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾(٢). هذا التفصيل ذكره الحافظ ابن حجر، ومال إليه إذ قال بعد ذكره: ((يؤيده حديث أبى سعيد الخدرى المذكور)» (٣)، ويبدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا ذهب إلى هذا التفصيل، فإنه قال عندما سئل: هل الخلطة أفضل أو العزلة؟: «حقيقة الأمر أن الخلطة تارة تكون واجبة أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأموراً بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة، وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهى مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهى منهي عنها))، ثم ذكر من الخلطة المأمور بها الاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات وفي غزو الكفار = (١) راجع لمعرفة القولين والقائلين بهما وأدلتهما: مختصر منهاج القاصدين (ص ١١٠ - ١١١)، وفتح الباري (٤٢/١٣ - ٤٣). (٢) سورة الأنفال: الآية ٢٥. (٣) يقصد مارواه الشيخان من حديثه: «قيل: يارسول الله! أى الناس خير؟ قال: رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شره)» تقدم ذكره في رقم ١٥٧، وانظر فتح البارى (١٣ /٤٢). - ٤٣٦ - = والخوارج المارقين، وكذلك الاجتماع الذى يزداد العبد به إيمانا إما لانتفاعه به أو لنفعه له ثم قال: ((ولابد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، ومايختص به من الأمور التى لا يشركه فيها غيره، فهذه يحتاج إلى انفراده بنفسه، إما في بيته، وإما في غير بيته، فاختيار المخالطة مطلقا خطأ، واختيار الانفراد مطلقا خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا، وما هو الأصلح له في كل حال فهذا يحتاج إلى نظر خاص))(١). وهكذا صرح ابن قدامة المقدسى، فإنه ذكر أولا ما يوجد في العزلة من فوائد وآفات، ثم قال: «فإذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ، بل ينبغى أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من الفوائد، ويقاس الفائت بالحاصل، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل»(٢). وأما ما يفعله بعض الناس من القصد إلى الأماكن البعيدة في الغابات والكهوف والغيران التى في الجبال، والاعتزال فيها باسم العبادة دون أن يحضر في الجمع والجماعات فهو مأخوذ من رهبان النصارى والبوذيين ولا يمت إلى الإسلام بشىء، وكذلك ما تفعله بعض الطوائف المتصوفة من بناء الخلوات والزوايا والخانقاهات فهو مخالف لتعاليم الإسلام، بل هو محاربة لها، ويقصد بها صرف الناس عن المساجد التى أمر الله سبحانه وتعالى بعمارتها، وهى بمثابة مسجد الضرار الذى بناه المنافقون في أيام النبى صلى الله عليه وسلم فأمر بهدمه، فينبغى أن تعامل هذه الزوايا أيضا بمثل ماعومل به مسجد الضرار. (١) مجموع الفتاوى (٤٢٥/١٠ - ٤٢٦). (٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين (ص ١١٧)، وللخطابى في هذه المسألة مؤلف خاص باسم ((العزلة)) يحسن الرجوع إليه لمن يريد التفصيل. - ٤٣٧ - ٢٨ - باب فضل العمل في الهرج ١٦٤ - حدثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرىء، قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندى، قال: حدثنا أبو أمية الطرسوسي، قال: حدثنا محمد بن جعفر المدائنى(١)، قال: حدثنا مستلم بن سعيد(٢)، عن منصور بن زاذان(٣)، عن معاوية بن قرة(٤)، عن معقل بن يسار(٥)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العمل في الهرج كهجرة إلي))(٦). (١) هو أبو جعفر البزار، صدوق فيه لين، مات سنة ٢٠٦ هـ. (٢) في الأصل ((مسلم بن سعيد))، والصواب ماأثبته من بعض مصادر الترجمة، وهو ابن أخت منصور بن زاذان، الواسطى، صدوق عابد، ربما وهم، انظر تهذيب التهذيب (١٠٤/١٠). (٣) هو الواسطى أبو المغيرة، ثقة عابد، مات سنة ١٢٩ هـ على الصحيح. (٤) هو المزنى أبو إياس البصري، ثقة عالم، مات سنة ١١٣هـ. (٥) هو المزني، صحابي ممن بايع تحت الشجرة. (٦) أخرجه الخطيب البغدادى في تاريخه (١١٦/٢) بسنده عن عباس بن محمد الدورى، قال: نبأنا محمد بن جعفر المدائنى به مثله. وأخرجه ابن أبى شيبة في المصنف (٧٢/١٥)، والإِمام أحمد في مسنده (٢٧/٥)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان (٥٧٧/٧ رقم ٥٩٢٦)، والطبرانى في المعجم الكبير (٢١٣/٢٠ رقم ٤٩٢) عن يزيد بن هارون، ثنا مستلم بن سعيد الثقفى به، ووقع في المصنف والمسند والإحسان (مسلم بن سعيد)، وفي إسناد الطبراني (مسلمة بن سعيد)، وهما خطأ مطبعي، وعندهم («العبادة)) بدل («العمل»، وفي هذا الإسناد مسلم بن سعيد، وهو صدوق يهم، ولكن الحديث مروي من طرق أخرى عديدة. فأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب فضل العبادة في الهرج (٢٢٦٨/٤ رقم ١٣٠)، والترمذى في سننه، كتاب الفتن، باب ماجاء في الهرج والعبادة فيه (٤٨٩/٤ = - ٤٣٩ - ١٦٥ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخى، قال: حدثنا علي بن شبابة، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثنا الأعمش، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي))(١). = رقم ٢٢٠١)، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الوقوف عند الشبهات (١٣١٩/٢ رقم ٣٩٨٥)، والإِمام أحمد في مسنده (٢٥/٥)، وابن عدى في الكامل (٢٣٦٨/٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٢/٢٠ - ٢١٣ رقم ٤٨٨ - ٤٩١)، والآجرى في الشريعة (ص ٤٥) من طرق عن المعلى بن زياد، عن معاوية بن قرة به، وعند الإِمام أحمد وعند الطبرانى في إحدى الطرق («العمل». ووقع في الشريعة (العلاء بن زياد) ويبدو أنه خطأ. (١) هذا الحديث غير موجود في ع، وإسناده ضعيف، فيه عمرو بن عبد الغفار الفقيمى، -٠٠ وهو متروك الحديث، ولكن الحديث صحيح لأنه مروي من طرق أخرى صحيحة، تقدم بعضها في الرقم السابق. وأخرجه من طريق الأعمش: ابن عدى في الكامل (٢٠٥١/٦)، والطبراني في المعجم الصغير (٥٨/٢) عن الفرات بن سليمان، وفي المعجم الكبير (٢١٣/٢٠ رقم ٤٩٤) عن سعد بن الصلت، كلاهما عن الأعمش به، ولفظ ابن عدى: («العبادة في الهرج والفتنة كهجرة معى))، ولفظ الطبرانى: ((عبادة في الهرج أو الفتنة كهجرة إلى))، وفيه عنعنة الأعمش، ولكنه توبع، تابعه منصور بن زاذان كما عند المؤلف، والمعلى بن زياد كما عند مسلم وغيره، وسليمان الثقفى، أخرجه الطبرانى في المصدر المذكور له (رقم ٤٩٣) بسنده عن سرور بن المغيرة، عن سليمان الثقفى، عن معاوية بن قرة به، وعمرو بن عبد الله النصرى، أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣٥١/٦) عن يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير - وهو ابن محمد - عن عمرو بن عبد الله النصري، عن معاوية بن قرة به، ولفظه: ((العبادة في = - ٤٤٠ -