Indexed OCR Text
Pages 801-820
٤٠٥ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد، قال:
حدثنا نصر، قال: حدثنا ابن معبد، قال: حدثنا مخلد بن
الحسين(١)، عن هشام(٢)، عن الحسن قال: «كان يقال: يوشك أن
يسود كل قوم منافقوهم»(٣).
٤٠٦ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا عبدة بن
= بن قيس، وهو متروك. انظر مجمع الزوائد (٣٢٧/٧).
وقد جاء نحوه أيضا في حديث آخر طويل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير
(٢٨١/١٠ رقم ١٠٥٥٦) بسنده عن سيف بن مسكين الأسواري، ثنا مبارك بن
فضالة، عن الحسن، عن عتي السعدي، عن ابن مسعود مرفوعا في سياق طويل،
وفيه ((ياابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يسود كل قبيلة منافقوها،
وكل سوق فجارها)).
وهو أيضا ضعيف لأجل سيف هذا، قال فيه ابن حبان: يأتي بالمقلوبات والأشياء
المقلوبة)) وقال فيه الهيثمي: ضعيف.
انظر المجروحين (٣٤٧/١)، ومجمع الزوائد (٣٢٣/٧).
ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (ص٤٢٧)، من
حديث أبي بكرة مرفوعا مثل حديث ابن مسعود، وفيه مبارك بن فضالة، وهو مدلس،
وحبيب بن فروخ لم يعرفه الهيثمي. انظر مجمع الزوائد (٣٢٧/٧).
وهناك أحاديث أخرى مرفوعة وموقوفة، منها ما تقدم عن عمر بن الخطاب وعبد الله
بن عمرو، مما يدل على أن الحديث له أصل، ولعله يبلغ باجتماع الطرق إلى درجة
الحسن، ولاسيما هناك أحاديث أخرى تؤيد هذا المعنى، منها ما يأتي برقم ٤٠٧.
(١) هو الرملي أبو محمد البصري، نزيل المصيصة، ثقة فاضل، مات سنة ١٩١هـ.
(٢) هو هشام بن حسان الأزدي.
(٣) إسناده مقطوع لأنه من كلام الحسن البصري، ورجاله ثقات سوى هشام، فإنه
ثقة، ولكن في روايته عن الحسن مقال، وقيل: كان يرسل عنه.
-٨٠١ -
عبد الرحيم (١)، قال: أخبرنا يحيى بن يحيى(٢)، قال: أخبرنا
عبدالله بن وهب، عن ابن شريح، عن إسماعيل بن قيس
الرعيني، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها)) (٣).
٤٠٧ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا التغلبي، قال: حدثنا الأعناقي،
قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا
إسماعيل بن جعفر، عن عمرو، عن (٤) عبد الله بن عبد الرحمن
الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا
لکع(٥) ابن لکی)» (٦).
(١) هو المروزي أبوسعيد نزيل دمشق، صدوق، مات سنة ٢٤٤هـ.
(٢) هو يحيى بن يحيى بن بكير أبوزكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام، مات سنة ٢٢٦هـ
على الصحيح.
(٣) انظر ما تقدم برقم ٤٠٤. وهذا الحديث غير موجود في ع.
(٤) في الأصل (بن) بدل (عن) وهو خطأ، والتصويب من بعض مصادر التخريج.
(٥) قال ابن الأثير: ((اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل:
لكع، وللمرأة لكاع ... وأكثر ما يقع في النداء، وهو اللئيم. وقيل: الوسخ، وقد يطلق
على الصغير ... وإن أطلق على الكبير أريد به الصغير العلم والعقل» النهاية
(٢٦٨/٤).
(٦) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفتن، (٤٩٣/٤ رقم ٢٢٠٩) والإِمام أحمد في
مسنده (٣٨٩/٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣٩٢/٦)، من طريق إسماعيل بن
جعفر به بمثله. ووقع في المسند ((عبيد الله بن عبد الرحمن)) ولعله خطأ مطبعي.
وإسماعيل بن جعفر تابعه عبد العزيز بن محمد الداروردي وسليمان بن بلال.
حديث الأول أخرجه الترمذي مقرونا مع رواية إسماعيل، ونعيم بن حماد في الفتن =
- ٨٠٢ -
= (ق ١/٥٢ رقم ٥٥٤).
وحديث الثاني أشار إليه البيهقي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير (١٧٧/٦ رقم ٧٣٠٨) وقال: صحيح،
ولعله اعتبر في ذلك الشواهد الأخرى للحديث. وإلا فهذا الإسناد بالذات ضعيف
لأجل عبدالله بن عبد الرحمن، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان، ولذلك قال الحافظ في
التقريب: مقبول، يعني إذا توبع، ولم يتابع - فيما أعلم - في هذا الإسناد، ولكن
الحديث له شواهد منها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٢٦/٢، ٣٥٨) من
طريق كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا ولفظه: ((لا تذهب الدنيا
حتى تصير للكع بن لكع».
قال فيه ابن كثير: إسناده جيد قوي، انظر النهاية (الفتن والملاحم) (٢٣٥/١).
ويروى ذلك أيضا من أحاديث عمر بن الخطاب وأنس وأبي ذر وغيرهم رضوان الله
عليهم. راجع لمعرفتها مجمع الزوائد (٣٢٠/٧، ٣٢٥).
التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله «باب ما جاء أن من أشراط الساعة رفع الأشرار
ووضع الأخيار)) وذلك للإشارة إلى أن من أشراط الساعة وقوع الاختلال في أمور الناس
وانقلابها رأسا على عقب بحيث يرفع الأشرار ويكرمون، بينما يستذل الأخيار ويوضعون،
ويملك الدنيا اللئام ابن اللئام، ويسود الناس رذالهم وأشرارهم.
وكل هذا تمهيد لقيام الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الناس كما هو مقرر فيما صح
عن النبي {158.
والأحاديث التي أوردها المؤلف في هذا الباب يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أصناف، الأول
منها يبين رفع الأشرار وتكريمهم ووضع الأخيار واستذلالهم وأورد في ذلك حديثا مرسلا
عن حسان بن عطية وحديثين موقوفين عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو.
وقد روي حديث الأخير مرفوعا أيضا، وهناك في الصحيح ما يؤيد هذا المعنى، وهو ما
رواه مسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة مرفوعا «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً =
- ٨٠٣ -
= كما بدأ ... )) (١)
وأما الصنف الثاني فهو يبين أن السيادة والزعامة تكون في أيدي المنافقين والفساق.
وأورد في ذلك عن ابن مسعود وغيره، وهو مروي من عدة طرق، وفي أغلبها مقال، ولعل
اجتماع الطرق يكتسب له قوة، وقد وجد له أيضا في الصحاح ما يؤيده ويدل على معناه.
ومنه حديث ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (٢).
والصنف الأخير يدل على أن الدنيا تكون بيد لكع بن لكع، واللكع هو الأحمق أو اللئيم
أو العبد، وقيل: إن المراد: رديء النسب دنيء الحسب، وقيل: أراد به من لا يعرف له
أصل، وقيل أيضاً: إن المراد: الصغير في العلم والعقل (٣)
قلت: يظهر لي - والله أعلم - أنه لا مانع من إرادة جميع هذه المعاني بحيث تجتمع
فيه جميع هذه الصفات أو بعضها، وأورد فيه المؤلف عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
وهو مروي من أحاديث غيره من الصحابة.
وجاء في رواية عن أم سلمة «ويكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع لا يؤمن بالله
ورسوله)»(٤)، وهو يدل على أن المقصود من اللكع ليس هو الأحمق أو اللئيم أو غير المعروف
۔۔
في النسب فقط، بل يضاف إلى هذه الصفات الكفر وعدم الإِيمان بالله تعالى ورسوله وأَلتر.
وأما معنى الحديث فقال البرزنجي: ((أي حتى يكون اللئام والحمقاء أو العبيد رؤساء
الناس)»(9).
وهو على هذا يرجع إلى أحاديث الصنف الثاني التي تدل على سيادة المنافقين والفساق
وتسلط الأشرار على الأخيار.
ويبدو لي - والله أعلم بمراد رسوله - أن الحديث أعم من السيادة والزعامة إذ يدل على
توفر حظوظ اللئام بن اللئام من هذه الدنيا ونعيمها وملاذها والوجاهة فيها وغير ذلك من
(١) تقدم تحت رقم ٢٨٨.
(٢) تقدم برقم ٣٨١.
(٣) انظر تحفة الأحوذي (٢٢٤/٣).
(٤) أخرجه البخاري في تاريخه (٢٧٩/٨)، والطبراني في الكبير (٣١٤/٢٣ رقم ٧١١).
(٥) الإشاعة (ص ٧٠).
- ٨٠٤ -
= المتاع الدنيوي.
وكل هذه العلامات التي تقدم ذكرها أوردها البرزنجي والسفاريني في العلامات
المتوسطة التي بدأ ظهورها ولاتزال في ازدياد(١).
وقال القرطبي بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره: ((قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ما أخبر
به النبي * في هذا الباب وغيره مما تقدم ويأتي قد ظهر أكثره وشاع في الناس معظمه
فوسد الأمر إلى غير أهله وصار رؤوس الناس أسافلهم عبيدهم وجهالهم فيملكون البلاد
والحكم في العباد فيجمعون الأموال ويطيلون البنيان كما هو مشاهد في هذه الأزمان))(٢).
(١) الإشاعة (ص ٧٠)، وأيضا لوامع الأنوار (٦٨/٢).
(٢) التذكرة (ص٧٥٣).
- ٨٠٥ -
٦٨ - باب ما جاء أن الساعة تقوم على أشرار الناس
٤٠٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال:
حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال:
حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا إسحاق بن أبي يحيى، عن
معتمر بن سليمان، عن ليث، عن(١) مجاهد، قال: ((لا تقوم
الساعة إلا على شرار الناس، ولا تقوم على أحد يقول: لا إله إلا
الله، وأن الملك ليريد أن ينفخ في الصور، فإذا سمع قائلاً يقول:
لا إله إلا الله أخّرها سبعين خريفاً))(٢).
(١) في الأصل (ابن) بدل (عن) وهو خطأ.
(٢) هذا الإسناد مقطوع، لأنه ينتهي إلى مجاهد، وفيه إسحاق الكعبي، وهو هالك،
ورواه نعيم بن حماد في الفتن ( ق ١/١٨١ رقم ١٨٣٢)، عن المعتمر بن سليمان،
عن ليث، عن مجاهد مرفوعاً دون الجملة الأولى ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)). وهو
مرسل، في إسناده ليث بن أبي سليم اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك، ولبعض
ما جاء في هذا الأثر شاهد من الأحاديث الثابتة فقوله ((لا تقوم الساعة إلا على شرار
الناس» ورد مثله في حديث ابن مسعود عند مسلم كما سيأتي برقم ٤١٠.
وأما قوله ((لا تقوم على أحد يقول: لا إله إلا الله)) فهو أيضا ثابت في رواية عند الإِمام
أحمد في مسنده (٢٦٨/٣) من حديث أنس، وأما الجملة الأخيرة فذكر القرطبي في
التذكرة (ص٨٣١) دون عزو أنه ورد في الخبر ((أن الله تعالى يقول لإسرافيل عليه
السلام: إذا سمعت قائلاً يقول: لا إله إلا الله، فأخر النفخة أربعين سنة إكراما
لقائلها)» ولم أجد ما يشهد له أو لما أورده المؤلف بالسند الصحيح عن النبي #
والله أعلم.
-٨٠٧ -
٤٠٩ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين(١)، قال:
حدثنا محمد(٢) بن خالد البرذعي، قال: حدثنا يونس بن
عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: حدثنا
محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن أنس قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا
الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحاً، ولا تقوم الساعة إلا على
شرار الناس))(٢).
۔۔
٤١٠ - أخبرنا عبد الملك بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم،
قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا مسلم بن الحجاج،
قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن
مهدي - قال: حدثنا شعبة، عن علي بن الأقمر(٤)، عن أبي
الأحوص(٥)، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))(٦).
(١) في الأصل ((محمد بن الحسن)» والتصويب مما تقدم برقم ٢١٧ وهو الآجري.
(٢) في الأصل ((أحمد))، والصواب ما أثبته، انظر رقم ٢١٧.
(٣) تقدم هذا الحديث بنفس السند والمتن برقم ٢١٧، وفيه زيادة في آخره «ولا مهدي
إلا عيسى بن مريم)» وهو بهذه الزيادة ضعيف عند بعض الأئمة. راجع للتفصيل
الرقم المذكور.
(٤) هو الوداعي أبوالوازع كوني، ثقة، من الرابعة.
(٥) هو عوف بن مالك الجشمي، مشهور بكنيته.
(٦) انظر الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب قرب الساعة (٢٢٦٨/٤ رقم
١٣١)، وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد في مسنده (٣٩٤/١، ٤٣٥)، وابن حبان في
صحيحه كما في الإحسان (٣٠٠/٨ رقم ٦٨١١)، والخطيب البغدادي في تاريخه =
-٨٠٨ -
= (١٤ / ٤٤٢) من طرق عن شعبة به مثله.
وورد أيضا من حديثه بلفظ «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء»
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن (١٤/١٣ رقم ٧٠٦٧)،
والإِمام أحمد في مسنده (١ /٤٠٥، ٤٣٥) من طريق آخر عن عاصم، عن أبي وائل
عنه، وعند الإمام أحمد زيادة في آخره ((ومن يتخذ القبور مساجد)).
وورد ذلك أيضاً من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعا بلفظ «لا تقوم
الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشيء إلا ردّه
عليهم».
أخرجه مسلم في صحيحه (١٥٢٤/٣ رقم ١٩٢٤) وفيه قصة ستأتي الإشارة إليها
في التعليق.
التعليق:
أورد المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث، وهي تبين أن الساعة تقوم حين لا يبقى في
هذه الدنيا أحد من المؤمنين بالله تعالى، وقد وردت عدة أحاديث في هذا المعنى، منها ما
أخرجه مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض:
الله الله)) وفي رواية أخرى عنده ((لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله)(١) وهناك أحاديث
أخرى عديدة(٢)، وهي في الظاهر تعارض ما ثبت عن النبي 86# («لاتزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق ... ))(٣).
فالظاهر من الأحاديث السابقة أنه لا يبقى عند قيام الساعة أحد من المؤمنين فضلا عن
القائم بالحق، بينما يدل ظاهر هذا الحديث على بقاء من يقوم بالحق حتى عند قيام
الساعة.
فذهب بعض العلماء إلى التوفيق بين هذه الأحاديث بما يدفع التعارض، فقال الطبري : =
(١) انظر: صحيح مسلم (١٣١/١ رقم ١٤٨).
(٢) جمعها الحافظ ابن حجر في الفتح (٨٥/١٣).
(٣) تقدم برقم (٣٦٠).
- ٨٠٩ -
= إن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، وإن موضعا آخر
يكون به طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم، واستدل بما جاء في بعض
الروايات لحديث ((لاتزال طائفة من أمتي ... )) الحديث على أنهم ببيت المقدس(!).
وذهب ابن بطال في شرحه لحديث البخاري (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم
أحياء)» إلى أن المراد منه الخصوص، وإن كان لفظه لفظ العموم، ومعناه أن الساعة تقوم
في الأكثر والأغلب على شرار الناس(٢)، ولكنه يتعارض مع اللفظ الذي عند المؤلف حيث
حصر فيه قيام الساعة على شرار الناس بأداة من أدوات الحصر(٢) ..
ومن أحسن ما يدفع به هذا الاستشكال القصة التي أخرجها مسلم، وفيها أن عبد الله
بن عمرو لما حدث بالحديث السابق («لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ... » عارضه عقبة
بن عامر بحديث ((لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم
من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك»، فقال عبد الله: («أجل، ثم يبعث الله ريحا
كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا
قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة))(4).
.. . .
فالمراد من ((أمر الله)) في حديث ((لاتزال طائفة من أمتي ... )) هبوب تلك الريح، فيكون
ظهور أهل الحق قبل هبوبها، وأما بعد هبوبها فلا يبقى إلا الشرار وليس فيهم مؤمن، ـ
فعليهم تقوم الساعة.
(١) انظر هذه الرواية في مسند أحمد (٢٦٩/٥).
(٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر.
(٣) به عقب عليه ابن حجر، انظر الفتح (١٣ / ١٩).
(٤) انظر صحيح مسلم (١٥٢٤/٣ رقم ١٩٢٤) ولحديث عبد الله بن عمرو شاهد من
حديث عائشة، وسيأتي عند المؤلف برقم ٤٢٦، وقد جاء عن عتبة بن أبي حكيم أنه
فسر ((أمر الله)) بالريح الطيبة التي تخرج في زمن عيسى فتقبض أرواح المؤمنين.
انظر الفتن لنعيم (ق ١٦٩/ب رقم ١٧١٠).
- ٨١٠ -
= وإلى هذا الجمع ذهب القرطبي والنووي والحافظ ابن حجر(١)، وقال النووي: ((أطلق في
هذا الحديث (أي حديث لاتزال طائفة من أمتي ... ) بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها
ودنوها المتناهي في القرب».
ووصف الحافظ ابن حجر حديث عبد الله بن عمرو بأنه أولى ما يتمسك به في الجمع
بين الحديثين المذكورين إلا أنه ذكر أن المراد بقيام الساعة في حديث عقبة بن عامر «حتى
تأتيهم الساعة)) ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح»، وأن المراد بالذين يكونون
ببيت المقدس الذين يحصرهم الدجال إذا خرج فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال.
ويظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكور، فهذا هو المعتمد
في الجمع والعلم عند الله»(٢).
وقال البرزنجي بعد إيراده لما جمع به الحافظ: ((ولا يأبى هذا كل الإباء ما ورد في
بعض الروايات مكان ((أمر الله)) ((يوم القيامة)) لأن ما قارب الشيء يعطي حكمه، فهذا
الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة.
وجمعه هذا أحسن من جمع غيره، بأن يكفر بعض الناس، ويبقى بعضهم لمنافاته
للكليات الواردة كما لا يخفى)»(٢).
(١) انظر التذكرة (ص ٨٣٢)، وشرح النووي (١٣٢/٢)، وفتح الباري (٢٩٤/١٣).
(٢) راجع أيضا فتح الباري (١٩/١٣، ٧٦-٧٧، ٨٥)، ولوامع الأنوار
(١٥٢/٢-١٥٣).
(٣) الإشاعة (ص ١٨٠).
- ٨١١ -
٦٩ - باب ما جاء أن من أشراط الساعة
أن يكثر النساء ويقل الرجال
٤١١ - حدثنا محمد بن خليفة البلوي(١)، قال: حدثنا محمد بن
الحسين الآجري(٢)، قال: حدثنا أبوسعيد الأعرابي(٢)، قال:
حدثنا الرمادي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن
قتادة، عن أنس بن مالك(٤) سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((إن من أشراط الساعة أن يقل الرجال، ويكثر النساء،
حتى يكون قيم خمسين امرأة رجل واحد))(٥).
٤١٢ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا ابن ثابت، قال: حدثنا
سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي بن معبد،
قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن عبيد الله، عن
(١) هذه النسبة إلى بلى، وهي قبيلة من قضاعة.
انظر: الأنساب (٣٢٣/٢).
(٢) هذه النسبة إلى عمل الآجر وبيعه، وأيضاً نسبة إلى درب الآجر.
انظر: الأنساب (٦٨/١).
(٣) كذا في الأصل ((الأعرابي)» وهو المعروف بابن الأعرابي وهكذا ورد ذكره في رقم
٤١٣.
(٤) في ع ((عن أنس أنه)).
(٥) انظر الحديث في مصنف عبد الرزاق (٣٨١/١١ رقم ٢٠٨٠١) بزيادة قوله ((إن من
أشراط الساعة أن يذهب العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر، ويفشو الزنا ... )). وتقدم
تخريجه في رقم ٣٨٨، وقد رواه المؤلف هناك أيضاً مقتصراً على ما يتعلق بالباب وهو
«أن من أشراط الساعة أن يذهب العلم ويظهر الجهل»، وهو مخرج في الصحيحين
وغيرهما بالزيادة المذكورة.
- ٨١٣ -
أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تقوم الساعة حتى يتبع الرجل ثلاثون امرأة، كلهم يقول(١):
انكحني انكجني))(٢).
(١) في ع ((كلهن تقول)) وكلاهما صحيح من حيث القاعدة.
(٢) هذا الحديث ضعيف جداً، في إسناده يحيى بن عبيد الله متروك، وقد جاء في حديث
آخر رواه البخاري في صحيحه (٢٨١/٣ رقم ١٤١٤)، ومسلم في صحيحه
(٢/ ٧٠٠ رقم ١٠١٢) بسندهما عن أبي موسى مرفوعاً: ((يرى الرجل الواحد يتيعه
أربعون امرأة، يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء».
هذا الحديث والحديث السابق يدلان على أنه يقل عدد الرجال ويكثر عدد النساء
عند قرب قيام الساعة بحيث يقوم الرجل الواحد بأمر أربعين أو خمسين امرأة، وقد
اختلف في سبب هذه القلة والكثرة.
فذهب القرطبي إلى أن الفتن تكثر، فيكثر فيها قتل الرجال لأنهم أهل حرب دون
النساء، وذهب أبوعبد الملك إلى أنه إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا فيتخذ
الرجل الواحد عدة موطوآت، فعنده سبب كثرة النساء هو كثرة الفتوح.
وذهب بعضهم إلى أن قلة الرجال وكثرة النساء علامة محضة تتقدم وقوع
الساعة كغيرها من العلامات، دون أن تكون لها صلة بسبب آخر بل يقدر الله تعالى
في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، ثم إن كثرة
النساء كونها من العلامات مناسب لظهور الجهل ورفع العلم المذكورين في سياق
الحديث.
وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن حجر ووصفه بأنه هو الظاهر من الحديث، وأما
: ما قاله أبوعبد الملك فعقب عليه بقوله: «وفيه نظر، لأنه صرح بالقلة في حديث أبي
موسى ... )) فقال: ((من قلة الرجال وكثرة النساء».
وكذلك ما ذكره القرطبي فليس في الحديث ما يؤيده، كما أن الأشراط الأخرى
المذكورة في الحديث من رفع العلم وظهور الجهل والزنا لم يذكر في وقوعها أي سبب
آخر، فينبغي أن لا يقيد هذه القلة والكثرة أيضا بسبب آخر.
وأما قوله {ل: ((يرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة)) وكذلك قوله: ((حتى يكون =
- ٨١٤ -
= لخمسين امرأة القيم الواحد)». فذكر فيه قولان: أحدهما: أن المراد أن يقوم رجل
واحد بقضاء حوائجهن ومصالح أمورهن وذلك لقلة الرجال.
والثاني: أن ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله، الله، فيتزوج
الواحد بغير عدد جهلا بالحكم الشرعي.
وذكر القرطبي قريبا من ذلك، ثم اختار القول الأول ووصفه بأنه أشبه. ثم استدل
على هذا بما حدث لبعض المغاربة من هذا القبيل.
وأما الحافظ ابن حجر فقال بعد أن ذكر القولين بلفظ الاحتمال: ((وقد وجد ذلك
(يقصد القول الثاني) من بعض أمراء التركمان وغيرهم من أهل الزمان مع دعواه
الإسلام» اهـ.
قلت: قد وجد ذلك أيضا عند كثير ممن حكموا الهند من المغول وغيرهم. راجع
للتفصيل: التذكرة (ص٧٤٨)، وشرح النووي لصحيح مسلم (٩٦/٧)، وفتح
الباري (١٧٩/١)، والإشاعة (ص١١٨).
- ٨١٥ -
٧٠ - باب ما جاء أن تزيين المساجد من(١) الأشراط
٤١٣ - حدثنا عبد الوهاب بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا أبوسعيد
بن الأعرابي، قال: حدثنا أبورفاعة عبد الله بن محمد، قال:
حدثنا محمد بن عبدالله الخزاعي (٢)، قال: حدثنا حماد بن
سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك(٣) قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة(٤) حتى يتباهى
الناس في المساجد»(٥).
(١) تكرر حرف ((من)) في الأصل.
(٢) في الأصل ((الحرثكي)» والتصويب من بعض مصادر التخريج والترجمة. وهو بصري،
ثقة، مات سنة ٢٢٣هـ.
(٣) في ع (أنس».
(٤) في المعجم «القيامة)).
(٥) انظر الحديث في المعجم لابن الأعرابي (ق١٩٤/ب) وقرن فيه قتادة بأبي قلابة.
وأخرجه أيضا أبوداود في سننه، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد (٣١١/١ رقم
٤٤٩)، والنسائي في سننه، كتاب المساجد، باب المباهاة في المساجد (٣٢/٢)، وابن
ماجه في سننه، كتاب المساجد، باب تشييد المساجد (٢٤٤/١ رقم ٧٣٩)، والإمام
أحمد في مسنده (١٣٤/٣، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣)، والدارمي في مسنده
(٣٢٧/١)، وأبويعلى في مسنده (١٨٤/٥-١٨٥ رقم ٢٧٩٨)، وابن خزيمة في
صحيحه (٢٨١/٢-٢٨٢ رقم ١٣٢٢، ١٣٢٣)، وابن حبان في صحيحه كما في
الإحسان (٧٠/٣ رقم ١٦١١، ١٦١٢) من طرق عن حماد بن سلمة به بألفاظ
مختلفة، والمعنى واحد، وقرن أبوداود وابن خزيمة في الرواية الثانية قتادة بأبي
قلابة، وهو حديث صحيح، وقد صرح بصحته الألباني في تعليقه على صحيح ابن
خزيمة (٢٨٢/٢).
-٨١٧ -
٤١٤ - حدثنا خلف بن إبراهيم بن أحمد بن حمدان، قال: حدثنا أحمد
بن محمد المكي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا
القاسم بن سلام، قال: حدثنا ابن بكير، عن الليث بن سعد،
عن شعيب بن أبي سعيد(١) مولى قريش، قال أبوذر: ((إذا حليتم
مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم))(٢).
٤١٥ - أخبرني أحمد بن فراس المكي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن
عبد الله بن محمد، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا سفيان، عن
مالك بن مغول، عن أبي حصين(٢)، قال: ((يقال: إذا ساء عمل
الأمة زينوا مساجدهم)) (٤).
(١) هو أبويونس، وحديثه في المصريين، كذا ذكر البخاري في تاريخه (٢١٨/٤)، وقال
ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤ /٣٤٧): روى عن أبي ذر، مرسل.
(٢) انظر الحديث في فضائل القرآن (ق ١٨٥/أ) وهو موقوف، وفي إسناده إرسال، لأن
رواية شعيب عن أبي ذر مرسلة، وذكره علي الهندي في موضعين من كنز العمال
(٢٣٨/١١، ٢١٠/١٤) وعزاه في الأول إلى الحكيم الترمذي، وفي الثاني إلى ابن
أبي الدنيا في المصاحف، من قول أبي الدرداء.
وقد أخرجه من قوله عبد الله بن المبارك في الزهد (ص ٢٧٥ رقم ٧٩٧) وأبوعبيد
الهروي في فضائل القرآن (ق ١٨٥/ب) بإسناد رجاله موثقون. وأخرجه أبونعيم في
الحلية (٣٨٣/١) بسنده عن أبي هريرة من قوله، ولكنه ضعيف، فيه الفرج بن
فضالة وهو ضعيف.
(٣) هو عثمان بن عاصم الأسدي، ثقة ثبت سني، وربما دلس، مات سنة ١٢٧هـ.
(٤) هو مقطوع، لأنه من كلام أبي حصين وهو تابعي، وعبد الرحمن بن عبد الله لم أعرف
فيه حكم الجرح أو التعديل، وقد روي من طريق أبي حصين موقوفا على ابن عباس،
ويأتي بعده، كما أنه روي عن عمر بن الخطاب مرفوعا. ولكن كلا الإسنادين
ضعيف، راجع الرقم الآتي.
-٨١٨ -
٤١٦ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت، قال:
حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال:
حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا إسحاق بن أبي يحيى الكعبي،
عن معتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي حصين،
عن ابن عباس قال: ((ما كثرت ذنوب قوم إلا زخرفت
مساجدها(١)، وما زخرفت مساجدها إلا عند خروج الدجال))(٢).
(١) في ع ((مساجدهم)).
(٢) هو موقوف، وإسناده ضعيف جداً، فيه إسحاق الكعبي وهو هالك، وليث بن أبي
سليم وقد اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك.
وقد ورد نحوه أيضا عن عمر بن الخطاب مرفوعا أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب
المساجد، باب تشييد المساجد (٢٤٤/١ رقم ٧٤١) من طريق عمرو بن ميمون عنه،
ولفظه: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم))، وقال البوصيري في مصباح
الزجاجة (١٦٠/١ رقم ٢٨٠): ((هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس، وقد اتهم))،
ووصفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٩٦/٥ رقم ٥٠٧٧) بأنه ضيعف جداً.
وكأن الحافظ ابن حجر لم ير فيه هذا الضعف الشديد، فإنه قال بعد أن أورده:
((رجاله ثقات، إلا شيخه (أي ابن ماجه) جبارة بن المغلس ففيه مقال)). فتح الباري
(٥٣٩/١).
والصواب أن الحديث ضعيف، وقد ضعف الحافظ نفسه جبارة بن المغلس في تقريب
التهذيب (ص٥٣)، ولكن وردت عدة أحاديث مرفوعة وموقوفة في النهي عن تزيين
المساجد وزخرفتها وأن ذلك من أشراط الساعة. منها ما تقدم في أول الباب.
التعليق:
عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب وترجم له بقوله «باب ما جاء أن تزيين المساجد
من الأشراط».
وأورد فيه حديث أنس مرفوعا: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) =
-٨١٩ -
= ويتباهون معناه يتفاخرون، وقال العظيم آبادي: ((أي يتفاخرون في شأنها وبنائها، يعني
يتفاخر كل أحد بمسجده، ويقول: مسجدي أرفع وأزين وأوسع وأحسن رياء وسمعة :
واجتلابا للمدحة)) (١).
وهناك أحاديث أخرى ورد فيها النهي عن تشييد المساجد وزخرفتها وتزيينها مطلقاً
دون ذكر المباهاة، منها ما أخرجه أبوداود في سننه(٢) وابن حبان في صحيحه(٣) من حديث
ابن عباس مرفوعاً: «ما أمرت بتشييد المساجد» وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت
اليهود والنصارى» ..
وقول ابن عباس أورده البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم(٤)، وقال الخطابي:
التشييد رفع البناء وتطويله، ... ومعنى قوله: ((لتزخرفنها)) لتزيننها، وأصل الزخرف الذهب،
يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ... ، والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد
عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا
طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءة بالمساجد والمباهاة
بتشييدها وتزيينها)»(٥).
:
وقد رخص بعض العلماء في زخرفة المساجد وتزيينها، منهم أبوحنيفة، حيث ذهب إلى
جوازه إذا كان على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال، وقال
ابن المنير: «لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن
الاستهانة».
ذكر القولين الحافظ ابن حجر، ولعل الذين ذهبوا إلى هذا القول استدلوا بمفهوم
حديث أنس، وهو أن التشييد والزخرفة للمساجد ممنوع للمباهاة والمفاخرة، فإذا شيدت =
(١) عون المعبود (١٧١/١).
(٢) (٣١٠/١ رقم ٤٤٨)
(٣) انظر: الإِحسان (٧٠/٣ رقم ١٦١٣).
(٤) (٥٣٩/١).
(٥) معالم السنن (٢٥٥/١).
- ٨٢٠ -