Indexed OCR Text
Pages 381-400
باتباع هذا القول، وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع، وأن يقال : القول الذى دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال ، ولا يفتی به بل يعاقب ويؤذى من أفتى به ، ومن تكلم به ، وغيرم، ويؤذى المسلمون فى أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفى على غيرهم ، وم يعذرون من خفى عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم ، ولا يعتدون عليه، فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم، ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا ؟ !! لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله لا يغفل عن مثل هذا ، وليس الحق فى هذا لأحد من الخلق ، فإن الذين اتبعوا ما علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدا فى دم ولا مال ولا عرض ، ولا لأحد عليهم دعوى ؛ بل هم قالوا نحن تتبع ما عرفناه من دين الإسلام وماجاء به الكتاب والسنة من توحيد الله وعبادته لا شريك له ، فلا نعبد إلا الله وحده ، ونعبده بما أمر به رسوله وشرعه من الدين فما دعانا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرنا به أطعناه، وماجعله الرسول دينا وقربة وطاعة وحسنة وعملاصالحا ، وخيراًسمعنا وأطعنا للهولرسوله، واعتقدناه قر بة وطاعة ، وفعلناه وأحببنا من يفعل به ، ودعو نا إليه، وما نهانا ٣٨١ عنه الرسول انتهينا عنه وإن كان غيرنا يعتقد أن ذلك قربة ، فنحن علينا أن تطيع الرسول ، ليس علينا أن نطيع من خالفه وإن كان متأولا . ومعلوم أن أهل الكتاب وأهل البدع يتعبدون تعبدات كثيرة يرونها قربة وطاعة ، وقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فمن قال أنا أطيع الرسول ولا أتعبد بهذه العبادات بل أنهى عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسوغ أن يعارض ، بل لوكان مخطئا مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين ، ولا يجب عليه اتباع حكم أحد بإجماع المسلمين ، وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن هذا العمل طاعة أو قربة ، أو ليس بطاعة ولا قربة، ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم يشرع. أولا يشرع ليس للحكام فى هذا مدخل إلا كما يدخل فيه غيرهم من المسلمين ؛ بل الكلام فى هذا لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن كان عنده علم تكلم بما عنده من العلم . وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين ؛ بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التى يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدماء إلى ذلك ء وجب أن يمنع من ذلك، ويعاقب إن لم يمتنع ، وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة ٣٨٢ الشرعية لم يجز عقوبته باتفاق المسلمين، ولا منعه من ذلك القول، ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول إن هذا هو الذى دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين؛ فهذا إذا اجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا بالكتاب والسنة؛ والمنازع له يتكلم بلا علم، والحكم الذى حكم به لم يقله أحد من علماء المسلمين، فعلماء المسلمين الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن لهم إلزام الناس بذلك إلا بحجة شرعية لا بمجرد حكمهم . فإن الله إنما أوجب على الناس اتباع الرسول وطاعته ، واتباع حكمه وأمره وشرعه ودينه ؛ وهو حجة الله على خلقه ؛ وهو الذي فرق الله به بین الحق ، والباطل والهدى والضلال، والرشاد والغي وطريق الجنة وطريق النار وبه هدى الله الخلق، قال الله تعالى: ( إِنَّا أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ب وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا وفی تُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين)) فالحجة على الخلق تقوم بالرسل ، وماجاء به الرسول هو الشرع الذى يجب على الخلق قبوله، وإلى الكتاب والسنة يتحاكم جميع الخلق . ٣٨٣ ولهذا كان من أصول السنة والجماعة أن من تولى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالخلفاء الراشدين وغيرهم لا يجب أن ينفرد واحد منهم بعلم لا يعلمه غيره ؛ بل علم الدين الذى سنه الرسول صلى الله عليه وسلم يشترك المسلمون فى معرفته ، وإذا كان عند بعضهم من الحديث ما ليس عند بعض بلغه هؤلاء لأولئك ؛ ولهذا كان الخلفاء يسألون الصحابة فى بعض الأمور: هل عندكم علم عن النبى صلى الله عليه وسلم ؟ فإذا تبين لهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حكموا بها ، كما سألهم أبو بكر الصديق عن ميراث الجدة لما أتته ، فقال : مالك فى كتاب الله من شىء ، وما علمت لك فى سنة رسول الله شيئا ؛ ولكن حتى أسأل الناس. فسألهم؛ فأخبره محمد بن مسلمة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس . وكذلك عمر بن الخطاب لما سألهم عن الجنين إذا قتل ، قام بعض الصحابة فأخبره ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة)) أي من قتل جنينا ضمنه بمملوك أوجارية لورثته ، فقضى بذلك، قالوا : وتكون قيمته بقدر عشر دية أمه ، وعمر بن الخطاب قد قال النبى صلى الله عليه وسلم فيه: ((إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن فى أمتى أحد فعمر)) وروى ((أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه)) وقال ((لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر )) ومع هذا فما كان يلزم أحداً بقوله ، ولا يحكم فى الأمور العامة ؛ بل كان يشاور الصحابة، ويراجع ، فتارة يقول قولاً فترده ٣٨٤ عليه امرأة فيرجع إليها ، كما أراد أن يجعل الصداق محدودا لا يزاد على صداقات أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال : من زاد جعلت الزيادة فى بيت المال - وكان المسلمون يعجلون الصداق قبل الدخول ؛ لم يكونوا يؤخرونه إلا أمراً نادرا - فقالت امرأة: يا أمير المؤمنين! لم يحرمنا شيئا أعطانا الله إياه فى كتابه ؟ فقال : وأين ؟ فقالت فى قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُ واْمِنْهُ شَيْئًا ) فرجع عمر إلى قولها ، وقال : امرأة أصابت ، ورجل أخطأ . وكان فى مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى على بن أبى طالب رأيا ، ويرى عبدالله بن مسعود رأيا ، ويرى زيد بن ثابت رأيا ؛ فلم يلزم أحداً أن يأخذ بقوله ، بل كل منهم يفتى بقوله، وعمر رضى الله عنه إمام الأمة كلها ، وأعلمهم ، وأدينهم ، وأفضلهم ، فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر . هذا إذا كان قد حكم فى مسألة اجتهاد؟ !! فكيف إذا كان ماقاله لم يقله أحد من أئمة المسلمين ، لا الأربعة ولامن قبلهم من الصحابة والتابعين ؛ وإنما يقوله مثله وأمثاله ممن لا علم لهم بالكتاب والسنة وأقوال السلف والأمة؛ وإنما يحكمون بالعادات التى تربوا عليها، كالذين قالوا: ( إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَىّءَاثَّرِهِمْ مُقْتَدُونَ) وكما تحكم ٣٨٥ الأعراب بالسوالف التى كانت لهم وهى عادات، كما يحكم النقر ((بالياساق)) الذى جرت به عاداتهم ، وأما أهل الإيمان والإسلام والعلم والدين فإنما يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله، كما قال تعالى: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًاً مِّمَّاقَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) وقال تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) والله سبحانه لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم ؛ وليس بينهما بينة؛ بل أمر بحكمين؛ وأن إلا | يكونا متهمين ؛ بل حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة، كما قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَلْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا) أى الحكمين ( يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ) أى بين الزوجين. فإن رأيا المصلحة أن يجمعا بين الزوجين جمعا ، وإن رأيا المصلحة أن يفرقا بينهما فرقا : إما بعوض تبذله المرأة فتكون الفرقة خلما إن كانت هي الظالمة ، وإن كان الزوج هو الظالم فرق بينهما بغير اختياره . وأكثر العلماء على أن هذين حكمان ، کما سماهمالله حكمين ، يحكمان بغير توكيل الزوجين ، وهذا قول مالك والشافعي والإمام أحمد فى أحد قوليهما ، وقيل هما وكيلان كقول أبى حنيفة والقول الآخر فى المذهبين . ٣٨٦ فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد ، وهو فى قضية معينة بين زوجين. ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين فى أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين ، فكيف بأمور الدين والعبادات التى يشترك فيها جميع المسلمين ، وقد اشتبهت على كثير من الناس . هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله، فمن كان عنده علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وأوضحه للمسلمين ، والمسلمون إذا عرفوا شرع نبيهم لم يعدلوا عنه. وإن كان كل قوم يقولون عندنا علم من الرسول ولم يكن هناك أمر ظاهر يجمعون فيما تنازعوا فيه كان أحد الحزيين لهم أجران والآخرون لهم أجر واحد، كما قال تعالى: (وَدَاوُودَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَقَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ مَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) . ((وولي الأمر)» إن عرف ماجاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به ، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به ؛ وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ماهم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده ؛ وليس له أن يلزم أحداً بقبول قول غيره وإن کان حا کما . ٣٨٧ وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ، ووقع بأسهم بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ماحكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم )) وهذا من أعظم أسباب تغییر الدول کما قد جرى مثل هذا مرة بعدمرة فى زماننا وغير زماننا ، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول فى كتابه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ وَإِنَّ لے اللَّهَلَقَوِىُّ عَزِيزُ * الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْبِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأَمُورِ ) فقد وعد الله بنصر من ينصره ، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله ؛ لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله، ويتكلم بما لا يعلم ، فإن الحاكم إذا كان دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار ، وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذى يعلمه كان من أهل النار ، وإذا حكم بلاعدل ولا على كان أولى أن يكون من أهل النار . وهذا إذا حكم فى قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما فى دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله: فهذا لون آخر. يحكم فيه رب العالمين ، وإله المرسلين، مالك يوم الدين ، الذى (لَهُ الْحَمْدُ فِ اْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ( الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا). والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآ له وصحبه وسلم. ٣٨٨ وقال شيخ الإسلام رحمه الله ((الدعاوى)) التى يحكم فيها ولاة الأمور، سواء سموا قضاة، أوولاة، أو تسمى بعضهم فى بعض الأوقات ولاة الأحداث ، أو ولاة المظالم، أو غير ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية ؛ فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق . وعلى كل من ولي أمر الأمة أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والقسط ، وأن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الشرع المنزل من عند الله، قال الله تعالى: (لَقَدْأَرْسَلْنَاْرُسُلَنَا بِالْبَّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِّ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تُؤَدُّواْ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ) اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْبِالْعَدْلِ ) وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ ) وقال تعالى: ( وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ) فالدعاوى ((قسمان)): دعوى تهمة، وغير تهمة . فدعوى التهمة أن يدعى فعلا يحرم على المطلوب ، يوجب عقوبته ؛ مثل قتل ؛ أو قطع طريق ٣٨٩ أو سرقة ؛ أو غير ذلك من أنواع العدوان المحرم كالذى يستخفى به بما يتعذر إقامة البينة عليه فى غالب الأوقات فى العادة . وغير التهمة أن يدعى دعوى عقد من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم ؛ مثل دين ثابت فى الذمة من ثمن بيع ، أو قرض ، أو صداق ، أو دية خطأ ، أو غير ذلك . فكل من القسمين قد يكون دعوى حد لله عز وجل محض ، كالشرب والزنا . وقد يكون حقا محضا لآدمى: كالأموال. وقد يكون فيه الأمران كالسرقة، وقطع الطريق ، فهذان ((القسمان)) إذا أقام المدعى فيه حجة شرعية وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ؛ لما روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يعطى الناس بدعوام لادعى ناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه )) وفى رواية فى الصحيحين، عن ابن عباس: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه)) فهذا الحديث نص أن أحداً لا يعطى بمجرد دعواه. ونص فى أن الدعوى المتضمنة للإعطاء تجب فيها اليمين ابتداء على المدعى عليه، وليس فيه أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا اليمين على المدعى عليه ؛ بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ٣٩٠ للأنصار لما اشتكوا إليه لأجل قتيلهم الذى قتل بخير ، وهو عبد الله بن سهل ، نجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم أخوه عبد الله وأبناء عمه حويصة ومحيصة وكان محيصة معه بخير، وقال: ((أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون قاتلكم)) قالوا: وكيف تحلف، ولم نشهد، ولم نر؟))قال: فتبريك يهود بخمسين يمينا)» قالوا: وكيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟ أخرجه أصحاب الصحاح والسنن جميعهم ، مثل البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وفى رواية فى الصحيحين، قال: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته )) وقد ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين )) رواه الترمذى وابن ماجه من حديث جابر، ورواه أبو داود والترمذى وابن ماجه من حديث أبى هريرة ، وروی ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة . وهذه الأحاديث أصح وأشهر ما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب . وابن عباس الذى يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه قضى باليمين مع الشاهد)) وأن هذا قضى به فی دعاویوقضی بهذا فى دعاوى . وأما الحديث المشهور فى ألسنة الفقهاء ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)) فهذا قد روى أيضا ؛ لكن ليس إسناده فى الصحة والشهرة مثل غيره ، ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة ، ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة؛ إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبى حنيفة وغيره ؛ فإنهم ٣٩١ يرون اليمين دائما فى جانب المنكر ، حتى فى القسامة يحلفون المدعى عليه ، ولا يقضون بالشاهد واليمين ، ولا يرون اليمين على المدعى عند النكول ، واستدلوا بعموم هذا الحديث . وأما سائر علماء الملة من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم: مثل ابن جريح ، ومالك ، والليث بن سعد، والشافعى، وأحمد ابن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم: فتارة يحلفون المدعي ، وتارة يحلفون المدعى عليه ، كما جاءت بذلك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والأصل عند جمهورهم أن اليمين مشروعة فى أقوى الجانبين. ((والبينة)) عندهم اسم لما يبين الحق . وبينهم نزاع فى تفاريع ذلك ؛ فتارة يكون لوثا مع أيمان القسامة . وتارة يكون شاهداً ويمينا . وتارة يكون دلائل غير الشهود كالصفة للقطة . وأجابوا عن ذلك الحديث: تارة بالتضعيف. وتارة بأنه عام وأحاديتهم خاصة وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر وأشهر؛ فالعمل بها عند التعارض أولى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلب البينة من المدعى واليمين من المنكر فى حكومات معينة ؛ ليست من جنس دعاوى التهم؛ ٣٩٢ مثل ما خرجا فى الصحيحين عن الأشعث بن قيس أنه قال : كانت بينى وبين رجل حكومة فى بئر ؛ فاختصمنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال : ((شاهداك أو يمينه)) فقلت: إذاً يحلف، ولا يبالى، فقال: ((من حلف على يمين صبر يقطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان)) وفى رواية، فقال ((بينتك أنها بترك؛ وإلافيمينه)) وعن وائل ابن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمى: يارسول الله ! إن هذا قد غلبنى على أرض كانت لأبى. فقال الكندى : هى أرضی وبيدي أزرعها ليس له فيها حق . فقال: النبي صلى الله عليه وسلم للحضري: ((ألك بينة؟ قال: لا . قال: فلك يمينه )) فقال يارسول الله ! الرجل فاجر لا يبالى على ما حلف عليه ، فليس يتورع من شىء، فقال: (( ليس لك منه إلا ذلك)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر الرجل ((أمالثن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض» رواه مسلم والترمذى وصححه . ففى هذا الحديث الصحيح أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين مع ذكر المدعى لفجوره، وقال ((ليس لك منه إلا ذلك)) وكذلك فى الحديث الأول كان خصم الأشعت يهوديا ، هكذا جاء فى الصحيحين ، ومع هذا لم يوجب عليه إلا اليمين، وفى حديث القسامة أن الأنصار لما قالوا : ٣٩٣ كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ لم ينكر ذلك عليهم ؛ فعلم أن الدعاوى مختلفة فى ذلك . وهذا القسم لا أعلم فيه نزاعا . أعنى أن القول فيه قول المدعى عليه مع اليمين إذا لم يأت المدعى بحجة شرعية ؛ وهى البينة . [ والبينة] التى هى الحجة الشرعية: تارة تكون بشاهدين عدلين رجلين. وتارة رجل وامر أتين. وتارة أربع شهداء. وتارة ثلاثة عند بعض العلماء من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعى ، وهو دعوى الإفلاس فيمن على أن له مال ، فقد جاء فى صحيح مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحل المسألة لأحد إلا لثلاثة، رجل تحمل حمالة خلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك؛ ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ؛ ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه يقولون لقد أصابت فلانا فاقة خلت له المسأله حتى يصيب قواما من عيش؛ فاسواهن من المسألة ياقبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا)) ولأن الغنى من الأمور الخفية التي تقوى بها التهمة بإخفاء المال. وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب عند جمهور فقهاء الإسلام من أهل الحجاز وفقهاء الحديث. وتارة تكون الحجة نساء: إما امرأة عند أبي حنيفة وأحمد فى المشهور عنه، وإما امرأتين عند مالك وأحمد فى رواية، وإما أربع نسوة عند الشافعى. وتارة تكون الحجة غير ذلك . ٣٩٤ وتارة تكون الحجة اللوث واللطخ والشبهة مع أيمان المدعى خمسين يعينا، وهي القسامة التى يبدأ فيها بأيمان المدعى عند عامة فقهاء الحجاز وأهل الحديث . وتمتاز عن غيرها بأن المين فيها خمسون يمينا ، كما امتازت أيمان اللعان بأن كانت أربع شهادات بالله ، لأن كل يمين أقيمت مقام شاهد. والقسامة توجب القود عند مالك وأحمد ، وتوجب الدية فقط عند الشافعى . وأهل الرأي لا يحلفون فيها إلا المدعى عليه ، كما تقدم ، مع أنهم مع تحليفه يوجبون عليه الدية . على تفصيل معروف ليس الغرض هنا ذكره ، وإنما الغرض التنبيه على مجامع الأحكام فى الدعاوى، فإنه باب عظيم ، والحاجة إليه شديدة عامة . وقد وقع فيه التفريط من بعض ولاة الأمور ، والعدوان من بعضهم ، ما أوجب الجهل بالحق، والظلم للخلق، وصار لفظ ((الشرع)) غير مطابق المسماه الأصلي؛ بل لفظ الشرع فى هذه الأزمنة ((ثلاثة أقسام)). (( أحدها)) الشرع المنزل، وهو الكتاب والسنة ، واتباعه واجب من خرج عنه وجب قتله ، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه ؛ وسياسة الأمراء وولاة المال ، وحكم الحكام ، ومشيخة الشيوخ ، وغير ذلك، فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله . و ((الثانى)) الشرع المؤول وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أفر عليه، ولم تجب على جميع الخلق موافقته، إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة . ٣٩٥ و ((الثالث)) الشرع المبدل ، مثل ما يثبت من شهادات الزور ، أو يحكم فيه بالجهل والظلم بغير العدل والحق حكما بغير ما أنزل الله ، أو يؤمرفيه بإقرار باطل لإضاعة حق : مثل أمر المريض أن يقر لوارث بما ليس بحق ليبطل به حق بقية الورثة ، فإن الأمر بذلك والشهادة عليه محرمة ، وإن كان الحاكم الذى لم يعرف باطن الأمر إذا حكم بما ظهر له من الحق لم يأثم، فقد قال سيد الحكام صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه: ((إنكم تختصمون إلي ؛ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار )) القسم الآخر من الدعاوى ((دعاوى التهم)) وهى دعوى الجنابة والأفعال المحرمة ، مثل دعوى القتل. وقطع الطريق، والسرقة ، والعدوان على الخلق بالضرب وغيره. فهذا ينقسم المدعى عليه إلى ((ثلاثة أقسام)) فإن المتهم إما أن يكون ليس من أهل تلك التهمة ، أو فاجراً من أهل تلك التهمة ، أو يكون مجهول الحال لا يعرف الحاكم حاله فإن كان براً لم تجز عقوبته بالاتفاق . واختلفوا فى عقوبة المتهم له مثل أن يوجد فى يد رجل عدل مال مسروق، ويقول ذو اليد ابتعته من السوق لاأدرى ٣٩٦ من باعه ، فلا عقوبة عليه بالاتفاق . ثم قال أصحاب مالك وغيرهم : يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ، ويأخذه ، قال هؤلاء : لا يمين على المطلوب، ثم اختلفوا فى العقوبة للمتهم له ؟ فقال مالك وأشهب : لا أدب على المدعى ، إلا أن يقصد أذيته وعيبه وشتمه فيؤدب. وقال أصبغ: يؤدب قصد أذيته أو لم يقصد، وكذلك عامة العلماء يقولون إن الحدود التى للّه لا يحلف فيها المدعى عليه ، فإذا أخذ المستحق ماله لميبق على ذوي اليد دعوى إلا لأجل الحد ولا يحلف . ((القسم الثانى)) أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف بير أو نجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام . والمنصوص عند أكثر الأئمة أنه يحبسه القاضي والوالي ؛ هكذا نص عليه مالك وأصحابه ؛ وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه ، وذكره أصحاب أبى حنيفة، وقال الإمام أحمد . قد حبس النبي صلى الله عليه وسلم فى تهمة ، قال أحمد: وذلك حتی یتبین للحاكم أمره ، وذلك لما رواه أبو داود فى سننه والخلال وغيرهما، عن بهزبن حكيم ؛ عن أبيه عن جده: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس فى تهمة)) وروى الخلال عن أبى هريرة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس فى تهمة يوما وليلة)» والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك. فإنهم متفقون على أن المدعى إذا طلب المدعى عليه الذى يجب إحضاره وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس ٣٩٧ الحكم حتى يفصل بينهما ، ويحضره من مسافة الدعوى التي هى عند بعضهم بريد ؛ وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود فى يوم ؛ كما يقوله من قاله من أصحاب الشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين؛ وعند بعضهم أن مسافة القصر أربعة برد مسيرة يومين قاصدين كما يقوله أحمد فى إحدى الروايتين؛ ثم الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل ، وقد يكون عنده حكومات سابقة ، فيبقى المطلوب محبوسا معوقا من حين يطلب إلى حين يفصل بينه وبين خصمه وهذا حبس بدون التهمة . ففي التهمة أولى . فإن ((الحبس الشرعي)) ليس هو السجن فى مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه ، سواء كان فى بيت أو مسجد ، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه؛ ولهذا سماء النبى صلى الله عليه وسلم أسيراً ، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب ، عن أبيه ، قال أتيت النبى صلى الله عليه وسلم بغريم لي، فقال لى: ((الزمه)) ثم قال: (( يا أخا بنى تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك)) وفى رواية ابن ماجه ثم مر بى آخر النهار، فقال: ((ما فعل أسيرك يا أخا بنى تميم؟ )) وهذا هو الحبس على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر حبسا معدا لسجن الناس ، ولكن لما انتشرت الرعية فى زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا ، وجعلها سجنا ، وحبس فها . ولقد ٣٩٨ تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرم هل يتخذ الإمام حبسا ؟ على قولين . فمن قال : لا يتخذحبسا ؛ قال : يعوقه بمكان من الأمكنة ، أو يقام عليه حافظ، وهو الذى يسمى ((الترسيم)). ولهذا لما كان حضور مجلس الحاكم تعويقا ومنعا من جنس السجن والحبس تنازع العلماء : هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى ؟ أم لا يحضر إذا كان ممن يتبذل بالحضور حتى يبين لمدعى الدعوى أصل ؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. ((والثاني)) قول مالك. ((والأول)) قول أبى حنيفة والشافعي . ومن العلماء من قال : الحبس فى التهمة إنما هو للوالي والي الحرب ؛ دون القاضى ، وقد ذكرها طائفة من أصحاب الشافعي . كأبى عبد الله الزبيري وأقضى القضاة الماوردي ، وغيرهما . وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين فى ((أدب القضاة)) وغيرهم. واختلفوا فى مقدار الحبس فى التهمة : هل هو مقدر ؟ أو مرجعه إلى اجتهاد الإمام ؟ على قولين، ذكرهما القاضى أبو يعلى ، والقاضي الماوردى ، وغيرهما . وقيل هو مقدر بشهر ، وهو قول أبى عبد الله الزييرى. وقيل : هو غير مقدر ، وهو اختيار الماوردى . ٣٩٩ القسم ((الثالث)) أن يكون المتهم معروفا بالفجور ، مثل المتهم بالسرقة إذا كان معروفا بها قبل ذلك، والمتهم بقطع طريق إذا كان معروفابه ، والمتهم بالقتل ، أو كان أحد هؤلاء معروفا بما يقتضى ذلك . فإذا جاز حبس المجهول خميس المعروف بالفجور أولى ، وما علمت أحداً من أئمة المسلمين المتبعين من قال إن المدعى عليه فى جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره من جميع ولاة الأمور ؛ فليس هذا على إطلاقه مذهب أحد من الأئمة، ومن زعم أن هذاعلى إطلاقه وعمومه هو الشرع فهو غالط غالطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأمة ، وبمثل هذا الغلط الفاحش استجرأ الولاة على مخالفة الشرع ، وتوهموا أن مجرد الشرع لا بسياسة العالم وبمصالح الأمة ، واعتدوا حدود الله فى ذلك. وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج الناس عنه إلى أنواع من البدع السياسية . فهذا القسم فيه مسائل القسامة والحكم فيها معروف، ولا يحتاج إلى ذكرها هاهنا . وأما التهمة فى السرقة وقطع الطريق ونحوهما فقد تقدم ذكر الحبس فيهما . وأما الامتحان بالضرب وتحوه فاختلف فيه هل: يشرع للقاضى والوالى؟ أم يشرع للوالي دون القاضى ؟ أم يشرع الضرب لواحد منهما ؟ على ((ثلاثة أقوال)). ٤٠٠