Indexed OCR Text

Pages 21-40

وثَبَتَ(١) عن عُمَر رَضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّهُ أَتى النبيِّ وَّهِ، فقالَ: إِنَّا نسمعُ
أحاديثَ مِن يهودٍ تُعجبُنا، أَفترى أَنْ نكتُبَ بعضَها؟ فقالَ وَِّ: ((أَمُتَهَوَّكونَ أَنْتُم
كما تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟! لقد جِثْتُكُم بها بيضاءَ نقيَّةً، ولو كانَ موسى حيّاً؛
ما وَسِعَهُ إِلَّ اتِّباعي))(١).
قالَ الإِمامُ الْبَغَويُّ في ((شرحِ السُّنةِ)) (١ / ٢٧١): (((أُمُتَهَوَّكونَ)؛ أي:
مُتَحَيِّرونَ أَنْتُم في الإِسلامِ ، لا تعرفونَ دينَكُم، حتَّى تأخذوهُ مِن اليهودِ
والنَّصارى !! )).
وأخرجَ البخاريُّ في ((صحيحِه)) (٧٣٦٣) عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ
عنهُما؛ قالَ: ((كيفَ تسألونَ أَهلَ الكتاب عن شيءٍ وكتابُكُم الذي أُنْزِلَ على
رسولِ اللهِ أُحدثُ؛ تقرؤونَهُ مَحْضاً لم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُمْ أَنَّ أُهلَ الكِتاب بدَّلوا
كتابَ اللهِ وغيَّروهُ، وكَتَبوا بأيديهمُ الكتابَ، وقالوا: هُو مِن عندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ
ثَمناً قليلاً؟! أَلا يَنْهاكُم ما جاءَكُم مِن العلمِ عن مسأَلَتِهِم؟! لا واللهِ ما رأَيْنا مِنْهُم
رجلاً يسألُكُم عن الَّذِي أَنْزِلَ عليكُم)).
قالَ الإِمامُ ابنُ كثيرٍ في ((البداية والنهايةِ)) (٢ / ١٣٤): ((فهذه الأحاديثُ
دليلٌ على أنَّهُم قد بدَّلوا ما بأيديهم مِن الكُتُب السَّماويةِ، وحرَّفوها، وأَوَّلوها،
ووضعوها على غير مواضعها، ولا سيَّما مِنَ المعرَّباتِ التي لم يُحيطوا بها عِلماً
وهي بِلُغَتِهِم! فكيفَ يعرِّبونَها عنها بغيرها؟!
ولأجْلِ هذا وقعَ في تعريبِهِم خَطَأ كبيرٌ، ووَهَمٌ كثيرٌ، معَ ما لهُم مِن
المقاصِدِ الفاسدةِ، والآراءِ الباردةِ .
(١) حديث حسن، انظر طرقه وشواهده في ((الإِتمام ... )) (١٥١٩٥).
١٩

وهذا يتحقَّقُه مَن نَظَرَ فِي كُتُبِهِم الَّتِي بِأَيدِيهِم، وتأمَّلَ ما فيها مِن سوء
التّعبيرِ، وقَبِيحِ التَّبديلِ والتَّغييرِ، وباللهِ المُستعانُ، وهُو نِعْمَ المولى ونعمَ
النَّصير)) .
وعليهِ؛ فُيُحْمَلُ قولُهُ وَله: ((وحَدِّثْوا عنْ بَنِي إِسرائيلَ ولا حَرَجَ)) على ما
وافقَ شَرِيعَتَنا، وما ((علِمْنا صِحَّتَهُ مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهَدُ لهُ بالصِّدْق))؛ كما قالَ
شيخ الإِسلام ابنُ تيميَّةً في ((مقدِّمةِ أُصولِ التَّفسير)) (١٣ / ٣٦٦ - مجموع
الفتاوى) .
٧ - الملاحمُ وأَشراطُ الساعةِ
قالَ العلَّمَةُ صِدِّيق حَسَن خان القِنَّوْجي في ((أبجدِ العلومِ)) (٢ / ٥١٨)
في تعريفِه لـ ((علم الملاحم)): ((جمع (ملحمة)، وهي الواقعةُ العظيمةُ في
الفتنةِ؛ مثلُ: بُخْتَنَصَّر، ووقعة جنكيز خان، وهولاكو، وتَيمور)).
ثم قال بعد أن ذكَرَ إِخِبارَ النبيِّ وَّرَ عن الفِتَن: (( ... وقد وَقَعَتْ منها
ملاحمُ وفتنٌ كثيرةٌ، وسيقعُ ما بقيَ منها، ولكنَّ العلمَ بمواقِتِها مِمَّا استَأَثَرَ اللهُ
سُبحانَه وتعالى بعلمِهِ، ولا يتيسَّرُ لبَشَرِ أَنْ يعلمَ بوقتِها؛ إِلَّ بعدَ وقوعِها،
وحُصولِ التَّطبيقِ بالأحاديثِ الواردةِ فيها ... )).
ثمَّ قالَ: ((ولا ينبغي لِمَن يعتَقِدُ دينَ الإِسلامِ بقلبِهِ السَّليمِ أنْ يميلَ عندَ
حُدوثِ أمثالِ تلكَ الحَوادِثِ والأحوالِ إِلى أقوالِ المشايخِ وآَرَاءِ الرِّجالِ ، بلِ
الَّذي يجبُ على كُلِّ مؤمنٍ باللهِ ورسولِهِ واليومِ الآخِرِ أَنْ يستعلِمَ حُكْمَ الفتن
قبلَ الابتلاءِ بها مِن السُّنَّةِ؛ كما قيلَ: (أَعْطِ القوسَ باريَها))(١)، ولا مَنْجا مِن
(١) هو مثلٌ عربيٍّ مشهور.
٢٠

حوادِثِ الدُّنيا لأحدٍ كائناً مَن كانَ، ولا مَلْجَأَ لهُ إِلَّ اللهُ تعالى، وهُو الَّذي يتولَّى
الصَّالِحِينَ مِن عبادِهِ، ويؤمِّنُهُم مِن المَخاوِفِ والهَلَكَةِ في أرضِهِ وبلادِهِ، وباللهِ
التَّوفِيقُ)) .
وقالَ الإِمامُ القُرطبيُّ في ((التذكرة بأمورِ الآخرةِ)) (ص ٦٢٨) - بعد ذِكرِه
عدداً مِن أحاديثِ الملاحمِ والغيبيَّتِ وأشراطِ الساعةِ -: ((إِنَّ ما أُخبرَ بهِ النبيُّ
وََّ مِن الفِتَنِ والكوائن؛ أَنَّ ذلكَ يكونُ، وتعيينُ الزَّمانِ في ذلك مِن سنةِ كذا
وكذا ... يحتاجُ إلى طريقٍ صحيحٍ يَقْطَعُ العُذْرَ، وإنَّما ذُلك كوقتِ قيامٍ
الساعةِ، فلا يعلمُ أَحدٌ أَيَّ سَنَةٍ هيَ، ولا أَيَّ شهرٍ).
وقد نَصَحَ الإِمامُ الخَطيبُ البغداديُّ في كتابِهِ ((الجامع لأخلاقِ الرَّاوي
وآداب السَّامِع)) (٢ / ١٦٠ - ١٦٣) طَلَبَةَ العلمِ بتركِ الاشتغالِ بأخبارِ الأوائلِ؛
٤
مثلِ ((كتاب المبتد!)) ... ونحوه؛ ((فإِنَّ الشَّغْلَ بذلك غيرُ نافعٍ)).
ثمَّ قالَ رحمهُ اللهُ: ((ونظيرُ ما ذكَرْناهُ آنفاً أَحاديثُ الملاحم ، وما يكونُ مِن
الحوادِثِ؛ فإِنَّ أكثرَها موضوعٌ، وجُلَّها مصنوعٌ؛ كالكتاب المنسوب إِلى دانيال،
والخُطَب المروبَّة عن علي بن أبي طالبٍ)).
ثُمَّ روى رحمهُ اللهُ - بإسنادِه - عن الإمام أحمد رحمهُ اللهُ تعالى قولَه:
((ثلاثةُ كُتُبٍ ليسَ لها أُصولٌ: المَغازي، والملاحمُ، والتَّفْسيُ)) (١).
ثمَّ شرِحَ ذلكَ بقولِه: «وهذا الكلامُ محمولٌ على وجْهٍ، وهو أنَّ المُرادَ بهِ
كُتُبٌ مَخْصوصةٌ فِي هُذهِ المعاني الثلاثةِ، غيرُ معتمَدٍ عليها، ولا موثوقٍ
بصحّتِها؛ لِسوء أحوالِ مُصَنَّفيها، وعَدَمِ عدالةِ ناقِليها، وزياداتِ القُصّاصِ
فيها .
(١) وانظر لزاماً: ((البرهان)) (٢ / ١٥٦) للزركشي، و((الإتقان)) (٢ / ١٧٨) للسيوطي.
٢١

فَأَمَّا كُتُبُ الملاحمِ ؛ فجميعُها بهذهِ الصِّفةِ، وليسَ يصحُّ فِي ذِكْر
الملاحمِ المُرْتَقَبةِ والفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ غيرُ أَحاديثَ يسيرةٍ اَتَّصلتْ أسانيدُها إِلى
الرسولِ وَ﴿ من وجوهٍ مَرْضيَّةٍ، وطُرُقٍ واضحةٍ جليَّةٍ)).
وقد ذكر الحافظُ ابنُ حَجَر العسقلانيُّ في ((لسانِ الميزانِ)) (١ / ١٣)
سببَ ذلك، وهو أنَّ العمدَةَ فيها على الإِسرائيليَّاتِ.
وها هُنا تنبيهاتٌ ثلاثةٌ :
الأوَّلُ: أَنَّ أَشراطَ السَّاعَةِ وما يَتَّصلُ بها تُعَدُّ مِن الغيبِيَّاتِ، والغيبيَّاتُ مِن
أصولِ العقيدةِ، وأصولُ العقيدةِ لا تَثْبُتُ إِلَّ بالأسانيدِ الصَّحيحةِ الثَّابتةِ عندَ أهل
العلمِ المُختَصِّينَ .
فلا يجوزُ أَنْ يُستَدَلَّ على أَشراطِ الساعةِ بما هُو دُونَ ذلكَ مِن الضَّعيفِ أو
الموضوع ونحوهما.
ومِن تَمامِ هذا أَنْ نُشيرَ إِلى أَنَّ هُناكَ قَوْلاً مَرْجوحاً يَرى أَنَّ العقائدَ لا
تَثْبُتُ(١) بالصَّحيحِ مجَرَّداً؛ ما لم يَكُن مُتواتِراً! فما بالُ (بَعْضِهِم) يستدلُّ بغيرِ
الصحيحِ - بَلْهَ المُتواترِ - على إِثباتِ شيءٍ مِن هَذِهِ الغَيِيَّاتِ؟!
الثَّاني: أَنَّ الأحاديثَ الوارِدَةَ في أشراطِ الساعةِ إِنَّما الحِكْمَةُ مِن إِيرادِها
ودِلالةِ النَّاسِ عليها؛ ما قالَهُ الإِمامُ القرطبيُّ في ((التذكرةِ)) (ص ٦٢٤): ((تنبيهُ
النَّاسِ عنْ رقدَتِهِم، وحثُّهُم على الاحتياطِ لأنفُسِهم بالتوبةِ والإِنابةِ؛ كي لا
يُبَاغَتُوا بِالحَوْلِ بينَهُم وبينَ تدارُكِ العوارِضِ منْهُم .
فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَكونوا بعدَ ظُهورِ أَشراطِ الساعةِ قد نَظَروا لأَنْفُسِهم،
(١) انظر ردّه في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (٢ / ٣٣٢ - ٤٤٦) للعلامة ابن القيم.
٢٢

وانْقَطَعوا عن الدُّنيا، واستعدُّوا للساعةِ الموعودِ بها، واللهُ أعلمُ)).
وعليهِ؛ فإِنَّ إِيرادَ أحاديثِ أشراطِ الساعةِ قبلَ وقوعِها؛ إِنَّما هُو للتَّنبيهِ
والتَّحذير.
أَمَّا أَنْ يُورِدَها (بعضُهُم) لمجرَّدٍ مُشابهةٍ لواقعٍ ما، أو مُماثلةٍ لحَدَثٍ
مُعَيَّنٍ؛ فهذا ليسَ مِن الأصولِ العلميَّةِ الصَّحيحةِ .
وقد سَبَقَ (ص ٢٠) أنَّ أشراطَ الساعةِ ((لا يتيسَّرُ لبَشَرِ أَنْ يعلَمَ بوقْتِها إِلَّ
بعدَ وقوعِها وحُصولِ التّطبيقِ بالأحاديثِ الواردةِ فيها))؛ كما قالَ العلَّمَةُ
القِنَّوْجِيُّ.
إِذ مثلُ ذلك الاستدلالِ قبلَ الوقوع لمجرَّدِ تلكَ المشابهةِ أَو المماثلّةِ
- على فَرَضِ صحَّةِ الأحاديثِ المستَدَلَّ بها وثُبُوتِها - إِنَّمَا هُو فَتْحٌ لباب ظَنّ
كبيرٍ، يؤدِّي إِلى اضطرابٍ في المفاهيمِ ، وتغايُرِ في الأفكارِ، وتشتَّتٍ للأنظارِ !!
ومِن أَقْربِ الأدلَّةِ على ما ذكرتُ: ما رواهُ الإِمامُ مسلمٌ في ((صحيحِه))
(١٨٤٤) عن النبيِّ نَّهِ: أنَّهُ قالَ: ((إِنَّ أُمَّتَكُم هذه جُعِلَ عافيَّتُها في أُوَّلِها،
وسيصيبُ آخِرَها بلاءٌ وأُمورٌ تُنكِرونَها، وتَجيءُ فتنةٌ فَيُرَقُّقُ(١) بعضُها بعضاً، وتجيءُ
الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكتي، ثمَّ تنكشفُ، وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ:
هذهِ ... هذهِ ... فمَن أَحبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عنِ النَّارِ ويُدْخَلَ الجنَّةَ؛ فلتَأْتِهِ مِنيَّتُهُ وهُو
يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ)).
فهذا دليلٌ جَلِيٌّ واضحٌ أَنَّ مجرَّدَ المشابهةِ لا تستلزمُ المُطابقةَ، أَو تنزيلَ
(١) اختلف في ضبط هذا اللفظ ومعناه، وأقربُها - إن شاء الله - أنَّ المراد منه: ((يُشبه بعضها
بعضاً».
٢٣
.

الغيبيَّاتِ على الواقِعِيَّاتِ.
ثمَّ في الحديثِ إِشارةٌ بَيِّنَةٌ إِلى ما يَعْصِمُ المؤمنُ بهِ نفسَه عندَ وُرودِ الفِتَن،
واصطراعِ الأحداثِ .
وأُوردُ مثالَيْن يؤكَّدانِ - بجلاءٍ - ما انتهيتُ إِليهِ :
الأوَّلُ: ما قالَه العلَّامةُ السُّيوطيُّ في ((الكشفِ عن مُجاوزةِ هُذهِ الأمةِ
الألف)) (ص ٢٣) بعد ذكره عدداً مِن الأحاديثِ والآثارِ(١) التي فيها تحديدُ عُمُرِ
الدُّنيا وعددُ سنواتِها (!) قالَ: ((الَّذي دلَّتْ عليهِ الآثارُ أَنَّ مدَّةَ هذه الأمةِ تزيدُ على
أَلْفِ سنةٍ، ولا تبلُغُ الزِّيادةُ عليها (٢) خمسَ مئةِ سنةٍ ... )).
قلتُ: ثمَّ ذكرَ رحمهُ اللهُ عدَّةَ آثارٍ؛ لِيُثْبِتَ منها دَعواهُ !! فيها تواريخُ
وحساباتٌ !!
وقد جَمَعَ تلكَ التواريخَ العلّامةُ الصَّنْعانِيُّ - كما في ((الإِذاعةِ لأشراطٍ
الساعةِ» (ص ١٨٤) -، وقالَ: ((فهذه مئتا سنةٍ وثلاثٌ وستُّونَ سنةً .
ونحنُ الآنَ في القرنِ الثاني عَشَر، ويُضافُ إِليهِ مئتانٍ وثلاثٌ وستُّونَ سنةً ،
فيكونُ الجميعُ أربعةَ عشرةَ مئةً وثلاثةً وستِّينَ.
وعلى قوله: إِنَّهُ لا يبلُغُ خمسَ مئة سنةٍ بعدَ الألفِ؛ يكونُ مِنْتَهى بقاءِ الأمةِ
بعدَ الألفِ، أُربعَ مئة سنةٍ وثلاثاً وستِّينَ سنةً، ويتخرَّجُ منهُ أَنَّ خُروجَ الدَّجَّالِ
- أَعَاذَنا اللهُ من فِتنتِه - قبلَ انخرامِ هذه المئةِ التي نحنُ فيها، وهي المثةُ الثانيةَ
عشرةَ مِن الهجرةِ النبويَّةِ) !!
(١) لم يصحَّ من الأحاديث شيءً، أما الآثار؛ فغالبها من الإِسرائيليات.
(٢) أي: على الألف.
٢٤

وعقَّبَ عليهِ القِنَّوْجيُّ بقوله: ((وقد مضى إِلى الآنَ على الألفِ نحوٌ مِن
ثلاث مئة سنةٍ، ولم يظهَرِ المهديُّ! ولم ينزلْ عيسى! ولم يَخْرُجِ الدَّجَّالُ! فدلَّ
على أَنَّ هذا الحسابَ ليسَ بصحیحٍ)) !!
قلتُ: فتأُمَّلوا - عَصَمنا اللهُ وإِيَّكُم - كيفَ يكونُ تَنْزِيلُ أماراتِ الساعةِ
وأشراطِها قبلَ وقوعِها !!
وقد قالَ الشيخُ مَرْعِيَّ الكَرْميُّ الخَنْبليُّ في رسالتِهِ ((بهجةِ النَّاظرينَ))(١)
تعقُّباً على السُّيوطيِّ: ((وهذا مردودٌ؛ لأنَّ كُلَّ مَنْ يتكلّمُ بشيءٍ مِن ذُلكَ؛ فهو ظَنّ
وحُسبانٌ، لا يقومُ عليهِ بُرهانٌ)).
وهذه قاعدةٌ مُهمَّةٌ في هذا البابِ .
المثالُ الثَّاني: ما تَنَاقَلَهُ بعضُ الخُطباءِ والْوُعَاظِ وكثيرٌ مِن النَّاسِ والعوامِّ
في شهرِ رمضانَ لسنةٍ (١٤٠٩ هـ) وتداوَلوه في بَلَدنا هذا مِن حديثٍ نقلوهُ مِن
كتاب ((كَنْزِ العُمَّال)) (٢) (١٤ / ٥٦٩) عن ابن مسعودٍ: أَنَّ النبيَّ وَِّ قالَ: ((إِذا
كانَ صيحةٌ في رَمضانَ؛ فإِنَّهُ يكونُ معمعةٌ فِي شَوَالَ ... والصَّيحةُ هدَّةٌ في
النصفٍ مِن رمضانَ ليلةَ الجمعةِ، فتكونُ هدَّةٌ توقِظُ النائمَ، وتُقِعِدُ القائمَ ...
فإِذا وافَقَ شهرُ رمضانَ في تلكَ السنةِ ليلة الجمعةِ، فإذا صلَّيْتُم الفجرَ مِن يومٍ
الجُمُعةِ؛ فادْخُلوا بيوتَكُم، وأَغْلِقوا أبوابَكُم، وسُدُّوا ◌ُواكُم، ودَثِّرُوا أَنْفُسَكُم،
وسُدُّوا آذانَكُم، فإِذا أَحْسَسْتُم بالصَّيْحةِ؛ فخِرُّوا للهِ سُجّداً، وقولوا: سُبحانَ
القُدُوسِ ، سُبحانَ القُدُّوسِ ، رَبَّنَا القُدُّوسَ؛ فإِنَّهُ مَن فَعَلَ نَجا، ومَن لَمْ يَفْعَلْ
مَلَكَ)».
(١) كما في ((الإذاعة)) (ص ١٨٧).
(٢) انظر ما سيأتي (ص ٥٥) عنه.
٢٥

هذا مختصرهُ.
وقد انْتَشَرَ هذا الحديثُ في ذلكَ العام انتشاراً كبيراً، وحَسِبَ كثيرٌ مِن
الناس (!) أَنَّ الساعةَ كادتْ (!) تقومُ! فخافوا ... وخوَّفوا مَن حولَهم، وخُطِبَ
بِهِ على المَنابِرِ، وصارَ دَيْدَنَ المجالس ... وهكذا ...
وكُنتُ قد كتبتُ مقالاً بتاريخ ٢٠ / ٤ / ١٩٨٩م، نُشِرَ في جريدة الدُّستور
الأردنية في الرابع عشر من شهر رمضان في العام نفسِه (١٤٠٩ هـ)؛ بيِّنْتُ فيهِ
كذبَ هذا الحديثِ، وبُعْدَهُ عن الصحَّةِ والتُبوتِ، وأَنَّهُ لا يجوزُ الاستدلالُ بمثلِه
قطُّ على أشراطِ الساعةِ وعلاماتِها.
ثُمَّ !!
جاءَ النُّصْفُ مِن رمضانَ، وانْتَهى رمضانُ كُلُّهُ، وجاءَ رمضانُ آخرُ!
وهكذا ... دونَ أَن تكونَ صيحةٌ، أَو تَأْتِيَ هَدَّةٌ !!
فهذانِ مثالانِ - في القديم والحَديثِ - يُبِّنانِ بِجَلاءٍ عَدَمَ جوازٍ
الاستدلالِ بما لا يصحُّ مِن الحديثِ في معرفةِ الساعةِ وأَشراطِها، لعلَّهُ يكونُ
فيهِما رادِعٌ (علمِيٌّ) لكُلِّ مَنْ يستَبِقُ الأحْداث؛ مُتَكَلُّماً بالأوهام والأضغاث!
أُمَّا الصَّحِيحُ الثابتُ مِن الحديثِ في أشراطِ الساعةِ وعلاماتِها؛ فلا يجوزُ
الاستدلالُ بهِ على واقعةٍ معيّنَةٍ، أَو نازلةٍ ما قبلَ وقوعِها؛ لمجرَّدِ المُماثَلَةِ أو
المُشابهةِ، وإنَّما تُورَدُ كأصولٍ عامَّةٍ، وقواعدَ كُلِيَّةٍ؛ تحذيراً وتنبيهاً.
الثالثُ: أَنَّ مُطابقةَ الحديثِ الضَّعيفِ (١) لشيءٍ مِن الواقعِ أو مُشابهَتَهُ؛ لا
(١) ولا أقول: المكذوب، أو الذي لا أصل له؛ فهما خارجان من دائرة البحث تماماً.
٢٦

تدلُّ على ثُبُوتِه وصحَّتِه، إِذ لعلمِ الحديثِ قواعدُه وأصولُه، وطرائقُ تصحيحٍ
رواياتِه معلومةٌ معروفةٌ، لها أَربابُها، ويعرفُها أصحابُها.
ثَمَّ إِنَّ فتْحَ بابِ التَّصحيحِ لمجرَّدِ المُشابهةِ أَو المُطابقةِ فَتْحٌ لبابِ ظنِّ
كبيرٍ، قد يؤدِّي - عياذاً باللهِ - إِلى زعزعة الثقةِ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ المشرَّفَةِ، وعدَمٍ
قَبولِها عندَ بعضِ ضُعَفاءِ النُّفوسِ ومَريضي القُلوبِ.
وبيانُ ذلكَ مِن وُجوهِ :
الأوَّلُ: أَنَّ دعوى التَّصحيحِ لمجرَّدِ المشابهةِ أَو المُطابقةِ قد يُقابلُها
دعوى الرَّدُّ والإِنكارِ فيما لم يأتِ لهُ مِن السُّنَن شَبَةٌ أَو مُطابقةٌ.
الثَّاني: أَنَّ الجَزْمَ بأَنَّ الحديثَ الفلانيَّ وارِدٌ في هذه الحادثةِ أَو تلكَ؛ ظنَّ
وتَخْمِينَ، فقدْ مرَّتْ حوادِثُ كثيرةٌ مُتشابهةٌ على مرِّ التاريخِ الإِسلاميِّ، فما هُو
بُرهانُ الجزْمِ ودليلُه على أَنَّ هذا الحديثَ أَو ذاكَ آتٍ في هذهِ الحادثةِ أَو تلكَ
بعينِها؛ دونَ ما سَبَقها؛ فَضْلاً عمَّا سَيَأْتِي فِي المُسْتَقبلِ مِن مِثْلِها؟!
الثّالثُ: أَنَّنَا رَأَيْنا - وللأسفِ - عدَداً مِن الدُّعاةِ (العَصْرانيِّينَ)، فَضْلًا عن
بعض (المُثْقَّفِينَ)، يَرُدُّونَ بعضَ ما صَحَّ مِن الأحاديثِ النبويَّةِ الواردةِ في ذِكْرِ
بعضِ المُعجزاتِ الطبيّةِ ونحوها، ويُنْكِرونَ هذه الأحاديثَ ويَرْفُضونَها، لا
لشيءٍ؛ إِلَّ لأنَّها لم تُطابِقْ فَهْمَ عقولِهِم لهذه الطَّاتِ والأحاديثِ المُعْجِزات !!
فما بالُكُم لو وُسُّعَتْ دائرةُ هذه الطّريقةِ البَتْراءِ تصحيحاً وتضعيفاً؟! لكانَ
ذلكَ - عياذاً باللهِ ـ مِعْوَلَ هَدْمٍ للسُّنَّةِ، وَسَبَباً لرَدِّها بالكُلِّيَّةِ.
إِذاً؛ القواعدُ العلميَّةُ المُنْضَبِطَةُ هيَ الَّتِي تُطَبْقُ على المَرْويَّاتِ ردّاً وقبولاً ،
لا أَنْ يكونَ هذا نُهْبةً للآراءِ المختلفةِ والعقولِ المُتباينةِ، إِذاً؛ لصارتِ السُّنةُ
٢٧

سُنناً، فما تقبلُه أَنتَ قدْ أَرفضُهُ أَنا، وما أُثْبَّتُهُ أَنا قد تردُّهُ أَنتَ!
وهذا مِفتاحٌّ لنَقْضِ الدِّينِ مِن أَساسِه؛ عياذاً باللهِ.
٨ - عِلْمُ الغَيْبِ
مِنَ المقطوع بهِ شَرْعاً أَنَّ علمَ الغيب ممَّا اختصَّ اللهُ سبحانه وتعالى بهِ
نفسَه؛ كما هو صريحٌ في آياتٍ كثيرةٍ وأحاديثَ وفيرةٍ .
وأَوَّلُ ذلكَ أَنَّ مِن أُهمِّ صفاتِ المؤمنينَ إِيمانَهُم بالغيب؛ كما في قوله
تعالى: ﴿الَّمَ. ذلكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدِئَّ للمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْب
ويُقيمونَ الصَّلاةَ ... ﴾(١).
فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾(٢).
وقولُهُ سُبحانَه: ﴿وللهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ وإِليهِ يَرْجِعُ الأمْرُ
كُلُّهُ﴾(٣).
وقولُهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّ هُوَ﴾(٤).
وقولُهُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إِلَّ اللهُ﴾ (٥).
وقولُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدأ﴾(٦).
(١) البقرة: ١ - ٣.
(٢) آل عمران: ١٧٩ .
(٣) هود: ١٢٣.
(٤) الأنعام: ٥٩.
(٥) النمل : ٦٥.
(٦) الجن: ٢٦.
٢٨

في آياتٍ عِدَّةٍ.
وثَمَّةَ آياتٌ أُخْرى تنفي علمَ الغَيْبِ عن رَسولِ اللهِ وَِّ؛ منها:
قولُه تعالى: ﴿قُلْ لا أَقولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ﴾(١).
وقولُه جلَّ وعلا: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾(٢).
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا أَقولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ﴾(٢).
وعليهِ؛ فقد وردَت الأحاديثُ النبويةُ تَتْرى في التَّحذيرِ مِن التعدِّي على
علمِ الغَيْبِ، أَو تَصْدِيقِ العَرَّافِينَ:
كما في قوله ﴿الَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافاً، فسَأَلَهُ عَنِ شيءٍ؛ لمْ تُقْبَلْ لهُ صلاةٌ
أربعينَ ليلةً﴾(٤).
وقولِهِ وَله: ((مَنْ أَتَى عَرَّافاً أَو كاهِناً، فصَدَّقَهُ بما يقولُ؛ فقدْ كَفَرَ بما أُنْزِلَ
على محمَّدٍ وَ))(٥).
وعلى هذا عقيدةُ أهل السُّنّةِ والجماعةِ؛ كما في ((عقيدةِ الإِمامِ
الطَّحاويِّ)): ((ولا نُصَدِّقُ كاهِناً ولا عَرَّافاً)) .
وقالَ الإِمامُ ابنُ أبي العِزِّ الحَنَفيُّ في ((شرحِهِ)) (ص ٥٠٢): ((والمُنّجِّمُ
(١) الأنعام: ٥٠.
(٢) الأعراف: ١٨٨.
(٣) هود: ٣١.
(٤) رواه مسلم (٢٢٣٠) عن بعض أزواج النبي 18.
(٥) أخرجه: أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والدارمي (١ /
٢٥٩)؛ بسند حسن عن أبي هريرة.
وتمام تخريجه في ((الإتمام ... » (٩٢٧٩).
٢٩

يدخُلُ في اسمِ (العَرَّافِ) عندَ بعضِ العُلماءِ، وعندَ بعضِهم هو في معناهُ، فإِذا
كانتْ هُذهِ حالَ السائلِ ؛ فكيفَ بالمسؤول؟!)).
وعن ابن عباسٍ : أَنَّ النبيَّ ◌َّ قالَ: ((مَن اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِن النّجومِ ؛ فقدٍ
اقْتَبَسَ شُعبةً مِن السِّحْرِ، زادَ ما زادَ))(١).
وفي حديثٍ مُعاويةَ بنِ الحَكَم السُّلَميِّ عندَ الإِمامِ مسلمٍ في ((صحيحِه))
(رقم ٥٣٧)؛ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! إِنَّ مِنَّا رجالاً يأتونَ الكُهَّانَ؟ قالَ: ((فلا
تَأْتِهِمْ)) .
وصَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في قومٍ يْتُبُونَ حروفَ أَبي جادٍ
ويَنْظُرُونَ في النُّجومِ ؛ قالَ: (ما أَدْرِي مَن فَعَلَ ذلكَ لهُ عندَ اللهِ خَلاقٌ؟!))(٢).
وحروفُ أَبي جادٍ مُتَعَلَّقَةٌ بعلمِ النُّجومِ.
وقالَ الحافظُ ابنُ رَجَب الحنبليُّ في ((فضلِ علمِ السَّلفِ على علمِ
الخَلَف)) (ص ٢١ - بتحقيقي): ((فعلمُ تأثيرِ النُّجومِ باطلٌ، والعملُ بمقتضاهُ
- كالتقرُّبِ إِلى النُّجومِ، وتقريبِ القَرابينِ لها - كُفْرٌ».
وقالَ ابنُ أبي العِزِّ في ((شرحِه)) (ص ٥٠٣ - ٥٠٤): ((وصناعةُ التّنْجيمِ
- التي مضمونُها الإِحكامُ والتَّأْثيرُ، وهو الاستدلالُ على الحوادثِ الأرضيَّةِ
بالأحوالِ الفَلَكِيَّةِ، أو التَّمزيجُ بينَ القُوى الفَلَكِيَّةِ والغَوائِلِ الأرضيَّةِ - صِناعةٌ
(١) رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١ / ٢٢٧ و٣١١)؛ بسند
صححه: الإِمام النووي في ((رياض الصالحين)) (١٦٧٩)، والإِمام العراقي في ((تخريج الإحياء)»
(٤ / ١١٧).
(٢) رواه: مَعْمَر في ((جامعه)) (١٩٨٠٥)، والبيهقي (٨ / ١٣٩)؛ بسند صحيح.
٣٠

مُحَرَّمَةٌ بالكِتاب والسُّنَّةِ، بل هي محرَّمَةٌ على لِسانٍ جميعِ المُرْسلينَ».
ثمّ قالَ ذاكِراً أَنُواعَ هؤلاءِ العَرَّافِينَ والمُنجِّمينَ: ((نوعٌ منْهُم أَهلُ تلبيسٍ
وكذبٍ وخِداعٍ ، الذينَ يُظهِرُ أُحدُهُم طاعةَ الجِنِّ لهُ، أَوْ يَدَّعي الحالَ مِن أَهلِ
الحالِ مِن المشايخِ النَّصَّابينَ، والفُقراءِ الكَذَّابينَ، والطُرُقَّةِ المَكَّارِينَ، فهؤلاءِ
يستحقُّونَ العقوبةَ البليغةَ التي تردَعُهُم وأمثالَهُم عن الكذبِ والتَّلبيسِ ، وقد يكونُ
في هؤلاءِ مَن يستحقُّ القَتْلَ)).
وقد نَقَلَ هذا الكلامَ مُقِرَأْ لَهُ الشيخُ عليّ القاري في ((شرحِ الفقهِ الأكبرِ))
(ص ١٢٤ - ١٢٥)، ثمَّ قالَ: ((اعْلَمْ أَنَّ الأنبياءَ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ لم يَعْلَموا
المُغَيَّاتِ مِن الأشياءِ إِلَّ ما عَلَّمَهُم اللهُ تعالى أحياناً، وذَكَرَ الحنفيَّةُ (وغيرُهم)
تصريحاً بالتكفير باعتقادِ أنَّ النبيَّ وَّهِ يعلمُ الغَيْبَ؛ المعارضةِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّ اللهُ ... )))
قلتُ: إِذا وَضَحَ ما قَدَّمْتُه - بحمدِ اللهِ - يظهرُ الجوابُ على حُكْمٍ مَن (١)
أَتِى أَو صدَّقَ العرَّفِينَ، أَو قَرَأْ كُتُبُهم، أَو اقْتَنَعَ بتنبُّؤْاتِهِم؛ سواءٌ أَكانتْ هُذهِ
الكتبُ أَوْ كُتَّبُها منسوبينَ إِلى الإِسلامِ أَمْ لا (٢)، فالحكْمُ واحدٌ.
فإِنْ قيلَ: إِنَّ بعضَ ما في هذه الكتبِ مِن إِخبارٍ عن حوادِثَ مستقبليَّةٍ قد
وَقَعَتْ أَو (رُبِّما ستَقَعُ)؟ !!
فالجَوابُ أَحدُ وَجْهِينِ :
(١) انظر أيضاً: ((حاشية ابن عابدين)) (٤ / ٢٤٣)، و«المغني)) (٨ /١٥٥).
(٢) وقد انتشر في هذه الأيام - في بلدنا - كتاب ((تنبُّؤات نوسْتر أداموس))، وهو من الكفار،
وقد نشرت كثير من الصحف والجرائد إعلانات تدلُّ عليه !! فلا قوة إلا بالله.
٣١

الأوّل: أَنَّ هذا مِن التَّنجيمِ أَو السِّحْرِ، وقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَثَبَتَ جُرْمُه!
الثّاني: أَنَّ هذا مِن خَطْفِ الجِنِّ وإخبارِه لأوليائه؛ كما رواه: البخاريُّ
(٥٧٦٢)، ومسلمٌ (٢٢٢٨)؛ عن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنها؛ قالت:
سَأَلَ رسولَ اللهِ وَّهِ ناسٌ عن الكُهَّانِ؟ فقالَ: ((ليسوا بشيءٍ)). فقالوا: يا رسولَ
اللهِ! إِنَّهُم يُحَدِّثونَ أَحياناً بالشيءٍ فيكونُ حَقّاً؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَ: ((تلكَ
الكلمةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُها في أُذُنٍ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ معَها أَكثرَ
مِن مئة گذِبٍ)).
قالَ الخَطَّابِيُّ (١): ((بَيِّنَ وَّ﴿ أَنَّ إِصابَةَ الكاهِن أحياناً إِنَّما هيَ لأنَّ الجَنِّيَّ
يُلقي إِليهِ الكلمةَ التي يسمعُها استراقاً مِن الملائكةِ، فيزيدُ عليها أكاذيبَ يقيسُها
على ما سمِعَ، فرُبَّما أصابَ نادِراً، وخطؤهُ الغالبُ)).
وهذا مِمَّا يُظْهِرُ الحَقَّ، ويكشِفُ الباطلَ؛ بحمدِ اللهِ.
قلتُ: ومِنَ المُناسب في هذا المقامِ التَّبيهُ على كتابِ اشْتَهَرَ في هذهِ
الأيَّامِ شهرةً كبيرةً، وتداوَلَهُ الناسُ فيما بينَهُم كالمُسَلَّمَاتٍ واليقِيَّاتِ، ألا وهو
كتاب ((المسيح الدَّجَّال؛ قراءة سياسِيَّة في أصول الدِّيانات الكُبرى))؛ مِن تأليفٍ
سعيد أَيُّوب، ونَشر دار الاعتصام في القاهرة سنة ١٩٨٩م.
وشهرتُه المذكورةُ جاءَتْ مِن جَرَّاءِ مشابهةٍ أَو مُماثلةِ بعضِ الوقائعِ
والأحداثِ المذكورةِ فيهِ لِمَا نَحْيَاهُ في عَصْرِنا هذا، وأيَّامِنا هذهِ، بتنزيلِ الأسماءِ
على الشخصِيَّاتِ والأمكنةِ حَسَبَ ما يقومُ في ذِهنِ قارئهِ مِن تَصَوُّرٍ ومشاعِرَ
تعكِسُها الأحداثُ!
(١) كما في ((فتح الباري)) (١٠ / ٢٢٠).
٣٢

فأقولُ: بعدَ قِراءَتي لهذا الكتاب قراءةً فاحصةً دقيقةً، رأيتُ أنَّهُ يُقْسَمُ إِلى
أقسامٍ خمسةٍ :
الأوَّلُ: آياتٌ قُرآنِيَّةٌ وأحاديثُ نَبَويَّةٌ صحيحةٌ: وهي عُموماتُ وكُلِّيَّاتٌ حولَ
الفتن وأشراطِ الساعةِ وخَطَرِ اليهودِ ومَن شايَعَهُم.
الثّاني: نُصوصٌ تفصِيلِيَّةٌ مِن آثارٍ وأحاديثَ: وغالِبُها ضَعِيفةٌ لا تَصِحُّ ولا
تثبتُ، ومنها مَا هُو مَكذوبٌ مَصْنوعٌ، اغتَرَّ المؤلِّفُ بذِكْرِهِ في بعضِ الكُتُب
الجامِعَةِ للأحاديثِ؛ كـ ((كَنْزِ العُمَّال))(١) وغيرِهِ.
الثّالثُ: نُصوصٌ مِن كُتُبِ أَهلِ الكِتابِ؛ كالتَّوراةِ والإِنجيلِ والزَّبورِ،
أَوْرَدَها مُنَزِّلاً إِيَّاها على الواقعِ الَّذي نعيشُهُ، بل على المُسْتَقْبَلِ الذي نتَظِرُه!
الرَّابعُ: تفسيراتُ عُلماءِ أَهْلِ الكِتَابِ لكُتُبِهِم وأناجيلِهِم: وهِيَ الَّتي
دارَتْ رَحَى الكِتاب عليها، وأكثرَ مؤلّفُه وجامِعُه مِنها!
وهي تفسيراتٌ لا تقومُ على أساسٍ ، ولا تَنْبَنِي على أُصولٍ ، بل إِنَّها
مُتْنافِرةٌ مُتدابِرةٌ، يَنْقُضُ أَوَّلُها آخِرَها، وذَيَّلُها رَأْسَها !!
وقد ناقَضَ المؤلِّفُ ذاتُهُ بعضَ هذه التَّفسيراتِ في مواضِعَ مِن كتابِه؛ منها
(ص ١٦٩) حولَ دَوْرِ (مِصْرَ) في الأحداثِ، وما هِي نهايتها فيها؟ و (ص ١٧٠.
- ١٧١) حولَ مصير (الآشُوريَّ) وخاتمتِه !! وهكذا في مواضِعَ أُخْرى!
فليسَ - إِذاً - للقَبولِ أَو الرَّدِّ ضوابطٌ! فضْلًا عنْ أَنْ يكونَ لها - أَصْلاً -
قواعِدُ أَو أُسُسٌ !!
(١) وستأتيك فيه كلمة جامعة إن شاء الله (ص ٥٥)، وانظر مثالاً تطبيقيّاً عليه في الموضع
ذاته مما يأتي .
٣٣

الخامِسُ: مقالاتٌ أُو كُتُبُ سِياسيَّةٌ: تُناقِشُ مسائلَ سياسيّةٌ قديمةٌ
ومُعاصرةً، ومعظَمُها تحليلاتٌ نظريّةٌ وتوقُّعاتٌ فكريّةٌ.
قلتُ: فكتابٌ على مثل هذا الحالِ جديرٌ بأَنْ يُنْظَرَ إِلى ما فيهِ بأناةٍ وحيطةٍ
وحَذَرٍ؛ فضْلاً عنْ أَنْ يُقْبَلَ أَوْ يُصَدَّقَ وَيُنْشَرَ !!
وعليه :
فخُلاصةُ الموقفِ الإِسلاميِّ الصَّحيحِ بالنّسبةِ للغيِيَّاتِ وما يَتَّصلُ بها:
أَنْ يقولَ المسلمُ الصادِقُ المُتَّبِعُ مَا أَمَرَهُ ربَّهُ بِهِ: ﴿إِنَّما الغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾(١).
0
(١) يونس: ٢٠
٣٤

رَفْعُ
عبد الَّحمي التجريّ
أسكت الى الفرد في
www.moswarat.com
القسم الثاني
الأحاديث المشتهرة دراسةً ونقداً
تمھیدٌ
مِن عَجيب أمر الرواياتِ التي تَداوَلَها (الناسُ) فيما بينهم في هذه الفتنةِ
العَمْياءِ الصَّمَّاءِ: أَنَّها جاءَتْ مُتسلسلةً حَسَبَ تغيُّر الأحداثِ وتطوّرها، بينما لم
يُسْمَعْ بهذه الروايات مِن قبلُ لا في الخُطب على المنابر، ولا في الكُتُب أو
الدَّفاتِر!
وهذا كلُّه يُبَيِّنُ مَدى تأثير النَّاحيةِ النفسِيَّةِ التي يعيشُها (الناسُ) على
تصوّراتِهم وأفكارهم، وكثيرٍ مِن آرائهم وتوجُهاتِهِم.
ومِمَّا يزيدُ العَجَبَ سُرْعَةُ انتشارِ هذهِ الرِّواياتِ، وشِدَّةُ تَدَاوُلِها؛ دُونَما
٤ ٤
تَثْبُّتٍ أو أناةٍ!
وقد سَبَقَ (ص ١٦) ذِكْرُ قولِه وَّهَ: ((سيكونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثونَكُم
مَا لَمْ تَسْمَعوا أَنْتُم ولا آباؤُكُمْ؛ فِيَّاكُم وإِيَّاهُمْ)).
وإِنَّ مِن نافلة القولِ هُنا التَّصريحَ بأَنَّ مُناقشتي لهذهِ (الرِّواياتِ) المشتهرةِ
٤
إِنَّما هيَ مناقشةٌ علميَّةٌ حَديثيَّةٌ مُنضَبطَةٌ؛ مِن حيثُ نسبةُ ذلكَ لِرسولِ اللهِ وَلّ أُو
٣٥

نَفْيُهُ؛ حِرْصاً، وتصفيةً، وتنقيةً، ونَخْلاً.
أَمَّا ما تَضَمَّنَتْهُ هذه (الروايات) مِن مَعانٍ؛ قد يكونُ بعضُها صحيحاً أَو
مُنْكَراً باطِلًا؛ فهذا ما لمْ أَطْرُقْ بابَه؛ لأنَّهُ ليسَ منهجِيّاً في علم الحديثِ إِثْباتاً
ونَقْياً كما يعرفُهُ الدَّارسونَ .
فلا يستنْكِرَنَّ أَحدٌ بَحْثاً علمياً إِلَّ بعلمٍ يُقابِلُه، أو دليلٍ يُصاولُه، أَمَّا
الصِّياحُ والعَويلُ، وتسريبُ الظُنونِ، وطَعْنُ الفُهومِ؛ فهذا يستطيعُهُ كُلُّ أَحدٍ،
وليس هُو علماً!
فاحْفَظْ هُذا - رعاَ اللهُ -، وكُنْ منْهُ علی ذُكْرٍ.
الحديثُ الأول: الوَحْشُ
في الأيَّامِ الأولى مِن الفتنةِ (ظَهَرَ) حديثٌ غريبٌ؛ تَلَقَّفَتْهُ الآذانُ عن
الألسنةِ، وتناوَلَتْهُ الأفواهُ، وتداوَلَتْهُ الشِّفاهُ !! يقولون: قالَ رسولُ اللهِ وِّهِ :
((يَحْكُمُ الجزيرةَ في آخِرِ الزَّمانِ رَجُلٌ اسْمُهُ اسمُ وَحْشٍ . .. ))!
وذُكرت له زياداتٌ عدَّةٌ، و(رواياتٌ) مختلفةٌ! فكأَنَّ كُلَّ مَن (يَصِلُهُ) هذا
الحديثُ (المزعومُ) يزيدُ فيهِ جُمْلةً، أو فقرةً، أَو كلمةً !!
وهذا (الحديثُ) لو بُحِثَ عنَهُ فِي (كُلُّ) الكُتُب، وفُتِّشَ عن (أصلِهِ) في
سائِرِ التواليفِ والمُصَنَّفَاتِ لَما وُجِدَ لهُ أَصلٌ، ولما رُئِيَ لهُ مَثِيلٌ!
ولو طَلَبَ طالِبٌ مِن صانِعِيهِ ومُفتريهِ - فضلاً عَنْ ناقِلِيهِ وناشريهِ - أَن يَدُلُّوهُ
على رُكُنٍ يعتمدُ عليهِ فيهِ؛ لما وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا !! ولَمَا وَجَدَ عَنِ النُّكوصِ
بديلاً !!
٣٦

كيفَ لا وهو مكذوبٌ مصنوعٌ مُفترىٍ، لا يعرفُه أَهلُ الحديثِ لا سماعاً ولا
روايةً، لا معنىٍّ ولا مبنيًّ! بل لا يعرفونَ لهُ أَصلا ولا فَرْعاً؟!
وقد ذَكَرَ العُلماءُ الأصولِيُّونَ(١) وغيرُهُم علاماتٍ يُعْرَفُ بها الحديثُ
المكذوبُ - وقد سَبَقَ بعضُها-؛ منها ما قالَهُ الإِمامُ فخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ في
((المحصولِ مِن علم أصول الفقهِ)) (٢ / ١ / ٤٢٥):
((أَنْ يُرْوى الخَبَرُ في زَمَنِ قد استقرَّتْ فيهِ الأخبارُ ودُوَّنَتْ، فيُفَتَّشُ عنهُ،
فلا يُوجَدُ في صُدورِ الرِّجالِ ، ولا في بُطونِ الكُتُب)).
فهذهِ قاعدةٌ علميّةٌ متينَةٌ تَرُدُّ أمثالَ هذهِ الرِّوايةِ النَّكِرَةِ؛ مِن أَوَّلِ نَظْرةٍ !!
ومَنْ أَحْكَمَ عَقْلَه بقواعدِ العلمِ وأُصولِه؛ سَهُلَ عليهِ معرفةُ الحَقِّ بدلائلِهِ.
أَمَّا مَنْ أَسلَسَ قيادَهُ للهَوى، وعقلَهُ الرَّأْيِ، وقَلْبَهُ للعاطفةِ المجرّدةِ،
فيسهُلُ على كُلِّ باطلٍ السيطرةُ عليهِ، والتأثيرُ على فَكْرِهِ.
وما أَجْمَلَ ما رواهُ الإِمامُ مسلمٌ في مقدمةِ ((صحيحِهِ)) (١ / ١٢) عنِ
الصَّحابيِّ الجَليلِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ؛ قال: ((إِنَّ الشَّيطانَ ليتمَثَّلُ في صورةٍ
الرَّجلِ، فيأتي القومَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بالحَديثِ مِن الكَذِبِ، فيتَفَرَّقونَ، فيقولُ الرجُلُ
منهُم: سمعتُ رجلًا أَعرِفُ وجْهَهُ، ولا أَدْرِي ما اسمُهُ؛ يُحَدِّثُ !! )).
الحَديثُ الثَّاني: صادِم
وبعدَ أَنْ جُيِّشَتِ الجُيوشُ للحَرْبِ، وظَهَرَ للعيانِ عظيمُ الكَرْب؛ خَرَجَتِ
(١) و(الأصوليُّونَ) هنا ليست بالمعنى الذي تُرَدِّدُه وسائلُ الإعلام الغربية، وتأخذه عنها
صحفنا وجرائدنا (!) وإنما المراد عُلماء أصول الفقه.
٣٧

(أفعى) البِدَع مِن جُحْرها، ونَشَرَ أَهلُ الأهواءِ (روايةً) مُلَفَّقَةً؛ ليُرَوِّجوا فِي ظِلِّ
هذهِ الظُّروفِ ضلالَهُم، ويَنْفُثوا سمومَهُم؛ مِن كتابٍ باطلٍ مُدَّعى، وَوُزْعَتِ
الأوراقُ والنَّشراتُ زيادةً في الإِشهارِ والإِظهارِ والانتشارِ، فكانَ الَّذي ذكروهُ:
(عن كتاب ((الجَفْر)) للإِمام عليّ بن أبي طالبٍ:
((يجتَمِعُ بنو الأصفَرِ والفِرِنْجَةِ ومِصْرَ ... في البَيْداءِ(١)، على رَجُلٍ اسمُهُ
صادٌِ، ولا يَرْجِعُ مِنْهُمْ أَحَدٌ)). قيلَ: مَتى يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((بَيْنَ جُمادى(٢)
وَرَجَبٍ، وَتَرَوْنَ فِيهِ العَجَبَ)).
في روايةٍ أُخرى:
((يجتَمِعُ الرُّومُ والبَرابِرَةُ والإِفرنجةُ، ومعهُمُ المِصْرِيُّونَ، على رجُلٍ اسمُهُ
صادِمٌ، فُبِيدُهُم في بيداء، ولا يرجِعُ منهُمْ أَحدٌ)). قيلَ: متى يا رسولَ اللهِ؟
قالَ: ((بينَ جُمادی ورَجَب، وتَرَوْنَ فيهِ العَجَبَ))).
هذا كلُّه ما نَشروهُ وأَذاعوهُ (٣)!
والكلامُ على هذا الكتاب (الجَفْر) بروايته هذهِ مِن وجوهِ :
الأوَّلُ : إِجماليٍّ :
وأكتفي فيه بالمقالِ الَّذِي كَتَبَهُ فضيلةُ الشيخِ إِبراهيم زَيْد الكيلاني في
جريدة الدُّستور الأردنيّة يوم الخميس ٢٩ / ١١/ ١٩٩٠م، حيث قال تحت
(١) غَلِطَ طابعهُم، فأثبتها: ((البداء))!
(٢) أثبتها طابعهم بالياء: ((جمادي)) !!
(٣) ومما يستدعي شديد الأسف أن تُزَوِّج بعض الصُّحف المحلّيَّة لهذا الخبر المختلق؛
مثل صحيفة ((اللواء))، وصحيفة ((آخر خبر))، وصحيفة (أخبار الأسبوع))، ولعله يوجد غيرُها !! فلا قوّة
إلا بالله .
٣٨