Indexed OCR Text
Pages 141-160
الثالث حيث لم يذكر العديد من الأشراط في الموضع الذي خصصه للكلام عليها (١). وأما ما يتعلق بالقسم الثاني - أي الناحية العلمية - فهو يتمثل في الآتى :- ١ - روايته في الكتاب للواهيات والموضوعات إلى جانب الصحاح، كما أنه يبنى على بعض المرويات من هذا القبيل، فيعقد لها أبوابا، ومنه ما ندد به أبو الخطاب ابن دحية . ومن المجمع عليه أن العقائد وما يتعلق بالمغيبات بل الأحكام أيضا لا تبنى على الواهيات والموضوعات، إلا أنه قد يعتذر له في ذلك بأن عصره عصر الرواية والإسناد، وأنهم إذا ساقوا الإسناد للحديث اعتقدوا أنهم خرجوا من العهدة، وبرئت ذمتهم، كما سبق ذكره . ٢ - روايته الأحاديث الصحيحة بأسانيد فيها رجل متروك أو كذاب أو مجاهيل(٢) - وفيما يبدو لي - والله أعلم - أن هذه الأحاديث الصحيحة لم تبلغه مسندة إلا بهذه الأسانيد التي فيها متروك أو كذاب . علما بأنه التزم في الكتاب إيراد جميع النصوص بأسانيد متصلة لنفسه، إلا أنه كان يسعه أن يبين ذلك فيقول مثلا: ((وهو صحيح رواه فلان ... ))، كما نراه عند البيهقى وغيره . ٣ - إيراده للآثار المقطوعة عن أئمة السلف وعلمائهم(٣) ومنهم من عرف برواية الأخبار الإسرائيلية، مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار - ومن (١) يلاحظ ذلك في الأبواب ٤٤ - ٥٦،٤٨، والأمور المذكورة في هذه الأبواب كونها من الأشراط ثابت من الأحاديث الصحيحة. (٢) انظر على سبيل المثال الأحاديث رقم ١٨٢،١٥،١٢، ٣١٦، ٥٣٦. (٣) والغريب أنه عقد بعض الأبواب بناء على هذه الآثار المقطوعة، انظر الأبواب ٨٢،٥١،٤٧ - ٠٨٤ - ١٤١ - المعلوم أن الآثار لاتنهض بها الحجة في المغيبات والعقائد بل الأحكام أيضا، إلا أن هناك ما يبرر عمله هذا وهو أن الآثار - وإن لم تكن حجة - فلها من القيمة العلمية ما لا يمكن الإعراض عنه، لاسيما في المسائل التي اختلف فيها مثل خروج المهدى وغيره، إذ تساعد في تحديد مواقف السلف تجاه تلك المسائل، وتقوى الأحاديث الصحيحة، وتثبت أنها محكمة غير متشابهة . فليس المقصود من إيراد هذه الآثار في مثل هذه الكتب الاستدلال بها استقلالا، وإنما المقصود البيان لموقفهم إلا أن الإكثار منها غير مستحسن في نظرى، والله أعلم . ٤ - إغفاله لبعض الاشراط والأحاديث المتعلقة بها . ومما هو معلوم أن موضوع الفتن موضوع طويل، وأشراط الساعة والأحاديث الواردة فيها كثيرة جدا، ومن الصعب استيعاب الموضوع وحصر أشراط الساعة والأحاديث الواردة فيها في مؤلف كهذا، علما بأن المؤلف قد أشار إلى عدم التزامه بذلك، فإنه قال في المقدمة: (( ... أن أجمع جملة كافية من السنن الواردة ... )) فلا يمكن لنا أن نعيبه على عدم استيعاب الموضوع، ولكن يؤخذ عليه اشتغاله بإيراد الأحاديث الموضوعة والواهية، وعدم التزامه بالأحاديث الصحيحة، وكان من الأنسب له أن يوليها اهتمامه، وأن لا يلقي بالا بالأحاديث الموضوعة والواهية ودون أن يكثر من إيراد الآثار المقطوعة، وإن كان ذلك لا يخلو من فائدة لأنه من المفيد جدا أن يعلم طالب العلم ما ورد من الأحاديث الضعيفة والموضوعة بجانب معرفته بالأحاديث الصحيحة، ولكن ذلك يحسن عند تمييز الموضوع من غيره، وإيراد أغلب الأحاديث الصحيحة المتعلقة به . -١٤٢ - وفيما يلي نشير إلى بعض ما نراه أهم في الموضوع ولم يتطرق له المؤلف . ١ - تداعى الأمم الكافرة وتكالبها على الأمة الإسلامية(١). ٢ - تكليم السباع والجماد الإنس(٢). ٣ - محاصرة المسلمين للمدينة (٣). ٤ - عودة جزيرة العرب مروجا وأنهارا (٤). ٥ - فتنة الأحلاس وفتنة الدهيماء (٥). بين كتابى الداني ونعيم بن حماد : سبق البيان بأن التأليف في الفتن والأشراط على وجه الاستقلال بدأ في وقت مبكر مع بداية حركة التأليف . وظل متصلا إلى العصور المتأخرة، إلا أن أغلب ما ألف في العصور المبكرة في عداد المفقود لا يوجد منه إلا قليل جدا، ومن ذلك كتاب الفتن لأبى عبد الله نعيم بن حماد المرزوى (ت ٢٢٩هـ)(٦). وإكمالا للموضوع نرى من المناسب جدا أن نقوم بالمقارنة بين كتاب الدانى وكتاب نعيم بن حماد، ونشير - ولو بالإيجاز - إلى بعض مايتميز به كل واحد منهما عن الآخر . (١) انظر الحديث الوارد في ذلك في سنن أبي داود (٤٨٣/٤ رقم ٤٢٩٧). (٢) انظر الحديث الوارد في ذلك في سنن الترمذى (٤ /٤٧٦ رقم ٢١٨١). (٣) انظر الحديث الوارد في ذلك في سنن أبي داود (٤٤٩/٤ رقم ٤٢٥٠). (٤) انظر الحديث الوارد في ذلك في صحيح مسلم (٧٠١/٢ رقم ١٥٧). (٥) وردت تفاصيلها فيما رواه أبو داود في سننه (٤٤٢/٤ رقم ٤٢٤٢) من حديث ابن عمر. (٦) توجد منه نسخ ومختصرات، أنظر لمعرفتها تاريخ التراث العربي لسزكين (١٩٧/١)، ولأحد الألمانيين دراسة حول الكتاب، وقد حصل بها على شهادة دكتوراه في توبنجن سنة ١٩٧٩م. - ١٤٣ - وبما أن نعيم بن حماد متقدم في الزمن فهو يتفوق الداني في مجال الحديث، لأنه عاش في فترة من أوج الازدهار العلمي، وهو مما أكسب لكتابه أهمية فائقة، حيث يعتبر من المصادر الأولية المتقدمة التي تأتى في درجة المصادر لمن اعتمد عليهم الدانى في كتابه، فهو ممن يروى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من المحدثين المتقدمين بنسب متفاوتة، وعلى ذلك قد يتطرق إلى أذهان بعض الناس أن الداني لابد أن يكون قد اعتمد على نعيم بن حماد اعتمادا كليا، ولكن يظهر عند المقارنة بين الكتابين بأوضح صورة استقلال الداني عن نعيم وكتابه الفتن، لأننا نجد أنه لم يرو في كتابه بواسطته إلا خمسة نصوص(١)، علما بأن عدد النصوص التي توجد في كتاب السنن يبلغ حوالي ٧٢٥ نصا، بينما يفوق عدد النصوص في كتاب الفتن لنعيم على ألفي نص(٢)، ثم إن هناك أموراً كثيرة يوجد فيها اختلاف واضح وتباين كبير بين الكتابين، منها : - تراجم الأبواب، فلا نجد الداني اتفق مع نعيم في تراجم الأبواب سوى أبواب قليلة لا تتجاوز ثلاثة أبواب، وهي التي تتحدث عن خروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة . - والمنهج في التبويب - وقد سبق أن أوضحت منهج الداني في عقده للأبواب وترجمته لها، وهو يتمثل في جوانب عديدة، وأما نعيم بن حماد فلم يظهر أسلوبه إلا في جانب أو جانبين، فإنه يأخذ المعنى من مجموع النصوص المتعلقة بالموضوع الذي يريد تناوله ويترجم به للباب، أو يأخذ بعض الأشراط المعينة ويترجم به للباب وهو قليل . (١) انظر الأرقام: ٢٦٠،٢٥٣، ٤٨٤،٤٠٣،٣١١ في كتاب السنن. (٢) وبالتحديد ٢٠٣٢ نص حسب ترقيمى. - ١٤٤ - وسبق أن أوضحت أيضا أن الداني أولى اهتماماً بالغاً بفقه الأحاديث ومعرفة المعاني المستنبطة منها، ولذلك ركز على الإكثار من التبويب، وعلى التقليل من إيراد الأحاديث، وبهذا بلغت الأبواب ١١٢ بابا . وأما نعيم بن حماد فيبدو أنه على خلاف ذلك، حيث نجد أنه أكثر من إيراد النصوص، مما جعلها تتجاوز الفى نص، بينما لم تتجاوز الأبواب ٦٩ بابا رغم كبر حجم الكتاب . - وتقسيم الكتاب من الناحية الموضوعية . وقد سبق أن الدانى قسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وأما نعيم بن حماد فهو أيضا قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام، ولكن له اتجاه آخر يختلف عن اتجاه الداني اختلافا تاما، إذ نراه خصص القسم الأول للكلام على الفتن العامة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعها مشيرا إلى بعض العواقب السيئة التي تنجم منها . وخصص القسم الثاني للفتن الخاصة التي نشأت من أجل الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والقسم الثالث خصصه للكلام على بعض العلامات التي تقع قبل قيام الساعة . ومن الملاحظ أن نعيم بن حماد أولى اهتماما كبيرا لأمر السفياني والمهدي إذ خصص للأول حوالى ١٢ بابا، والثاني عشرة أبواب، تكلم فيها عن كل منهما من مختلف الجوانب، مما دعا الباحث / عبد العليم البستوى يقول في رسالته التي قام فيها بدراسة أحاديث المهدي: ((وقد اهتم في هذا الكتاب اهتماما بالغا بأحاديث المهدي من المرفوعات والموقوفات والمقطوعات وأقوال الناس وروايات أهل الكتاب حتى إننى لا أكون مبالغا إن قلت: إنه أوسع مرجع من المراجع القديمة التي عرفتها - ١٤٥ _ في هذا الموضوع(١)))، والأمر كما قال البستوى، وهذا لم يترك له مجالا لتوضيح الكثير من الأشراط في أبواب مستقلة . وأما الداني فلم يتعرض لموضوع السفياني إلا في باب واحد، ولموضوع المهدي في ثلاثة أبواب، وهذا أتاح له الفرصة لذكر الكثير من العلامات القريبة والبعيدة في أبواب خاصة ومستقلة، وبهذا نستطيع القول بأن كتاب الداني أجمع وأشمل من كتاب نعيم مع صغر حجمه، لأنه احتوى على الكثير من موضوعات الفتن وأشراط الساعة . فهذه هي بعض الأمور التي نجد فيها الاختلاف بينهما، علما بأن هناك أمورا أخرى حصل فيها الاتفاق بينهما منها : المنهج في إيداع المواد العلمية: فأودع نعيم بن حماد تحت كل باب من أبواب الكتاب جميع النصوص المتعلقة به من أحاديث مرفوعة وموقوفة وآثار مقطوعة بأسانيد متصلة لنفسه، وهو شيء فعله الداني أيضا في كتابه - كما بينت ذلك في موضعه - إلا أنه كثيرا ما تنتهى أسانيده إلى أصحاب الدواوين والمؤلفات، ونادراً ما يستقل بها. وذلك لتأخره في الزمن، وأما نعيم بن حماد فهو على العكس منه، فإن تقدمه في الزمن أهله للاستقلال بكثير من الروايات، بل يجعله في درجة المصادر لمن اعتمد عليهم الداني . - إيراد الأحاديث الموضوعة والواهية : وهو مما أخذ على الداني أيضا، ولكن نعيما أفرط في هذا الجانب إفراطا بالغا حتى صار ذلك أحد الأسباب للقدح فيه وعدم الاحتجاج به عند بعض أئمة الشأن . فقال أبو عبد الله النسائي: ((قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين (١) الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل (ص ٩٤). - ١٤٦ - بأحاديث كثيرة ، فصار في حد من لا يحتج به))(١) . وقال مسلمة: ((كان صدوقا، وهو كثير الخطأ، له أحاديث منكرة في الملاحم انفرد بها»(٢) . وقال فيه الذهبى الذي أثنى على كتاب الدانى: ((لا يجوز أن يحتج به، وقد صنف كتاب الفتن، فأتى فيه بعجائب ومناكير)) (٣). وقال الباحث / عبد العليم البستوى: ((لقد بحثت كثيرا في مروياته في هذه الرسالة فوجدت أن أغلب الأحاديث التي تفرد بها ضعيفة بمن هو فوقه، وإنما أفرط نعيم في الجمع بدون تحميص» (٤). - سوق الرويات المقطوعة وآثار الناس : وهو مما أخذ على الداني أيضا في كتابه، ولكن نعيم بن حماد بالغ في ذلك إلى حد الإفراط، حيث يتجاوز عدد الآثار المقطوعة عن عدد الأحاديث المرفوعة وكذلك عن عدد الأحاديث الموقوفة، وحسب التجريد الذي قمت به بلغت الأحاديث المرفوعة ٥٠٠ حديث تقريبا، والأحاديث الموقوفة حوالى ٧٠٠ حديث، وأما الآثار فزادت عن ٨٠٠ أثر، أي أنها تزيد عن الثلث من محتويات الكتاب، علما بأن الكثير ممن روى عنهم هذه الآثار عرفوا بالنظر في كتب الإسرائليات والرواية عنها، وعلى رأسهم كعب الأحبار، وقد بلغت الآثار المروية عنه حوالي ٢٧٠ أثرا. وهناك شيء آخر نلاحظه على نعيم بن حماد وهو أنه لم يقتصر على رواية أقوال الأئمة المعروفين، بل تجاوز إلى أن روى أقوالا كثيرة عمن (١) انظر سير أعلام النبلاء (٦٠٩/١٠). (٢) انظر تهذيب التهذيب (٤٦٢/١٠). (٣) سير أعلام النبلاء (٦٠٩/١٠). (٤) الأحاديث الواردة في المهدي ... (ص ٩٦). - ١٤٧ - هم في عداد المجهولين والمبهمين، منهم «شيخ أدرك الجاهلية، وسقط حاجباه))(١). ثم إنه أفرط في الجمع عنهم دون تمييز أو تمحيص ، فأورد الكثير من الأوابد والغرائب والمناكير، وأما الداني فنراه أخذ شيئا من التحرى في هذا الباب، ولذلك تقل نسبة الآثار المقطوعة عنده، كما أن أغلب من روى عنهم أقوالهم أئمة معروفون، ولا تتجاوز الآثار المروية عن كعب في كتاب السنن عن عشرين أثرا من عددها البالغ ١٣١ أثرا . وأما الموقوفات فهي أيضا في هذا العدد تقريبا، وأما البقية فهي أحاديث مرفوعة . وفي النهاية إذا أردنا تحديد بعض الصفات التي يتميز بها كل من الكتابين فيسعنا أن نقول: إن كتاب نعيم بن حماد يتصف بالأمور التالية: ١ - التقدم والأولية . ٢ - قصر الأسانيد . ٣ - كثرة المرويات المتعلقة بموضوع الفتن والملاحم . ٤ - الاهتمام بأمر المهدي . وأما كتاب الدانى فهو يتميز بالأمور التالية : ١ - تعرضه للكلام على جوانب عديدة في موضوع الفتن والعلامات. ٢ - تقسيم الكتاب تقسيما جيدا يساعد في إدراك الموضوع . ٣ - توضيح الكثير من الأشراط والعلامات القريبة والبعيدة في أبواب مستقلة . ٤ - غلبة روح المعالجة للقضايا المتعلقة بالفتن وفساد الأزمنة . ٥ - حفظ الكثير من النصوص الواردة في كتب تعتبر في حكم المفقود . (٣) انظر كتاب الفتن (ق ٥٥/ب، ١/٧٤، ١/٧٦، ١/١٠٠). -١٤٨ - الفصل الثالث ١ - وصف النسخة الخطية : نسخة الظاهرية: إني قد بذلت من الجهد والوقت ما استطعت في البحث عن النسخ الخطية للكتاب، ومع هذا فإنى لم أظفر أولا إلا بصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (١٤٣٣)، وهي مجلوبة من المكتبة الظاهرية بدمشق مصورة عن النسخة الخطية المحفوظة فيها برقم (٣١٤ حديث) ، وتقع في ١٩٧ ورقة ذات وجهين بحجم متوسط، وأما عدد أسطرها فيبلغ خمسة عشر سطرا في أغلب الأوراق في الثلثين الأولين، وأما الثلث الأخير فيصل فيه ١٦ أو ١٧ سطراً . وعدد الكلمات في كل سطر ما بين تسع وإحدى عشرة كلمة، ولا يوجد فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ . وخطها نسخي واضح جداً، وضبطت بعض الكلمات بالشكل كما أنه روعي فيها تنقيط الحروف ذات النقط على خلاف المعهود عند المتقدمين ويظهر لى أن نوع الخط حديث، مما يدل على تأخر النسخة، قد تكون منسوخة في القرن التاسع أو بعده، ويؤيد تأخرها أنها تخلو من السماعات والقراءات التي نجدها في أغلب النسخ الخطية المتقدمة، ولكن يبدو أنها تمت مقابلتها على الأصل المنسوخ منه، أو أنها قرئت على أحد العلماء . ويدل على ذلك أننا نجد في هامشها الجانبي علامة تشبه ( ٥ ) أو - ١٤٩ - (٥) وهي تكررت أكثر من عشر مرات بعد كل مجموعة من الأوراق(١). كما يدل على ذلك أيضا وجود التعليقات في هامشها، وهذه التعليقات على أنواع، منها ما هو لإِكمال السقط الواقع في متن الكتاب(٢). ومنها ما هو لتصحيح الخطأ الواقع فيه (٣)، ويلاحظ أن بعض هذه التعليقات بخط مغاير، ومن ذلك أنه ورد فيما رواه المؤلف من قول كعب ((واحبالها من نخل بيثان)) فأثبت في الهامش ((صوابه - والله أعلم - بيسان)) وكذا ورد في الأثر نفسه ((المرقليط)» فأثبت في الهامش: ((صوابه: البرقليط(٤) وورد في أثر آخر عن كعب ((ويلحقوا بالبرية)) فأثبت في الهامش: ((صوابه: يلحقون)) (٥). ويلاحظ أن أغلب هذه التعليقات موافقة للصحة والصواب، ويدل أيضاً على أن النسخة مقابلة أو مقروءة أننا نجد فيها عند تكرار الكلمة الواحدة أو زيارة العبارة علامة تشير إلى هذا التكرار أو هذه الزيادة(٦). وهذه الأمور ترفع من قيمة هذه النسخة وتثبت أهميتها، وأما بالنسبة لامتلاك النسخة فهى موقوفة، فقد أثبت في أولها عبارة نصها: «وقف (١) انظر على سبيل المثال: (ق١/٣٧، ١/٥٤، ٠١/٧٩ ١٠٠/أ،١٠٥/ب، ٠١/١١٢ ١١٢/ب). (٢) انظر على سبيل المثال: الأوراق ١/٢٢، ٢٨/ب، ١/٣١، ٠١/٣٥،١/٣٤ ٥٢/ب٠ ١/٥٣. (٣) انظر على سبيل المثال: الأوراق ٣٩/أ، ٤٥/ب، ٤٦/ب، ٥١/ب، ٥٣/ب، ٥٧/ب (٤) انظر ق ١٠٧/ب، ١٠٨/ب. (٥) انظر: ق ١٢٠/ب. (٦) انظر: ق١/أ، وقد تكرر فيها ((أن)) ووضعت علامة ((ص)) على ((أن)) الثانية، وانظر أيضا: ق ١٨٢/ب حيث كتبت فيها عبارة خطأ، فوضعت علامة ((ص)» في أولها، وكتبت في آخرها ((ص الى)). - ١٥٠ - المرحوم الملا عثمان الكردى على أرحامه، وعلى طلبة العلم من المسلمين»، وأثبتت وقفيتها في أوراق مختلفة من النسخة . هذا، وقد واجهت في هذه النسخة عدة صعوبات ومشاكل، إلا أنى حاولت التغلب عليها، ووفقت - بحمد الله وتوفيقه - للتغلب على الكثير منها، ومن هذه الصعوبات أن النسخة خالية من سند الرواية عن المؤلف، مما قد يتسبب لإثارة الشك حول صحة النسخة أو نسبتها إلى المؤلف، ولكن تمكنت من توثيق نسبتها إليه من طرق أخرى بحيث لا يبقى بعده أي مجال للشك، - إن شاء الله - ومن ذلك أن الأعلام المذكورين في بداية كل سند كلهم من شيوخ المؤلف الذين روی عنهم في مؤلفاته الأخرى . ومنه أيضا مانقل القرطبى عن أبي الخطاب بن دحية الذي قرأ أكثر كتب المؤلف، منها كتاب السنن الواردة في الفتن، وتناوله بانتقاده، وأشار أثناء نقده إلى أحد أبوابه، ونقله بالنص، فقال: («باب ما روي أن الوقعة التي تكون بالزوراء وما يتصل بها من الوقائع والآيات والملاحم والطوام» ثم أشار إلى الحديث الذي رواه المؤلف تحت هذا الباب(١). وعند الرجوع إلى النسخة نجد فيها الباب بنصه بفرق قليل جدا في لفظه، حيث ورد فيه ((في الوقيعة ... )) بدل ((أن الوقعة ... ))(٢) ويوجد تحت هذا الباب الحديث المشار إليه . ومنه ما سبقت الإشارة إليه من أن السلمى صاحب ((عقد الدرر في أخبار المنتظر)) أكثر من الاقتباس من كتاب السنن، حيث تتجاوز النصوص المقتبسة منه عن ستين نصا، وعند المقارنة بينهما وبين مافي (١) انظر التذكرة (ص ٧١٧). (٢) انظر الباب رقم ١٠٣. - ١٥١ - النسخة يظهر التوافق الكلى، لايوجد فيها من الفروق إلا ما يكون من قبيل الفروق بين النسخ المختلفة لكتاب واحد (١) . وهذه الأمور كلها تؤكد صحة النسخة، وتدل على توثيق نسبتها إلى المؤلف . ومن الصعوبات أيضا وقوع كثرة الأخطاء فيها، ولعل ذلك ناتج من تأخرها، وتنوعت هذه الأخطاء حيث يتعلق بعضها بالتحريف والتصحيف في الأعلام والرواة، ويتعلق بعضها بتغيير في المفردات، وبعضها بمخالفة القواعد العربية، كما أن بعضها حاصل بسبب النقص أو الزيادة في العبارات . وحاولت التغلب على هذه المشكلة بمساعدة من النصوص المقتبسة منه في بطون كتب المتأخرين، وكذلك بمساعدة من الكتب المعنية بالأمر، وبتوفيق من الله تعالى اهتديت إلى إرجاع الكثير من هذه الأخطاء إلى الصواب، وذلك حسب معرفتى ومبلغ علمي، ولم يبق منها إلا الأقل القليل الذي لم أوفق لمعرفة الصواب فيه . ومن الصعوبات أيضا أن الجزء الأول والجزء الثاني قد أصيبا بشىء من التقديم والتأخير مما جعل الأمر يلتبس في ترتيب الأوراق، وزاد الأمر صعوبة أن النسخة رقمت أوراقها بعد وقوع هذا التقديم والتأخير . وقد حاولت التغلب على هذه المشكلة، وأرجو أني نجحت إلى حد ما حيث استطعت إعادة جميع الأوراق المقدمة والمؤخرة إلى أماكنها الصحيحة، واستعنت في ذلك بعد الله تعالى بعدة من الأمور : (١) انظر النصوص الواردة في عقد الدرر بالأرقام (١٠، ٢٠، ٢٢، ٢٧، ٤٦، ٦٨،٦٧) وقارنها مع النصوص الواردة في كتاب السنن بالأرقام (٥٦٤، ٥٤٩، ٥٧٢، ٥٨٠, ٥٥٣،٥٦٦، ٥٥٩). -١٥٢ - أولها : سلسلة الأسانيد . والثاني : ترابط النصوص للأحاديث والآثار . والثالث : ترابط الموضوع . والرابع: ماذكره الألباني في فهرس مخطوطات الظاهرية (ص ١٨٤)، وقد أرجع أغلب الأوراق التي وقع فيها التقديم أو التأخير إلى أماكنها، علما بأن هذا التقديم والتأخير في الأوراق منعنى من تحديد بداية كل ورقة منها حسب ماهو متعارف في منهج التحقيق، لئلا يكون سببا التشويش القارىء . ولإعطاء الصورة الواضحة عن أمر النسخة نذكر فيما يلي أجزاء الكتاب مع بيان الأوراق التي يشتمل عليها كل جزء : الجزء الأول مع المقدمة: الأوراق ١/١٦٨ - ١٩٦/ب، ١/١٤٨ - ١٤٩/ب علما بأن الورقتين ١٧٥ و١٨٥، وقع فيهما تقديم وتأخير حيث جاءت الأولى مكان الثانية، والثانية مكان الأولى، ووقع سقط قليل في مقدمة الكتاب، ومقداره صفحة واحدة كما يتبين بمقابلتها على النسخة العراقية، وقد أكملته منها . الجزء الثاني: الأوراق ١٤٩/ب و١/١٦٠ _ ١٦٥/ب، و ١/١٥٠ _ ١٥٩/أ، ١/١ - ٥/أ، ووقع بين الورقتين ١٦٥/ب - ١/١٥٠ سقط، ومقداره ورقة واحدة ذهبت فيها أربعة أحاديث كاملة، وشىء من حديثین، وأكملت هذا السقط من النسخة العراقية، ويلاحظ أن هذه النسخة محذوفة الأسانيد، مما اضطرنى ترك البياض مكان كل سند من أسانيد هذه الأحاديث إلا الواحد منها فقد أكملته بطريقة أخرى . الجزء الثالث: الأوراق ٥/ب - ١/٤٧. الجزء الرابع : الأوراق ١/٤٧ - ٧٩/ب. الجزء الخامس: الأوراق ٧٩/ب - ١١٢/ب. - ١٥٣ - الجزء السادس: الأوراق ١١٢/ب - ١٤٧/ب، ١٦٦/أ - ١٦٧/ب . ويلاحظ أن هذه النسخة تنتهي أثناء حديث مرفوع عن عبد الله بن عمرو في قيام الساعة والنفخ في الصور مما يدل على أنها غير كاملة، ولكن هذا النقص ليس كبيراً، إذ يكمل الكتاب بتمام هذا الحديث، ومقدار السقط هنا أيضا لايتجاوز ورقة واحدة - كما هو الظاهر من النسخة الثانية. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنني اعتبرت نسخة الظاهرية هي الأصل، وعليها تمّ نسخ الكتاب وتحقيقه، وذلك لأنها هي التي كانت بحوزتى ثم إنها نسخة مسندة ومقابلة على الأصل المنسوخ منه - فهي في حد ذاتها نسخة جيدة لو لم تتصف بالسقط، وقد رمزت لها بالأصل، وبعد وصول النسخة العراقية أيضا أبقيتها على هذا الوصف ... وصف النسخة العراقية : لي مع هذه النسخة قصة طويلة، لا أريد سردها هنا إذ لا تكمن فيها فائدة كبيرة تهم القارىء، ولكن الذي أريد التنويه به هو أنني عندما تمّ تسجيل الكتاب لرسالة الدكتوراه أخبرت من قبل أحد المشتغلين بالمخطوطات وتجارتها بوجود نسخة أخرى منه، ومنذ ذلك الحين بدأت أسعى للحصول عليها متخذا في ذلك كل ما استطعت من طرق ووسائل، ولكن لم يكتب لي النجاح طوال ثلاث سنين حتى هديت أخيرا إلى مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت، فاستعنت به بعد الله تعالى، وكتبت إلى القائمين على هذا المركز طالبا منهم مساعدتي في الحصول على صورة منها، فوعدوني خيراً، ثم أنجزوا ما وعدوا حيث جلبوها من بغداد، وتكرموا بمنح صورة منها، فجزاهم الله تعالى أحسن الجزاء، وحصل في ذلك شىء من التأخير، لأسباب مختلفة، ولأن كل شىء مرهون بوقته وأوانه . - ١٥٤ - ٠٠ فلم تصلني هذه النسخة إلا بعد شهر كامل من مناقشة الرسالة، ولما وصلتني كدت أن أطير من الفرح والسرور، وكيف لا .. ؟! وقد واجهت في نسخة الظاهرية من المشاكل العويصة ماسبق ذكره بشىء من التفصيل أثناء وصفها، ومن أهمها النقص والخلل الواقع في ترتيب الأوراق . ومع أني قد أكملت ما استطعت إكماله من النقص، وقمت بترتيب الأوراق، وإرجاع كل ورقة مختلة إلى مكانها الصحيح مستعينا في ذلك بعد الله تعالى بعدة أمور بيّنتُها في موضعها إلا أن كل ما فعلته كان ظنيا تتطرق إليه احتمالات وشكوك، مما كان يجعلني في حاجة ماسة إلى ركن شديد آوي إليه للبتّ فيما فعلت، فاعتقدت حين وصول الصورة من النسخة العراقية أنني قد آويت إلى الركن الشديد الذي كنت في حاجة إليه، ولكن الفرح لم يدم طويلا إذ تبين لي من خلال تصفحها أنها محذوفة الأسانيد، علما بأن أغلب المشاكل منشأها الأسانيد، ولاسيما الأسانيد الخاصة بالمؤلف . وأما المتون فالمشاكل فيها قليلة نسبيا، ثم إن هذه المشاكل الخاصة بالمتون قد تغلبت على الكثير منها بالرجوع إلى مصادر التخريج، ولما اتضح لي أن النسخة العراقية محذوفة الأسانيد طار فرحي بدل ما كدت أن أطير من الفرح في أول الأمر، إلا أن هذا لا يعني أنها لا تتصف بأي أهمية عندي، بل هي مهمة جدا . وقد ساعدتنى كثيرا في إكمال النقص الواقع في النصوص، وإزالة الإشكالات التي عرضت لي في قراءة بعض الكلمات في نسخة الظاهرية، وأهم من هذا وذاك أنني أستطيع الآن القطع بصحة ما قمت به في صدد ترتيب الأوراق المختلفة في نسخة الظاهرية وإرجاعها إلى أماكنها، إذ تبين لي من خلال المقارنة بين النسختين أن الأبواب والنصوص في النسخة العراقية متفقة في الترتيب مع الأبواب والنصوص الموجودة في - ١٥٥ - نسخة الظاهرية بعد تعديل وترتيب أوراقها مع ملاحظة سقط بعض العبارات والنصوص في كل منهما في أماكن مختلفة، نعم، يوجد فيها موضع واحد فقط وقع فيه تقديم وتأخير في ترتيب بعض النصوص إذ أثبتت الأحاديث الواردة برقم (٢٠٣ - ٢٠٧) في نسخة الظاهرية تحت باب «كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ولا إمام)) بينما جاءت هذه الأحاديث في النسخة العراقية تحت الباب الذي قبله وهو باب «ماجاء أن الأئمة من قريش وأن الملك لايزال فيهم» . وقد حصل ذلك في الموضع الذي لايوجد فيه خلل في ترتيب الأوراق، وهو فيما يبدو لي غير ضار، لأنه أمر معهود في النسخ المختلفة للكتاب الواحد - وبعد هذا أنتقل إلى بيان وصف هذه النسخة، فأقول: إنها توجد في مكتبة المتحف العراقي تحت رقم ٧٤٧٦ علما بأن هذه المكتبة قد ضمت أخيرا إلى ما يسمى بدار صدام ببغداد، وتوجد منها صورة في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت تحت رقم ١٦٧٢٩ . أوراقها : أثبت على الورقة التي فيها عنوان الكتاب أنها ١٢٨ ص . وهو المثبت أيضا في فهرس ((مخطوطات الحديث النبوي في دار صدام)» ص ١٦٧ . أسطرها : ١٩ سطرا في كل ورقة . عدد الكلمات في كل سطر : مابين عشر كلمات وثلاث عشرة كلمة . مقاسها : ١٣ × ١٩ سم . اسم الناسخ وتاريخ النسخ : لم يذكر فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وأثبت في فهرس «مخطوطات الحديث النبوى في دار صدام)) أنها كتبت في القرن التاسع الهجرى - ويبدو أن ذلك مستنبط من بعض التملكات الموجودة عليها والتي يعود تاريخها إلى هذا القرن . - ١٥٦ - خطها : نسخى معتاد واضح، وضبطت بعض الكلمات بالتشكيل، كما أنه روعي فيها تنقيط الحروف ذات النقط . والنسخة لا توجد فيها إشارة تدل على أنها مقابلة على الأصل المنسوخ منه، أو أنها قرئت على أحد العلماء المتخصصين، بل هناك مايؤكد أنها غير مقابلة أو غير مقروءة إذ يوجد فيها سقط كثير السماعات نعم، يوجد في الجانب الأيمن والأيسر من النسخة تعليقات وحواشى، بعضها بخط مغاير لخط النسخة، مما يدل على أنها قرأها أحد العلماء، ومن هذه التعليقات ما أثبت في الورقة الأولى منها وقد جاء فيها ((اعلم أن هذه الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب غالبها لا أصل لها))، وفيها ما هو ضعيف، وفيها صحيح، والصحيح قليل، والآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين على هذا النمط، منه صحيح، ومنه سقيم))(١). ومن هذه التعليقات أيضا أنه أثبتت تراجم الأبواب على جوانب الصفحات قصدا لإبرازها، وتسهيلا على من أراد الرجوع إليها، وأما غيرها من التعليقات فأغلبها لاستدراك ماوقع من سقط للعبارات أو الكلمات، وهي بخط النسخة نفسه. وتوجد على هذه النسخة تملكات يصل عددها إلى الستة، وهي تدل على أن النسخة تداولته الأيدي المختلفة لفترات متباعدة، لأن أحد هذه التملكات يعود تاريخه إلى سنة ٨٧٨هـ، والآخر يعود إلى سنة ٨٩١هـ) والثالث إلى سنة ١٠٦٩هـ، وأما البقية فمنها ما لم يذكر تاريخه، ومنها ما ذكر تاريخه ولكن أصابه البلل أو الطمس، وأما أصحاب هذه التملكات فهم مذكورون بأسمائهم، إلا أن بعض هذه الأسماء أصابها (١) هذا الحكم فيه شيء من المبالغة، كما يظهر لمن نظر في الكتاب نظرة فحص وتمحيص، وكذلك لمن نظر في مبحث ((الدراسة النقدية للكتاب)) في القسم الدارسي. - ١٥٧ - البلل أو الطمس، فلم أتمكن من قراءتها، وبعضها واضحة، ولكنها غير معروفة . منها إبراهيم كبداش بن الحاج عبد القادر كبداش، وعبد الرحمن بن أحمد، وعبد المجيد بن عمر الحسامي . وقد سبق البيان بأن هذه النسخة محذوفة الأسانيد، فهي إذاً نسخة مختصرة، ولمعرفة الدافع الذي دفع المختصر إلى اختصار الكتاب، والمنهج الذي سلكه فيه نرجع إلى قول المختصر نفسه، فإنه بعد أن ساق مقدمة المؤلف ذكر مقدمة له، قال فيها: ((وبعد، فإني وقفت على ما ألفه الشيخ الحافظ أبو عمرو المقرىء - رحمه الله - في الملاحم والفتن، فألفيته في فنه قد شفا فيه الغلة، وأزاح باستيعاب ماروى في ذلك للعلة، غير أن الأسانيد - وإن كان اعتماد المحدثين عليها، وانتهاؤهم في تصحيح ما يصححونه، وتعليل ما يعللونه إليها - يستثقل أكثر الناس إيراد مايورد منها، وتنفر طباعه عنها(١)، ويراها حائلة بين الفهم ومعاني متونها، واقتطاف ثمر الفوائد من غصونها(٢)، وكذلك تحذف عند المذاكرة (١) ومن هنا نشأت المشاكل، واختلط الحابل بالنابل، فملئت كثير من الكتب بالواهيات والموضوعات إلى جانب الصحاح والحسان، ولهج بها كثير ممن نصب نفسه خطيبا للناس دون تمييز أو تفريق بين الصحيح والسقيم. فالله المستعان. (٢) هذا الذي ذكره المختصر من اقتطاف ثمر الفوائد مبني على صحة الأخبار، إذ لا فائدة في الأخبار الواهية أو الموضوعة حتى تقتطف ثمرها من غصونها - ولا سبيل إلى معرفة الصحيح من غيره إلا بالإسناد، أو التصريح بذلك من قبل العلماء الأعلام المتخصصين في هذا الباب. فلو قام المختصر بهذا حيث نقل عن أئمة الشأن تصريحهم بصحة أو عدم صحة هذه الأحاديث التي حذف أسانيدها لكان أجود، وللناس أفيد. وكذلك لو قام المختصر عقب كل حديث بعزوه إلى صاحب المصدر الذي رواه المؤلف من طريقه لكان أحسن. فإن المؤلف روى كثيرا من الأحاديث من طريق أعلام تركوا وراءهم مؤلفات في الحديث. -١٥٨ - في مجالس المحاضرة، ويكتفي بإسنادها لكتاب مشهور، لإمام بالفضل مذكور، متقلد بعهدة تصحيحها وتوثيق رجالها وتجريحها - ولكل عمل كما قيل رجال، ولكل مقام مقال - فحذفت أسانيده، واقتصرت على ذكر الصحابي الذي ينتهي الإسناد إليه، أو التابعي الذي مدار متن الحديث عليه ليلطف حجمه، ويقرب فهمه، ويعذب لسمع المستمع لفظه بحفظ المتحفظ حفظه، وإلى الله أرغب في الإعانة على ما قصدت، والتوفيق فيما أردت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب)). ولم أتمكن من معرفة اسم المختصر ولا من أى قرن هو. وعند إمعان النظر في هذه النسخة تتضح لنا عدة أمور: ١ - سقط عبارات كثيرة وطويلة تتجاوز في بعض الأحيان سطرا أو سطرين، ويبدو لي أن مرده سبق النظر من الناسخ لأن أغلب ما وقع من ذلك وقع في النصوص التي تتشابه عبارتها، وتتكرر فيها الألفاظ من الجنس الواحد، وأما سقط الكلمات فحدّث ولا حرج، إلا أننا لا نستطيع القطع بأن ذلك واقع من المختصر نفسه، إذ لا يوجد لدينا ما يدل على أن هذه النسخة منسوخة بيده، ويحتمل أن رجلا آخر غير الذي اختصر الكتاب قام بنسخها من نسخة المختصر، فوقع منه هذا السقط، والله أعلم(١) . ٢ - عدم الدقة في الاختصار : المنهج الذي سلكه المختصر في اختصار الكتاب - أنه يحذف الأسانيد ويقتصر على ذكر الصحابي الذي ينتهي إليه إسناد الحديث، أو التابعي الذي عليه مدار متنه، إلا إننا نلاحظ إنه عند الإختصار لم (١) انظر على سبيل المثال - لا الحصر - أرقام ٩، ١٢، ٢١، ٣٧٧، ٥٥٨، ٥٥٩، ٥٦٣، ٦٢٣، ٦٣١،٦٢٧،٦٢٦ (مع التعليق). - ١٥٩ - يلتزم الدقة والتأني، بحيث ينظر أولا ما ينبغي حذفه، وما لا ينبغي حذفه، وبعد ذلك يقوم بالحذف، ولكنه استعجل، فحذف ما بدا له في أول وهلة أنه ينبغي حذفه، مما أدى إلى خلل كثير في النصوص ومعانيها، وتغيير رواتها الذين عليهم مدار متن الحديث(١). ٣ - حذف الأحاديث المكررة : من منهج مؤلف الكتاب أنه كرر بعض الأحاديث في موضع واحد حيث رواه أكثر من مرة، ولكنه ساقه بأسانيد مختلفة، ولما جاء المختصر عند الأحاديث المكررة حذفها ولم يذكرها إلا مرة واحدة. علما بأن هذه الأحاديث تختلف بعض الأحيان في بعض ألفاظها . ثم إنه لم يذكر في منهجه أنه يحذف الأحاديث المكررة (٢). ٤ - ضعف مستوى الناسخ العلمي : يظهر من خلال التصفح لهذه النسخة أن الناسخ لها لم يكن على درجة مطلوبة من العلم والمعرفة - إذ نجده يخطىء كثيرا في كتابة أسماء. الأعلام المعروفين (٣). كما أنه يرسم بعض الكلمات حسب ما يظهر له دون معرفتها مع أنها واضحة، ويمكن تحديدها بالسياق والسباق إن وقع فيها غموض(٤). فهذه هي بعض الملاحظات العامة على النسخة العراقية وهي لا تعني أنها مليئة بالعيوب فقط، فهي تتصف ببعض المحاسن أيضا، ومن ذلك أنها - كما يظهر لي - نسخت أو اختصرت على نسخة جيدة تقل فيها الأخطاء ، ولاسيما الأخطاء اللغوية، ويدل على ذلك أننا نلاحظ في كثير (١) انظر أرقام ١٤،٥، ٢٤، ٢٥، ٤٥، ٦٠١، ٦٨٣ (مع التعليق). (٢) انظر أرقام ٢٦٣، ٣٤٦-٢٤٨. (٣) انظر أرقام: ١٤،٧،٥، ٦٢. (٤) انظر أرقام: ٥٢٥،٤٦٧،١٢،٩. - ١٦٠ -