Indexed OCR Text
Pages 1-20
السُّنَنُ اَلَوَارِدَةُ فى الفَرُوَبَوَائِهَا وَالسَّاعَةُ وَاشْرَاطِها تَأليف أَيْ عَمْرُ وعُثمان بنْسَعِيِّد المقرى الدّاني المتوفى سنة ٤٤٤ هـ دِرَاسَة وَتَحَقِيقِ الدكتورْ رِضَاء اللّين محمّد إدريس المباركفوري الجزء الَوَّلْ دَارُ الخَيَاضَ لِلنَّشْرِ وَالتوزيع ٤٠ القسم الأوّل التيرائحة خطبة الحاجة : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون)». (( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا)). ((ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله، وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )). أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، رَّ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار . - ٧ - المقَدّمَة قال الله تعالى في محكم كتابه : ﴿إِن الساعة آتية، أكاد أخفيها لتُجْزى كل نفس بما تَسْعى﴾ (طه: ١٥). وقال : ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾ (محمد: ١٨). وقال : ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٤،٣). إن قضية الإيمان باليوم الآخر وقضية البعث بعد الموت من القضايا الأساسية في العقيدة الإسلامية ، ولقد أنذر بها جميع الأنبياء والرسل، واهتم بها الدين الإسلامي اهتماماً بالغاً حيث جعل الإيمان باليوم الآخر أحد الأركان الستة التي لايصح إيمان المرا إلا بها، غير أنه قد أخفي وقت قيام الساعة عن العباد، فلا يعلم بمجيئها إلا الله تعالى. فقال سبحانه: ﴿قل إنما علمها عند ربي، لايجلِّيها لوقتها إلا هو﴾(١). يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيم أنت من ذكراها، إلى ربك . منتهاها وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام عندما سأله عن الساعة، فقال ((ماالمسئول عنها بأعلم من السائل ... ))(٣). (١) سورة الأعراف: الآية ١٨٧. (٢) سورة النازعات: الآية ٤٢ - ٤٤. (٣) سيأتي عند المؤلف برقم ٣٩٢. -٩- ولكن الله تعالى وضع لها علامات تدل على اقترابها، وحدد لها أشراطا تنبىء بقيامها، فقال تعالى: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها، فأني لهم إذا جاءتهم ذكراهم))(١). وقام النبي صلى الله عليه وسلم ببيان هذه العلامات والأشراط التي أجمل ذكرها في الآية المذكورة خير قام حيث بينها صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أحاديث كثيرة ليكونوا على حذر تام ومستمر من الساعة وقيامها ولا تصيبهم غفلة، فتبغتهم وهم في غفلتهم ساهون . هذا، وعندما ينظر المرأ في هذه الأحاديث ويقارن بينها وبين الأوضاع الراهنة ولاسيما أوضاع المسلمين لايسعه إلا الاعتراف بأن الكثير من : هذه الأمارات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهرت وانقضت وفق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو واقع الآن، ولم ينته بعد، بل هو في ازدياد مستمر مما يخوفنا من ظهور العلامات الكبرى التي تعقبها الساعة، وقد صرح بذلك العديد من العلماء السابقين واللاحقين، منهم مرعى بن يوسف الكرمى (ت ١٠٣٣ هـ) فإنه سرد الكثير من العلامات الصغرى، ثم قال: (( وبالجملة فجميع العلامات الصغرى قد ظهرت في زماننا هذا ماعدا علامة أو علامتين، فالله يلطف بالمسلمين عند ظهورهما، وعند ظهور الأشراط الكبار))(٢). وقبله صرح بنحو من ذلك البيهقي إذ ذكر أن أكثر الصغار وجد(٢) . وهو مما يؤكد ضرورة نشر الأحاديث التي أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بأمارات الساعة وأشراطها، وحذر فيها من الفتن الواقعة (١) سورة محمد: الآية ١٨. (٢) بهجة الناظرين (ق ١٠١/ب). (٣) انظر البعث (ص ١٢٨ تحقيق د / الصاعدي). - ١٠ - قبلها ليعتبر بها الناس، وينتبهوا من غفلتهم، وليكونوا على حذر تام منها ولا يباغتوا بها فيحال بينهم وبين التوبة والإنابة إلى الله تعالى . ولعل هذا الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر أصحابه بتلك الأمارات والأشراط. وقد دعا البرزنجى (ت ١١٠٣ هـ) إلى نشر هذه الأحاديث بين فينة وأخرى في صفوف المسلمين حيث قال بعد أن ذكر أن الدنيا لم تخلق للبقاء وإنما جعلت للتزود منها الى الدار الآخرة ودار القرار وهي قد آذنت بالانعرام والتولي: «ولذا كان حقاً على كل عالم أن يشيع أشراطها ويبث الأحاديث والأخبار الواردة فيها بين الأنام ويسردها مرة بعد أخرى على العوام فعسى أن ينتهوا عن بعض الذنوب، ويلين منهم بعض القلوب، وينتبهوا من الغفلة، ويغتنموا المهلة قبل الوهلة ... ))(١) . ونظراً لأهمية الموضوع فقد قام العلماء السابقون واللاحقون بتأليف مؤلفات مستقلة في الفتن وأشراط الساعة، ولم تتوقف حركة التأليف فيها كما لم تتوقف في غيرها من القضايا الدينية، ولكن الكثير من هذه المؤلفات قد ذهب ضحية لعوادى الزمن، أو يعتبر في حكم المفقود، وما بقي منها لم ير نور الشمس حيث لا زالت زينة للرفوف والخزانات في المكتبات . ثم ما نلاحظه من حالة الناس اليوم ولاسيما المسلمين منهم وأنه كيف تغيرت أوضاعهم، وتدنت ظروفهم، وتغلل الفساد في أوساطهم وتمكن منهم بوسائله المتنوعة، وغفل كثير منهم عن الساعة وقيامها ونسوا أنهم سوف يعرضون على الله تعالى، وإلى جانب ذلك فإنه يظهر حينا بعد حين من يحاول النيل من قضايا الساعة وأشراطها إما بالرفض وإما بالتأويل المذموم مثل نزول عيسى بن مريم وخروج المهدي عليهم السلام، وخروج (١) الإشاعة لأشراط الساعة: (ص٣). -١١ - الدجال لعنه الله وغيرها من القضايا الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة . فكل هذه الأمور تؤكد لنا ضرورة العناية بهذا الجانب والإكثار من نشر الأحاديث والأخبار الواردة في القيامة وأهوالها وأشراط الساعة وأماراتها، وأن يبين للناس في ضوء هذه الأحاديث أن أمر الساعة قد حان، فينبغي أن ينفضوا عنهم غبار الغفلة، ويقلعوا عن المعاصي والذنوب، ويتوبوا إلى الله تعالى ويستعدوا لذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون . ومن أحسن السبل لذلك - في نظري - نشر ماتركه علماء السلف في هذا المجال من مؤلفات على صورة تسهل الاستفادة منها لعدد أكبر من الناس ففيه إحياء التراث سلفنا الصالح ونشر الأحاديث الواردة في هذا المجال . سبب اختيار الموضوع : ومن منطلق ماسبق ذكره كنت قد عزمت على تحقيق أشهر مؤلف في هذا الباب في مرحلة الماجستير، ألا وهو كتاب الفتن لنعيم بن حماد، ولكن حال دون عزمى مالا يحسن ذكره الآن، ولما منّ الله تعالى علي بالقبول في مرحلة الدكتوراه حصلت أثناء البحث والتنقيب على كتاب السنن الواردة في الفتن لأبى عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت ٤٤٤هـ) فبادرت في اختياره، لأنه يبحث في الموضوع الذي كنت أرغب فيه منذ زمن، ومما شجعني على اختياره الأسباب التالية : ١ - أنه ألف في عصر يقرب من العصر الذي يسمى بالعصر الذهبي : بالنسبة للعلوم الدينية ولاسيما الحديث وعلومه . ٢ - أنه على طريقة المحدثين القدامى، إذ روى فيه المؤلف جميع -١٢ - الأحاديث والآثار بإسناده . ٣ - أن أغلب ما ألف في هذا الموضوع في العصور المتقدمة يعتبر في عداد المفقود، فلا يوجد منه إلا كتاب الفتن لنعيم بن حماد، وذلك حسب تتبعي . ثم إن صاحب الكتاب وهو نعيم بن حماد قد وجه إليه كلام مما يتعلق بالتجريح، فإخراج كتاب السنن يعتبر متابعة لكتاب الفتن في النصوص التي اتفق الداني مع نعيم بن حماد في إخراجها، ويبرىء ساحة الأخير - أي نعيم بن حماد - من بعض الرويات التي ألصقت به وتسببت لتجريح العلماء له . كما أننا نستطيع بذلك إخراج أول كتاب من تلك الكتب التي تمّ تأليفها في العصور المتقدمة . ٤ - ثناء الذهبي على هذا الكتاب، إذ وصفه بأنه يدل على تبحر المؤلف في الحديث. ويضاف إلى ذلك أن المؤلف وصف من قبل المترجمين له بسلامة المنهج وصفائه في جانب العقيدة . فهذه هي بعض الأسباب التي دفعتني إلى اختياره ليكون موضوعاً لرسالتي في مرحلة الدكتوراه . خطة الرسالة : أما الخطة التي سلكتها في إعداد هذه الرسالة فهي كما يلي : قسمت الرسالة إلى قسمين : الأول : قسم الدراسة . والثاني : قسم التحقيق . وجعلت القسم الدراسي في تمهيد وبابين . -١٣ - أما التمهيد فهو في التعريفات : (أ) التعريف بالفتن . (ب) التعريف بالملاحم . (ج) التعريف بالأشراط ومايرادفها من كلمات . (د) بيان الفرق بين مدلولات هذه الكلمات . (هـ) ذكر بعض من ألف في هذا الباب من علماء السلف السابقين. والباب الأول خصصته لدراسة موضوع الفتن والأشراط وهو ينقسم إلى فصلين : الفصل الأول في الإِيمان بالفتن والأشراط، ومناقشة بعض الشبهات المثارة حولها. وهو يشتمل على المباحث التالية : (أ) وجوب الإيمان بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من فتن وأشراط . (ب) الأشراط وأخبار الآحاد .. (ج) أحاديث الأشراط ودعوى الاضطراب والتعارض . (د) الملاحم وما صح فيها من أحاديث . والفصل الثاني في أقسام الأشراط وترتيبها وبيان الحكمة من تقديمها . وهو يحتوي على المباحث الآتية : (أ) الحكمة في تقديم الأشراط . (ب) هل من ضرورة لنشر الأحاديث الواردة في الفتن والأشراط في العصر الحاضر . (ج) أقسام الأشراط . (د) ترتيب الآيات العظام . - ١٤ - والباب الثاني جعلته في ترجمة المؤلف ودراسة الكتاب، وهو ينقسم إلى ثلاثة فصول : الفصل الأول في ترجمة المؤلف. ويتناول هذا الفصل : - اسم المؤلف ونسبه ونسبته وكنيته . - ولادته . - أسرته . - نشأته . - دراسته . - رحلته في طلب العلم . - مشايخه . - ثقافته وعلومه . - عقيدته ومذهبه . - مكانته لدى العلماء . - تلاميذه . - مؤلفاته . - وفاته . والفصل الثاني : في دراسة الكتاب، ويتناول المباحث التالية : (أ) اسم الكتاب وموضوعه . (ب) توثيق نسبته إلى المؤلف . (ج) منهج المؤلف في الكتاب . (د) مصادره في الكتاب . (هـ) دراسة نقدية للكتاب . (و) المقارنة بين الكتاب وكتاب الفتن لنعيم بن حماد . والفصل الثالث : في وصف النسخة الخطية وبيان منهج التحقيق، هذا - ١٥ - بالنسبة لما يخص القسم الأول - أي القسم الدراسي، وأما القسم الثاني فهو في تحقيق نص الكتاب، وقد جعلته في أعلى الصفحة مع التعليقات في أسفلها، وفصلت بينها بخط واضح . -١٦ - التمهيد التمهيد التعريف بالفتن والملاحم وأشراط الساعة إن المجال الذي نحن بصدد الكلام عنه يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة، ويتكرر فيه بكثرة ذكر هذه الكلمات، مما يتطلب منا أن نفرد كل كلمة منها بالتعريف والشرح مع بيان المقصود منها وتوضيح الفرق بين مدلالوتها، فإن ذلك يساعد في فهم الموضوع وإدراكه على طريقة أفضل . فالفتن : وهي بكسر الفاء وفتح التاء، جمع فتنة، قال الأزهري: «جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان، وأصلها مأخوذ من قولك: ((فتنت الفضة والذهب)» أذبتهما بالنار ليتميز الرديّ من الجيد، ومن هذا قول الله جل وعز: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾(١). أي يحرقون بالنار))(٢) . وقال الراغب الأصفهاني: ((أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار)) (٢)، وهذا هو الأصل في معنى الفتنة. وهي أيضا تطلق في اللغة على معاني أخرى عديدة ذكرها الأزهري، منها الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾(١). والإِزالة والصرف عن الشىء، كما في قوله تعالى: ﴿وإِنْ (١) سورة الذاريات: الآية ١٣. (٢) تهذيب اللغة (٢٩٦/١٤). (٣) المفردات (٥٥٩ - ٥٦٠). (٤) سورة البقرة: الآية ١٩١. -١٩ - كادوا لَيَفْتِئُوْنَك﴾ (١). أي ليزيلونك، ويقال: فتنت الرجل عن رأيه، أي أزلته عما كان عليه، ومنها أيضا القتل، ومنه قوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (٢) .. واختلاف الناس كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني أرى الفتن خلال بيوتكم )) (٣). والإضلال - كما في قوله تعالى: ﴿ما أنتم عليه بفاتنين والجنون، كما في قوله تعالى: ﴿فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾(٥)، والعذاب: ومنه قوله: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به ﴾(٦) . تستعجلون وأضاف الراغب فذكر أن الفتنة تطلق أيضاً : على ما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالا، قال تعالى : ﴿ونَبْلُؤْكم بالشر والخير فتنة﴾ (٧). وقال ابن الأثير : الفتنة: الامتحان والاختبار ... وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإِزالة والصرف عن الشىء (٨). وذكر الراغب أن الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله تعالى، ومن (١) سورة الإسراء: الآية ٧٣. (٢) سورة النساء: الآية ١٠١. (٣) سيأتى عند المؤلف برقم ١٦. (٤) سورة الصافات: الآية ١٦٢. (٥) سورة القلم: الآية ٦،٥. (٦) سورة الذاريات: الآية ١٤، وانظر تهذيب اللغة (٢٩٧/١٤-٢٩٩). (٧) سورة الأنبياء: الآية ٣٥. (٨) النهاية: (٤١٠/٣-٤١١). - ٢٠ -