Indexed OCR Text

Pages 21-40

العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات،
فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير
أمر الله فهي مذمومة، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله :
والفتنة أشدّ من القتل﴾(١)، وقوله: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين
والمؤمنات ﴾ (٢).
هذا كلام أهل اللغة في معنى الفتنة، وعرفها الجرجاني فقال: ((الفتنة
ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا
أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان وهو الحجر الذي
يجرب به الذهب والفضة)) (٣).
وأما الفتن التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وأن
أمته سوف تبتلى بالكثير منها وأنها ترسل عليها إرسال القطر فأغلبها من
هذا القبيل أي من قبيل الاختبار والابتلاء ليتبين حال الإنسان فيها من
الخير والشر وتعلقه بها كما يوجد فيها بعض المعاني المذكورة عند أهل
اللغة من القتل والاختلاف والعذاب وتغير الأحوال والأزمنة، قال الحافظ
ابن حجر: «وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في
اختبار كشف مايكره، ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر
جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: ﴿إنما أموالكم وأولادكم
فتنة﴾ (٤) وتستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى: ﴿ إِن
الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾(٥)، واستعملت أيضا في الضلال
(١) سورة البقرة: الآية ١٩١.
(٢) سورة البروج: الآية ١٠، وانظر المفردات (ص ٥٦٠).
(٣) التعريفات (ص ٢١٢).
(٤) سورة التغابن: الآية ١٥.
(٥) سورة البروج: الآية ١٠.
-٢١ -

والإثم والكفر والعذاب، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن(١).
والملاحم :
جمع ملحمة، وهي الوقعة العظيمة القتل في الفتنة، وقيل: هي الحرب
ذات القتال الشديد، وقيل: موضع القتال، ذكر هذه الأقوال الثلاثة
الزبيدي(٢)، وذكر ابن منظور قولا رابعا وهو أن الملحمة: القتال في
الفتنة (٣). ويبدو أن هذه الأقوال ليست متباعدة وأنها تؤدي معنى
واحدا، وهو القتل والقتال، ولذلك قال ابن الأثير: الملحمة هي الحرب
وموضع القتال (٤). وقال الجوهري: الملحمة الوقعة العظيمة في الفتنة (*).
وأما أصل الكلمة فقيل: إنها مشتقة من اللحمة، لاشتباك الناس
واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: إنها من اللحم،
لكثرة لحوم القتلى فيها، ذكرهما ابن الأثير(١)، وذهب ابن الأعرابي إلى
اختيار الأخير إذ قال: ((الملحمة حيث يقاطعون لحومهم بالسيوف))(٧)،
وذكر السندى في بعض حواشيه أن الملحمة هي موضع القتال، وتطلق
أيضا على القتال والفتنة، وذكر القولين في اشتقاق الكلمة، ثم قال:
((والمراد هاهنا بيان الفتن والوقائع العظام وأمثالها))(4).
(١) فتح البارى (١٧٦/١١).
(٢) انظر تاج العروس (٥٦/٩).
(٣) انظر لسان العرب (٥٣٧/١٢).
(٤) النهاية (٢٣٩/٤).
(٥) الصحاح (٢٠٢٧/٥).
(٦) النهاية (٤ / ٢٤٠).
:
(٧) ذكره عنه الزبيدي.
(٨) انظر حاشيته على سنن ابن ماجه (٥٢٠/٢).
-٢٢ -

والأشراط :
جمع شرط - وهو العلامة - وذكر أبو عبيد الهروى عن الأصمعي أن
أشراط الساعة هي علاماتها، وقال: ((ومنه الاشتراط الذي يشترط الناس
بعضهم على بعض إنما هي علامات يجعلونها بينهم، ولذلك سميت
الشرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها)) (١).
وإلى هذا ذهب أبو عبيدة حيث قال: ((أشراط الساعة علاماتها)) (٢).
وكذا ذهب إليه الجوهري(٣) وأبو سعيد ابن الأعرابي، وقال: ((أشراط
الساعة علاماتها وأسبابها التي هي دون معظمها وقيامها» وقال:
«وأشراط الساعة كل شىء ابتداء أوله)) (٤).
ونقل الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير، وقال:
(«أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم
الساعة)» (٥).
ويبدو لي أن الصواب هو القول الأول أي أن الأشراط بمعنى
العلامات، وذلك لأن بعض أشراط الساعة التى أخبر بها النبي صلى الله
عليه وسلم صارت للناس عادية حيث لايشعر جماهيرهم بأن لها علاقة
ما بقيام الساعة، مثل الزلازل والخسوف والقتال وسعة الدنيا وضيقها
والفسق والفجور، فهي من الأمور المعتادة المعروفة بين الناس دون أن
ينكروها ويعدوها من صغار أمور الساعة . ولذلك قال الحافظ ابن حجر
(١) انظر غريب الحديث للهروى (٤٠/١)، وأيضا النهاية (٤٦٠/٢).
(٢) ذكره الأزهرى في تهذيب اللغة (٣٠٩/١١).
(٣) انظر الصحاح (١١٣٦/٣).
(٤) حكاه الأزهرى.
(٥) انظر غريب الحديث للخطابي (٢٥٢/٢)، وأيضا النهاية (٤٦٠/٢).
-٢٣ -

أثناء تحديده للمقصود من الأشراط: ((المراد بالأشراط العلامات التي
يعقبها قيام الساعة)»(١).
وقال البيهقي في تحديد المراد من الأشراط: ((أي مايتقدمها من
العلامات الدالة على قرب حينها))(٢).
وقال الحليمى: (أما انتهاء الحياة الأولى فإن له مقدمات تسمى
أشراط الساعة، وهي أعلامها))(٣) .
هذا، وقد جاء ذكر الأشراط في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿فهل
ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ﴾(٤)، علما
بأن هناك كلمات أخرى تطلق على هذا المعنى، منها الآيات، فورد فيما
رواه حذيفة بن أسيد حيث قال: «أشرف علينا النبي صلى الله عليه وسلم
من غرفة، فقال: ماذا تذكرون ؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: فانها لا تقوم
حتى تكون قبلها عشر آيات ... )،ثم ذكرها(٥) .
وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: ((إن أول الآيات خروجا طلوع
الشمس من مغربها ... ))(١) ، ومنها الأمارات، كما في حديث أبي هريرة في
قصة الذئب مع راعي الغنم، وقال فيه صلى الله عليه وسلم: ((إنها أمارة
من أمارات بين يدى الساعة قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى
تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده »(٧).
-
(١) فتح البارى (١٣ /٩٧).
(٢) البعث (ص ٦٩ تحقيق الصاعدى).
(٣) المنهاج (٤٢٢/١).
(٤) سورة محمد: الآية ١٨.
(٥) يأتى عند المؤلف برقم (٥٢٠).
(٦) يأتى عند المؤلف برقم (٧١٥).
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٠٦/٢).
- ٢٤ -

وتطلق عليها العلامات أيضا، كما جاء في حديث جبريل الذي رواه
عامر أو أبو عامر أو أبو مالك، «فقال السائل: يارسول الله! إن شئت
حدثتك بعلامتين تكونان قبلها، فقال: حدثني، فقال: إذا رأيت الأمة تلد
ربها ويطول أهل البنيان بالبنيان، وعاد العالة الحفاة رؤس الناس
. (١)g ....
وجميع هذه الكلمات تؤدي معنى واحدا، وهو أن المقصود منها
مايتقدم قيام الساعة من أمور كالعلامة لها .
الفرق بين مدلولات هذه الكلمة :
ذكر بعض العلماء الفرق بين الفتنة والملحمة فقال: ((المراد بالفتنة
قتال بعض المسلمين مع بعض، وبالملاحم قتال المسلمين مع الكفار» قاله
صاحب عون المعبود ، ويؤيد هذا التفريق أن أبا داود عقد بابا في سننه،
وترجم له بقوله: ((باب ارتفاع الفتنة في الملاحم)) وروى تحته حديث عوف
بن مالك مرفوعاً: «لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين سيفا منها وسيفا
من عدوها))(٢).
وأما الفرق بين الفتن وأشراط الساعة فإنى لم أهتد إلى كلام العلماء
في ذلك، وفي ضوء ماتقدم يمكن أن يقال: «إن المراد بالأشراط الأمارات
الواضحة التي تدل على قرب الساعة أو على قيامها)).
وأما الفتن فهي كلمة عامة تشمل كل ما أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم بوقوعه بعده من اختلاف الناس فيما بينهم واقتتالهم لأجل
الحصول على المناصب والجاه الدنيوى، ومن تغير في أحوالهم الدينية
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٦٤،١٢٩/٤) مطولا.
(٢) انظر سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود (١٨٥/٤) وقد أشار إلى هذا التفريق
التويجرى في إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (٢٨٨/١).
- ٢٥ -

والدنيوية وفساد في الأزمنة، وعقوبات إلهية على سوء أعمالهم - بما فيها
من علامات الساعة الصغيرة منها والكبيرة - إلا أن المراد بها في الغالب
هو ماسبق ذكره من قتال المسلمين فيما بينهم، وهذا هو الظاهر من أغلب
الأحاديث التي أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته سوف تبتلى
بفتن كثيرة حيث ترسل عليها إرسال القطر، وحذر الناس من الدخول
فيها، ولكن يجوز إطلاقها على كل من الملاحم والأشراط، ويبدو ذلك من
صنيع البخاري في صحيحه والترمذي في سننه، حيث عقد كل منهما
كتاب الفتن، وساقا تحته الأحاديث المتعلقة بالفتن والملاحم وأشراط
الساعة في أبواب مختلفة، ومن المحدثين من فرق بين هذه الأمور إذ
خصص لكل واحد منها كتابا أو بابا، كما فعل أبو داود وابن ماجه في
سننيهما(١) .
ويجوز أيضا إطلاق الملحمة على الفتنة واقتتال المسلمين فيما بينهم،
كما يظهر ذلك مما فعله الخطيب التبريزى حيث أورد الحديث الذي رواه
أبو هريرة مرفوعا: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون
بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة ... ))(٢) تحت باب الملاحم مع أنه
صريح في قتال المسلمين فيما بينهم، وقد حمله العلماء على ما وقع بين
علي ومعاوية رضوان الله عليهم .
وأما التفريق بين الفتنة والملحمة الذي أشار إليه أبو داود وصرح به
صاحب عون المعبود فهو مثل ماقيل في التفريق بين الإيمان والإسلام،
أي أنهما إذا اجتمعا ذكرا افترقا معنى، وإذا افترقا ذكرا اجتمعا
معنى،
(١) وعليه مشى التويجرى في كتابه الذي سماه «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن
والملاحم وأشراط الساعة)).
(٢) انظر: مشكاة المصابيح، باب الملاحم (١٤٩٠/٣ رقم ٥٤١٠)، والحديث متفق عليه.
-٢٦ -

إلا أن الغالب في الملحمة أنها تستعمل في قتال المسلمين مع الكفار،
وهو الذي يظهر من الأحاديث التي يوردها المحدثون تحت باب الملاحم.
وأما الفتنة فهي أعم.
هذا، وقد تنوعت الأحاديث الواردة في الفتن، ونظرا إلى ماتفيده هذه
الأحاديث قسم المحدث ولي الله الدهلوى الفتن إلى ٦ أقسام .
١ - فتنة الرجل في نفسه، بأن يقسو قلبه فلا يجد حلاوة الطاعة .
٢ - فتنة الرجل في أهله، وهي فساد تدبير المنزل، وإليه الإشارة في
حديث جابر رضي الله عنه: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء .. )» إلى أن
قال: ((ثم يجىء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته،
قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت))(١).
٣ - فتنة تموج كموج البحر، وهي فساد تدبير المدينة وطمع الناس
في الخلافة من غير حق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان
قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش
بينهم)) (٢) .
٤ - فتنة ملية، وهي أن يموت الحواريون من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم ويستند الأمر إلى غير أهله. فيتعمق رهبانهم وأحبارهم،
ويتهاون ملوكهم وجهالهم ولا يأمرون بمعروف ولاينهون عن منكر، فيصير
الزمان زمان الجاهلية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبي إلا
كان له حواريون ... )) الحديث(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٦٧/٤ رقم ٢٨١٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤ /٢١٦٦ رقم ٢٨١٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٦٩/١ - ٧٠ رقم ٥٠) بلفظ: ((ما من نبي بعثه الله في
أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ... )).
- ٢٧ -

٥ - فتنة مستطيرة، وهي تغير الناس من الإنسانية ومقتضاها .
٦ - فتنة الوقائع الجوية المنذرة بالإهلاك العام، كالطوفانات العظيمة
من الوباء والخسف والنار المنتشرة في الأقطار ونحو ذلك (١).
ذكر بعض من ألف في هذا الباب من علماء السلف :
يتبين من خلال النظر في بعض المؤلفات المستقلة في الفتن وأشراط
الساعة أن التأليف في هذا الموضوع على وجه الاستقلال بدأ في وقت
مبكر مع بداية حركة التأليف، إلى جانب تناول كبار المحدثين للموضوع
وإيرادهم الأحاديث الواردة فيه تحت كتب وأبواب خاصة به في كتبهم.
ثم ظل التأليف فيه متواصلا إلى العصور المتأخرة دون أن يصاب
بالانقطاع أو فتور من قبل العلماء والأئمة، وذلك لما له من أهمية
قصوى .
ونشير فيما يلي إلى بعض من ألف في هذا المجال :
١ - عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ)(٢) له كتاب السنة والفتن(٣).
٢ - نعيم بن حماد المروزى أبو عبد الله الخزاعي (ت ٢٢٨هـ)(٤) له
كتاب الفتن(٥)، وتوجد منه بعض النسخ، وسيأتي الكلام عنها بشىء من
التفصيل .
(١) ويدخل تحتها أشراط الساعة، انظر حجة الله البالغة (٢١١/٢).
(٢) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩٢/٩ - ٢٠٨).
(٣) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (٢٠٧/٣ طبعة المغرب).
(٤) انظر ترجمته في سير أعلاء النبلاء (٥٩٥/١٠).
(٥) ذكره غیر واحد ممن ترجم له.
-٢٨ -

٣ - إسماعيل بن عيسى العطار (ت ٢٣٢هـ) (١)، له كتاب الفتن (٢).
٤ - عبدالله بن محمد بن أبى شيبة (ت ٢٣٥هـ) (٣) له كتاب
الفتن (٤)
.
٥ - أخوه عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٣٩ هـ)(٥)، وله أيضاً كتاب الفتن (٦).
٦ - حنبل بن إسحاق - ابن عم الإِمام أحمد بن حنبل - (ت ٢٧٣
هـ) (٧) وله كتاب الفتن(٨).
٧ - أبو داود سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥)(٩) له كتاب الملاحم(١٠).
٨ - أبو الحسين أحمد بن جعفر - ابن المنادي (ت ٣٣٦هـ)١١)، له
كتاب الملاحم(١٢).
(١) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٢٦٢/٦).
(٢) ذكره ابن النديم في الفهرست (ص ١٢٢).
(٣) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٢٢/١١).
(٤) ذكره ابن النديم في الفهرست (٢٨٥).
(٥) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥١/١١).
(٦) ذكره ابن النديم في الفهرست (٢٨٥).
(٧) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٥١/١٣-٥٣).
(٨) توجد نسخة من الجزء الرابع من الكتاب في مكتبة الظاهرية، وهو يحتوى على
الأحاديث الواردة في الدجال.
(٩) هو صاحب السنن.
(١٠) ذكره الكتانى في الرسالة المستطرفة (ص ٤٩).
(١١) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٣٦١/١٥).
(١٢) ذكره القرطبى في التذكرة (ص ٧١٥)، ونقل عن أبي الخطاب ابن دحية نقده
الشديد على هذا الكتاب، فإنه قال: ((وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان
من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما =
- ٢٩ -

٩ - محمد بن الحسين، أبو بكر الآجرى (ت ٣٦٠هـ) له كتاب
الفتن، وقد ذكر هو نفسه تأليف هذا الكتاب(١)، وأورد المؤلف من طريقه
عديدا من الأحاديث .
١٠ - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان المعروف بأبى الشيخ
(ت ٣٦٩هـ)(٢)، له كتاب الفتن (٣).
١١ - أبو الحسن علي بن محمد القابسى (ت ٤٠٣هـ) له ((المنبه
للفطن من غوائل الفتن)»(٤)، وقد روى المؤلف عنه عديدا من الأحاديث.
١٢ - أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، المعروف في وقته بابن رندقه
(ت ٥٢٠هـ)(٥)، له كتاب الفتن (٦) .
١٣ - عبد الغني بن عبد الواحد المقدسى (ت ٦٠٠هـ)(٧)، له كتاب
أشراط الساعة (٨) .
١٤ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشى المعروف بابن كثير (ت
= أعرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات مايكذب آخرها
أولها )).
(١) انظر الشريعة (ص ٤٤).
(٢) هو صاحب كتاب العظمة.
(٣) ذكره السيوطى في اللآلى (٤٦٨/١، ٤٦٩) والكتاني في الرسالة المستطرفة (ص
٤٩).
(٤) ذكره ابن فرحون في الديباج (١٠٢/٢).
(٥) انظر ترجمته في السير (٤٩٠/١٩).
(٦) ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢٦٣/٤).
(٧) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٤٣/٢١-٤٧١).
(٨) ذكره الكتانى في الرسالة المستطرفة (ص ٤٩)، وله كتاب ((أخبار الدجال)) وتوجد
نسخة من الجزء الأول منه في دار الكتب المصرية رقم ٢٩٥ تيمورية - انظر فهرس
الخزانة التيمورية (١٧٣/٢).
- ٣٠ -

٧٧٤)، له كتاب ((النهاية في الفتن والملاحم)» وهو مطبوع عدة طبعات،
ويحتاج مع هذا إلى خدمة، لأن أغلب طبعاته غير لائق بالكتاب ومكانته،
كما أن بعضها أفسدتها بعض أيدى التحقيق والتخريج لما ارتكبت من
تصرفات سيئة في نص الكتاب من تصحيف وتحريف متعمدين وغير
متعمدين، وحذف لبعض النصوص التى لا توافق عقولهم القاصرة (١).
١٥ - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوى (ت ٩٠٢هـ) له
((القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة))، وهو مطبوع، ولكنه
مختصر جدا يشتمل على فتنة الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج
الدابة وطلوع الشمس من مغربها والنار التي تحشر الناس وخروج
المهدي وبعض العلامات الأخرى .
١٦ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى (ت ٩١١هـ)
له كتاب ((الحصر والإشاعة في أشراط الساعة»، ذكره بنفسه أثناء
ترجمته (٢) .
١٧ - محمد بن عبد (رب) الرسول البرزنجى (ت ١١٠٣ هـ) وله
كتاب ((الإشاعة لأشراط الساعة)) وهو من أهم الكتب التي ألفت في
الموضوع في الآونة الأخيرة، بحيث إنه يحتوي على مجموعة كبيرة من
(١) من الطبعات السيئة ما طبع بتحقيق أبي عبية، ولم يقدر لي رؤية هذه الطبعة، وقد
أشار التويجرى إلى بعض النماذج من تصرفاته، راجع لمعرفتها إتحاف الجماعة
(٢/ ٣٨٨،٣٧٧،٣٧٥،٣٢٤) ويظهر أن ما صدر أخيرا بتحقيق محمد أحمد عبد
العزيز هو أيضا على نفس المنوال، راجع لمعرفة بعض التحريفات
(١١٨،٨٢،٨١/١)، ولبعض تصرفاته (١٥٠،١٣١/١)، ولعل أحسن الطبعات
للكتاب هو ماطبع بتصحيح وتعليق الشيخ إسماعيل الأنصارى إلا أنه أيضا لا
يخلو من الأخطاء الفاحشة والسقطات.
(٢) حسن المحاضرة (٣٤١/١).
- ٣١ -
٠٠

الأحاديث المتعلقة بالفتن وأشراط الساعة، وقد قام فيه مؤلفه بتصنيف
هذه الأحاديث في أصنافها الثلاثة المعروفة - البعيدة والمتوسطة والقريبة
- إلا أنه أورد فيه كثيرا مما لايصح سندا ومما هو غير صالح
للاستدلال، وعليه فهو أيضا يحتاج إلى خدمة من ناحية تحقيق
النصوص وبيان الصحيح من غير الصحيح، ومن ناحية الطباعة، لأنه
مملوء من الأخطاء المطبعية .
١٨ - النواب صديق حسن القنوجى (ت ١٣٠٧هـ) له ((الإذاعة لما
كان، وما يكون بين يدي الساعة)» وهو على غرار الكتاب السابق، ولكنه
مختصر، وقد تجنب مؤلفه عن إيراد كثير من الضعاف والموضوعات، وهو
مطبوع .
١٩ - عبد الله بن الشيخ سليمان المشعلى، له ((مختصر الأخبار
المشاعة في الفتن وأشراط الساعة وأخبار المهدي» وهو مطبوع .
٢٠ - أبو غنم الكوفي ... (ت؟)(١)، له كتاب الفتن(٢).
٢١ - مختصر في الملاحم والفتن، لنصر الله بن عبد الله بن عبد المنعم
التنوخى، له نسخة خطية في الظاهرية، ذكره صلاح الدين المنجد(٣) ...
هذا بالإضافة إلى ما تناوله العلماء بالتأليف من بعض الأشراط
للساعة على وجه الانفراد مثل خروج المهدي ونزول عيسى عليهما السلام
والدجال وغيرها - وما سبق ذكره من المؤلفات هو قليل جدا من الكثير
الذي لم أهتد إليه - وذلك يبين اتصال الحركة التأليفية في الفتن وأشراط
الساعة .
(١) لم أهتد إلى ترجمته، ولعله وقع فيه تحريف.
(٢) ذكره السيوطى في العرف الوردى (٨٢/٢ ضمن الحاوى) وعلي الهندي في كنز
العمال (١٤ /٥٩١).
(٣) انظر مقدمته على فضائل الشام للربعى (ص ١١ هامش).
-٣٢ -

البابُ الأوّل
في درَاسَة مَوْضُوع الفِتن وَالأَشْرَاط
ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول :
الإِيمان بالفتن والأشراط ومناقشة بعض
الشبهات المثارة حولها .
الفصل الثاني :
أقسام الأشراط وترتيبها وبيان الحكمة
من تقديمها .

الفصل الأول : الإِيمان بالفتن والأشراط
ومناقشة بعض الشبهات المثارة حولها
وجوب الإِيمان بالفتن والأشراط :
إن من مقتضيات الشهادة برسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن
يؤمن المرأ بكل ماصح عنه صلى الله عليه وسلم دون تخصيص أو تفريق
فقد قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي
يوحى﴾(١)، وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، ومانهاكم عنه
فانتهوا﴾(٢)، ومن هنا يجب على كل مسلم الإِيمان بكل ما أخبر النبي
صلى الله عليه وسلم بوقوعه من فتن وأشراط قبل قيام الساعة، وقد صرح
بهذا العديد من علماء السلف وأئمتهم فقال الإمام أبو حنيفة بعد أن
ذكر بعض العلامات: «وسائر علامات يوم القيامة على ماوردت به
الأخبار الصحيحة حق كائن))(٣) .
وقال الموفق أبو محمد المقدسى: ((ويجب الإِيمان بكل ما أخبر به
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب
عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ماعقلناه وجهلناه ولم نطلع على
ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال
حقيقة معناه
ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج
(١) سورة النجم: الآية ٤،٣.
(٢) سورة الحشر: الآية ٧.
(٣) الفقه الأكبر (ص ١٦٨ مع الشرح).
-٣٥ -

وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به
النقل)) (١).
:
وذكر الحليمى بعض الأشراط ثم قال: ((وكل ذلك مقبول عندنا
مصدق به))(٢). وكذا صرح به الطحاوي في عقيدته(٣)، وقال السفارينى:
فكله حق بلا شطاط
وما أتى في النص من أشراط.
وقال في شرحه: ((أي ما ورد عن سيد الخلق وهو حق يجب اعتقاده
ولا يسوغ رده» (٤).
ومع هذا فإن هناك ناسا لهم بعض مواقف مخالفة إزاء هذه الأشراط
فمنهم من يذهب إلى إنكارها أو إنكار البعض منها، ومنهم من يتردد في
قبول الأحاديث الواردة فيها، ولهم في ذلك بعض الشبهات الزائفة، نورد :
فيمايلي بعض النماذج منها مع بيان زيفها .
أشراط الساعة وأخبار الآحاد :
مما يتستر به بعض المنكرين لبعض أشراط الساعة أن أخبار الآحاد
ليست حجة في باب العقيدة لأن خبر الواحد لا يفيد إلا مجرد الظن، فلا
يمكن أن تبنى عليه إلا الأحكام دون العقائد والمغيبات، ومنها أشراط
الساعة، واعتمادا على هذه الشبهة فقد صرح بإنكار نزول عيسى عليه
السلام وقتله للدجال بعض العلماء العصريين، منهم الأستاذ محمد
عبده، فقد نقل عنه تلميذه محمد رشيد رضا عند كلامه على قوله تعالى
(١) لمعة الاعتقاد (ص ١٨ - ١٩).
(٢) المنهاج (٣٤٢/١).
(٣) انظر العقيدة الطحاوية (ص ٥٦٤ مع الشرح).
(٤) لوامع الأنوار (٧٠/٢).
-- --
- ٣٦ -

﴿إني متوفيك ورافعك إلي ... ﴾(١) أن حديث الرفع والنزول في آخر
الزمان حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور
الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعى، لأن المطلوب فيها اليقين، وليس في
الباب حديث متواتر (٢) .
وشيخ الأزهر سابقا محمود شلتوت، وقد نقل عنه ذلك الشيخ
التويجرى(٣)، ولعله هو المعني بالرد عند أبى الفضل الغمارى في كتابه
(عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام) وعند الكوثرى في
كتابه (نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى عليه السلام قبل
الآخرة) علما بأنهما لم يصرحا باسمه، وأشار الأخير إلى أنه نشر مقالاته
في بعض الأعداد من مجلة الرسالة .
وقد استند هذا الرجل أيضا في إنكاره لنزول عيسى عليه السلام إلى
الشبهة المذكورة، حيث وصف الأحاديث الواردة فيه بأنها أخبار آحاد،
وذكر أن نصوص العلماء مجتمعة على أن خبر الآحاد لايفيد اليقين، فلا
تثبت به العقيدة، كما ذكر أيضا أن القول بأن (أحاديث الآحاد لاتفيد
عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات) قول مجمع عليه،
وثابت بحكم الضرورة العقلية التى لامجال للخلاف فيها عند العقلاء(٤).
ومنهم عبد الوهاب النجار، وقد وصف الأحاديث الواردة في نزول
(١) سورة آل عمران: الآية ٥٥.
(٢) انظر تفسير المنار (٣١٧/٣).
(٣) انظر إتحاف الجماعة (٢٦١/٢).
(٤) حكاه الكوثرى في نظرة عابرة (٤٦ - ٤٨)، وأما ادعاؤ الرجل إجماع العلماء على ما
ذكر فهو في حقيقة الأمر إيهام ومغالطة، وخلاف للواقع كما سيتضح ذلك مما
سیأتی.
- ٣٧ -

عيسى عليه السلام بأنها أحاديث وآثار آحاد لاتبلغ أن تكون لها قوة
صريح القرآن(١).
ويستند أيضا من ينكر خروج الدجال على هذه الشبهة(٢)، علما بأن
من ذهب إلى إنكار نزول عيسى عليه السلام ينكر أيضا خروج الدجال .
والمقصود بخبر الواحد - أو بخبر الآحاد - (هو ما لا يرويه إلا الواحد
العدل ونحوه، ولم يتواتر لفظه ومعناه) هكذا عرفه شيخ الإسلام ابن
تيمية (٣) .
وقال الحافظ ابن حجر: ((المراد بالواحد هنا حقيقة الوحدة، وأما في
اصطلاح الأصوليين فالمراد به ما لم يتواتر)» (٤).
وأما القول بأن أخبار الآحاد يوجب العمل دون العلم وأنها لا تقوم
بها الحجة في باب العقائد والمغيبات، فقد ذهب إليه جماعة من
الأصوليين المتأخرين وأغلبهم من فقهاء الأحناف(٥)، وتأثر به كثير من
الكتاب الإسلاميين المعاصرين من أمثال سيد قطب (٦) وأبى الأعلى
المودودى(٧)، والذى قادهم إلى ذلك هو الاعتقاد بأن حديث الآحاد لا يفيد
إلا الظن - ويعنون به الظن الراجح - وهذه الفكرة باطلة من عدة أوجه،
(١) انظر قصص الأنبياء (ص ٤٢٤).
(٢) أشار إليه الألبانى في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٦٥).
(٣) ذكره عنه ابن القيم، انظر مختصر الصواعق (ص ٤٦٤).
(٤) فتح البارى (١٣/ ٢٣٣).
(٥) انظر كشف الأسرار (٣٧٠/٢)، والتعريفات الجرجانى (ص ١٣١)، والبرهان
للجوينى (٥٩٩/١).
(٦) انظر ظلال القرآن (٤٠٠٨/٦).
(٧) انظر مكاتيب مودودى (٤٤/١ رقم ٤٠ اردو).
-٣٨ -

وقد بين بطلانها عديد من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وللشيخ الألبانى
في ذلك رسالة مستقلة(١) .
ولذلك نشير بشىء من الاختصار إلى بعض هذه الوجوه التي يتبين
فيها بطلان قولهم .
فأحدها: أنها فكرة مستحدثة، ودخيلة على الإسلام لم يعرفها السلف
الصالح ولا الأئمة المتبوعون، وإنما هي من بنات أفكار بعض الفرق
المبتدعة من القدرية والمعتزلة وغيرهما، أتوا بها وكان هدفهم من ورائها
رد الأخبار، ثم تلقفها منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم
ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم منها (٢). ثم توارثها الناس حتى صارت
لديهم حقيقة معروفة .
والوجه الثاني : أن قولهم: (حديث الآحاد لاتثبت به عقيدة) هو نفسه
عقيدة يحتاج إلى دليل، فعليهم أن يأتو بالدليل القاطع على صحة هذا
القول، وأنى لهم ذلك، فإنه لا دليل لهم إلا مجرد الدعوى(٣)، وهذا من
تناقضاتهم (٤).
(١) باسم ((حديث الآحاد والعقيدة)) كما أنه تطرق له في رسالته المعروفة ((الحديث حجة
بنفسه في العقائد والأحكام» وقد اعتمدت عليها في هذا المبحث.
(٢) هكذا قال أبو المظفر السمعانى في كتاب الانتصار، كما ذكر عنه ابن القيم، انظر
مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٨٥).
(٣) انظر الحديث حجة بنفسه (ص ٢٨).
(٤) ومن تناقضاتهم أيضا أنهم يحتجون على تصحيح معتقداتهم بأخبار الآحاد، فمثلا
أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على
الفطرة ... )) وأهل الإرجاء يستدلون بقوله: ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة))
والخوارج يستدلون بقوله: (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وهذه كلها أشياء
علمية لا عملية، انظر مختصر الصواعق (ص ٤٨٥).
- ٣٩ -

ويستدل بعض المتأخرين المعاصرين على ذلك بالآيات التي ذم الله
تعالى فيها المشركين على اتباعهم الظن، مثل قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا
الظن وما تهوى الأنفس ﴾(١)، وهذا استدلال فاسد، لأنهم في واد،
والآيات في واد آخر، فالظن المذكور في هذه الآيات ليس هو الظن الغالب
الذي يفيده خبر الآحاد بل هو الظن اللغوي المرادف للخرص والتخمين،.
وهو الذي نعاه ربنا سبحانه على المشركين، ومما يؤكد ذلك قوله ﴿إن
يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون ﴾ (٢)، فجعل الظن في هذه
الآية الخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين، ثم لو كان المقصود في
هذه الآيات الظن الغالب لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضا، لأن الله
تعالى أنكره عليهم إنكارا مطلقا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام(٣)،
وهل من المعقول أن الشىء الذي ذمه الله تعالى ونعاه على المشركين يصلح
أن تبني عليه أحكام الشريعة ؟؟؟
والوجه الثالث : أنهم بقولهم هذا قد فرقوا بين العقيدة والأحكام، ولیس
هناك دليل من الكتاب والسنة على صحة هذا التفريق، بل النصوص دالة
صراحة على خلافها، فإنها بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضا
وتوجب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ومن هذه
النصوص قوله تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله
أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾(٤)، فقوله ((أمرا)» يشمل بلا شك
العقائد والأحكام، ومنها أيضا قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول
(١) سورة النجم: الآية ٢٣.
(٢) سورة الأنعام: الآية ١١٦.
(٣) راجع الحديث حجة بنفسه (ص ٢٥ - ٢٦).
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.
- ٤٠ -