Indexed OCR Text

Pages 401-420

((أحدها)) أنه يضرب فيها القاضى والوالى، وهذا قول طائفة من
العلماء من أصحاب مالك وغيرهم ، منهم أشهب قاضى مصر ، قال أشهب :
يمتحن بالسجن والأدب ، ويضرب بالسوط مجردا .
((والقول الثانى)» لا يضرب بل يحبس كما تقدم ، وهذا قول أصبغ من
أصحاب مالك، وقول كثير من الحنفية والشافعية وغيرهم ؛ لكن حبس المتهم
عندهم أبلغ من حبس المجهول ؛ فلذلك اختلفوا هل يحبس حتى يموت ؟ فقال
عمر بن عبد العزيز وجماعة من أصحاب مالك كمطرف وابن الماجشون وغيرهما
أنه يحبس حتى يموت . وهكذا روى عن الإمام أحمد فيمن لم ينته عن بدعته
أنه یحبس حتى يموت ، وقال مالك : لا یحبس حتى يموت .
و «القول الثالث)» أنه يضربه الوالي دون القاضي ، وهذا القول
ذكره طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد ، كالقاضى أبي الحسن
الماوردى ، والقاضي أبي يعلى ، وغيرهما . وبسطوا القول فى ذلك فى كتب
(( الأحكام السلطانية)) وقالوا: إن ولاة الحرب معتمد العقوبة على الجرائم
والمنع من الفساد فى الأرض، وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين
بالإجرام ؛ بخلاف ولاية الحكم فإن مقصودها يحصل بدون ذلك ، وهذا
القول هو قول بجواز ذلك فى الشريعة ؛ لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض
إليه فكما أن والي الصدقات لا يملك من القبض والصرف ما يملكه والي
٤٠١

الخراج وإن كان كلاهما مالاشرعيا ؛ وكذلك والى الحرب ووالى الحكم كل
منهما يفعل ما اقتضته ولايته الشرعية ، مع رعاية العدل وأصول الشريعة .
وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده أو منعه فمتفق عليها
بين العلماء ، ولا أعلم منازعا فى أن من وجب عليه حق من دين أو عين وهو
قادر على وفائه ويمتنع من أنه يعاقب حتى يؤديه ، وقد نصوا على عقوبته
بالضرب ، وذكر ذلك المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم ؛ لقول النبي
صلى الله عليه وسلم: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) رواه أهل السنن
مثل أبي داود ، والنسائى ، وابن ماجه ، وثبت فى الصحيحين عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((مطل الغني ظلم)) والظالم يستحق العقوبة.
واتفق العلماء على أن التعزير مشروع فى كل معصية ليس فيها حد .
والمعصية نوعان: ترك واجب؛ أو فعل محرم . إن ترك الواجبات مع قدرته
كقضاء الديون، وأداء الأمانات إلى أهلها من الوكالات والودائع وأموال اليتامى
والوقوف والأموال السلطانية أورد المغصوب والمظالم : فإنه يعاقب حتى يؤديها .
وكذلك من وجب عليه إحضار نفس ؛ لاستيفاء حق وجب عليه ،
مثل أن يقطع رجل الطريق ويفر إلى بعض ذوى قدرة فيحول بينه وبين أخذ
الحدود والحقوق منه : فهذا محرم بالاتفاق ، وقد روى مسلم فى صحيحه عن
٤٠٢

على ، قال : قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (لعن الله من أحدث حدثا
أو آوى محدثًا )) وروى أبو داود فى سننه عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((من خاصم فى باطل وهو يعلم لم يزل فى سخط الله حتى ينزع
ومن حالت شفاعته دون حد فى حدود الله فقد ضاد الله فى أمره ، ومن قال
فى مسلم ما ليس فيه حبس فى ردغة الخبال حتى يخرج مما قال)). فما
وجب إحضاره من النفوس والأموال استحق الممتنع من فعل الواجب العقوبة
حتى يفعله .
وأما إذا كان الإحضار إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير
حق. فهذا لا يجب، بل ولا يجوز ؛ فإن الإعانة على الظلم ظلم، قال الله تعالى:
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالثَّقْوَى وَلَاذَعَا وَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدُوَنِ )
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَتَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْبِالْإِنْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ
اُلرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِالْبِ وَالنَّقْوَى ).
وأما (( مواطن الاشتباه)) المشتملة على الظلم من الجانبين : مثل ولاة
الأموال السلطانية إذا أخذوا ما [لا] يستحقونه، وكان المستخرج لها ظالما فى
صرفها أيضا : فهذا ليس على أحد أن يعين الظالم القادر على إبقائها بيده ،
ولا يعين الظالم الطالب أيضا فى قبضها ؛ بل إن ترجيح أحد الجانبين بنوع من
الحق أعان على الحق ، وإن كان كل منهما ظالما ولا يمكن صرفها إلى مستحق
٤٠٣

عدل بين الظالمين فى ذلك ، فإن العدل مأمور به فى جميع الأمور بحسب
الإمكان . ومن العدل فى ذلك ألا يمكن أحدهما من البغي على الآخر ؛ بل
يفعل أقرب الممكن إلى العدل .
واختلف العلماء إذا أقر حال الامتحان بالحبس أو الضرب : هل يسوغ
ذلك ؟ فمنهم من قال : يؤخذ بذلك الإقرار إذا ظهر صدقه : مثل أن يخرج
السرقة بعينها . ولو رجع عن ذلك بعد الضرب لم يقبل ؛ بل يؤخذ به ، وهذا
قول أشهب فى القاضى والوالي ، وهو الذى ذكره القاضيان الماوردى وأبو
يعلى فى الوالى. ومنهم من قال: لا بد من إقرار آخر بعد الضرب
وإذا رجع عن الإقرار لم يؤخذ به . وهذا قول ابن القاسم، وكثير من
الشافعية والحنبلية وغيرهم .
وأما ((مقدار الضرب)) فإذا كان الضرب على ترك واجب : مثل أن
يضرب حتى يؤدى الواجب. فهذا لا يتقدر ؛ بل يضرب يوما فإن فعل
الواجب وإلا ضرب يوما آخر ؛ لكن لا يزيد كل مرة على التعزير عند من
يقدر أعلاه .
وقد تنازع العلماء فى (( مقداراً على التعزير)) الذى يقام بفعل المحرمات
على أقوال
٤٠٤

((أحدها)) - وهو أحسنها وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد
وغيرهما - أنه لا يبلغ فى التعزير فى كل جريمة الحمد المقدر فيها ، وإن زادعلى
حد مقدر فى غيرها . فيجوز التعزير فى المباشرة المحرمة ، وفى السرقة من
غير حرز بالضرب الذى يزيد على حد القذف ، ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع .
(القول الثانى)) أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما أربعين، وإما ثمانين،
وهو قول كثير من أصحاب الشافعى وأحمد وأبى حنيفة .
و((القول الثالث)) أن لا يزاد فى التعزير على عشرة أسواط، وهو
أحد الأقوال فى مذهب أحمد وغيره .
وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ به القتل ، مثل قتل
الجاسوس المسلم؟ فى ذلك ((قولان)) [أحدهما] قد يبلغ به القتل، فيجوز قتل
الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة ، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد
كابن عقيل ، وقدذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعى وأحمد فى قتل الداعية
إلى البدع ؛ ومن لا يزول فساده إلا بالقتل ؛ وكذلك مذهب مالك قتل
الداعية إلى البدع ، كالقدرية ونحوهم .
و ((القول الثانى)» أنه لا يقتل الجاسوس، وهو مذهب أبى حنيفة
والشافعى، والقاضى أبى يعلى من أصحاب أحمد.
٤٠٥

والمنصوص عن أحمد التوقف فى المسألة .
وممن يجوز التعزير بالقتل فى ((الذنوب الكبار)) أصحاب أبي حنيفة
فى مواضع يسمون القتل فيها سياسة ، كقتل من تكرر لواطه ، أو قتله بالمثقل ؛
فإنهم يحوزون قتله سياسة وتعزيرا؛ وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك بل
ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة ، وأما صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون
فى أنه يجب القود فى القتل ؛ وفى وجوب قتل اللوطي إما مطلقا سواء كان
محصنا أو غير محصن كمذهب مالك وأحمد فى أشهر روايتيه والشافعى فى أحد
قوليه. وإما أن يكون حده مثل حد الزانى كقول صاحبي أبى حنيفة والشافعى
فى أشهر قوليه وأحمد في أحد روايتيه .
والمنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يوافق القول
الأول ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمر يجلد الذى أحلت امرأته له جاريتها
مائة ، وجلد أبو بكر وعمر رجلا وجد مع امرأة فى فراش مائة؛ وعمر بن
الخطاب ضرب الذى زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة ، ثم ضربه
فى اليوم [ الثانى] والثالث مائة ( مائة]. وليس هذا موضع بسط أصناف التعزير
فإنها كثيرة الشعب.
فأما ضرب المتهم إذا عرف أن المال عنده وقد كتمه وأنكره ليقر مكانه
فهذا لاريب فيه ؛ فإنه ضرب ليؤدي الواجب من التعريف بمكانه ، كما يضرب
٤٠٦

ليؤدي ما عليه من المال الذى يقدر على وفائه ، وقد جاء فى ذلك حديث ابن عمر
فى الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيير على الصفراء والبيضاء
سأل زيد بن سعية عم حيي بن أخطب، فقال: ((أين كنز حيي بن أخطب؟))
فقال: يا محمد! أذهبته الحروب، فقال للزبير: ((دونك هذا)) فمسه الزبير
بشىء من العذاب فدلهم عليه فى خربة ؛ وكان حليا فى مسك ثور. فهذا أصل
فى ضرب المتهم الذى علم أنه ترك واجبا أو فعل محرما . والله أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق ، ويقول : هذا
شرع البندق ، وهو ناظر على مدرسة وفقهاء : فهل إذا تحدث فى هذا
الحكم والشرع الذى يذكره تسقط عدالته من النظر، أم لا؟ وهل يجب
على حاكم المسلمين الذى يثبت عدالته عنده إذا سمع أنه يتحدث فى شرع
البندق الذى لم يشرعه الله ولارسوله أن يعزله من النظر ، أم لا؟.
فأجاب : الحمد لله. ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛
لا بين المسلمين، ولا الكفار ، ولا الفتيان ، ولارماة البندق ، ولا الجيش
ولا الفقراء، ولا غير ذلك: إلا بحكم الله ورسوله. ومن ابتغى غير ذلك تناوله
٤٠٧

قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
وقوله تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ أ ◌َسْلِيمًا) فيجب على المسلمين
أن يحكموا الله ورسوله فى كل ماشجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع
البندق ، أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله ، وحكم الله ورسوله ، وهو
يعلم ذلك: فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم ((الياساق)) على
حكم الله ورسوله ، ومن تعمد ذلك فقد قدح فى عدالته ودينه ، ووجب أن
يمنع من النظر فى الوقف . والله أعلم.
٤٠٨

باب الشهادات
۔
مثل شيخ الإسلام رضى الآّعنه
عن الرواية : هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته ؟
فأجاب : أما قوله : هل كل من قبلت روايته قبلت شهادته . فذا فيه تزاع
فإن العبد تقبل روايته باتفاق العلماء ، وفى قبول شهادته نزاع بين العلماء :
فذهب علي وأنس وشريح تقبل شهادته ، وهو مذهب أحمد وغيره
ومذهب أبى حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل شهادته. والمرأة تقبل روايتها
مطلقاً، وتقبل شهادتها فى الجملة ، لكون الشهادة على شخص معين لا يتعدى
حكمها إلى الشاهد ؛ بخلاف الرواية ؛ فإن الرواية يتعدى حكمها ، فإن الراوى
روى حكما يشترك فيه هو وغيره ؛ فلهذا لم يشترط فى الرواية عدد بخلاف
الشهادة . وهذا مما فرقوابه .
٤٠٩

وسئل رحمه اللّه
عن مدين كتب محضر بإعساره ، وشهد الشهود أنه معسر عما لزمه من
الدين ، ولم يعين مقداره : هل يكفي هذا ؟ ولو عينه الشاهد : هل يفتقر
أن يقول : ولاشيء منه؟ ولو قال : فهل الثلاثة دراهم ؛ أو الدرهم والنصف
داخلة فى ذلك ؟
فأجاب : أما الشهادة بالإعسار فإذا شهدوا أنه معسر عما لزمه من الدين؛
وعرفوا قدره : صحت الشهادة ؛ لكن هذا لا يمنع قدرته على وفاء بعضه.
وتصح الشهادة بذلك وإن لم يعرفوا قدره إذا شهدوا بأنه لا يقدر على وفاءشيء
لكن العلم بهذا متعذر فى الغالب ، ولكن إذا كان الدين عن معاوضة -
کثمن بيع وبدل قرض - وكان له مال معروف ، فإذا شهد الشهود بذهاب
ماله : صار بمنزلة من لم يعرف له مال . وفى مثل هذا القول قوله مع يمينه أنه
معسر عاجز عن وفاء ما يحلف عليه إن ادعى العجز عن وفاء قليل أو كثير حلف
على ذلك ، وحصل المقصود بذلك، وإن ادعى أنه ليس له إلا كذا حلف عليه .
وأحد القولين فى مذهب أحمد وغيره أنه لا بد أن تكون البينة الشاهدة
بعسرته ثلاثة إذا كان له مال ؛ للخبر المأثور فى ذلك ؛ بخلاف ما لو شهدت
٤١٠

بتلف ماله بسبب ظاهر . والحديث حديث قبيصة بن مخارق الهلالى ؛ الذي
رواه مسلم فى صحيحه، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تحل
المسألة إلالثلاثة : رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فلت له المسألة حتى يصيب
قواما من عيش ؛ أو قال : سدادا من عيش، ثم يمسك. ورجل أصابته فاقة
حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه ، فيقولون : لقد أصاب فلانا فاقة
فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ؛ أو قال : سدادا من عيش ،
ثم يمسك. ورجل تحمل حمالة فلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. فما
سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا )).
وسئل رحمه اللّه تعالى
عمن أشهد على نفسه وهو فى صحة من عقله وبدنه: أن وارثى هذا لمير ثنى
غيره : فهل يجوز ذلك ؟ ولمن يكون الإرث بعده ؟
فأجاب : هذه الشهادة لا تقبل ، بل إن كان وارثا فى الشرع ورته شاء
أم أبى ، وإن لم يكن وارثا فى الشرع لم يرث. وليس لأحد أن يتعدى حدود
الله، ولا يغير دين الله ؛ ولو فعل ذلك كرها كان فاسقا من أهل الكبائر ؛
كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من قطع ميراثًا قطع الله ميراثه
من الجنة ))
٤١١

وسئل رحمه اللّه تعالى
هل تقبل شهادة المرضعة ؟ أم لا ؟
فأجاب : إن كان الشاهد ذا عدل قبل قوله فى ذلك ؛ لكن فى تحليفه
تزاع، وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه يحلف ، فإن كانت
كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها .
وسئل رحمه اللّه تعالى
هل تقبل شهادة الضرة ؟
فأجاب : لا تقبل شهادة الضرة فيما يبطل نكاح ضرتها؛ لا برضاع ولا
غيره . والله أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى
عن الشهادة على العاصى والمبتدع : هل تجوز بالاستفاضة والشهرة ؟
أم لا بد من السماع والمعاينة؟ وإذا كانت الاستفاضة فى ذلك كافية فمن ذهب إليهمن
٤١٢

الأئمة؟ وما وجه حجيته؟ والداعى إلى البدعة والمرجح لها ؛ هل يجوز الستر عليه؟
أم تتأكدالشهادة ليحذره الناس؟ وما حد البدعة التى يعدبها الرجل من أهل الأهواء؟
فأجاب : ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح فى عدالته ودينه فإنه
يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا ، كما صرح
بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وغيرم فى كتبهم
الكبار والصغار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح
بما سمعه منه، أو رآه ، واستفاض. وما أعلم فى هذا نزاعا بين الناس، فإن
المسلمين كلهم يشهدون فى وقتنا فى مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى
وأمثالهما من أهل العدل والدين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة . ويشهدون
فى مثل الحجاج بن يوسف والمختار بن أبى عبيد ، وعمر بن عبيد ، وغيلان
القدرى ، وعبد الله بن سبا الرافضي ، ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا
يعلمونه إلا بالاستفاضة.
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مر عليه بجنازة
ء
فأثنوا عليها خيرا؛ فقال: ((وجبت)) ومر عليه جنازة فأثنوا عليها شرا
فقال: ((وجبت، وجبت)) قالوا : يا رسول الله ! ما قولك : وجبت
وجبت؟ قال: (( هذه الجنازة أتنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة، وهذه
الجنازة أثنيتم عليها شرا، فقلت وجبت لها النار. أنتم شهداء الله فى الأرض)).
هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته .
٤١٣

وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره فيكتفي بما دون ذلك ،
كما قال عبد الله بن مسعود اعتبروا الناس بأخدانهم ؛ وبلغ عمر بن الخطاب
رضى الله عنه أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته . فإذا كان
الرجل مخالطا فى السير لأهل الشر يحذر عنه .
و ((الداعى إلى البدعة)) مستحق العقوبة باتفاق المسلمين ، وعقوبته
تكون تارة بالقتل ، وتارة بما دونه ، كما قتل السلف جهم بن صفوان ،
والجعد بن درهم ، وغيلان القدرى ، وغيرهم . ولو قدر أنه لا يستحق
العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها ، فإن هذا من
جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذى أمر الله به ورسوله .
و ((البدعة)) التى يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم
بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة ؛ كبدعة الخوارج ، والروافض، والقدرية
والمرجئة ، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا : أصول
اثنتين وسبعين فرقة هى أربع: الخوارج ، والروافض ، والقدرية ،
والمرجئة ، قيل لابن المبارك: فالجهمية ؟ قال : ليست الجهمية من أمة محمد
صلى الله عليه وسلم .
و ((الجهمية)) نفاة الصفات؛ الذين يقولون: القرآن مخلوق،
وأن الله لا يرى فى الآخرة، وأن محمداً لم يعرج به إلى الله، وأن الله لا علم
له ولا قدرة ولا حياة ونحو ذلك ، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم .
٤١٤

وقد قال عبد الرحمن بن مهدى : هما صنفان فاحذرهما : الجهمية
والرافضة . فهذان الصنفان شرار أهل البدع، ومنهم دخلت القرامطة الباطنية
كالنصيرية والإسماعيلية ، ومنهم اتصلت الاتحادية ؛ فإنهم من جنس
الطائفة الفرعونية .
و ((الرافضة)» فى هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية ؛ فإنهم
ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة ؛ ثم قد يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية
ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد . والله ورسوله أعلم
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن شهود شهدوا بما يوجب الحد ، ولما شخص قالوا : غلطنا ،
ورجعوا : فهل يقبل رجوعهم ؟
فأجاب : نعم. إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها لم يحكم بها
وإذا كان يعلم أنه قد غلط وجب عليه أن يرجع ، ولا يقدح ذلك فى دينه
ولا عدالته . والله أعلم .
٤١٥

باب القسمة
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجلين بينهما دار مشتركة ، فطلب أحدهما القسمة فامتنع شريكه
من المقاسمة : فهل يجبر على القسمة ، أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إن كانت تقبل القسمة من غير ضرر
بحيث لا تنقص فى البيع أجبر الممتنع على القسمة ؛ وإلا كان لطالب القسمة
أن يطلب البيع [قد] (١) يجبر الممتنع ويقسم بينهما الثمن. والإجبار على القسمة
ء
المذكورة مذهب الأئمة الأربعة . والإجبار على البيع المذكور مذهب مالك
وأبى حنيفة والإمام أحمد .
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب [ حتى ]
٤١٦

وسئل رحم الله
عن رجل له عشرة أسهم من أصل أربعة وعشرين سهما فى بستان مشترك
بينه وبين إنسان مختل العقل، والحاكم يحجر عليه ، وهو يقبل القسمة: فهل
للحاكم أن يقسم عليه ، أم لا ؟ ويلزم أن ينفق منه على العمارة ؟
فأجاب . إن كان قابلا للقسمة وطلب الشريك القسم وجب على الحاكم
إجابته ولو كان الشريك الآخر رشيداً ، فكيف إذا كان تحت الحجر؟ وإن لم
يكن قابلا للقسمة غير قسمة الإجبار ، والحاكم أن يقاسم عن المحجور عليه إذا
رآه مصلحة . وإذا طلب الشريك: إما القسمة ، وإما العمارة : فالحاكم أن
يجيبه إلى أحدهما .
٤١٧

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن ثلاثة شركاء فى طاحون ، ولأحدهم السدس ، وهو فقيرهم ولميكن
له شيء يقتات به سوى أجرة السدس المختص به ، وقد منعوه أن يدفعوا إليه
إلا فى كل ستة أيام يوما ، وقد طلب منهم كل يوم بقسطه ليستعين به على
قوته فامتنعوا من ذلك باقتدارهم على المال والجاه عليه : فما يجب فى ذلك ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إذا طلب الشريك أن يؤجروا العين
ويقسموا الأجرة على قدر حقوقهم ، أو يهائوه فيقتسموا المنفعة : وجب على
الشركاء أن يجيبوه إلى أحد الأمرين ؛ فإن أجابوه إلى المهاياه وطلبوا تطويل
الدور الذي يأخذ فيه نصيبه وطلب هو تقصير الدور وجبت إجابته دونهم ؛
فإن المها يأة بالزمان فيها تأخير حقوق بعض الشركاء عن بعض فكلما كان
الاستيفاء أقرب كان أولى، لأن الأصل وجوب استيفاء الشر كاء جميعهم
حقوقهم ، والتأخير لأجل الحاجة، فكلما قل زمن التأخر كان أولى؛ لاسما
إذا كان مع التأخير لا يمكن الشريك أن يستوفي حقه إلا بضرر مثل إعداد
بها ئم ليوم والإنفاق عليها فى الأسبوع ، فإنه لا يجب عليه موافقتهم على مافيه
ضرره مع إمكان التعديل بينهم بلا ضرر. والله أعلم.
٤١٨

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن قسمة اللحم بلا ميزان ؟ وقسمة التين والعنب والرمان
والبطيخ والخيار عدداً ؟
فأجاب: أما قسمة اللحم بالقيمة فالصحيح أنه يجوز؛ فإن القسمة إفراز
بين الأنصباء ؛ ليست بيعا على الصحيح. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
ء
يقاسم أهل خيبر خرصا ، فيخرص عبد الله بن رواحة ما على النخل فيقسمه
بين المسلمين واليهود ، ولا يجوز بيع الرطب خرصا ، وكذلك كان
المسلمون ينحرون الجزور ويقسمونها بينهم بلا ميزان ، كانوا يفعلون ذلك
على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وكذلك جميع هذا الباب يجوز قسمة التين والعنب بغير كيل ولاوزن،
ويجوز قسمة الرمان عدداً ، وكذلك البطيخ والخيار . هذا هو الصحيح
فى المعدودات كلها أنها تقسم بالقيمة ؛ وليست هذه القسمة بيعا ؛ لكن
تعديل الأجزاء معتبر فيه الخبرة . والمقصود أنه يجوز أن تعدل الأنصاب
[بهما يمكن إما من ڪيل أو وزن إن أمكن وإلا بالخرص والتقويم؛ ليس
هذا مثل البيع ؛ فإن القسمة جائزة فى جميع المال، ويجوز قسمة التمر قبل
بدو صلاحه . والله أعلم .
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
٤١٩

وسئل رحمه الله تعالى
هل يجوز قسمة اللحم بلا ميزان ؟ وقسمة التين والعنب والرمان
والبطيخ والخيار عدداً ؟
فأجاب : تجوز قسمة الأموال الرطبة كالرطب والعنب وغير ذلك.
فالمقصود بالقسمة أن يكون بالعدل ، فإذا لم يكن التعديل بالكيل والوزن
كان التعديل يقوم مقام ذلك من الحرص والتقويم فى الأموال الربوية ،
ويجوز أن يشتري الفاكهة بالحنطة والشعير يداً بيد بلا خلاف بين الفقهاء ؛
وإنما اختلفوا فى جواز بيعها نسيئة، والجمهور على أنه يجوز ذلك نسيئة ،
وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى المشهور عنه ، والشافعى فى قوله
القديم . وهذا مبنى على أن علة الربا : هل هو التماثل والقوت؟ والطعام
مما ثل الطعم ؟ فمن قال: هى التماثل والقوت والتماثل مع الطعم جوزذلك
ومن قال : هى الطعم وحده لم يجوز ذلك . والله أعلم.
٤٢٠