Indexed OCR Text

Pages 161-180

مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ) وأما إذا تعمد الإسقاط فإنه يعاقب على ذلك عقوبة
تردعه عن ذلك ، وذلك مما يقدح فى دينه وعدالته . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة حامل تعمدت إسقاط الجنين إما بضرب وإما بشرب دواء : فما
يجب عليها ؟
فأجاب : يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة
غرة عبد أوأمة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين ؛ غير أمه ، فإن كان له أب
كانت الغرة لأبيه، فإن أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك ، وتكون قيمة
الغرة عشردية ، أو خمسين ديناراً . وعليها أيضا عندأكثر العلماء عتق رقبة
فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين ، فإن لم تستطع أطعمت ستين مسكيناً.
وسئل رحمه الله تعالى
عن امرأة دفنت ابنها بالحياة حتى مات ؛ فإنها كانت مريضة ؛ وهو
مريض، فضجرت منه : فما يجب عليها ؟
١٦١

فأجاب: الحمد لله . هذا هو الوأد الذى قال الله تعالى فيه: ( وَإِذَا
بِأَِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ) وقال الله تعالى: (وَلَنَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ
الْمَوْءُودَةُ سُپلَتْ
خَشْيَةَ إِمْلَقٍ) وفى الصحيحين عن ابن مسعود، عن ((النى صلى الله عليه
وسلم أنه قيل له : أي الذنب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) وإذا كان الله
قد حرم قتل الولد مع الحاجة وخشية الفقر فلان يحرم قتله بدون ذلك أولى
ء
وأحرى. وهذه فى قول الجمهور يجب عليها الدية تكون لورثته ؛ ليس لها
منها شىء باتفاق الأئمة . وفى وجوب الكفارة عليها قولان . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن الرجل يلطم الرجل، أو يكلمه، أو يسبه: هل يجوز أن يفعل به كما
فعل ؟
فأجاب: وأما ((القصاص فى اللطمة، والضربة)) ونحوذلك: فذهب
الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت فى ذلك كله
وهو المنصوص عن أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجى . وذهب كثير
من الفقهاء إلى أنه لا يشرع فى ذلك قصاص ؛ لأن المساواة فيه متعذرة فى
الغالب ، وهذا قول كثير من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ؛
١٦٢

والأول أصح ؛ فإن سنة النبى صلى الله عليه وسلم مضت بالقصاص فى ذلك
وكذلك سنة الخلفاء الراشدين ، وقد قال تعالى: (وَجَزَُّؤَأْسَيِئَةٍ سَيِئَّةٌ مِّثْلُهَا )
وقال تعالى: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ونحو
ذلك .
وأما قول القائل : إِن الماثلة فى هذه الجناية متعذرة . فيقال: لا بد لهذه
الجناية من عقوبة: إما قصاص ، وإما تعزير . فإذا جوز أن يعزر تعزيراً
غير مضبوط الجنس والقدر فلان يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك
أولى وأحرى . والعدل فى القصاص معتبر بحسب الإمكان ، ومن المعلوم أن
الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبا منها كان هذا أقرب إلى العدل
من أن يعزر بالضرب بالسوط ؛ فالذى يمنع القصاص فى ذلك خوفا من الظلم
يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه . فعلم أنما جاءت به السنة أعدل وأمثل .
وكذلك له أن يسبه كما يسبه: مثل أن يلعنه كما يلعنه . أو يقول: قبحك
الله. فيقول: قبحك الله. أو: أخزاك الله. فيقول له : أخزاك الله. أو يقول:
يا كلب !يا خنزير ! فيقول: يا كلب ! يا خنزير! فأما إذا كان محرم الجنس مثل
تكفيره أو الكذب عليه لم يكن له أن يكفره ولا يكذب عليه. وإذا لعن
أباه لم يكن له أن يلعن أباه ؛ لأن أباه لم يظلمه .
١٦٣

وسئل رحمه اللّه
عمن ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه ؟
فأجاب : إذا تعطلت منفعة أصبعه بالجناية التى اعتدى فيها وجبت دية
الأصبع، وهى عشر الدية الكاملة . والله أعلم
وسئل قدس الله روحه
عن اثنين : أحدهما حر ، والآخر عبد : حملوا خشبة قتهورت منهم
الخشبة من غير عمد ؛ فأصابت رجلا ؛ فأقام يومين وتوفي : فما يجب على
الحر والعبد ؟ وماذا يجب على مالك العبد إذا تغيب العبد ؟
فأجاب : إذا حصل منهما تفريط أو عدوان وجب الضمان عليهما .
وإن كان هو المفرط بوقوفه حيث لا يصلح فلا ضمان . وإن لم يحصل تفريط
منههما فلا ضمان عليهما . وإن كان بطريق السبب فلا ضمان.
١٦٤

وإذا وجب الضمان عليهما نصفين فنصيب العبد يتعلق برقبته ، فإن شاء
سيده أن يسلمه فى الجناية، وإن شاء أن يفتديه . وإذا افتداه فإنه يفتديه بأقل
الأمرين من قيمته وقدر جنايته فى مذهب الشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين
عنه ، وفى الأخرى وفى مذهب مالك يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ . فأما
إن جنى العبد وهرب بحيث لا يمكن سيده تسليمه فليس على السيد شىء
إلا أن يختار . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن ثلاثة حملوا عامود رخام، ثم إن منهم اثنين رموا العامود على الآخر
كسروا رجله : فما يجب عليهم ؟
٨
فأجاب : الحمد لله . نعم إذ ألقوا عليه عامود الرخام حتى كسروا ساقه
وجب ضمان ذلك ؛ لكن من العلماء من يوجب بعيرين من الإبل ، كما هو
المشهور عن أحمد: ومنهم من يوجب فيه حكومة ، وهو أن يقوم المجني عليه
كانه لا كسربه، ثم يقوم مكسوراً؛ فينظر ما نقص من قيمته : فيجب
بقسطه . والله أعلم .
١٦٥

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجلين تخاصما وتماسكا بالأيدى، ولم يضرب أحدهما الآخر ، وكان
أحدهما مريضا ، ثم تفارقا فى عافية ، ثم بعد أسبوع توفي أحدهما ، وهرب
الآخر قبل موته بثلاثة أيام، فسك أبو الهارب وألزموه بإحضار ولده ،
فاعتقد أن الخصم لم يمت؛ والتزم لأهله أنه مهما تم عليه كان هو القائم به ؛ فلما
مات اعتقلوا أباه تسعة أشهر فراضى أبوه أهل الميت بمال، وأبرئ المتهوم وكل
أهله : فهل لهذا الملتزم بالمبلغ أن يرجع على أحد من بنى عمه بشىء من المبلغ
وهل يبرأ الهارب ؟
فأجاب : إِن ثبت أن الهارب قتله خطأ بأن يكون أحدهما مريضا وقد
ضربه الآخر ضربا شديدا يزيد فى مرضه ، وكان سببا فى موته: فالدية على العاقلة.
فعلى عصبة بنى العم وغيرهما أن يتحملوا هذا القدر الذى رضي به أهل القتيل
فإنه أخف من الدية، وأما إن لم يثبت شىء من ذلك؛ لكن أخذ الأب بمجرد
إقراره : لم يلزمهم بإقرار الأب شىء ؛ وليس لأهل الدية الذين صالحوا
على هذا القدر أن يطالبوا بأكثر منه . والله أعلم .
١٦٦

وسئل قدس الآّرومـ
عن رجل رأى رجلا قتل ثلاثة من المسلمين فى شهر رمضان ، ولحس
السيف بفمه . وأن ولى الأمر لم يقدر عليه ليقيم عليه الحد، وأن الذى
رآه قد وجده فى مكان لم يقدر على مسكه : فهل له أن يقتل القاتل
المذكور بغير حق ؟ واذا قتله هل يؤجر على ذلك أو يطالب بدمه ؟
فأجاب : إن كان قاطع طريق قتلهم لأخذ أموالهم وجب قتله ،
ولا يجوز العفو عنه ، وإن كان قتلهم لغرض خاص مثل خصومة بينهم ،
أو عداوة : فأمره إلى ورثة القتيل: إن أحبوا قتله قتلوه ، وإن أحبوا
عفوا عنه، وإن أحبوا أخذوا الدية . فلا يجوز قتله إلا بإذن الورثة الآخرين .
وأما إن كان قاطع طريق: فقيل: ياذن الإمام ؛ فمن علم أن الإمام أذن
فى قتله بدلائل الحال جاز أن يقتله على ذلك ، وذلك مثل أن يعرف أن
ولاة الأمور يطلبونه ليقتلوه ، وأن قتله واجب فى الشرع : فهذا يعرف
أنهم آذنون فى قتله ؛ وإذا وجب قتله كان قاتله مأجوراً فى ذلك .
وسئل رحمه اللّه
عن رجلين قبض أحدهما على واحد ، والآخر ضربه فشلت يده ؟
فأجاب الحمد لله. هذا فيه نزاع . والأظهر أنه يجب على الاثنين القود
إن وجب ، وإلا فالدية عليهما . والله أعلم .
١٦٧

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل وجد عند امرأته رجلا أجنبيا فقتلها ، ثم تاب بعد موتها ،
وكانله أولاد صغار ، فلما كبر أحدهما أراد أداء كفارة القتل، ولم يجد
قدرة على العتق ، فأراد أن يصوم شهرين متتابعين : فهل تجب
الكفارة على القاتل ؟ وهل يجزئ قيام الولد بها ؟ وإذا كان الولد امرأة
فخاضت فى زمن الشهرين : هل ينقطع التابع ؟ وإذا غلب على ظنها أن
الطهر يحصل فى وقت معين : هل يجب عليها الإمساك، أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله . إن كان قد وجدهما يفعلان الفاحشة وقتلها
فلا شيء عليه فى الباطن فى أظهر قولى العلماء ، وهو أظهر القولين فى مذهب
أحمد ؛ وإن كان يمكنه دفعه عن وطئها بالكلام ، كما ثبت فى الصحيحين
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو أن رجلا اطلع فى بيتك فققات
عينه ما كان عليك شيء)) و ((نظر رجل مرة في بيته فجعل يتبع عينه بمدرى
لو أصابته لقلعت عينه)) وقال: ((إنما جعل الاستئذان من أجل النظر))
وقد كان يمكن دفعه بالكلام . وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه
١٦٨

وبيده سيف متلطخ بدم قد قتل امرأته ، فجاء أهلها يشكون عليه ،
فقال الرجل : إنى قد وجدت لكاما قد تفخذها فضربت ماهنالك بالسيف
فأخذ السيف فهزه، ثم أعاده إليه ، فقال : إن عاد فعد .
ومن العلماء من قال يسقط القود عنه إذا كان الزاني محصنا ، سواء كان
القاتل هو زوج المرأة أو غيره ، كما يقوله طائفة من أصحاب
الشافعي وأحمد .
والقول الأول إنما مأخذه أنه جنى على حرمته فهو كفقء عين الناظر ،
وكالذي انتزع يده من فم العاض حتى سقطت ثناياه ، فأهدر النبى صلى الله
عليه وسلم دمه، وقال: ((يدع يده فى فيك فتقضمها كما يقضم الفحل؟!)) وهذا
الحديث الأول القول به مذهب الشافعى وأحمد .
ومن العلماء من لم يأخذ به ، قال : لأن دفع الصائل يكون بالأسهل .
والنص يقدم على هذا القول . وهذا القول فيه نزاع بين السلف والخلف ،
فقد دخل اللص على عبد الله بن عمر ، فأصلت له السيف ، قالوا : فلولا
أنا نهيناه عنه لضربه ، وقداستدل أحمد بن حنبل بفعل ابن عمر هذا مع ما تقدم
من الحديثين ، وأخذ بذلك
وأما إن كان الرجل لم يفعل بعد فاحشة ؛ ولكن وصل لأجل ذلك
فهذا فيه نزاع ، والأحوط لهذا أن يتوب من القتل من مثل هذه الصورة ، وفى
١٦٩

وجوب الكفارة عليه نزاع ، فإذا كفر فقد فعل الأحوط ؛ فإن الكفارة
تجب فى قتل الخطأ. وأما قتل العمد فلا كفارة فيه عند الجمهور: كمالك ، وأبى
حنيفة، وأحمد فى المشهور عنه. وعليه الكفارة عند الشافعى وأحمد فى
الرواية الأخرى .
وإذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر فليطعم عنه وليه ستين مسكينا
فإنه بدل الصيام الذى عجزت عنه قوته ، فإذا أطعم عنه فى صيام رمضان فهذا
أولى. والمرأة إن صامت شهرين متتا بعين لم يقطع الحيض تتابعها ، بل تبنى
بعد الطهر باتفاق الأئمة . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل ضرب رجلا بسيف شل يده، ثم إنه جاءه ودفع إليه أربعة
أفدنة طين سواء ؛ مصالحة ، ثم أكلها اثنى عشر سنة، ولم يكتب بينه وبينه
أبداً ، وحال المضروب ضعيف : فهل يلزم الضارب الدية ؟
فأجاب : إن كان صالحه عن شلل يده على شىء وجب ما اصطلحا عليه ؛ ولم
يكن لهذا أن يزيده ، ولا لهذا أن ينقصه . وأما إن كان أعطاه شيئا بلا
مصالحة فله أن يطلب تمام حقه . وشلل اليد فيه دية اليد. والله أعلم .
١٧٠

وسئل قمس اللّه روحـ
عن رجل ضرب رجلا فتحول حنكه، ووقعت أنيابه ، وخيطوا حنكه
بالإبر فما يجب؟
فأجاب : يجب فى الأسنان فى كل سن نصف عشر الدية خمسون دينارا
أو خمس من الإبل أو ستمائة درهم. ويجب فى تحويل الحنك الأرش : يقوم
المجني عليه كأنه عبد سليم ، ثم يقوم وهو عبد معيب، ثم ينظر تفاوت ما بين
القيمتين؛ فيجب بنسبته من الدية. وإذا كانت الضربة مما تقلع الأسنان فى العادة
فللمجنى عليه القصاص ، وهو أن يقلع له مثل تلك الأسنان من الضارب .
وسئل رحمه اللّه
عن مسلم قتل مسلما متعمدا بغير حق ، ثم تاب بعد ذلك : فهل ترجى له
التوبة ، وينجو من النار، أم لا؟ وهل يجب عليه دية، أم لا ؟ .
فأجاب: قاتل النفس بغير حق عليه ((حقان )): حق الله بكونه تعدى
حدود الله وانتهك حرماته . فهذا الذنب يغفره الله بالتوبة الصحيحة ، كما قال
١٧١

تعالى: (يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا ) أَى لمن تاب. وقال: ( وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا
لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِيهِ، مُهَانًا *
صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)
وفى الصحيحين وغيرهما عن أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن رجلا
قتل تسعة وتسعين رجلا، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه، فسأله : هل
من توبة؟ فقال: أبعد تسعة وتسعين تكون لك توبة ؟ !! فقتله، فكمل
به مائة ! ثم مكث ما شاء الله، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه، فسأله
هل لي من توبة ؟ قال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟! ولكن انت قرية
كذا فإن فيها قوما صالحين فاعبد الله معهم ، فأدر كه الموت فى الطريق ،
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ فبعث الله ملكا يحكم بينهم
فأمر أن يقاس فإلى أى القريتين كان أقرب ألحق به ؛ فوجدوه أقرب إلى
القرية الصالحة فغفر الله له))(١).
((والحق الثاني)) حق الآدميين. فعلى القاتل أن يعطي أولياء المقتول
حقهم، فيمكنهم من القصاص ؛ أو يصالحهم بمال ، أو يطلب منهم العفو
فاذا فعل ذلك فقد أدى ما عليه من حقهم ، وذلك من تمام التوبة .
(١) الحديث ورد في صحيح مسلم مجلد ٤ ص ٢١١٨ (بلفظ مختلف).
١٧٢

وهل يبقى للمقتول عليه حق يطالبه به يوم القيامة؟ على قولين للعلماء فى
مذهب أحمد وغيره؛ ومن قال يبقى له ؛ فإنه يستكثر القاتل من الحسنات
حتى يعطى المقتول من حسناته بقدر حقه ، ويبقى له ما يبقى، فإذا استكثر القاتل
التائب من الحسنات رجيت له رحمة الله؛ وأنجاه من النار ولا يقنط من رحمة
الله إلا القوم الفاسقون .
وسئل رحمه اللّه
عن رجلين اختلفا فى قتل النفس عمداً. فقال أحدهما : إن هذا ذنب لا يغفر
وقال الآخر : إذا تاب تاب الله عليه ؟
فأجاب : أماحق المظلوم فإنه لا يسقط باستغفار الظالم القاتل ؛ لا فى قتل
النفس ؛ ولا فى سائر مظالم العباد ؛ فإن حق المظلوم لا يسقط بمجرد الاستغفار؛
لكن تقبل توبة القاتل وغيره من الظلمة ؛ فيغفر الله له بالتوبة الحق الذى له .
وأما حقوق المظلومين فإن الله يوفيهم إياها : إما من حسنات الظالم، وإما من
عنده . والله أعلم .
١٧٣

وسئل رحم الله تعالى
عمن اتهمه النصارى فى قتل نصارى ولم يظهر عليه؛ فأحضروه إلى النائب
ء
بالكرك؛ وألزموه أن يعاقبه ؛ فعوقب حتى مات ولم يقر بشىء: فما يلزم
النصارى الذين التزموا بدمه ؟
فأجاب : يجب عليهم ضمان الذى التزموا دمه إن مات تحت العقوبة
بل يعاقبون كما عوقب أيضا؛ كما روى أبو داود فى السنن عن النعمان بن بشير: قضى
نحو ذلك. والله أعلم .
١٧٤

كتاب الحدود
قال شيخ الإسلام قدس اللّرومه
فصل
خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً مطلقاً ، كقوله : ( وَالشَارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَأْ) وقوله: ( الزَّانِيَّةُ وَالزَِّفَأَجْلِدُواْ) وقوله: (وَالَّذِينَ
يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمََّيَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ مُهَدَ فَجْلِدُ وهُمْ ) وكذلك قوله: ( وَلَنَقْبَلُواْ
لَمْ شَهْدَةً أَبَدًا ) ؛ لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادراً
عليه ، والعاجزون لا يحب عليهم ، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية ،
وهو مثل الجهاد؛ بل هو نوع من الجهاد. فقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وقوله: (وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) وقوله: (إِلََّتَفِرُ واْيُعَذِّبْكُمْ) ونحو ذلك
هو فرض على الكفاية من القادرين. و((القدرة)) هى السلطان ؛ فلهذا :
وجب إقامة الحدود على ذى السلطان ونوابه .
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد ، والباقون نوابه ، فإذا فرض
أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك
١٧٥

فكان لها عدة أئمّة . لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ، ويستوفي
الحقوق ؛ ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام
أهل العدل ؛ وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل
حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم ، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك
ء
لو لم يتفرقوا؛ لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة ؛ فإن ذلك
أيضا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك ؛ بل عليهم أن
يقيموا ذلك ؛ وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود
والحقوق ، أو إضاعته لذلك : لكان ذلك الفرض على القادر عليه .
وقول من قال : لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه . إذا كانوا قادرين
فاعلين بالعدل . كما يقول الفقهاء : الأمر إلى الحاكم . إنما هو العادل القادر
فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى ؛ أو عاجزاً عنها : لم يجب تسليمها إليه مع
إمكان حفظها بدونه ، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزاً عنها
لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه .
والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها من
أمير لم يحتج إلى اثنين ، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم
يكن فى إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من ((باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر)) فإن كان فى ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد
على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه . والله أعلم .
١٧٦

باب حد الزنا
سئل شيخ الإسلام قدس اللّروم
عمن زنا بأخته : ماذا يجب عليه ؟
فأجاب : وأما من زنا بأخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله ، والحجة
فى ذلك مارواه البراء بن عازب ، قال : مر بى خالى أبو بردة ، ومعه راية،
فقلت: أين تذهب ياخالى! قال: ((يمثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى رجل تزوج بامرأة أبيه؛ فأمرنى أن أضرب عنقه، وأخمس ماله)).
والله أعلم
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة مزوجة بزوج كامل ، ولها أولاد ، فتعلقت بشخص من
الأطراف أقامت معه على الفجور ؛ فلما ظهر أمرها سعت فى مفارقة
الزوج: فهل بقي لهاحق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم فى قطعها ؟
وهل يجوز لمن يحقق ذلك منها قتلها سرا ؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم ؟
١٧٧

فأجاب : الحمدلله . الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات
فإن لم تمتنع إلا بالحبس حبسوها ؛ وإن احتاجت إلى القيد قيدوها. وما ينبغى
للولد أن يضرب أمه . وأما برها فليس لهم أن يمنعوها برها ، ولا يجوز لهم
مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء ؛ بل يمنعوها بحسب قدرتهم. وإن
احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها ، وكسوها ، ولا يجوز لهم إقامة الحد
عليها بقتل ولا غيره ، وعليهم الإثم فى ذلك .
وسئل رحمه الله تعالى
عن بلد فيها جوار سائبات يزنون مع النصارى والمسلمين ؟
فأجاب : على سيد الأمة إذا زنت أن يقيم عليها الحد ، كما فى الصحيحين
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ؛ ثم
إن زنت فليجلدها ؛ ثم إن زنت فليجلدها ؛ ثم إن زنت فى الرابعة فليبعها
ولو بظفير)) والظفير الحبل . فإن لم يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان عاصيا لله ورسوله . وكان إصراره على المعصية قادحا فى عدالته . فأما
إذا كان هو يرسلها لتبغي وتنفق على نفسها من مهر البغاء ، أو يأخذ هوشيئا
من ذلك : فهذا ممن لعنه الله ورسوله ؛ وهو فاسق خبيث ؛ أذن فى
الكبيرة ، وأخذ مهر البغي ؛ ولم ينهها عن الفاحشة . ومثل هذا لا يجوز
أن يكون معدلا ؛ بل لا يجوز إقراره بين المسلمين ؛ بل يستحق العقوبة
١٧٨

الغليظة حتى يصون إماءه . وأقل العقوبة أن يهجر فلا يسلم عليه ، ولا يصلى
خلفه إذا أمكنت الصلاة خلف غيره ، ولا يستشهد ولا يولى ولاية أصلا .
ومن استحل ذلك فهو كافر مرتد؛ يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكان م قداً
لا ترثه ورثته المسلمون . وإن كان جاهلا بالتحريم عرف ذلك حتى تقوم
عليه الحجة ، فإن هذا من المحرمات المجمع عليها.
وسئل رحمه الله تعالى
عمن حلف لولده أنه إن فعل منكراً يقيم عليه الحد ، فأقر لوالده فضربه
مائة جلدة ، وبقى تغريب عام : فهل يجوز فى تغريب العام كفارة ، أم لا؟
فأجاب : أنه إذا غربه فى الحبس ولو فى دار الأب برفى يمينه ، وإن
كان مطلقاً غير مقيد فى موضع معين ؛ فإنه لا يجب القيد ، ولا جعله فى مكان
مظلم . والله أعلم .
دسل
عمن وجب عليه حد الزنا فتاب قبل أن يحد : فهل يسقط عنه
الحد بالتوبة ؟
١٧٩

فأجاب : إن تاب من الزنا ، والسرقة ؛ أو شرب الخمر ، قبل أن
يرفع إلى الإمام : فالصحيح أن الحد يسقط عنه ، كما يسقط عن المحاربين
بالإجماع إذا تابوا قبل القدرة .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل أذنب ذنبا يجب عليه حد من الحدود : مثل جلد ، أوحصب
ثم تاب من ذلك الذنب ، وأقلع ، واستغفر ، ونوى أن لا يعود : فهل
يجزئه ذلك ؟ أو يحتاج مع ذلك إلى أن يأتى إلى ولي الأمر ويعرفه بذنبه
ليقيم عليه الحد ؛ أم لا ؟ وهل ستره على نفسه وتوبته أفضل ، أم لا ؟
فأجاب : إذا تاب توبة صحيحة تاب الله عليه من غير حاجة إلى أن يقر
بذنبه حتى يقام عليه الحد، وفى الحديث: ((من ابتلي بشىء من هذه
القاذورات فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبد لناصفحته نقم عليه كتاب الله)) وفى
الأثر أيضا: ((من أذنب سراً فليتب سراً، ومن أذنب علانية فليتب علانية»
وقد قال تعالى : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ ) الآية .
وسئل رحمه اللّه
عن إثم المعصية ، وحد الزنا : هل تزاد فى الأيام المباركة ، أم لا؟
فأجاب : نعم . المعاصى فى الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ
وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان .
١٨٠