Indexed OCR Text

Pages 441-460

١٦٦ - حدثنا أيضا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الفرائضي، قال:
حدثنا محمد بن عبد الله بن صالح، قال: حدثنا أيوب بن
يوسف البزاز(١)، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن
الفتح بن غزوان البلخى (٢)، قال: حدثنا علي بن معبد، أو غيره،
قال: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار(٢)، عن محمد بن
جحادة، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العمل في الهرج كالهجرة
إلي )»(٤).
١٦٧ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا علي بن
معبد، قال: حدثنا يحيى بن عقبة (٥) بن أبي العيزار، عن محمد
بن جحادة، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار قال: قال
الهرج مثل هجرة معى أو إلى)».
=
وقد روي مثله عن النعمان بن مقرن أيضا، أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١٥ /
ب رقم ١٦٩)، عن أبى بكر بن عياش، عن ابن أبان، عن معاوية بن قرة عنه.
(١) هو أبو القاسم المصرى، ذكره الخطيب في تاريخه (١١/٧ - ١٢) ولم يقل فيه شيئا
من الجرح أو التعديل، توفي سنة ٣١٥ هـ.
(٢) لم أهتد إلى من ترجم له.
(٣) في الأصل ((يحيى بن محمد بن أبى العيزار))، والصواب ماأثبته لأنه هو الذى يروى
عن محمد بن جحادة، أكثر العلماء على تضعيفه، انظر الكامل لابن عدى
(٢٦٨٠/٧) وتهذيب الكمال (١١٨٢/٣).
(٤) في هذا الإسناد يحيى بن عقبة بن أبى العيزاء، وهو ضعيف، ولكن ليس عليه المدار،
لأنه مروي من طريق أخرى صحيحة. راجع ماتقدم في الرقمين السابقين.
(٥) هنا كذلك في الأصل ((محمد)) والصواب ((عقبة)). انظر ما تقدم في الرقم السابق.
- ٤٤١ -

رسول الله صل الله عليه وسلم: ((العمل في الهرج كالهجرة
معي ))(١).
(١) راجع ما تقدم في الرقمين السابقين ١٦٤، ١٦٥.
التعليق:
تقدم في الباب السابق أن من خاف في الفتنة على نفسه، وأنه يجر إليها فله أن يتحول
عن مكان الفتنة ويبتعد عنها ويعتزل الناس في مكان آمن يعبد الله فيه، ويؤدى واجباته
المفروضة عليه، ولما بين المؤلف ذلك أراد أن يبين في هذا الباب ما أعده الله تعالى من ثواب
لمن انشغل عنها وصرف همته إلى عبادة ربه جل وعلا، دون أن تتطلع نفسه إلى شىء مما
يتخاصم فيه الناس واختلطت فيه أمورهم، لأجل الحصول على مافي أيدى بعضهم من
الأموال والمناصب الدنيوية، ومعنى الهرج في هذا الحديث هو الاختلاط والاختلاف، كما
ذكر الحافظ، وقال النووى: ((المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس)).
وأما سبب كثرة فضل العبادة في أيام الهرج فلأن الناس يغفلون عنها ويشغلون عنها ولا
يتفرغ لها إلا أفراد، هكذا ذكر النووى، وقال القرطبى أثناء شرحه لحديث: ((لا تقوم
الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتنى مكانه)): «كأن في الحديث إشارة إلى
أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين، ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد
اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به.
ومن ثم عظم قدر العبادة في حالة الفتن حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((العبادة في
الهرج كهجرة إلي».
وقال ابن رجب: «وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى
دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه، ويعبد
ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه)) ذكره عنه
التويجرى.
وأما كلمة («العمل» الواردة في بعض الروايات لحديث الباب فتفسرها الروايات الأخرى
التى وردت فيها كلمة العبادة فهما في معنى واحد، والله أعلم. انظر: شرح النووى
لصحيح مسلم (٨٨/١٨)، وفتح البارى (٧٥/١٣)، والتذكرة (ص ٦٨٠)، وإتحاف
الجماعة (١ /٧٤).
- ٤٤٢ -

٢٩ - باب ذم الكلام في الفتنة
١٦٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي بن معبد، قال:
حدثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد القرشى(١) قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكلام في الفتنة دم
يقطر)»(٢).
١٦٩ -
حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا التغلبى، قال: حدثنا سعيد،
قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا الخصيب بن
ناصح، عن رجل(٣)، عن ليث(٤)، عن طاوس قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((تكون فتنة وقع اللسان فيها أشدّ من
السيف )»(٥).
(١) كذا في الأصل ((محمد بن الوليد القرشي))، وفي ع («محمد بن على القرشي، ولعل
الصواب ((محمد بن الوليد الزبيدى)»، لأنه هو الذى ذكره المزى في تهذيب الكمال
(١٥٥/١) في مشايخ بقية، وهو أبو الهذيل الحمصى القاضى، ثقة ثبت، مات سنة
١٤٦ هـ.
(٢) لم أجد من رواه، وإسناده منقطع، لأن الوليد بن محمد إذا كان هو الذى ذكرته،
فهو من تلاميذ الزهرى أى أنه من أتباع التابعين، بينه وبين النبى صلى الله عليه
وسلم أكثر من واسطة.
(٣) لم أتمكن من معرفته.
(٤) هو ابن أبى سليم.
(٥) هو مرسل لأن طاوس بن كيسان رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة، وهو
تابعى، ولم أجد من رواه هكذا مرسلا، وأخاف أن يكون الإسناد وقع فيه سقط لأن
الحديث روي من طريق ليث مرفوعا متصلا، أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الفتن، =
- ٤٤٣ -

١٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا
سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو
= باب في كفّ اللسان (٤٦١/٤ رقم ٤٢٦٥)، والترمذي في سننه، كتاب الفتن
(٤ /٤٧٣ رقم ٢١٧٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب كف اللسان
(١٣١٢/٢ رقم ٣٩٦٧)، والإِمام أحمد في مسنده (٢١١/٢، ٢١٢) من طرق عن
ليث، عن طاوس، عن زياد سيمين كوش، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «إنها ستكون
فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف»، هذا لفظ
أبى داود.
والراوى عن عبد الله بن عمرو - وهو زياد - اختلفت فيه المصادر اختلافا كثيرا،
فوقع عند أبي داود ((عن رجل يقال له زياد))، وعند الترمذي ((زياد بن سمين كوش)» وعند
ابن ماجة مثل ماذكرت وعند الإِمام أحمد ((زياد بن سيما كوش))، كما اختلفت أيضا في
تحديده، فذكر المزى أنه «زياد الأعجم الشاعر)»، وخالفه الحافظ ابن حجر فذكر أنه غيره.
وأما درجة الحديث فهو ضعيف، وقال فيه الترمذى: ((حديث غريب)) وأورده الألبانى
في ضعيف الجامع الصغير (٣٩/٣ رقم ٢٤٧٤) وحكم عليه بالضعف. والعلة فيه ليث
بن أبى سليم، وقد اختلط أخيرا، ولم يتميز حديثه فترك، وأعله البخارى بعلة أخرى،
وهى الوقف، فأورده من روايةٍ حماد بن سلمة، عن ليث به مرفوعا، ثم قال: ((وروى
حماد بن زيد وغيره عن عبد الله بن عمرو، قوله وهو أصح)). التاريخ الكبير (٣٥٦/٣)
وتبعه الترمذى.
ولكن تعقبه ابن عساكر برواية أبي داود، وقد رواه من طريق حماد بن زيد فرفعه.
انظر: تحفة الأشراف (٢٩٢/٦).
ولعل تلاميذ حماد بن زيد اختلفوا عليه، فرواه بعضهم موقوفا، ورواه آخرون مرفوعاً،
ولم تصل البخاري إلا الموقوفة.
وأما أحمد شاكر فذهب في تعليقه على مسند الإمام (١٦٩/١١ - ١٧٠) إلى تصحيح
الحديث، وتحمس في ذلك حيث رد على البخاري إعلاله بالوقف، واشتد إنكاره على
المنذرى الذى نقل كلام الترمذى والبخارى ولم يحتج عليهما برواية أبى داود، وذهل
في شدة تحمسه عن علة ليث بن أبى سليم.
- ٤٤٤ -

معاوية(١)، عن الأعمش، عن شقيق، عن شريح(٢) قال: «ما
أخبرت ولا استخبرت منذ كانت الفتنة)» قال: فقال مسروق:
(«لو كنت مثلك لسرّنى أن أكون قد متّ)).
قال شريح: ((فكيف بأكثر من ذلك مما في الصدور، تلتقى (٢)
الفئتان: إحداهما أحب إلي من الأخرى)»(٤).
١٧١ - حدثنا ابن عفان أيضا، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا سعيد،
قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، حدثنا وكيع، عن سفيان،
= قلت: والحديث مخرج عند ابن أبى شيبة (١١/١٥) من طريق عبد الله بن إدريس،
عن ليث به موقوفا، كما رواه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٣٣ رقم ٣٥٢) من طريق
آخر عن عبدالله بن عمرو مرفوعا بلفظ «إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع
السيف».
(١) هو محمد بن خازم الضرير.
(٢) هو ابن الحارث الكوفى النخعى القاضى، أبو أمية مخضرم، ثقة، وقيل: له صحبة،
مات قبل الثمانين وله مائة وثمان سنين.
(٣) في ع «نتلقى» والصواب ما في الأصل.
(٤) أخرجه أبوبكر ابن أبى شيبة في المصنف (١٢٢/١٥) عن أبى معاوية مثله.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٣٣/٤) بسنده عن يحيى بن سعيد الأموى قال: ثنا
الأعمش به نحوه، وليس فيه ذكر لمسروق وعنده: ((فكيف بما في صدري» وأخرجه
من طريق آخر عن عبدة، عن الشعبى قال: قال شريح: كانت الفتنة فما سألت عنها،
فقال رجل: لو كنت مثلك ما باليت متى مت؟ فقال شريح: ((كيف بما في قلبى)». وأورده
المزى في تهذيب الكمال (٥٧٨/٢) عن الأعمش به، وفيه بعض الزيادات، وهو
مقطوع لأنه من كلام شريح وهو من المخضرمين، وفيه عنعنة الأعمش وهو مدلس،
ولكن له طريق آخر عند أبى نعيم كما رأيت، وسيأتى طريق آخر عند المؤلف برقم
١٧٣.
-٤٤٥ -

عن ابن جريج(١)، قال: قال ابن عباس: ((إنما الفتنة باللسان،
وليست باليد))(٢).
١٧٢ -
حدثنا فارس بن أحمد بن موسى المقرىء، قال: حدثنا جعفر
بن محمد البغدادى، قال: حدثنا الحسن بن منصور، قال:
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد العزيز بن موسى، قال:
حدثنا حزم بن أبي حزم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا
أبو موسى(٣): أن نبي الله عليه السلام قال: ((بين يدي الساعة
الهرج)) وذكر الفتنة، ثم قال أبو موسى: « ما أعلم المخرج لي
ولكم منها فيما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا
أن نخرج منها كيوم دخلنا فيها» قال الحسن: ((ما الخروج
كيوم دخلوا فيها إلا السلامة، فسلمت قلوبهم وأيديهم
وألسنتهم »(٤).
١٧٣ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا علي، قال:
(١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل،
مات سنة ١٥٠ هـ.
(٢) لم أجد من أخرجه غير المؤلف، وهو موقوف، وإسناده ضعيف لأجل الانقطاع بين ابن
ابن جريج وابن عباس.
(٣) في ع ((يا باموسى)) وهو خطأ.
(٤) تقدم بهذا السند مطولا برقم ٢١، وموضع الشاهد هنا قوله فسلمت قلوبهم وأيديهم
وألسنتهم ((إي سلامة اللسان مع سلامة القلب واليد)».
- ٤٤٦ -

حدثنا أبو المليح(١)، عن ميمون بن مهران، قال: ((لبث شريح
في الفتنة تسع سنين لا يخبر ولا يستخبر)»(٢).
(١) هو الحسن بن عمر، أو عمرو، الرقى، ثقة، مات سنة ١٨١ هـ.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية (١٣٣/٤) بسنده عن كثير بن هشام، ثنا جعفر بن برقان،
قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: قال شريح في الفتنة التى كانت على عهد ابن
الزبير: ماسألت فيها ولا أخبرت، قال جعفر: وحدثنى غير ميمون أنه قال: وأخاف
أن لا أكون نجوت)». وهو مقطوع، لأنه من فعل شريح وهو من المخضرمين، وقد تقدم
نحوه من كلامه برقم ١٧٠.
التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب «ذم الكلام في الفتنة)) ليحذر الناس من خلاله من أهم منفذ
تتطرق منه الفتنة والفساد إلى المجتمع الإسلامي ألا وهو اللسان، ولينبه المرء المسلم على
أنه إذا استطاع عدم الخوض في الفتن وعدم مساعدة أصحابها بالسلاح والعتاد فارا
بدينه أو لازما بيته، فإذا استطاع ذلك وجب عليه أن لا يشاركهم فيها باللسان حيث
يتكلم بكلام من شأنه إشعال نيران الفساد والفتنة دون إخمادها، فينبغى له المحافظة
على لسانه فيها لأن أمره خطير جدا، وإذا لم يحافظ عليه الإنسان، وأطلق عنانه أحدث
في المجتمع العداوة والبغضاء والتباغض والتناحر وغيرها من الآفات التى لا تحمد عقباها،
ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من يضمن لى مابين لحييه، ومابين رجليه أضمن
له الجنة))(١)، وقال عندما سئل: ((أى المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه
ویده»(٢).
وقال لمعاذ في حديث طويل «وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم)» (٣). ولخطورة
أمر اللسان فقد اهتمت الشريعة الاسلامية بشأنه اهتماما خاصا حيث وردت على لسان =
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠٨/١١ رقم ٦٤٧٤).
(٢) متفق عليه، انظر صحيح البخاري (٥٣/١ رقم ١٠ - ١١)، وصحيح مسلم (٦٥/١
- ٦٦ رقم ٦٤ - ٦٦).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (١١/٥ - ١٢ رقم ٢٦١٦).
- ٤٤٧ -

= نبيها عليه أفضل الصلاة والتسليم أحاديث عديدة تأمر بالمحافظة عليه وعدم التكلم بما
لا يعود بفائدة دينية أو دنيوية، وذلك في جميع الأوقات والأزمنة، ومن تلك الأحاديث قوله
صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت))(١).
هكذا الأمر في الأيام العادية، وأما إذا كانت هناك فتنة بين المسلمين ترخص فيها دماؤهم
فتزداد أهميته وتعظم خطورته. حيث يكون وقعه أشد من وقع السيف، لأن السيف إذا
ضرب به أحد أثر فيه وحده، وأما اللسان فيمكن أن تضرب به ألف نسمة، وذلك بمجرد
كلمة يتفوه بها(٢)
ونظرا إلى ازدياد خطورته في أيام الفتن قد عقد كل من أبى داود وابن ماجه بابا مستقلا
بذلك في كتاب الفتن من سننه، فقال الأول: ((باب في كف اللسان)» ثم روى تحته حديث
أبى هريرة مرفوعا «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف
اللسان فيها كوقوع السيف)). وحديث عبد الله بن عمرو الذى تقدم ذكره في رقم ١٦٩(٣).
وأما الثانى فقال: ((باب كف اللسان في الفتنة)» وأورد تحته من الأحاديث حديث
عبدالله بن عمرو وحديث أبى هريرة وأحاديث أخرى في المحافظة على اللسان (٤).
وقصدهما من عقد هذا الباب هو البيان بأن اللسان تزداد خطورته في أيام الفتن إذ يستطيع
فيها أن يثير الفتنة ويزيد في إضرام نيرانها بكلمة ينبس بها، وقد
فيها أشد من وقع السيف»: أى بالكذب عند أئمة الجور ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ
عن ذلك من النهب والقتل والجلد، والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة
نفسها)» ثم ذكر ماورد في الصحيحين عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه =
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠ /٤٤٥ رقم ٦٠١٨، ٦٠١٩)، ومسلم في صحيحه
(٦٨/١ رقم ٤٧، ٤٨) من حديث أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي.
(٢) هكذا فسر المباركفورى حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم في رقم ١٦٩، انظر تحفة
الأحوذي (٢١٢/٣).
(٣) انظر: سنن أبي داود (٤ /٤٦٠).
(٤) انظر: سنن ابن ماجه (١٣١٢/٢ - ١٣١٦).
-٤٤٨ -

= وسلم يقول: ((ان العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار، أبعد مابين المشرق والمغرب))(١).
وبناء على ذلك رأينا القاضي شريحا لبث في الفتنة مدة تسع سنين لا يخبر ولا يستخبر،
مخافة أن يصدر منه مايتسبب لإثارة الفتنة وزيادة رقعتها مما يجلب على أفراد الأمة
الإسلامية الشقاء والدمار، وقد روى أبو نعيم بسنده عن ابن مهدي أنه قال: «فتنة
الحديث أشد من فتنة المال، وفتنة الولد تشبه فتنته، كم من رجل يظن به الخير قد حمله
الحديث على الكذب»(٢).
نسأل الله السلامة والعافية من فتنة الحديث وآفات اللسان.
(١) التذكرة (ص ٦٧٢ - ٦٧٣) وانظر الحديث في صحيح البخاري (٣٠٨/١١ رقم
٦٤٧٧) وصحيح مسلم (٤ /٢٢٩٠ رقم ٢٩٨٨).
(٢) انظر: الحلية (٦/٩).
- ٤٤٩ -

٣٠ - باب من رأى أن يستخبر ولا يخبر(١)
١٧٤ - حدثنا عبد الرحمن بن عفان، قال: حدثنا أحمد التغلبى، قال:
حدثنا الأعناقى، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا علي
بن معبد، قال: حدثنا بشير بن عبد الرحمن(٢) مولى قريش:
((إن إبراهيم(٢) كان يستخبر ولا يخبر))(٤).
(١) سقط في ع قوله ((رأى أن يستخبر ولا يخبر)).
(٢) لم أهتد إلى ترجمته.
(٣) لم أتمكن من تحديده، ولعله إبراهيم النخعى.
(٤) لم أعثر على من رواه غير المؤلف.
وهو أثر مقطوع، لم أعرف صاحبه ولا الذى روى عنه. ولما جاء في الباب السابق أن
شريحا لبث في الفتة تسع سنين لا يخبر ولا يستخبر عقد المؤلف هذا الباب بالمناسبة
لبيان أن من السلف من كان يستخبر ولا يخبر، وذلك لأن الاستخبار فيه مايدل على
الاهتمام بأمر المسلمين، وقد شبهت الأمة على لسان النبى صلى الله عليه وسلم في
تعاطفها وتوادها بجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى.
أخرجه البخاري في صحيحه (٤٣٨/١٠ رقم ٦٠١١)، ومسلم في صحيحه
(٤ /٢٠٠٠ رقم ٢٥٨٦).
ومن هذا المنطلق ينبغى للمرء المسلم أن يهتم بأمر المسلمين فيفرح بفرحهم ويحزن
لحزنهم، وهذا لا يتأتى إلا بالسؤال عنهم والاستخبار عن أحوالهم.
وأما إخبار الغير بما هم فيه قد يؤدى إلى النيل من الأمة الإسلامية ويتسبب
لانتشار الفتنة في صفوفها.
- ٤٥١ -

٣١ - باب تغبيط(١) أهل القبور
وتمني الموت عند ظهور الفتن خوفا من ذهاب الدين
١٧٥ - حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا علي بن محمد بن مسرور،
قال: حدثنا أحمد بن أبي سليمان، قال: حدثنا سحنون، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: حدثنا مالك، عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل (٢) بقبر
الرجل، فيقول: ياليتنى مكانه))(٣).
(١) في ع ((اغتباط)) - وكلاهما من الغبط، وقال ابن الأثير: ((الغبط حسد خاص، يقال:
غبطت الرجل أغبطه غبطا: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ماهو
فيه)). ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن التين: ((أن الغبطة هى تمنى مثل حال المغبوط
مع بقاء حاله)) أهـ.
وأما الحسد هو أن يتمنى المرء زوال نعمة المحسود إليه.
انظر: النهاية (٣٣٩/٣ - ٣٤٠)، وفتح البارى (٧٥/١٣)، ولسان العرب
(١٤٨/٣).
(٢) كلمة ((الرجل)) ساقطة من ع.
(٣) في ع («مكانك)»، وانظر الحديث في الموطأ للإِمام مالك، كتاب الجنائز، باب جامع
الجنائز (٢٤١/١ رقم ٥٣).
والحديث أخرجه أيضا البخارى في صحيحه، كتاب الفتن، باب: « لا تقوم الساعة
حتى يغبط أهل القبور» (٧٤/١٣ رقم ٧١١٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا
تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. الخ (٢٢٣١/٤ رقم ٥٣) من طريق مالك
به مثله.
وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١٤ / أ رقم ١٤٦) عن عبد الرزاق، عن معمر، =
- ٤٥٣ -

١٧٦ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي(١)، قال: حدثنا داود بن عمرو
الضبى(٢)، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا
تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: ((ياليتني
مكانك)»(٣).
١٧٧ - حدثنا حمزة بن علي بن حمزة البغدادي، قال: حدثنا الحسن
ابن يوسف، قال: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: حدثنا أسد بن
موسى، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتنى:
مكانه)»(٤).
= عن الزهرى قال: ((قال أبو هريرة ... ثم ذكره مرفوعا)). ورواه أيضاً برقم (١٤٣) من
حديث ابن عمر مرفوعا، وفيه «لوددت أنى مكان صاحبه لما يلقى الناس من الفتن)).
(١) هو أبو عبد الله البغدادى، وثقه الخطيب وغيره، وقال الذهبى: وكان صاحب حديث
وإتقان، توفي سنة ٣٠٦ هـ.
انظر: تاريخ بغداد (٨٢/٤ - ٨٦)، ويسير أعلام النبلاء (١٤ /١٥٢).
(٢) الضبى: هذه النسبة إلى ضبة، وهم جماعة (انظر الأنساب ٣٨٠/٨)، وداود هو
أبو سليمان البغدادى، ثقة، مات سنة ٢٢٨ هـ.
(٣) فيه متابعة ابن أبى الزناد لمالك، ولم أجد من أخرجه من طريق ابن أبي الزناد، علماً
· بأن هذا الحديث غير موجود في ع.
(٤) في ع (مكانك)» وهذا الإسناد فيه أيضاً متابعة ابن أبي الزناد لمالك، وقد تابعه أيضا
شعيب بن أبى حمزة، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن (١٣ /٨١ رقم
٧١٢١) عن أبى اليمان، عنه به في سياق طويل.
- ٤٥٤ -

١٧٨ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين(١)،
حدثنا [أبو](٢) محمد بن صاعد، حدثنا الحسين بن الحسن
المروزى(٢)، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: حدثنا سعيد بن
عبد العزيز(٤)، عن أبي عبد ربه، أن أبا الدرداء كان إذا جاء
موت الرجل على الحال(٥) الصالحة، قال: هنيئا له، ياليتنى(٦)
بدله، فقالت له أم الدرداء:(٧) إذا أتاك موت الرجل، قلت:
ياليتنى بدله ؟ فقال:(٨) تدرين أن الرجل يصبح مؤمنا ويمسى
كافرا، فقالت: وكيف ؟ فقال: ((يسلب إيمانه وهو لا يشعر،
فلأنا لهذا بالموت(١) أغبط من هذا(١٠) في الصوم والصلاة))(١١).
(١) في الأصل ((الحسن)) والصواب ما أثبته، وهو الآجرى صاحب كتاب الشريعة.
(٢) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، والتصويب مما تقدم برقم ٦٧، وابن صاعد
هو يحيى بن محمد بن صاعد.
(٣) في الأصل ((الحسن بن أبى الحسن المروزى)) وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو
الذى يروى كتاب الزهد عن مؤلفه ابن المبارك.
(٤) هو التنوخى الدمشقى، ثقة إمام، سواه أحمد بالأوزاعى، وقدمه أبو مسهر، لكنه
اختلط في آخر عمره، مات سنة ١٦٧ هـ.
۔
(٥) في الزهد ((الحالة)).
(٦) في ع ((ليتنى)) دون ((يا)).
(٧) في الزهد زيادة قوله (أراك) قبل قوله (إذا أتاك).
(٨) في الزهد (أتدرين).
(٩) في الأصل ((الموت))، والمثبت من ع والزهد.
(١٠) هذه العبارة في الزهد هكذا: «فلأنا لهذا بالموت أغبط منى لهذا)).
(١١) انظر الحديث في الزهد لابن المبارك (ص ٤٩٠ رقم ١٣٩٦)، وهو موقوف، وإسناده
لين، فيه أبو عبد ربه قال فيه الحافظ: مقبول، يعنى إذا توبع، وإلا فلين الحديث،
وأنا لم أهتد إلى من تابعه في هذا الحديث، ولكن ماجاء فيه من تمنى الموت وأن =
- ٤٥٥ -

١٧٩ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد (١)، قال: حدثنا
أحمد بن محمد بن زياد(٢)، قال: حدثنا أحمد بن منصور
الرمادى(٣) قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن
يحيى بن أبي كثير(٤) قال: دخلت على أبي سلمة بن عبد
الرحمن وهو مريض، فقال: ((إن استطعت(٥) أن تموت فمت،
فو الله ليأتين على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من
الذهب الأحمر )»(٦).
الرجل يصبح مؤمنا ويمسي كافرا له شاهد من الأحاديث الصحيحة، أما ثمنى
=
الموت فتقدم في أول الباب حديث أبى هريرة، وفيه: ((لا تقوم الساعة حتى يمر
الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتنى مكانه)). وهو مخرج في الصحيحين.
وأما كون الرجل يصبح مؤمنا ويمسى كافرا فقد تقدمت في ذلك عدة أحاديث
صحيحة في باب «قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتنا)). انظر
الأرقام ٤٧ - ٥٠. وقد ثبت عن عديد من الصحابة أنهم تمنوا الموت عند خوف
الفتنة في أديانهم، منهم عبس الغفارى، وسيأتى ذكره عند المؤلف برقم ٣٢٤.
ومنهم عمر بن الخطاب وقد قال: ((اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتى، وانتشرت
رعيتى، فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مفرط)). رواه مالك في الموطأ (٨٢٤/٢)،
وذكره القرطبى في التذكرة (ص ١٣)، والحافظ في فتح البارى (١٢٨/١٠).
(١) هو محمد بن الحسين الآجرى.
(٢) هو ابن الأعرابى.
(٣) الرمادى: هذه النسبة إلى موضعين، أحدهما: إلى رمادة اليمن قرية بها، والثانى:
إلى رمادة فلسطين. الأنساب (١٦٣/٦).
وأحمد بن منصور من رمادة اليمن، وهو أبوبكر البغدادى، ثقة حافظ، طعن فيه أبو
داود لمذهبه في الوقف في القرآن، مات سنة ٢٦٥ هـ.
(٤) في ع «يحيى بن كثير)، والصواب ما في الأصل.
(٥) كلمة ((إن استطعت)) غير موجودة في ع.
(٦) انظر الحديث في المصنف لعبد الرزاق (٣٥٧/١١ رقم ٢٠٧٣٤) وفيه («الذهب
- ٤٥٦ -

١٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا
ابن معبد، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن يحيى بن أبي
أنيسة، عن سليمان(١)، عن زيد بن وهب، قال: سمعت حذيفة
يقول: ((إن للفتنة وقفات، ونقفات(٢)، فمن استطاع منكم أن
=
الحمراء».
وهو بهذا الإسناد مقطوع لأنه من كلام أبى سلمة وهو تابعى، وقد أخرج نعيم بن
حماد في الفتن (ق ١٥ / ب رقم ١٦٢، وق ٣٢ / أ رقم ٣٤٢)، والحاكم في مستدركه
(٥١٨/٤) من طريق الأوزاعى، وأبو نعيم في الحلية (٣٨٤/١) من طريق أيوب -
السختيانى -، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، حدثنى أبو سلمة، قال: عدت أبا
هريرة، فسندته إلى صدرى، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها.
ثم قال ... وذكر نحوه، وزاد في آخره «ليأتين أحدكم قبر أخيه فيقول: ليتنى مكانه».
ورواه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/١٥ رقم ١٥٧) من طريق آخر عن محمد (ابن
سيرين) عنه من قوله، وفي كلا اللفظين ((إلى العلماء)). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو موقوف، ولعل معمرا وهم، فوقف الحديث على
أبى سلمة، وقد خالفه اثنان فوقفاه على أبى هريرة، وهما الأوزاعى وأيوب السختيانى،
فالصواب أنه موقوف، وله حكم المرفوع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأى، ويشهد له
مارواه أبو هريرة نفسه مرفوعا: ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول:
ياليتنى مكانه». تقدم في أول الباب.
(١) هو الأعمش.
(٢) في الأصل ((نفثات))، وفي ع ((بغتات))، وفي المصنف ((بعثات))، وفي المستدرك («نقفات)»،
وهو الذى يبدو لى أنه الصواب، فقد قال ابن الأثير في النهاية (٥ /١٠٩) .. ثم يكون
النقف والنقاف: أى القتل والقتال. والنقف: هشم الرأس، أى تهيج الفتن
والحروب .. )).
وهذا المعنى يتفق مع السياق في هذا الأثر.
- ٤٥٧ -

يموت في وقفاتها فليفعل))(١).
١٨١ - حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الدقاق(٢)، قال: حدثنا
محمد بن عبد الله بن عمار الموصلى(٣)، قال: حدثنا المعافي بن
عمران، عن شريك(٤)، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد(٥)، عن كميل
بن زياد النخعى(٦)، قال: سمعت ابن مسعود يقول: ((إنه
سيأتي عليكم زمان لو وجد فيه أحدكم الموت يباع لاشتراه،
وسيأتي عليكم زمان يغبط فيه الرجل بخفة الحاذ(٧) كما يغبط
(١) هو موقوف، وفي إسناده يحيى بن أبى أنيسة ضعيف، ولكنه توبع، فقد أخرجه نعيم
بن حماد في الفتن (ق ١٥ / ب رقم ١٦٥)، وابن أبى شيبة في المصنف (٨٨/١٥ -
٨٩)، والحاكم في المستدرك (٤٦٤/٤)، من طرق عن الأعمش به نحوه، وزاد ابن
أبى شيبة في آخره: وقال: «ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الفتن)»، وزاد
الحاكم في أوله: «أتتكم الفتنة ترمى بالرضف، أتتكم الفتنة السوداء المظلمة .. » ثم
ذكر مثله. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وفيه عنعنة الأعمش
وهو مدلس. وقد روي مثله عن ابن مسعود أخرجه نعيم بن حماد في المصدر المذكور
له (رقم ١٦٣) وفيه أيضا عنعنة الأعمش.
(٢) هو محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، أبو جعفر الموصلى، سكن بغداد، ذكره
الخطيب، ونقل عن الدارقطنى أنه قال فيه: ((لا بأس به ماعلمت إلا خيراً))، توفي سنة
٣٠٨ هـ.
تاريخ بغداد (١٩١/٢ - ١٩٢).
(٣) هو أبو جعفر المخرمى، نزيل الموصل، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٢ هـ.
(٤) هو شريك بن عبد الله النخعى ..
(٥) هو النخعى الكونى، ثقة.
(٦) هو الصهبانى الكوفي، ثقة، رمي بالتشيع، مات سنة ٨٢هـ.
(٧) أى خفة الظهر من العيال، قال ابن الأثير: ((الحاذ والحال واحد، وأصل الحاذ : =
- ٤٥٨ -

فيه بكثرة المال والولد))(١).
=
طريقة المتن، وهو مايقع عليه اللبد من ظهر الفرس)).
النهاية (٤٥٧/١).
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٤ /٤٨٦) من طريق آخر عن سفيان، عن أبى الزعراء،
عن ابن مسعود نحوه، دون ذكر الموت، وزاد في آخره: «فقال له رجل: أي المال يومئذ
خير؟ قال: سلاح صالح وفرس صالح، يزول معه أينما زال».
وقال الحاكم: ((حديث صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي، وقد روي ذلك
مرفوعا أخرجه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (١٣١/٤ رقم ٣٣٧١)،
والطبرانى في المعجم الكبير (١٠ / ١٢ رقم ٩٧٧٧)، بإسنادهما عن عبيد الله بن
زحر، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة، عن ابن مسعود مرفوعا نحوه،
وفيه زيادة أخرى فيها إخبار بتمرغ الرجل على القبر لما ينزل به من البلاء.
وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٢٨٣/٧) وقال: «وفيه على بن يزيد الألهانى، وهو
متروك)».
قلت: ويوجد لبعض ماجاء فيه شاهد من حديث أبى هريرة مرفوعا عند مسلم في
صحيحه (٢٢٣١/٤ رقم ١٥٧): ((لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر
فيتمرغ عليه، ويقول: ياليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء».
التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب عقب الأبواب التى تحدث فيها عن مدى خطورة الخوض
في الفتن ليبين فيه أن الفتن التى تحدث بين الناس إنما تنشأ غالبا لأجل المناصب
والأموال وغيرها من المتاع الدنيوى، ولكنه سيأتى زمان تفقد فيه هذه المناصب
والأموال قيمتها، ويغبط الرجل على خفة حاله، ويغبط صاحب القبر، فيقول المرء:
ياليتنى مكانه، ويتمنى الموت، ذلك لما يعانيه من البلاء.
ومما أورده المؤلف في الباب حديث أبى هريرة: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر
الرجل، فيقول: ياليتنى مكانه)).
ومعنى قوله ((ياليتنى مكانه)) أى كنت ميتا، وأما السبب الذى لأجله يتمنى الرجل
هذا التمنى، فقال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن، إنما =
- ٤٥٩ -

هو (لأجل) خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصى والمنكر»(١)، وهذا
۔
هو الذى ذهب إليه نعيم بن حماد كما يبدو ذلك من ترجمة باب عقده في الفتن(٢)،
وكذلك ذهب إليه المؤلف، فإنه قال في ترجمة هذا الباب: ((خوفا من ذهاب الدین)»،
ولكن الحافظ ابن حجر تعقب ذلك، فقال: «ليس هذا عاما في حق كل أحد، وإنما هو
خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو
أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شىء يتعلق بدينه)»، ثم استدل على هذا المعنى
بما ورد في رواية أبى حازم عن أبى هريرة: ((لا تذهب الدينا حتى يمر الرجل على
القبر فيتمرغ عليه، ويقول: ((ياليتنى مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا
البلاء» أخرجه مسلم وقد تقدم ذكره آنفا.
ثم قال: ((والسبب في ذلك ماذكر في رواية أبى حازم أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون
الموت الذى هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده
وبهذا جزم القرطبى، وذكره عياض احتمالا(٣).
وهذه الأحاديث والآثار التى أوردها المؤلف في الباب تتعارض مع ماثبت عن النبى
صلى الله عليه وسلم من النهى عن تمنى الموت في أحاديث عديدة، منها: مارواه أنس
بن مالك رضى الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنين أحدكم الموت
من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحينى ماكانت الحياة خيرا لى،
وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى»(٤).
وقد ذكرت عدة أقوال للأئمة في دفع هذا التعارض، فقال ابن عبد البر: ((ظن بعضهم
أن هذا الحديث (يعنى حديث أبى هريرة) معارض للنهي عن تمنى الموت، وليس =
(١) ذكره ابن حجر في فتح البارى (٧٥/١٣).
(٢) حيث قال فيه: ((من رخص في تمنى الموت لما يفشو في الناس من البلاء والفتن» (ق
١٤/أ).
(٣) فتح البارى (١٣/ ٧٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٧/١٠ رقم ٥٦٧١)، ومسلم في صحيحه
(٤ /٢٠٦٤ رقم ٢٦٨٠) واللفظ للبخارى.
- ٤٦٠ -