Indexed OCR Text
Pages 61-80
العام الثاني ، وأنزل فى ذلك: ( الشَّهُ اَلْحَامُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ وَالْمَتُ قِصَاصٌ) وذلك كله قبل فتح مكة. فمن توم أن ((سورة الفتح)) نزلت بعد فتح مكة فقد غلط غلطا بيناً . (( والمقصود)) أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة ما استحقوا به التفضيل على من بعده، حتى قال لخالد: ((لاتسبوا أصحابي )) فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله . ولما كان ((لأبى بكر الصديق)» رضي الله عنه من مزية الصحبة ما منز به على جميع الصحابة خصه بذلك فى الحديث الصحيح، الذى رواه البخارى عن أبى الدرداء، أنه كان بين أبى بكر وعمر كلام ، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر ، وجاء أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر له ما جرى؛ ثم إن عمر ندم ، فرج يطلب أبا بكر فى بيته ، فذكر له أنه كان عند النبى صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عمر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لأبى بكر؛ وقال: ((أيها الناس! إنى جئت إليكم فقلت: إنى رسول الله إليكم ، فقلّم كذبت ، وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟!)) فا أوذي بعدها . فهنا خصه باسم الصحبة، كما خصه به القرآن فى قوله تعالى ٦١ (ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) وفى الصحيحين عن أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند الله)) فبكى أبو بكر ، فقال : بل نفديك بأنفسنا ؛ وأموالنا . قال : جعل الناس يعجبون أن ذكر النبى صلى الله عليه وسلم عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به . وقال النبى صلى الله عليه وسلم ((إن أمن الناس علينا فى صحبته وذات يده أبو بكر ، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبابكر خليلا ؛ ولكن أخي وصاحبى ، سدوا كل خوخة فى المسجد إلا خوخة أبى بكر)) وهذا من أصح حديث يكون باتفاق العلماء العارفين بأقوال النبى صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله، وأحواله (( والمقصود)» أن الصحبة فيها خصوص وعموم، وعمومها يندرج فيه كل من رآه مؤمنا به ، ولهذا يقال صحبته سنة ؛ وشهراً ، وساعة ، ونحو ذلك . و((معاوية، وعمروبن العاص، وأمثالهم)) من المؤمنين؛ لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق ؛ بل قد ثبت فى الصحيح أن عمرو بن العاص لما بايع النبى صلى الله عليه وسلم قال : على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبى . فقال: ٦٢ ((ياعمرو ! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله)) ومعلوم أن الإسلام الهادم هو إسلام المؤمنين ؛ لا إسلام المنافقين . وأيضا فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجراً إلى النبى صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية هاجروا إليه من بلادهم طوعا لا كرها ، والمهاجرون لم يكن فيهم منافق ؛ وإنما كان النفاق فى بعض من دخل من الأنصار ؛ وذلك أن الأنصارم أهل المدينة ؛ فلما أسلم أشرافهم وجمهورم احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقا ؛ لعز الإسلام وظهوره فى قومهم . وأما أهل مكة فكان أشرافهم وجمهوره كفاراً فلم يكن يظهر الإيمان إلا من هو مؤمن ظاهراً وباطنا ؛ فإنه كان من أظهر الإسلام يؤذى ويهجر ؛ وإنما المنافق يظهر الإسلام لمصلحة دنياه . وكان من أظهر الإسلام بمكة يتأذى فى دنياه ؛ ثم لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر معه أكثر المؤمنين، ومنع بعضهم من الهجرة إليه ، كما منع رجال من بنى مخزوم مثل الوليد بن المغيرة أخو خالد أخو أبي جهل لأمه ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت لهؤلاء ويقول فى قنوته: ((اللهم يج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام . والمستضعفين من المؤمنين . اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنينا كسني يوسف)). والمهاجرون من أولهم إلى آخرم ليس فيهم من اتهمه أحد بالنفاق؛ بل كلهم مؤمنون مشهود لهم بالإيمان ((ولعن المؤمن كقتله)). ٦٣ وأما ((معاوية بن أبى سفيان وأمثاله)) من الطلقاء الذين أسلموا بعد فتح مكة : كعكرمة بن أبي جهل، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، وأبى سفيان بن الحرث بن عبد المطلب : هؤلاء وغيرهم ممن حسن إسلامهم باتفاق المسلمين، ولم يتهم أحد منهم بعد ذلك بنفاق . ومعاوية قد استكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((اللهم علمه الكتاب والحساب ، وقه العذاب)). وكان أخوه يزيد بن أبى سفيان خيراً منه وأفضل، وهو أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى فتح الشام ، ووصاه بوصية معروفة ، وأبو بكر ماش ، ويزيدرا كب ، فقال له : يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل . فقال : لست براكب ، ولست بنازل . إنى أحتسب خطاي فى سبيل الله . وكان عمرو بن العاص هو الأمير الآخر والثالث شرحبيل بن حسنة ، والرابع خالد بن الوليد، وهو أميرهم المطلق ، ثم عزله عمر ، وولى أبا عبيدة عامر بن الجراح، الذى ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم شهد له أنه أمين هذه الأمة، فكان فتح الشام على يد أبى عبيدة ، وفتح العراق على يد سعد بن أبي وقاص . ثم لما مات يزيد بن أبى سفيان فى خلافة عمر استعمل أخاه معاوية ، وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة ، وأخبرهم بالرجال ، وأقومهم ٦٤ بالحق ، وأعلمهم به ، حتى قال على بن أبى طالب رضي الله عنه: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهضرب الحق على لسان عمر وقلبه)) وقال: ((لولم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر)) وقال ابن عمر : ما سمعت عمر يقول فى الشىء إنى لأراه كذا وكذا إلا كان كمارآه. وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك)). ولا استعمل عمر قط؛ بل ولا أبو بكر على المسلمين : منافقا، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما فى الله لومة لاثم ؛ بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم ، وكان عمر يقول لسعد بن أبي وقاص وهو أمير العراق : لا تستعمل أحدا منهم ، ولاتشاورم فى الحرب. فإنهم كانوا أمراء أكابر: مثل طليحة الأسدى ، والأفرع بن حابس ، وعيينة بن حصن، والأشعث بن قيس الكندى ، وأمثالهم، فهؤلاء لما تخوف أبو بكر وعمر منهم نوع نفاق لم يولهم على المسلمين . فلو كان ((عمروبن العاص)) ((ومعاوية بن أبى سفيان وأمثالهما)) ممن يتخوف منهما النفاق لم يولوا على المسلمين ؛ بل عمرو بن العاص قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم فى غزوة ذات السلاسل ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يول على المسلمين منافقا، وقد استعمل على نجران أباسفيان ابن حرب أبا معاوية ، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان ٦٥ نائبه على بجران ، وقد اتفق المسلمون على أن إسلام معاوية خير من إسلام أبيه أبى سفيان ، فكيف يكون هؤلاء منافقين والنبى صلى الله عليه وسلم يأتمنهم على أحوال المسلمين فى العلم والعمل ؟ !!! وقد علم أن معاوية وعمرو ابن العاص وغيرهما كان بينهم من الفتن ما كان، ولم يتهمهم أحد من أوليائهم، لا محاربوهم ، ولا غير محاربهم : بالكذب على النبى صلى الله عليه وسلم ؛ بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعده متفقون على أن هؤلاء صادقون على رسول الله ، مأمونون عليه فى الرواية عنه ، والمنافق غير مأمون على النبى ء صلى الله عليه وسلم ؛ بل هو كاذب عليه ، مكذب له . وإذا كانوا مؤمنين ، محبين لله ورسوله : فمن لعنهم فقد عصى الله ورسوله ، وقد ثبت فى صحيح البخارى ما معناه : أن رجلا يلقب حماراً ، وكان يشرب الخمر ، وكان كما شرب أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم جلده فأتى به إليه مرة ، فقال رجل : لعنه الله! ما أكثر ما يؤتى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم؟! فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا تلعنوه ، فإنه يحب الله ورسوله)). وكل مؤمن يحب الله ورسوله، ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن ، وإن كانوا متفاضلين فى الإيمان وما يدخل فيه من حب وغيره . هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم ((لعن الخمر ، وعاصرها، ومعتصرها ، وشاربها، وساقيها، وحاملها ، والمحمولة إليه، وآ كل ثمنها)) وقد نهى عن لعنة هذا المعين، لأن اللعنة من ((باب الوعيد )» فيحكم به ٦٦ عموما . وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة ، أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة ، أو شفاعة مقبولة ، أو غير ذلك من الأسباب التى ضررها يرفع العقوبة عن المذنب . فهذا فى حق من له ذنب محقق . وكذلك ((حاطب بن أبي بلتعة)) فعل ما فعل وكان يسىء إلى مماليكه حتى ثبت فى الصحيح أن غلامه قال : يا رسول الله ! والله ليدخلن حاطب ابن أبى بلتعة النار. قال: ((كذبت، إنه شهد بدراً، والحديبية)). وفى الصحيح عن علي بن أبى طالب أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسله والزبير ابن العوام، وقال لهما: ((ائتيا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب)) قال علي : فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى لقينا الظعينة ، فقلنا: أين الكتاب؟ فقالت : مامعي كتاب . فقلنا لها: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب ، قال فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به النبى صلى الله عليه وسلم ، وإذا كتاب من حاطب إلى بعض المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما هذا يا حاطب؟ !! )) فقال: والله يا رسول الله ! ما فعلت هذا ارتداداً عن دينى، ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام ؛ ولكن كنت امرأ ملصقا فى قريش ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المسلمين لهم قرابات يحمون بهم أهاليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك منهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتى . وفى لفظ : وعلمت أن ذلك لا يضرك . يعنى لأن الله ينصر رسوله والذين آمنوا . فقال عمر: دعنى ٦٧ أضرب عنق هذا المنافق . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) فهذه السيئة العظيمة غفرها الله له بشهود بدر. فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة ، والمؤمنون يؤمنون بالوعد والوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وأمثال ذلك؛ مع قوله: (إِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا) ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص ، ولا يشهد على معين بالنارإلا بدليل خاص؛ ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم فى العموم ؛ لأنه قد يندرج فى العمومين فيستحق الثواب والعقاب؛ لقوله تعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ) والعبد إذا اجتمع له سيئات وحسنات فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته فإن الله يثيبه على حسناته ، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه ؛ وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيرة الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر ، وأنهم لا يخرجون منها بشفاعة ولاغيرها وأن صاحب الكبيرة لا يبقى معه من الإيمان شىء . وهذه أقوال فاسدة ، مخالفة للكتاب ، والسنة المتواترة ، وإجماع الصحابة . ٦٨ وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم ؛ بل يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم ، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة ، ويرفع بها درجاتهم ، وينفر لهم بحسنات ماحية ، أو بغير ذلك من الأسباب، قال تعالى: ( وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِّ أُوْلَبِّكَ هُمُ الْمُثَّقُونَ * لَهُم مَّايَشَآءُ ونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَالَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال تعالى : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىَّ أَنْ أَشْكُرَنِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِ حًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌ إِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحٍَ الْجَنَّةِ ). ولكن الأنبياء صلوات الله عليهم هم الذين قال العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب . فأما الصديقون ، والشهداء ؛ والصالحون : فليسوا بمعصومين . وهذا فى الذنوب المحققة . وأما ما اجتهدوا فيه : فتارة يصيبون ، وتارة يخطئون . فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران ، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم ، وخطؤم مغفور لهم . وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين : فتارة يغلون فيهم ؛ ويقولون : إنهم معصومون . وتارة يحفون عنهم ؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ وأهل العلم والإيمان لا يعصمون . ولا يؤثمون . ٦٩ ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال. فطائفة سبت السلف ولعنتهم ؛ لاعتقادهم أنهم فعلوا ذنوبا ، وأن من فعلها يستحق اللعنة ؛ بل قد يفسقونهم ؛ أو يكفرونهم ، كما فعلت الخوارج الذين كفروا على بن أبى طالب ، وعثمان بن عفان ، ومن تولاهما ، ولعنوهم ، وسبوهم ، واستحلوا قتالهم . وهؤلاء هم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقة على فرقة من المسلمين، فتقاتلها أولى الطائفتين لأجل الحق)) وهؤلاء هم المارقة الذين مرقوا على أمير المؤمنين على بن أبى طالب ، وكفروا كل من تولاه . وكان المؤمنون قد افترقوا فرقتين: فرقة مع على، وفرقة مع معاوية . فقاتل هؤلاء عليا وأصحا به، فوقع الأمر كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم ، وكما ثبت عنه أيضا فى الصحيح أنه قال عن الحسن ابنه: (( إن ابنی هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)) فأصلح الله به بين شيعة على وشيعة معاوية . وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بهذا الصلح الذى كان على يديه وسماه سيداً بذلك ؛ لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ورسوله ، ويرضاه الله ورسوله. ولو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو الذى أمر الله به ورسوله لم يكن الأمر كذلك؛ بل يكون الحسن قد ترك الواجب، أو الأحب إلى ٧٠ الله. وهذا النص الصحيح الصريح يبين أن ما فعله الحسن محمود، مرضى الله ورسوله ، وقد ثبت فى الصحيح ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضمه على نفذه ، ويضع أسامة بن زيد، ويقول: ((اللهم إني أحبهما، وأحب من يحبعا)) وهذا أيضاً مما ظهر فيه محبته ودعوته صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهما كانا أشد الناس رغبة فى الأمر الذى مدح النبي صلى الله عليه وسلم به الحسن ، وأشد الناس كراهة لما يخالفه وهذا مما يبين أن القتلى من أهل صفين لم يكونوا عند النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة الخوارج المارقين ، الذين أمر بقتالهم، وهؤلاء مدح الصلح بينهم ولم يأمر بقتالهم؛ ولهذا كانت الصحابة والأئمة متفقين على قتال الخوارج المارقين، وظهر من علي رضي الله عنه السرور بقتالهم ؛ ومن روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم : ماقد ظهر عنه وأما قتال الصحابة فلم يرو عن النبى صلى الله عليه وسلم فيه أثر، ولم يظهر فيه سرور ؛ بل ظهر منه الكآبة ، وتمنى أن لا يقع ، وشكر بعض الصحابة ، وبرأ الفريقين من الكفر والنفاق، وأجاز الترحم على قتلى الطائفتين ، وأمثال ذلك من الأمور التى يعرف بها اتفاق علي وغيره من الصحابة على أن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة . وقد شهد القرآن بأن اقتتال المؤمنين لا يخرجهم عن الإيمان بقوله تعالى : (وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ مَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ ٧١ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فسماهم ((مؤمنين)) وجعلهم ((إخوة)) مع وجود الاقتتال والبغي . والحديث المذكور ((إذا اقتل خليفتان فأحدهما ملعون)» كذب مفترى لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، ولاهو فى شىء من دواوين الإسلام المعتمدة. و ((معاوية)) لم يدع الخلافة؛ ولم يبايع له بها حين قاتل عليّاً، ولم يقاتل على أنه خليفة ، ولا أنه يستحق الخلافة ، ويقرون له بذلك ، وقد كان معاوية يقربذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا عليّاً وأصحابه بالقتال ، ولا يعلوا . بل لما رأى على رضي الله عنه وأصحابه أنه يجب علهم طاعته ومبايعته ، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد ، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب ، وهم أهل شوكة رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب ، فتحصل الطاعة والجماعة. وهمقالوا : إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين قالوا : لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين ، وقتلته فى عسكر علي، وهم غالبون ٧٢ لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا. وعلى لا يمكنه دفعهم، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ؛ وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف . وكان فى جهال الفريقين من يظن بعلي وعثمان ظنونا كاذبة ، برأ الله منها علياً ، وعثمان: كان يظن بعلي أنه أمر بقتل عثمان ، وكان علي يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله . وهذا معلوم بلا ريب من علي رضى الله عنه . فكان أناس من محبى على ومن مبغضيه يشيعون ذلك عنه : فمحبوه يقصدون بذلك الطعن على عثمان بأنه كان يستحق القتل ، وأن علياً أمر بقتله . ومبغضوه يقصدون بذلك الطعن على علي ، وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد ، الذى صبر نفسه ولم يدفع عنها ، ولم يسفك دم مسلم فى الدفع عنه ، فكيف فى طلب طاعته ؟! وأمثال هذه الأمور التى يتسبب بها الزائغون على المتشيعين العثمانية ، والعلوية . وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفاً لعلى بالخلافة ، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف على رضى الله عنه ؛ فإن فضل علي وسابقيته ، وعلمه ، ودينه ، وشجاعته ، وسائر فضائله: كانت عندم ظاهرة معروفة، كفضل إخوانه: أبى بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم . رضى الله عنهم ٧٣ ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد ، وسعد كان قد ترك هذا الأمر، وكان الأمر قد انحصر فى عثمان وعلى ؛ فلما توفى عثمان لم يبق لها معين إلا على رضى الله عنه ؛ وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان وضعف أهل العلم والإيمان ، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ماصار يطاع فيه من غيره أولى منه بالطاعة ؛ ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف ، ونهى عن الفرقة والاختلاف؛ ولهذا قيل: ما يكرهون فى الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة . وأما الحديث الذى فيه ((إن عماراً تقتله الفئة الباغية)) فهذا الحديث قد طعن فيه طائفة من أهل العلم ؛ لكن رواه مسلم فى صحيحه، وهو فى بعض نسخ البخاري : قد تأوله بعضهم على أن المراد بالباغية الطالبة بدم عثمان ، كما قالوا : نبغى ابن عفان بأطراف الأسل. وليس بشىء؛ بل يقال ما قاله رسول الله صلى اللهعليه وسلم ، فهو حق كما قاله، وليس فى كون عمار تقتله الفئة الباغية ماينافى ماذكرناه، فإنه قد قال الله تعالى: (وَإِنْ طَآئِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْتَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى آلْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَّى تَّفِىَّ إلَى أَمْرِلّهِ فَإِنِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ * بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغى مؤمنين أَخَوَيَّكُمْ ) إخوة؛ بل مع آمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين ، وليس كل ما كان ٧٤ بغيا وظلما أو عدوانا يخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم؛ فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون ؟! وكل من كان باغيا ، أو ظالما ، أو معتديا ، أو مرتكبا ما هو ذنب فهو ((قسمان)) متأول ، وغير متأول ، فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين ، الذين اجتهدوا ، واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة ، وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة ، وأمثال ذلك ، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف . فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون ، وقد قال الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا) وقد ثبت فى الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء . وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام أنهما حكما فى الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم. والعلماء ورثة الأنبياء ، فإذا فهم أحدهم من المسئلة مالم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوما ولامانعا لما عرف من علمه ودينه ، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إنما وظلما ، والإصرار عليه فسقا ، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا . فالبغي هو من هذا الباب . ٧٥ أما إذا كان الباغى مجتهدا ومتأولا ، ولم يتبين له أنه باغ ، بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئا فى اعتقاده: لم تكن تسميته ((باغيا)) موجبة لأمه ، فضلا عن أن توجب فسقه . والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين ؛ يقولون : مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم : لاعقوبة لهم ؛ بل للمنع من العدوان . ويقولون : إنهم باقون على العدالة ؛ لا يفسقون . ويقولون هم كغير المكلف، كما منع الصبي والمجنون والناسى والمغمى عليه والنائم من العدوان أن لا يصدر منهم ؛ بل تمنع البهائم من العدوان . ويجب على من قتل مؤمنا خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه فى ذلك ، وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد ، والتائب من الذنب كمن لاذنب له ، والباغى المتأول يجلد عند مالك والشافعى وأحمد ونظائره متعددة . ثم بتقدير أن يكون ((البغى)) بغير تأويل: يكون ذنبا. والذنوب ـل تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك . ثم ((إن عماراً تقتله الفئة الباغية)) ليس نصا فى أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه؛ بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته ، وهى طائفة من العسكر ، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها . ومن المعلوم أنه ٧٦ كان فى المعسكر من لم يرض بقتل عمار: كعبد الله بن عمرو بن العاص. وغيره ؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار ، حتى معاوية ، وعمرو . ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذى جاء به ؛ دون مقاتليه : وأن عليا رد هذا التأويل بقوله : فنحن إذاً قتلناحمزة. ولا ريب أن ما قاله علي هو الصواب؛ لكن من نظر فى كلام المتناظرين من العلماء الذين ليس بينهم قتال ولا ملك، وأن لهم فى النصوص من التأويلات ما هو أضعف من معاوية بكثير. ومن تأول هذا التأويل لم ير أنه قتل عمارا ، فلم يعتقد أنه باغ ، ومن لم يعتقد أنه باغ وهو فى نفس الأمر باغ : فهو منأول مخطئ . والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عماراً؛ لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته ، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفى كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين . ففي القول الأول عمار ، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب. وفى الثانى سعد بن أبى وقاص ؛ ومحمد بن مسلمة ؛ وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ونحوهم . ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأى ؛ ولم يكن فى العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبى وقاص ، وكان من القاعدين . ٧٧ و ((حديث عمار)) قد يحتج به من رأى القتال؛ لأنّه إذا كان قاتلوه بغاة فالله يقول: ( فَقَائِلُواْالَّتِى تَبْغِى). والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ((أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها )) وتقول: إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة؛ كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك ؛ وأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقتال؛ ولم يرض به ؛ وإنما رضي بالصلح؛ وإنما أمر الله بقتال الباغى؛ ولم يأمر بقتاله ابتداء ؛ بل قال: (وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأَخْرَىُ فَقَائِلُوْلَتِى تَبْغِى حَتّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَأَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ) قالوا : والاقتال الأول لم يأمر الله به؛ ولا أمر كل من بغى عليه أن يقاتل من بنى عليه؛ فإنه إذا قتل كل باغ كفر؛ بل غالب المؤمنين؛ بل غالب الناس: لا يخلو من ظلم وبغى ؛ ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما؛ وإن لم تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال ، فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت ؛ لأنها لم تترك القتال؛ ولم يجب إلى الصلح؛ فلم يندفع شرها إلا بالقتال . فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذى لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم. ((من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد)) . قالوا : فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء؛ بل أمرنا بالإصلاح ٧٨ بينهم و ((أيضا)»، فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين مع عن (١)نا كلين عن القتال فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه ضعيفى الطاعة له . و «المقصود)) أن هذا الحديث لا يبيح لعن أحد من الصحابة، ولا يوجب فسقه . وأما ((أهل البيت)) فلم يسبوا قط . ولله الحمد . ولم يقتل الحجاج أحداًمن بنى هاشم، وإِنما قتل رجالا من أشراف العرب، وكان قد تزوج بنت عبد الله بن جعفر فلم يرض بذلك بنو عبد مناف ولا بنو هاشم ولا بنو أمية حتى فرقوا بينه وبينها ؛ حيث لميروه كفؤًا . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن الفتن التى تقع من أهل البر وأمثالها؛ فيقتل بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم حرمة بعض : فما حكم الله تعالى فيهم ؟ فأجاب : الحمد لله . هذه الفتن وأمثالها من أعظم المحرمات ، وأكبر المنكرات ، قال الله تعالى: (يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب (عَلِيّ). ٧٩ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُوْ مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَ هُمُ الْبَيِنَتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ ج تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوٌ فَأَمَّا الَّذِينَ آسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُ وقُواْ اُلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ). وهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا حتى صار عنهم من الكفر ماصار، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدى كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)) فهذا من الكفر؛ وإن كان المسلم لا يكفر بالذنب، قال تعالى: (وَإِنَ طَايِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ مُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى نَفِىَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيْنَ أَخَوَ يُّكُمْ وَتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْتُرْحَمُونَ ) فهذا حکم الله بين المقتلين من المؤمنين : أخبر أنهم إخوة، وأمر أولاً بالإصلاح بينهم إذا اقتلوا (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) ولم يقبلوا الإصلاح (فَقَتِلُواْالَّتِى تَبْغِى ◌َّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِالَّهِ فَإِنِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوْبَينَهُمَا بِالْعَدْلِ ) فأمر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن (تَفِىَّإِلَى أَمْرِلَِّ ) أي ترجع إلى أمر الله. فمن رجع إلى أمر الله وجب أن يعدل بينه وبين خصمه ، ويقسط بينهما . فقبل أن نقاتل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما أمرنا بالإصلاح بينهما مطلقا: لأنه لم تقهر إحدى الطائفتين بقتال . ٨٠