Indexed OCR Text

Pages 1061-1080

عروبة، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ((المهدي حق؟
قال: حق، قلت: ممن؟ قال: من كنانة، قال: قلت: ثم ممن؟
قال: من قريش، قدم أحدهما قبل الآخر(١)، قلت(٢): ثم ممن؟
قال: من بنى هاشم، قلت: ثم ممن؟ قال: من ولد فاطمة))(٣)؟
٥٨١ - حدثنا ابن عفان، حدثنا قاسم، حدثنا ابن أبى خيثمة، حدثنا
عبد الله بن جعفر، حدثنا أبو المليح، عن زياد بن بيان، عن علي
بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المهدى من عترتى من
ولد فاطمة)» (٤).
٥٨٢ - حدثنا ابن عفان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد، حدثنا هارون بن
معروف، حدثنا ضمرة(٥)، عن ابن شوذب(٦)، عن أبى
المنهال(٧)، عن أبى زياد(٨)، عن كعب قال: ((إنى لأجد المهدى
(١) في ع ((قدم إحداهما قبل الأخرى)) وفي عقد الدرر («قدم أحدهما على الآخر)).
(٢) في ع زيادة ((قال)) قبل ((قلت)).
(٣) أورده السلمى في عقد الدرر (ص ٨٠ رقم ٢٧) من رواية المؤلف.
وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/١٠١ رقم ١١٠٢) عن عبد الرزاق عن معمر
به، وقرن مع عبد الرزاق ابن المبارك وابن ثور، ولكنهما لم يذكرا في إسنادهما سعيد
بن أبى عروبة، وهو مقطوع لأنه من كلام سعيد بن المسيب، وإسناده إليه صحيح.
(٤) هذا الحديث غير موجود في ع، وقد تقدم برقم ٥٦٥.
(٥) هو ضمرة بن ربيعة راوية ابن شوذب.
(٦) هو عبد الله بن شوذب الخراسانى أبو عبد الرحمن، سكن البصرة ثم الشام، صدوق
عابد، مات سنة ست أو سبع وخمسين ومائة.
(٧) لعله سيار بن سلامة الرياحى البصرى، ثقة، مات سنة ١٢٩هـ.
(٨) لعله خيار بن سلمة الشامى،
- ١٠٦١ -

مكتوبا في أسفار الأنبياء، مافي علمه(١) ظلم ولا عنت))(٢).
٥٨٣ - حدثنا ابن عفان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد، حدثنا ضرار بن
صُرد (٣)، حدثنى يحيى بن يمان، عن سفيان، عن أبى
إسحاق(٤)، عن نوف(٥) قال: ((راية المهدي فيها مكتوب:
البيعة لله)(٦) ..
(١) كذا في الأصل ((علمه)) وفي ع والفتن لنعيم بن حماد ((عمله))، وفي عقد الدرر
«حكمه»، وهذان الأخيران أنسب للمقام، ولا منافاة بينهما والله أعلم.
(٢) في الأصل وع والفتن («عيب)» وفي عقد الدرر ما أثبته، وهو الأنسب للسياق.
والعنت: المشقة والفساد والهلاك. انظر: النهاية (٣٠٦/٣).
والأثر أورده السلمى في عقد الدرر (ص ١٠٨ رقم ٧٣، ص ٢٢٨ رقم ٢٥٤) من
رواية المؤلف، وعزا تخريجه في الموضع الأول إلى نعيم بن حماد.
وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ٩٨/ ب رقم ١٠٥٥) عن ضمرة به.
وهو من الإسرائيليات، كما صرح بذلك كعب نفسه.
(٣) هو أبو نعيم الطحان الكوفى، صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع، مات سنة
٢٢٩هـ.
(٤) هو السبيعى عمرو بن عبد الله.
(٥) في الأصل «عوف» وفي ع وعقد الدرر («نوف».
ويبدو أن هذا هو الصواب، لأنه هو المذكور في تلاميذه أبو إسحاق السبيعى، والأثر
عند نعيم في الفتن وفيه «نوف البكالى».
وهو نوف بن فضالة البكالى، ابن امرأة كعب، شامی مستور، كذب ابن عباس
مارواه عن أهل الكتاب، مات بعد سنة ٩٠هـ.
انظر مع التقريب تهذيب الكمال (١٤٢٧/٣).
(٦) أورده السلمى في عقد الدرر (ص ٢٧٨ رقم ٣٢١) من رواية المؤلف.
وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٩٨ رقم ١٠٤٧) عن يحيى بن اليمان به.
وهو أثر مقطوع لأنه من كلام نوف، ولا يستبعد أن يكون من الإسرائيليات، وهو ابن
امرأة كعب الأحبار.
-١٠٦٢ -

٥٨٤ - حدثنا عبد الله بن عمرو(١)، حدثنا عتاب بن هارون، حدثنا
الفضل بن عبيدالله، حدثنا عبدالله بن عمرو(٢)، حدثنا محمد
بن سلمة(٢)، حدثنا أبو الواصل(٤)، عن أبى أمية الحبطى(٥)،
عن الحسن بن يزيد(١) السعدى(٧)، عن أبى سعيد الخدرى
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج رجل من
أمتى(٨) يعمل بسنتى، ينزل الله له البركة من السماء، وتخرج
وذكر السيوطى في العرف الوردى (٧٥/٢ ضمن الحاوى) عن ابن سيرين نحوه،
=
وعزا تخريجه إلی نعيم بن حماد.
(١) في الأصل ((عبد الله بن فضل))، والصواب ماأثبته، وقد تقدم هذا الإسناد عدة
مرات.
(٢) كذا في الأصل، ويظهر لى أن هذه زيادة مقحمة لا معنى لها جاءت نتيجة سبق النظر
من الناسخ، كما أن نظره سبق في أول السند فكتب ((عبد الله بن فضل)) والله أعلم.
(٣) هو الحرانى.
(٤) هو عبد الحميد بن واصل الباهلى، ذكره البخارى وابن أبى حاتم دون تجريح أو
تعديل، وذكر الثانى في مشايخه أبا أمية الحبطى.
انظر: التاريخ الكبير (٤٥/٦)، والجرح والتعديل (١٨/٦).
(٥) في الأصل ((الحنظلى)) والتصويب من بعض مصادر الترجمة.
والحبطى: نسبة إلى الحبطات، وهو بطن من تميم.
وأبو أمية: هو أيوب بن خوط البصرى، تركه ابن المبارك وغيره.
وقال النسائى والدارقطنى وجماعة: متروك.
وقال السمعانى: يروى المناكير عن المشاهير، كأنه مما عملت يداه.
انظر: الأنساب (٥٠/٤)، وميزان الاعتدال (٢٨٦/١).
(٦) في الأصل ((مرثد)»، والتصويب من بعض مصادر الترجمة.
(٧) في ذكره البخارى وابن أبى حاتم دون تجريح أو تعديل، وذكر أنه أحد بنى بهدلة.
التاريخ الكبير (٣٠٨/٢)، الجرح والتعديل (٤٢/٣).
(٨) في عقد الدرر ((من أهل بيتى))، وهكذا ورد في رواية أبى نعيم.
-١٠٦٣ -

له الأرض بركتها، يملأ الأرض(١) عدلا كما ملئت جورا (٢)،
يعمل سبع سنين على هذه الأمة، وينزل بيت المقدس))(٢).
٥٨٥ - حدثنا ابن عفان، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا
هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر
قال: قيل له: عمر بن عبد العزيز مهدى؟ قال مطر(٤): ((لقد بلغنا
عن المهدى شىء لم يبلغه عمر، قال: يكثر المال في زمان المهدى،
قال: فيأتيه رجل فيسأله فيقول له: أدخل، فخذ(٥)، فيأخذ(٦)،
ثم يخرج، فيرى الناس شباعا (٧)، قال: فيندم، فيقول: أنا من
بين الناس، فيرجع إليه فيسأله أن يأخذ منه ما أعطاه، فيأبى،
(١) في عقد الدرر ((وتملأ به)) بدون ذكر الأرض.
(٢) في عقد الدرر ((ظما وجورا)).
(٣) أورده السلمى في عقد الدرر (ص ٧٨ - ٧٩ رقم ٢١) من رواية المؤلف، وعزا
تخريجه أيضا إلى أبى نعيم في صفة المهدى.
وفي إسناد المؤلف أبو أمية الحبطى متروك، ولكن الحديث أخرجه البخارى في
التاريخ الكبير (٤٦/٦)، والطبرانى في المعجم الأوسط كما في مجمع البحرين (ص
٤٢٦) من طريق آخر، عن أبى واصل عبد الحميد، عن أبى الصديق الناجى، عن
الحسن بن يزيد السعدى به، وقال الطبرانى: ((رواه جماعة عن أبى الصديق ولم
يدخل أحد منهم بينه وبين أبى سعيد أحدا إلا أبو الواصل».
وقال الهيثمى: ((وفيه من لم أعرفهم)). مجمع الزوائد (٣١٧/٧).
وبنحوه قال الشوكانى، كما نقل عنه محمد صديق حسن في الإذاعة (ص ١٢١)،
وهو إذا ضم إليه الطريق السابق برقم ٥٤٩ عند المؤلف يصلح للاستشهاد به
(٤) في ع ((عن مطر: لقد بلغنا ... )) دون قوله ((قيل له: عمر بن العزيز مهدى؟ قال.
(٥) في عقد الدرر («فخذه).
(٦) في ع ((فيدخل، فيأخذ)).
(٧) في ع ((شبعا)).
-١٠٦٤ -

فيقول: إنا نعطى ولا نأخذ))(١).
٥٨٦ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، حدثنا أبو محمد البيانى(٢)،
حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا
ضمرة، قال: قال ابن شوذب(٣): «إنما سمي المهدى لأنه يُهْدَى
إلى جبل من جبال الشام، يستخرج منه أسفارا من أسفار
التوارة (٤)، فيحاج بها اليهود فيسلم على يديه جماعة من
اليهود)»(٥).
(١) أورده السلمى في عقد الدرر (ص ٢٤٣ رقم ٢٨٢) من رواية المؤلف.
وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ٩٨ / ب رقم ١٠٥٤) عن ضمرة به نحوه.
وهو أثر مقطوع لأنه من كلام مطر الوراق، وإسناده صحيح.
(٢) هو قاسم بن أصبغ.
(٣) في ع ((عن ابن شوذن)) وهو خطأ.
(٤) في عقد الدرر ((يستخرج منه أسفار التوراة)).
(٥) أورده السلمى في عقد الدرر (ص ١٠٨ رقم ٧٢)، والسفارينى في لوامع الأنوار
(٧٢/٢) من رواية المؤلف، وورد ذلك من طريقه عن كعب أخرجه نعيم بن حماد
في الفتن (ق ٩٨/ب رقم ١٠٥٦)، عن ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر عنه، نحوه
دون ذكر لجبل الشام.
ورواه أيضا (ق ١/٩٨ رقم ١٠٤٤)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن مطر
الوراق، عمن حدثه، عن كعب، وفيه (يستخرج التوارة والإنجيل من أرض يقال لها
«أنطاكية)».
كما رواه (رقم ١٠٥٠) من قول مطر.
وهى كلها آثار إسرائيلية، لأن مردها إلى كعب، وهو معروف برواية الإسرائيليات.
التعليق:
المهدى: لغة اسم مفعول من: هداه هدى وهديا وهداية، والهدى: هو الرشاد
والدلالة، يقال: هداه الله للدين هدى، وهديته الطريق، وإلى الطريق هداية: أى =
- ١٠٦٥ -

عرفته(١).
وقال ابن الأثير: ((المهدى الذى قد هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى
صار كالأسماء الغالبة)»(٢).
وقد وردت هذه الكلمة في أحاديث عديدة، منها حديث العرباض بن سارية، وفيه
((وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»(٢).
وقال ابن الأثير: ((ويريد بالخلفاء المهديين أبابكر وعمر وعثمان وعليا - رضي الله عنهم
- وإن كان عاما في كل من سار سيرتهم» (٤).
والمراد بالمهدى هنا هو الذى بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجىء في
!
آخر الزمان، ويؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على المماليك
الإسلامية، ويكون من أهل بيته صلى الله عليه وسلم، ويخرج في زمنه عيسى عليه
السلام، والدجال لعنه الله.
وقد وردت في شأن المهدى أحاديث كثيرة مابين صحاح وحسان وضعاف تنجبر
وضعاف شديدة الضعف(٥).
ونظرا الأحاديث الصحيحة الثابتة فقد درج المسلمون سلفا وخلفا على اعتقاد
خروجه في آخر الزمان بالصفات المذكورة في هذه الأحاديث، ولكن خالف هؤلاء
الجماهير عدد من الناس، فقابلوا الأحاديث الواردة في شأن المهدى إما بالتردد،
وإما بالتشكيك، وإما بالرفض والإنكار، دون اتباع الطرق المعروفة في رد الأحاديث
وعدم قبولها، وهو نوع من الهوى، نسأل الله السلامة لنا ولهم.
=
(١) انظر النهاية (٢٥٤/٥)، ولسان العرب (٣٥٣/١٥).
(٢) النهاية (٢٥٤/٥).
(٣) تقدم الحديث بكامله عند المؤلف برقم ١٢٣.
(٤) النهاية (٢٥٤/٥).
(٥) صرح بنحوه ابن القيم في المنار المنيف (ص ١٤٨) إذ قال: هذه الأحاديث أربعة
أقسام: صحاح وحسان، وغرائب، وموضوعة. وكذا قال الألباني في تخريج أحاديث
فضائل الشام (ص ٤٢).
-١٠٦٦ -

= وأما بالنسبة لتحديد الزمن الذى بدأت فيه فكرة الرفض لعقيدة المهدى وإنكار
الأحاديث الواردة في شأنه أو التردد في قبولها فقد أعدّ عبد العليم البستوى قائمة
مفصلة سرد فيها أسماء الذين عرف منهم موقف مخالف إزاء أحاديث المهدى
واعتقاد خروجه مع ملاحظة الترتيب الزمنى(١).
ويتضح من خلال النظر في هذه القائمة التاريخية أن فكرة الرفض لم تظهر بصورة
واضحة إلا في عصور متأخرة، وبالتحديد في القرن الثامن الهجرى. وأما قبل ذلك
فلم يظهر في عصر التابعين ومن بعدهم حتى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية من أنكر
أحاديث المهدى، نعم، إنما حصل من بعضهم أنه نزلها على عمر بن العزيز لما رأى
فيه من بعض الأوصاف المذكورة للمهدى كما نزلها بعضهم على عيسى بن مريم عليه
السلام لأجل الحديث الذى ورد فيه ((لا مهدى إلا عيسى بن مريم» وهذا يعد من
اجتهاداتهم التى لم يحالفهم فيها الصواب، وهو في نفس الوقت يشتمل على الإِيمان
بخروج المهدى، علما بأنهم خولفوا في اجتهاداتهم هذه إذ صرح أكثرهم من
التابعين وغيرهم بخلافها عند ماسئلوا عنه.
ولما جاء ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد (٧٢٣ - ٨٠٨هـ) وأظهر التردد في قبول
الأحاديث الواردة في المهدى وعدم استعداده للرضوخ لعقيدته توالت حركة الرفض،
فظهر في القرن الثالث عشر الحوت البيروتى: محمد بن درويش (١٢٠٩ -
١٢٧٦ هـ) وحاول التشكيك فيها حيث قال: ((وفي المهدى أحاديث أفردت في التأليف.
وكلها فيها مقال»(٣).
ثم تصدى لإنكاره بعض العلماء والكتاب العصريين من أمثال محمد رشيد رضا =
(١) في رسالته التى حصل بها على شهادة الماجستير من جامعة أم القرى بمكة في العام
الدراسى ١٣٩٨/١٣٩٧ هـ، وعنوانها: الأحاديث الواردة في المهدى في ميزان الجرح
والتعديل (ص ٢٠ - ٢٩) وهو من أحسن ماكتب في الموضوع.
(٢) راجع لمعرفة ذلك مقدمته (ص ٣١١ - ٣٣٠).
(٣) أسنى المطالب (ص ٢٧٨).
- ١٠٦٧ -

= ومحمد فريد وجدى وأحمد أمين وغيرهم ممن تابعهم في ذلك، وآخرهم عبد الله بن
زيد آل محمود.
وكان أشدهم حماساً وأكبرهم صراحة وأعظمهم جرأة إذ جمع شبهات المتقدمين
وتبناها ثم زاد عليها فصرح بأن «أحاديث المهدى كلها حديث خرافة، وهى بمثابة
ألف ليلة وليلة))(١).
وسخر منها ووصم علماء أهل السنة بالتقليد والتغفيل، وتهجم على من صحح هذه
الأحاديث هجوما شنيعا لم ينج منه كبار الأئمة، وبجانب ذلك فقد حظي الذين
حكموا عليها بالضعف، ورفضوا الرضوخ لعقيدة المهدى بثنائه الجميل(٢).
ولم يقف عند هذا الحد بل بلغ به الأمر إلى أنه صرح دون أدنى خوف فقال: «وبما
أننى من أحد الأشراف من ذرية الحسن بن علي فإنه لو خرج رجل من الأشراف
اسمه محمد بن عبدالله وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، ويدعى أنه المهدى فإننى
أول من يقاتله لاعتقادى أنه كذاب يريد أن يفسد الدين ويشق عصا
المسلمين ... ))(٣)، ولعله دفعه إلى هذه الجرأة قول محمد رشيد رضا: «وجملة القول
إننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به ولو ظهر، ونحن له منكرون لما
ضره ذلك إذا كان مؤيدا بالخوارق كما يقولون»(٤)
وقد قام بالرد على هذا الرجل الشيخ حمود بن عبد الله التويجري والشيخ عبد المحسن
بن حمد العباد حيث فندا جميع الشبهات التى بنى عليها كتابه، كما فعل علماء الأمة
قديما وحديثا فكلما ظهر رجل متظاهرا بالرفض لأحاديث المهدى قاموا بالرد عليه،
وألفوا في ذلك مؤلفات مستقلة بينوا فيها صحة ماذهب إليه جمهور أهل السنة في هذه =
(١) انظر رسالته ((لا مهدى ينتظر)) (ص ٣١).
(٢) المرجع السابق (ص ٢٣،٨).
(٣) المرجع السابق (ص: ٣٢).
(٤) فتاوى محمد رشيد رضا (١٠٨/١).
-١٠٦٨ -

= المسألة مزيفين لما استدل به المخالفون لهم(١).
هذا بالإضافة إلى من أخرج من المحدثين أحاديث المهدى تحت تراجم مستقلة من
أصحاب السنن(٢) دون من رواها منهم من أصحاب المسانيد والمعاجم وغيرها.
وقد استدل المنكرون للمهدى بعديد من الأدلة، وهى مع كثرتها واهية وضعيفة لا
تتجاوز كونها شبهات(٣). ونورد فيما يلي بعض النماذج منها: فمن أبرز ما استدلوا به
على إنكارهم للمهدى عدم إيراد الشيخين وروايتهما لأحاديث المهدى في الصحيحين
مما يدل على عدم صحتها عندهما(٤).
وأجيب عنه بأنه قد تقرر لدى المشتغلين بالحديث وعلومه أن البخارى ومسلما لم
يلتزما إخراج جميع الأحاديث الصحيحة. وقد صح عنهما التصريح بذلك، فنقل
الحافظ ابن حجر من رواية الإسماعيلى عن البخارى أنه قال: ((لم أخرج في هذا
الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر)»، ومن رواية إبراهيم النسفى عنه
أنه قال: ((ما أدخلت في كتابى الجامع إلا ماصح، وتركت من الصحيح حتى لا =
(١) راجع لمعرفة هذه المؤلفات: عقيدة أهل السنة والأثر في المهدى المنتظر للعباد (ص
١٦٨ - ١٧١)، والاحتجاج بالأثر للتويجرى (ص ٢٨ - ٢٩) ورسالة عبد العليم
البستوى (ص ١٠٠ - ١١١).
(٢) انظر على سبيل المثال: سنن أبى داود (٤ /٤٧١) وسنن الترمذى (٥٠٥/٤)،
وسنن ابن ماجه (١٣٦٦/٢).
(٣) يمكن الرجوع لمعرفتها ولمعرفة الرد عليها إلى: الرد على من كذب بالأحاديث
الصحيحة الواردة في المهدى، وعقيدة أهل السنة والأثر كلاهما للعباد، والاحتجاج
بالأثر للتويجرى، ورسالة عبد العليم البستوى.
(٤) انظر تفسير المنار (٤٥٩/٩)، وفتاوى محمد رشيد رضا (١٠٧/١) وضحى
الإسلام (٢٣٧/٣) ولا مهدى ينتظر (٦، ٨، ٢٦، ٣١، ٣٩).
-١٠٦٩ -

= يطول»(١).
وقال مسلم: ((ليس كل شىء عندى صحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت هاهنا
ما أجمعوا عليه))(٢) على أن بعض الأحاديث الواردة في المهدى أصلها في الصحيحين أو
أحدهما، ومن ذلك حديث جابر - رضي الله عنه - ((لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على
الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول
أميرهم: تعال، صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه
الأمة».
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (٣).
وقد جاءت تسمية هذا الأمير بالمهدى في إحدى الروايات للحديث نفسه عند الحارث
بن أبى أسامة في مسنده، أورده ابن القيم وقال: ((وهذا إسناد جيد))(٤).
ومن أبرز شبهاتهم أيضا أنهم لما رأوا بعض أحاديث المهدى ضعيفة، وأخرى
موضوعة حكموا على جميع الأحاديث الواردة في المهدى بالوضع والبطلان ووصفوها:
بأنها مختلقة مصنوعة(٥).
ولا يخفى أن هؤلاء ليسوا من فرسان الحديث وعلومه، ولم يكن من اختصاصهم
الاشتغال بالحديث رواية ولا دراية. ومنهم من عرف ببعض مواقفه المخالفة لما هو
مقرر لدى المحدثين قديما وحديثا مما جعلهم يطعنون في الأحاديث ويردونها وإن كانت
في صحيحى البخارى ومسلم، وعلى هذا، فقد ارتكب هؤلاء عندما حكموا على أحاديث
المهدى بالوضع والاختلاق خطأين جسيمين.
(١) هدى السارى (ص ٧).
(٢) صحيح مسلم، آخر باب التشهد (٣٠٤/١).
--
(٣) (١٣٧/١ رقم ٢٤٧).
(٤) المنار المنيف (ص ١٤٧ رقم ٣٣٨).
(٥) هى شبهة أغلب من أنكر المهدى وخروجه في آخر الزمان، انظر إتحاف الجماعة
(٢٣/٢)، والرد على من كذب بالأحاديث الواردة في المهدى (ص ٦٠ - ٦٣).
- ١٠٧٠ -

= أحدهما: أنهم قد قفوا ماليس لهم به علم، واقتحموا فحما لم يكونوا من رجالها.
والثانى: أنهم أخطأوا في إطلاق هذا الحكم، فإننا نرى كبار أئمة الحديث مثل العقيلى
وابن حبان وابن المنادى والخطابى والبيهقى ومن بعدهم إلى عصرنا هذا أنهم صرحوا
بوجود أحاديث صحيحة وحسنة في خروج المهدى(١).
وأكثر من هذا أن هناك من المحدثين من صرح بأن أحاديث المهدى تبلغ درجة التواتر
المعنوى، منهم أبو الحسين الآبرى، محمد بن الحسين (ت ٣٦٣ هـ) نقله عنه
القرطبى وابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهم مقرين له(٢).
والبرزنجى: محمد بن عبد رب الرسول (ت ١١٠٣ هـ)(٢)، والسفاريني: محمد بن أيوب
(ت ١١٨٨ هـ)(٤)، والشوكانى: محمد بن على (ت ١٢٥٠ هـ) نقله عنه صديق
حسن(٥)، وصديق حسن (ت ١٣٠٧)(٦)، ومحمد بن جعفر الكتانى (ت ١٣٤٥ هـ)(٧).
ولذلك نرى ابن خلدون الذى هو أول من عرفناه تكلم على أحاديث المهدى وعول عليه
من جاء بعده ممن ضعف هذه الأحاديث، لم يستطع إطلاق حكمه عليها واعترف
بسلامة بعضها من النقد، فإنه قال بعد أن ساق جملة منها: ((فهذه جملة الأحاديث
التى خرجها الأئمة في شأن المهدى وخروجه آخر الزمان، وهى كما رأيت لم يخلص
منها من النقد، إلا القليل والأقل منه))(٨).
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألبانى (٤١/٤ - ٤٢)، والأحاديث الواردة في
المهدى في ميزان الجرح والتعديل (ص ٣٦).
(٢) انظر التذكرة (ص ٧٢٣)، والمنار المنيف (ص ١٤٢)، وفتح البارى (٤٩٣/٦ -
٤٩٤)، وأيضا رسالة عبد العلم البستوى (٣٠ - ٣٥).
(٣) الإشاعة (ص ١١٢، ١١٩).
(٤) لوامع الأنوار (٨٤/٢).
(٥) الإذاعة (ص ١١٣، ١٦٠).
(٦) الإذاعة (ص ١١٢).
(٧) نظم المتناثر (ص ٢٢٦ - ٢٢٨).
(٨) مقدمة ابن خلدون (ص ٣٢٢).
- ١٠٧١ -

= مع العلم بأن قد فاته الشىء الكثير من هذه الأحاديث(١) على أنه يكفى حديث واحد
لثبوت الحكم إذا ورد من طريق صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم، فما بالك وقد
وردت جملة من هذه الأحاديث من طرق صحيحة عديدة(٢) !!
ثم إنه تقرر لدى العلماء المحدثين أن الأحاديث الضعيفة تنجبر بعضها من بعض
بشرط أن لا يكون ضعفها شديدا، والكثير من أحاديث المهدى من هذا القبيل(٣).
وبناء على ماصح من أحاديث المهدى وثبت حكمه فقد ذهب الجمهور من أهل السنة
سلفا وخلفا إلى الاعتقاد بما تفيد هذه الأحاديث من خروجه في آخر الزمان وأنه من
أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم يظهر العدل ويستولي على المماليك الإسلامية ... ».
وهذا هو المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، كما صرح بذلك ابن
خلدون نفسه(٤).
ومادام الأمر هكذا فيعد إنكار المهدى شذوذا وخروجا مما اتفقت عليه الأمة أو ماوقع
عليه شبه اتفاقها. والله أعلم.
(١) انظر عقيدة أهل السنة والأثر (ص ٢١٢).
(٢) بلغت الأحاديث الصحيحة التى ورد فيها ذكر المهدى صراحة فيما جمع البستوى
تسعة أحاديث .. انظر رسالته (ص ١١٦ - ١٦٠).
(٣) انظر المنار المنيف (ص ١٥٢)، وتحفة الأحوذي (٢٣٢/٣).
(٤) انظر مقدمة ابن خلدون (ص ٣١١).
- ١٠٧٢ -

١٠٠ - باب من قال(١): إن المهدى
عمر بن عبد العزيز رحمه الله
٥٨٧ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان القشيرى قراءة عليه،
قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أبوبكر بن أبى
خيثمة، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبوبكر بن
الفضل العتكى(٢) قال: حدثنى أبو يعفور(٢)، عن مولى (٤) لهند
بنت أسماء(٥)، قال: قلت لمحمد بن علي: ((إن الناس يزعمون
أن فيكم مهديا))؟(٦) قال: ((إن ذلك ليس لك(٧)، ولكنه من بنى عبد
شمس، كأنه عنى عمر بن عبد العزيز»(4)
(١) في ع ((باب ماجاء في ... ))
(٢) العتكى: نسبة إلى العتيك، وهو بطن من الأزد.
انظر: الأنساب (٢٢٧/٩).
وأما أبوبكر ابن الفضل فلم أهتد إلى ترجمته.
(٣) لم أتمكن من تحديده، ولعله هو أبويعفور الثقفى الكوفى، مولى سعيد بن العاص،
ذكره ابن أبى حاتم، ونقل عن أبى زرعة أنه قال: ليس به بأس، ولا أدرى مااسمه.
الجرح والتعديل (٤٦٠/٩).
(٤) لم أعرف من هو.
(٥) كذلك لم أجد ترجمتها، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة (٦١١/٣) رجلا
اسمه («هند بن أسماء بن حارثة الأسلمى)» فلعله هو هذا. وهو صحابى، والله أعلم.
(٦) في الأصل وع ((مهدى)) والصواب ما أثبته، لأنه اسم ((أن)).
(٧) في ع «إن ذلك كذلك».
(٨) هو مقطوع لأنه من كلام ابن الحنفية، وفي إسناده رجال لم أجد تراجمهم. وقد روى
نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/١٠٢ رقم ١١١٦) عن ابن إدريس، عن حسن بن =
-١٠٧٣ -

٥٨٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا قاسم ابن
أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن
إسماعيل، قال: حدثنا أبوهلال، عن قتادة قال: كان يقال:
((المهدى(١): ابن أربعين سنة، يعمل بأعمال بنى إسرائيل، فإن
لم يكن عمر فلا أدرى من هو ؟))(٢).
فرات، عن أبيه، عن أفلت بن صالح، أو عن عبد الله بن الحارث، عن أفلت بن
=
صالح قال: قلت لمحمد بن الحنفية في المهدى، قال: «إنه إذا كان فإنه من ولد عبد
شمس».
وهذا الإسناد رجاله ثقات، سوى أفلت فإنى لم أجد ترجمته.
(١) في ع ((إن المهدى)).
(٢) هو مقطوع من كلام قتادة، وإسناده إليه لين لأجل أبى هلال، ولم يتضح لى معنى
قوله «يعمل بأعمال بنى إسرائيل».
هذا - أى أن المهدى هو عمر بن عبد العزيز - أحد الأقوال التى تأتى الإشارة إليها
في نهاية الباب القادم.
وذكر ابن كثير قتادة ضمن القائلين به.
وهو أيضا مروي عن جماعة من التابعين وغيرهم، منهم أبو قلابة والحسن البصرى
وسعيد بن المسيب، وهو قول الإِمام أحمد في إحدى الروايتين، كما نقل عنه الحافظ
ابن القيم، وذكر معه قولا آخر وهو أن المهدى هو الذى ولي من بنى العباس بعد
المنصور، واسمه أبو عبد الله محمد بن المنصور، ثم ذكر مستدل القائلين بذلك دون
تعيين لهم، فأورد مارواه ابن مسعود وثوبان مرفوعا.
۔۔
وتقدم الحديثان عند المؤلف برقم ٥٤٦، ٥٤٨.
"انظر المنار المنيف (ص ١٤٩ - ١٥٠)، والبداية والنهاية (٢٠٨/٩). وراجع أيضا
الفتن لنعيم بن حماد (ق ١٠٢/أ رقم ١١١٨، ١١١٩).
- ١٠٧٤ -

١٠١ - باب(١) من قال: إن المهدى
عيسى بن مريم عليه السلام
٥٨٩ - حدثنا محمد بن خليفة بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن
الحسين، قال: حدثنا أبوجعفر أحمد بن خالد البرذعى، قال:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن إدريس
الشافعى، قال: حدثنا محمد بن خالد الجندى(٢)، عن أبان بن
صالح، عن الحسن، عن أنس(٢) قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا
الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا
مهدى إلا عيسى بن مريم عليه السلام» (٤).
٥٩٠ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان القشيرى، قال: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبو سلمة (٥)،
قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد(١)، قال: حدثنا الأعمش، عن
(١) في ع ((ما)) بدل ((من))
(٢) في الأصل ((الجيزى)) والصواب ما أثبته، وقد تقدم برقم ٢١٧.
(٣) في ع ((عن الحسن قال)) دون ذكر أنس وهو خطأ.
(٤) تقدم الحديث بنفس السند والمتن عند المؤلف برقم ٢١٧، فانظر تخريجه والكلام
عليه هناك، وحكم عليه أكثر الأئمة بأنه منكر، لا يصلح للاحتجاج به. وقد ذهب
بعضهم، مستدلا بهذا الحديث إلى أن المهدى هو عيسى عليه السلام، منهم أبو
محمد بن الوليد البغدادى، كما ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة
(٢٥٦/٨) وذكر هذا القول ابن القيم أيضا في المنار المنيف (ص ١٤٨) ولكن دون
عزو إلى أحد، وهو قول غير صحيح، وسيأتى التفصيل في ذلك في نهاية الباب.
(٥) هو موسى بن إسماعيل التبوذكى.
(٦) هو البصرى، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٦هـ.
- ١٠٧٥ -

إبراهيم(١) قال: ((كان أصحاب عبد الله يقولون: المهدى عيسى
بن مريم)» (٧).
٥٩١ - حدثنى أحمد بن إبراهيم بن فراس، قال: حدثنا عبد الرحمن
بن عبد الله بن يزيد، [قال: حدثنا جدى محمد بن عبد الله بن
يزيد (٢)] قال: حدثنا سفيان، عن عمرو(٤)، عن عكرمة، عن ابن
عباس أنه قال: ((إن كان ما يقول أبوهريرة حقا فهو عيسى بن
مريم عليه السلام، ﴿وإنه لعلم للساعة﴾(٥)، لا أدري كيف
قرأها(٦).
(١) هو النخعى.
(٢) هو مقطوع، وإسناده ضعيف لأن عبد الواحد بن زياد في حديثه عن الأعمش مقال.
(٣) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، وسياق الإسناد يقتضيه، والتصويب مما:
تقدم برقم ٦٣.
(٤) هو عمرو بن دينار المكى.
(٥) سورة الزخرف: الآية ٦١.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (ق ٣٣/أ) عن ابن عيينة به مثله.
ولا يوجد عنده قوله: ((لا أدرى كيف قرأها)).
ورواه ابن جرير في تفسيره (٩٠/٢٥)، والحاكم في مستدركه (٤٤٨/٢) من طرق
عديدة من قول ابن عباس.
ورواه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٢٨٨/٨ رقم ٦٧٧٨)، والحاكم في
مستدركه (٢٥٤/٢)، من طريق عاصم، عن أبى رزين، عن أبى يحيى مولى ابن.
عفراء، عن ابن عباس مرفوعا.
وقال الحاكم: ((صحيح)) ووافقه الذهبي.
واجتمعت قراء الأمصار على كسر العين من العلم في قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم
للساعة ﴾، وورد عن ابن عباس وقتادة والضحاك أنهم قرأوا بفتحها ثم إن =
- ١٠٧٦ -

المفسرين اختلفوا في مرجع الضمير في قوله «وإنه» والراجح أنه عائد على عيسى عليه
السلام، والمراد نزوله قيل يوم القيامة، وهو مروي عن جماعة من أئمة التفسير،
وهذا هو الصحيح كما صرح به ابن كثير لأن السياق في ذكر عيسى عليه السلام.
ويؤيد هذا المعنى القراءة الثانية ((وإنه لعلّم للساعة)) أى أمارة ودليل على وقوعها.
انظر تفسير ابن كثير (١٣١/٤)، وأيضا تفسير الطبري (٩٠/٢٥ -٩١)، وتفسير
الماوردى (٥٤١/٣).
التعليق:
سبق في البابين السابقين ذكر ثلاثة أقوال في تحديد شخص المهدى، أحدها:
ماذهب إليه جمهور أهل السنة سلفا وخلفا وهو أنه من أهل بيت النبى صلى الله
عليه وسلم يخرج في آخر الزمان، بالصفات المذكورة في الأحاديث.
والثانى: ماذهب إليه بعض أئمة السلف: أنه عمر بن عبد العزيز.
والثالث: أنه الخليفة العباسى الذى تولى الخلافة بعد المنصور في آخر سنة ١٥٨هـ.
ذكره ابن القيم دون عزو إلى أحد.
وأما ماذكره المؤلف في هذا الباب، أى أن المهدى هو عيسى بن مريم عليه السلام،
فهو قول رابع، ذهب إلى هذا القول أبو محمد بن الوليد البغدادى، ذكره عنه شيخ
الإسلام ابن تيمية(١)، وذكره ابن القيم دون عزو إلى أحد(٢).
وقد استدل أصحابه بحديث الباب، والصواب من هذه الأقوال هو القول الأول، لأنه
هو الذى تواترت به الأخبار تواترا معنويا كما تقدم، واستفاضت به الأحاديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم بيانه مفصلا في نهاية الباب الذى قبل
السابق.
وأما القول بأن المهدى هو عمر بن عبد العزيز فقال فيه ابن القيم: ولا ريب أنه كان
راشدا مهديا، ولكن ليس بالمهدى الذى يخرج في آخر الزمان، فالمهدى في جانب الخير
والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدى الدجال الأكبر صاحب =
(١) انظر منهاج السنة (٢٥٦/٨).
(٢) انظر المنار المنيف (ص ١٤٨).
- ١٠٧٧ -

= الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدى المهدى الأكبر. مهديون راشدون))(١)
وإلى نحو من ذلك أشار ابن كثير عندما أورد هذا القول في ترجمة عمر بن عبد
العزيز (٢).
- .
قلت: هذا هو الصواب، ويؤيده قول طاوس: ((قد كان عمر بن عبد العزيز مهديا، وليس
به .. ))(٢).
وأما القول الثالث فالحديثان اللذان ساقهما أصحاب هذا القول معلولان. وعلى فرض
صحتهما لا توجد فيهما إشارة إلى هذا الخليفة سوى ماجاء فيهما ذكر الرايات السود
التى تقبل من خراسان.
وقد قال فيها ابن كثير: «هذه الرايات السود ليست هى التى أقبل بها أبو مسلم
الخراسانى، فاستلب بها دولة بنى أمية، بل رايات سود أخر تأتى صحبة المهدى))(٤).
وقال ابن القيم بعد أن أوضح العلة فيهما: ((لو صح (الحديثان) لم يكن فيهما دليل
على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل
هو مهدي من جملة المهديين)»(٥).
قلت: قوله ((هو مهدى من جملة المهديين)) فيه من التجاوز مالا يخفى على من نظر في
سيرة الرجل، فلا يوجد فيما ذكر في ترجمته مايؤهله لعده في المهديين بل بالعكس كان
مولعا بالحمام والسباق بينها، وضغط على عيسى بن موسى وقد كان ولي العهد من
بعده أن يخلع نفسه من الولاية، وتوعده على ذلك حتى أجاب إلى ما أراد(٦).
وقد قال فيه ابن كثير: (وإنما لقب بالمهدى رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم
يكن به، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل، ذاك يأتى في آخر الزمان عند =
(١) انظر: المنار المنيف (ص ١٥٠).
(٢) انظر: البداية والنهاية (٢٠٨/٩).
(٣) رواه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١٠٢ /أ رقم ١١٢٠).
(٤) النهاية (٥٥/١).
(٥) المنار المنيف (ص ١٥٠).
(٦). انظر: البداية والنهاية (١٣٢/١٠ - ١٣٣).
-١٠٧٨ -

= فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما .. ))(١).
وأما القول الأخير - أى أن المهدى عيسى عليه السلام - فهو أيضا قول مردود، لأن
الحديث الذى استدل به أصحاب هذا القول ضعيف ليس مما يعتمد عليه، كما صرح
بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أئمة الحديث (٢).
وعلى فرض صحته - كما يرى بعضهم - ليس فيه حجة لأصحاب هذا القول، لأن
المقصود منه أنه لا مهدى كاملا معصوما إلا عيسى عليه السلام، وهذا لا ينفى أن
يكون غيره مهديا أيضا.
وبه أجاب العديد من العلماء عن حديث الباب، منهم القرطبى (٣)، وابن القيم(٤)، وابن
كثير(٥)، إلا أن الأولين ذكراه بلفظ الاحتمال بعد تصريحهما بضعف الحديث.
وأما ابن كثير فذكره بالتعيين لأن الحديث عنده صحيح(٦) ويؤيد هذا الجمع بين حديث
الباب والأحاديث الأخرى المتعلقة بالمهدى أن النبى صلى الله عليه وسلم قد استعمل
كلمة ((المهدى)» في حق العديد من أصحابه، في أحاديث متعددة.
منها حديث العرباض بن سارية الذى ورد فيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم
بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين .. ))(٧).
ومنها أيضا حديث أبى هريرة: ((يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى بن مريم إماما
مهديا وحكما عدلا .. )) الحديث(٨).
وكذلك ثبت أنه صلى الله عليه وسلم دعا لجرير بن عبد الله البجلى فقال: ((اللهم ثبِّته، =
(١) انظر: البداية والنهاية (١٥٥/١٠).
(٢) انظر: منهاج السنة (٢٥٦/٨)، والمنار المنيف (ص ١٤٨).
(٣) انظر: التذكرة (ص ٧٢٣).
(٤) انظر: المنار المنيف (ص ١٤٨).
(٥) انظر: النهاية لابن كثير (٥٨/١).
(٦) تقدم التفصيل في ذلك في رقم ٢١٧.
(٧) تقدم الحديث بكامله برقم (١٢٣).
(٨) أخرجه أحمد في مسنده (٤١١/٢).
-١٠٧٩ -

= واجعله هاديا مهديا))(١).
فلو صح مايفيده ظاهر حديث الباب لم يجز إطلاق كلمة ((المهدى)) على غيره، والله
أعلم.
ومما ينبغى ملاحظته هنا أن هذه الأقوال هى أقوال لأهل السنة في شأن المهدى، كما
صرح بذلك ابن القيم.
وهناك أقوال أخرى عديدة للطوائف المنحرفة من الروافض والملاحدة وغيرهم من
الفرق الضالة والأديان الباطلة (٢)، ونضرب صفحاً عن ذكرها لظهور بطلانها.
(١) هو في صحيح البخارى (١٨٩/٦ رقم ٣٠٧٦).
(٢) ذكر هذه الأقوال ابن القيم في المنار المنيف (ص ١٥٢ - ١٥٥).
- ١٠٨٠ -