Indexed OCR Text
Pages 121-140
وكذلك ((تخيير الحاج)) بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين هو يخيرون بين الثلاثة ، ويخبير المسافرين بين الفطر والصوم عند الجمهور . وأما من يقول: لا يجوز أن يحج إلا متمتعاً ، أو أنه يتعين الفطر فى السفر - كما تقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة - فلا يجىء هذا على أصلهم . وكذلك (( القصر)) عند الجمهور الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلى إلا ركعتين ليس له أن يصلي أربعا ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل فى السفر قط إلا ركعتين، ولا أحد من أصحابه فى حياته . وحديث عائشة الذى فيه أنها صلت فى حياته السفر أربعاً كذب عند حذاق أهل العلم بالحديث. كما قد بسط في موضعه . إذ المقصودهنا أن ((التخيير فى الشرع نوعان)) فمن خير فما يفعله لغيره بولايته عليه ، وبوكالة مطلقة: لم يبح له فيها فعل ماشاء ؛ بل عليه أن يختار الأصلح، وأما من تصرف لنفسه: فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الأقاويل وأصلح الأحكام فى نفس الأمر. وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التى خير بينها ، كما تقدم . هذا إذا كان مكلفاً . وأما ((الصبي المميز)) يخير تخيير شهوة حيثما كان كل من الأبوين نظير الآخر ؛ ولم يضبط فى حقه حكم عام للأب أو للأم، فلا يمكن أن يقال: ١٢١ كل أب فهو أصلح للمميز من الأم،ولا كل أم هى أصلح له من الأب؛ بل قد يكون بعض الآباء أصلح، وبعض الأمهات أصلح. وقد يكون الأب أصلح فى حال ، والأم أصلح فى حال. فلم يمكن أن يعين أحدهما فى هذا ؛ بخلاف الصغير فإن الأم أصلح له من الأب؛ لأن النساء أرفق بالصغير ، وأخبر بتغذيته وحمله وأصبر على ذلك، وأرحم به: فعي أقدر ، وأخبر ، وأرحم ، وأصبر: فى هذا الموضع فعينت الأم فى حق الطفل غير المميز بالشرع . ولكن يبقى ((تنقيح المناط)): هل عينهن الشارع؛ لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب فى الحضانة ؟ أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال فقط؟ وهذا فيه قولان للعلماء . يظهر أمرهما فى تقديم نساء العصبة على أقارب الأم : مثل أم الأم، وأم الأب والأخت من الأم، والأخت من الأب. ومثل العمة، والخالة ونحو ذلك. هذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد وأرجح القولين فى الحجة تقديم نساء العصبة، وهو الذى ذكره الخرقي فى ((مختصره)) فى العمة والحالة . وعلى هذا أم الأب مقدمة على أم الأم. والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم. والعمة مقدمة على الحالة ؛ كما تقدم . وأقارب الأب من الرجال على أقارب الأم ، والأخ للأب أولى من الأخ للأم ، والعم أولى من الخال ؛ بل قد قيل : إنه لاحضانة للرجال من أقارب الأم بحال ، والحضانة ١٢٢ لا تثبت إلا لرجل من العصبة، أو لامرأة وارثة، أو سدلية بعصبة أووارث ، فإن عدموا فالحاكم. وعلى الوجه الثانى فلا حضانة للرجال من أقارب الأم ، وهذان الوجهان فى مذهب الشافعي وأحمد . فلو كانت جهات الأقربة راجحة لترجح رجالها ونساؤها ، فلما لم يترجح رجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها أيضا ؛ لأن مجمع أصول الشرع إنما يقدم أقارب الأب فى الميراث والعقد والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك ، ولم يقدم الشارع قرابة الأم فى حكم من الأحكام ، فمن قدمهن فى الحضانة فقد خالف أصول الشريعة ، ولكن قدم الأم لأنها امرأة ؛ وجنس النساء فى الحضانة مقدمات على الرجال . وهذا يقتضى تقديم الجدة أم الأب على الجد ، كما قدم الأم على الأب ، وتقديم أخواته على إخوته ، وعماته على أعمامه ، وخالاته على أخواله . هذا هو القياس والاعتبار الصحيح . وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب فمخالف للأصول والعقول ولهذا كان من قال: هذا موضع يتناقض ولا يطرد أصله ؛ ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده فى ذلك أقوالا متناقضة ، حتى توجد فى الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد فى غيرها من هذا الجنس . فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب ؛ كأحد القولين من مذهب أحمد، وهو عندمالك والشافعي وأبى حنيفة . ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على الأخت ١٢٣ من الأم ؛ ويقدم الحالة على العمة ، كقول الشافعي فى الجديد ، وطائفة من أصحاب أحمد . وبنوا قولهم على أن الحالات مقدمة على العمات ؛ لكونهن من جهة الأم . ثم قالوا فى العمات والخالات والأخوات : من كانت لأبوين أولى ، ثم من كانت لأب ؛ ثم من كانت لأم. وهذا الذى قالوه هنا موافق لأصول الشرع ؛ لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم ظهر التناقض . وهم أيضاً قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الحالات والأخوات للأم ، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه ء يناقض هذا الأصل ، ولهذا لا يوافق القول الآخر أن الحالة والأخت للام أولى من أم الاب ؛ كقول الشافعى فى القديم ؛ وهذا أطرد لأصلهم ؛ لكنه فى غاية المناقضة لأصول الشرع . ((وطائفة أخرى)) طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب؛ لقول أبى حنيفة والمزنى وابن سريج . وبالغ بعض هؤلاء فى طرد قياسه حتى قدم الحالة على الأخت من الأب ، لقول زفر ، ورواية عن أبى حنيفة ، ووافقها ابن سريج ؟ ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت من الأب رواه عن أبي حنيفة ، وروى عن زفر أنه أمعن فى طرد قياسه م حتى قال : إن الخالة أولى من الجدة أم الأب . ويروون عن أبى حنيفة أنه قال : لا تأخذوا بمقاييس زفر؛ فإنكم إذا أخدتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحلتتم الحرام. وكان يقول: من القياس ١٢٤ قياس أقبح من البول فى المسجد . وزفر كان معروفا بالإمعان فى طرد قياسه إلى الأصل الثابت فى الذى قاس عليه ، ومن علة الحكم فى الاصل (وهو ء جواب سؤال المطالبة)). فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه . كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل فيه التوقيت، ويصح النكاح لازماً . وخرج بعضهم ذلك قولا فى مذهب أحمد ، فكان مضمون هذا القول : أن نكاح المتعة يصح لازما غير موقت ، وهو خلاف المنصوص وخلاف إجماع السلف . والأمة إذا اختلفت فى مسئلة على قولين لم يكن لمن بعدم إحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن ء الصواب ؛ وليس فى السلف من يقول فى المتعة إلا أنها باطلة، أو تصح مؤجلة . فالقول بلزومها مطلقاً خلاف الإجماع : وسبب هذا القول اعتقادهم أن كل شرط فاسد فى النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازماً ، مع إبطال شرط التحليل . وأمثال ذلك. وقد ثبت فى الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)» فدل النص على أن الوفاء بالشروط فى النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط فى البيع ؛ فإذا كانت الشروط الفاسدة فى البيع لا يلزم العقد بدونها؛ بل إما أن يبطل العقد، وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط، فكيف بالمشروط فى النكاح : وأصل ((عمدتهم)) كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ، فقاسوا الذى يشرط فيه نفي المهر ١٢٥ على النكاح الذي لم يزل تقدير الصداق فيه ، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعى ، وأكثر متأخرى أصحاب أحمد . ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح ((نكاح الشغار)) بناء على أنه لا يوجب إشغاره عن المهر . وأما الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بين الشغار وغيره ؛ لأن فيه تشريكا فى البضع ، أو تعليق العقد أوغير ذلك مما قد بسط فى غير هذا الموضع . وبين فيه أن كل هذه فروق a غير مؤثرة . وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره ، وهو المنصوص عن أحمد فى عامة أجوبته ؛ وعامة أكثر قدماء أصحابه : أن العلة فى إفساده بشرط إشغار النكاح عن المهر ، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أومهر فاسد ، فإن الله فرض فيه المهر ؛ فلم يحل لغير الرسول النكاح بلامهر . فمن تزوج بشرط أنه لا يجب مهر فلم يعتبر الذى أذن الله ؛ فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتنى بماله محصناً غير مسافح كماقال تعالى: (وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ ) فمن طلب النكاح بلامهر فلم يفعل ما أحل الله ، وهذا بخلاف من اعتقد أنه لابد من مهر ؛ لكن لم يقدره ، كما قال تعالى : ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَالَمْ تَمَسُوهُنَّأَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) فهذا نكاح المهر المعروف ، وهو مهر المثل. ١٢٦ وهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع ؛ فإن البيع بثمن المثل وهو السعر ، أو الإجارة بثمن المثل: لا يصح. وقدسلم لهم هذا الأصل الذى قاسوا عليه الشافعى وكثير من أصحاب أحمد فى البيع . وأما الإجارة فأصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرم يقولون : يجب أجرة المثل فى ماجرت العادة فيه ، ومثل ذلك كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكرا ، أو يسكن فى خان أو حجرة عادتها بذلك ، أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخهز بالأجرة، أو بناية إلى من يعمل بالأجرة ، أوركب دابة مكاري يكارى بالأجرة، أوسفينة ملاح يركب بالأجرة ، فإن هذه إجارة عند جمهور العلماء ، ويجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك . فهذه إجارة عن المثل ، وكذلك إذا ابتاع طعاما مثل ما ينقطع به السعر ، أوبسعر ما يبيعون الناس ، أو بما اشتراه من بلده، أو برقمه : فهذا يجوز فى أحد القولين فى مذهب أحمد وغيره . وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها فى غير هذا الموضوع ؛ وإن كثيرامن متأخرى أصحا به لا يوجد فى كتبهم إلا القول بفساد هذه العقود لقول الشافعى وغيره. وبسط هذه المسائل له مواضع أخر . والمقصودهنا كان ((مسائل الحضانة)) وإن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة ، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم؛ بل الصواب بلاريب أنها ١٢٧ قدمت لكونها امرأة، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل: فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد ، والأخت على الأخ ، والحالة على الحال ، والعمة على العم . وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا بسطه فى موضع آخر . إذ المقصود هنا ذكر مسألة الصغير المميز ، ء والفرق بين الصبي والصبية فتخبير الصبى الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحب الأبوين له ولهذا كان تعيين الأب، كما قاله أبو حنيفة وأحمد (١) الأم كما قاله مالك وأحمد فى رواية ، والتخيير تخير شهوة ؛ ولهذا قالوا : إذا اختار الأب مدة ثم اختار الأم فله ذلك ، حتى قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه ، وكذلك إن اختار أبداً. وهذا هو قول القائلين بالتخيير: الحسن بن صالح ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل. وقالوا : إذا اختار الأم كان عندها ليلا ، وأما بالنهار فيكون عند الأب: ليعلمه ويؤدبه. هذا هو مذهب الشافعي وأحمد. وكذلك قال مالك ، وهو يقول يكون عندها بلا تخيير ، والأب يتعاهده عندها ، وأدبه وبعثه للمكتب ، ولا يبيت إلا عند الأم . قال أصحاب الشافعي وأحمد: إن اختار الأب كان عنده ليلا ونهاراً، ولم يمنع من زيارة أمه، ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل . فأما ((البنت)) إذا خيرت : فكانت عند الأم تارة ، وعند الأب تارة. أفضى ذلك إلى كثرة بروزها ، وتبرجها ، وانتقالها من مكان إلى مكان ، (١) بياض. ١٢٨ ولا يبقى الأب موكلا بحفظها ، ولا الأم موكلة بحفظها . وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ضاع، ومن الأمثال السائرة ((لا يصلح القدر بين طباخين)) . ((وأيضاً)) فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فى الإحسان والصيانة فلا يبقى الأب تام الرغبة ولا الأم تامة الرغبة فى حفظها ، وليس الذكر كالأنثى، كما قالت امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى) ( إِنِ وَضَعْتُهَا أُنَْ ) ( وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنْتِى وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنْ أُعِيذُهَابِكَ وَذُرِّيَّتَهَا فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتَّا حَسَنَّا وَكَفَّلَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِنَّا الْمِحْرَابَ - إلى قوله : - وَمَاكُنْتَ لَدَيْهِمْإِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى أسرعوا إلى كفالتها ، فكيف غيرها من النساء، وهذا أمر معروف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة مالا يحتاج إليه الصبي ، وكل ما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها . ولهذا كان لباسها المشروع لباسًا يسترها ، ولعن من يلبس لباس الرجال، وقال لأم سلمة فى عصابتها: ((لية لا ليتين)) رواه أبو داود وغيره ، وقال فى الحديث الصحيح. ((صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد: نساء كاسيات، عاريات ، مائلات ، مميلات، على رؤسهن مثل أسنمة البخت ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله)) ١٢٩ و ((أيضاً)) يأمرون المرأة فى الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها، وتتربع ولا تفترش، وفى الإحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها ، وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة . كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ، ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أوذي محرم؛ لحاجتها فى حفظها إلى الرجال ، مع كبرها ومعرفتها . فكيف إذا كانت صغيرة مميزة ، وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها، وهى قابلة للانخداع؟ !! وفى الحديث ((النساء لحم على وظم إلا ماذب عنه)). فهذا قياس أن مثل هذه الصفة المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها، وترددها بين الأبوين مما يخل بذلك من جهة أنها هى لا يجتمع قلبها على مكان معين ، ولا يجتمع قلب أحد الأبوين على حفظها. ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال حفظها ، وهو ذريعة إلى ظهورها وبروزها ، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين مطلقا، لا تمكن من التخيير ، كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين: مالك، وأبو حنيفة ، وأحمد وغيرهم. وليس فى تخييرها نص ولا قياس صحيح، والفرق ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن ؛ لاسما والذكر محبوب مرغوب ، والبنت من هودفها . فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه ، فكيف مع زهدها فيه ، فالأصلح لها لزوم أحدهما ؛ لا التردد بينهما . ثم هناك يحصل الاجتهاد فى تعيين أحدهما: فمن عين الأم كمالك وأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين : لابد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها ولهذا قالوا ماذكره مالك والليث وغيرهما : إذا لم تكن الام فى موضع حرز ١٣٠ وتحصين ، أو كانت غير مرضية : فللأب أخذها منها . وهذا هو الذى راعاه أحمد فى الرواية المشهورة عن أصحابه ؛ فإنه إذا كان لابد من رعاية حفظها وصيانتها ، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلاريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها ، وهى مميزة لا تحتاج فى بدنها إلى ء أحد ، والأب له من الهيبة والحرمة ماليس للام. وأحمد وأصحا به إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها فى ذلك حرز، فلو قدرأن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها ، أو مهمل لحفظها وصيانتها، فإنه يقدم الأم فى هذه الحالة. فكل من قدمناه من الأبوين إما نقدمه إذا حصل به مصلحتها ، أواندفعت به مفسدتها . فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته . فلو قدرنا أن الأب ديوث لا يصونه، والأم تصونه : لم نلتفت إلى اختيار الصبي ، فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد ، ويكون الصبى قصده الفجور، ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه مايهواه، والآخر قد يرده ويصلحه، ومتى كان الأمر كذلك فلاريب أنه لا يمكن من يفسدمعه حاله والنبى صلى الله عليه وسلم قال: ((مروم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع)) فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر ١٣١ لا يأمره كان عند الذى يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمرله هو المطيع لله ورسوله فى تربيته، والآخر عاص لله ورسوله ؛ فلا نقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه ؛ بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله ، ويترك ماحرم الله ورسوله ، والآخر لا يفعل معه الواجب ، أو يفعل معه الحرام : قدم من يفعل الواجب ، ولو اختار الصبي غيره ؛ بل ذلك العاصى لاولاية له عليه بحال ؛ بل كل من لم يقم بالواجب فى ولا يته فلا ولايةله عليه؛ بل إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب . فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة اللهورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر [تحصل]: قدم الأول قطعا. وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاية إن كان الوارث حاجزاً أو عاجزاً. بل هو من جنس ((الولاية)) ولاية النكاح والمال التي لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان . وإذا قدرأن الأب تزوج ضرة، وهى تترك عند ضرة أمها ، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها ء أو تقصر في مصلحتها ، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها ، فالحضانة هنا للام. ولو قدر أن التخيير مشروع ، وإنها اختارت الأم فكيف إذا لم يكن كذلك. ومما ينبغى أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام فى تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا. والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا ؛ بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب . والله أعلم . ١٣٢ وسئل رحمه اللّه عن رجل له ولد كبير، فسافر مع كرائم أمواله فى البحر المالح ، وله آخر مراهق من أم أخرى مطلقة منه ، ولها أب وأم؛ والولد عندهم مقيم ، فأراد والدهأخذه وتسفيره صحبة أخيه بغير رضا الوالدة، وغير رضا الولد: فهل له ذلك ؟ فأجاب : يخير الولد بين أبويه ؛ فإن اختار المقام عند أمه وهى غير مزوجة كان عندها ولم يكن للاب تسفيره ؛ لكن يكون عند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه وعند أمه ليلا. وإن اختار أن يكون عند الأب كان عنده. وإذا كان عند الأب ورأى من المصلحة له تسفيره ولم يكن فى ذلك ضرر على الولد فله ذلك. والله أعلم . وسئل رحمه الله تعالى عن رجل تزوج بامرأة ، ومعها بنت، وتوفيت الزوجة، وبقيت البنت عنده رباها ؛ وقد تعرض بعض الجند لأخذها : فهل يجوز ذلك . الجواب : ليس للجند عليها ولاية بمجرد ذلك . فإذا لم يكن لها من يستحق الحضانة بالنسب فمن كان أصلح لها حضنها ، وزوج أمها محرم لها . وأما الجند فليس محرما لها : فإذا كان يحضنها حضانة تصلحها لم تنقل من عنده لأجنبي لا يحل له النظر إليها ، والخلوة بها . ١٣٣ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل إذا كان الابن فى حضانة أمه ، فأنفقت عليه تنوي بذلك الرجوع على الأب فلها أن ترجع على الأب فى أظهر قولى العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد فى ظاهر مذهبه ، الذى عليه قدماء أصحابه ، فإن من أصلهما أن من أدى عن غيره واجبا رجع عليه ، وإن فعله بغير إذن : مثل أن يقضى دينه ، أو ينفق على عبده، أو [يخشى أن] يقتله العدو؛ وقد قال تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) فأمر بإتاء الأجر بمجرد الإرضاع؛ ولم يشترط عقداً ولا إذنا . فإن تبرعت بذلك لم يكن لها أن ترجع . فإذا شرط عليها أنها إن سافرت بالبنت لم يكن لها نفقة ورضيت بذلك فسافرت بها لم يكن لها نفقة ؛ ولو نوت الرجوع ؛ لأنها ظالمة متعدية بالسفر بها؛ فإنه ليس لها أن تسافر به بغير إذن أبيها، وهو لم يأذن لها فى السفر إلا إذا كانت متبرعة بالنفقة ؛ فتى سافرت وطلبت الرجوع بالنفقة لم يكن لها ذلك . والله أعلم ١٣٤ باب الجنايات مثل شيخ الإسلام وحم اللّه عن القصاص فاجاب القصاص ثابت بين المسلمين باتفاق الأمة ، يقتص للهاشمي a المسلم من الحبشي المسلم ، وللحبشى المسلم من الهاشمى المسلم : فى الدماء ، والأموال ، والأعراض ، وغير ذلك. بحيث بجوز القصاص فى الأعراض بجوز للرجل أن يقتص . فإذا قال له الهاشمى : يا كلب ! قال له يا كلب! وإذا قال : لعنك الله. قال له: لعنك الله. ويجوز ذلك . وهذا من معنى قوله تعالى: ( وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ قُلِلْمِهِ فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَمِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن ( صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ولو كذب عليه لم يكن له أن يكذب عليه . وكذلك من سب أبا رجل فليس له أن يسب أباه ، سواء كان هاشميا أو غير هاشمى؛ فإن أبا الساب ١٣٥ ). ولكن إن لم يظلمه؛ وإنما ظلمه الساب (وَلَانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى سب مسلم أبا مسلم فإنه يعزر على ذلك . فالهاشمى إذا سب أبامسلم عزر الهاشمى على ذلك . ومن سب أبا هاشمي عزر على ذلك ، ولا يجعل ذلك سبا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولو سب أباه وجده لم يحمل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن اللفظ ليس ظاهراً فى ذلك ؛ إذ الجد المطلق : هو أبو الأب . وإذا سمي العبد جدا فأجداده كثيرة ، فلا يتعين واحد ؛ وسب النبى صلى الله عليه وسلم كفر يوجب القتل ، فلا يزول الإيمان المتعين بالشك ، ولا يباح الدم المعصوم بالشك ؛ لاسيما والغالب من حال المسلم هو أن لا يقصد النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فلا لفظه ولا حاله يقتضي ذلك ، ولا يقبل عليه قول من ادعى أنه قصد الرسول صلى الله عليه وسلم بلا حجة. والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام عن حكم قتل المتعمد، وماهو : هل إن قتله على مال؟ أوحقد ؟ أوعلى أي شيء يكون قتل المتعمد؟ وقال قائل: إن كان قتل على مال فما هو هذا، أوعلى حقد ؛ أو على دين : فما هو متعمد . فقال القائل : فالمتعمد ؟ قال : إذا قتله على دين الإسلام لا يكون مسلما ١٣٦ فأجاب : الحمدلله أما إذا قتله على دين الإسلام : مثل ما يقاتل النصراني المسلمين على دينهم : فهذا كافر شر من الكافر المعاهد ، فإن هذا كافر محارب بمنزلة الكفار الذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهؤلاء مخلدون فى جهنم، كتخليد غيرهم من الكفار وأما إذا قتله قتلا محرماً ؛ لعداوة، أومال ، أو خصومة، ونحو ذلك فهذا من الكبائر ؛ ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة ، وإنما يكفر بمثل هذا الخوارج؛ ولا يخلد فى النار من أهل التوحيد أحد عند أهل السنة والجماعة ؛ خلافا للمعتزلة الذين يقولون بتخليد فساق الملة . وهؤلاء قد يحتجون بقوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ. جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّلَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). وجوابهم: على أنها محمولة على المتعمد لقتله على إيمانه. وأكثر الناس لم يحملوها على هذا؛ بل قالوا : هذا وعيد مطلق قد فسره قوله تعالى: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وفى ذلك حكاية عن بعض أهل بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) السنة أنه كان فى مجلس فيه عمرو بن عبيد شيخ المعيزلة فقال عمرو : يؤتى بى يوم القيامة فيقال لى: ياعمرو من أين قلت: إنى لا أغفر لقاتل؟ فأقول: أنت يارب قلت: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا ). قال: فقلت له: فإن قال لك: فإني قلت: ( إِنَّ اللَّهَ لَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) فمن أين علمت أنى لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ فسكت عمروبن عبيد !! ١٣٧ وسئل رحمه اللّه تعالى عن القاتل عمدا ، أو خطأ: هل تدفع الكفارة المذكورة فى القرآن ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ )؟ أو يطالب بدية القاتل؟ فأجاب: ((قتل الخطأ)) لا يجب فيه إلا الدية والكفارة، ولا إثم فيه . وأما القاتل عمدا فعليه الإثم، فإذا عفى عنه أولياء المقتول، أو أخذوا الدية : لم يسقط بذلك حق المقتول فى الآخرة . وإذا قتلوه ففيه نزاع فى مذهب أحمد . والأظهر أن لايسقط ؛ لكن القاتل إذا كثرت حسناته أخذ منه بعضها ما يرضى به المقتول ، أو يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحا . وقاتل الخطأ تجب عليه الدية بنص القرآن واتفاق الأمة ، والدية تجب للمسلم والمعاهد ؛ كما قد دل عليه القرآن ، وهو قول السلف والأئمة ؛ ولا يعرف فيه خلاف متقدم ؛ لكن بعض متأخري الظاهرية ء زعم أنه الذى لادية له ١٣٨ وأما ((القاتل عمداً)) ففيه القود، فإن اصطلحوا على الدية جاز ذلك بالنص والإجماع ، فكانت الدية من مال القاتل ؛ بخلاف الخطأ فإن ديته على عاقلته . وأما ((الكفارة)) فجمهور العلماء يقولون: قتل العمد أعظم من أن يكفر، وكذلك قالوا فى اليمين الغموس . هذا مذهب مالك، وأبى حنيفة، وأحمد فى المشهور عنه ، كما اتفقوا كلهم على أن الزنى أعظم من أن يكفر؛ فإنما وجبت الكفارة بوطء المظاهر ، والوطء فى رمضان . وقال الشافعي وأحمد فى الرواية الأخرى : بل تجب الكفارة فى العمد، واليمين الغموس. واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد الكفارة . وسئل رحمه اللّه تعالى عن جماعة اشتر كوا فى قتل رجل ، وله ورثة صغار وكبار: فهل لأولاده الكبار أن يقتلوم ؛ أم لا؟ وإذا وافق ولي الصغار - الحاكم أو غيره - على القتل مع الكبار : فهل يقتلون، أم لا؟ فأجاب : إذا اشتركوا فى قتله وجب القود على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة، وللورثة أن يقتلوا ، ولهم أن يعفوا . فإذا اتفق الكبار من الورثة على ١٣٩ قتلهم فلهم ذلك عندا كثر العلماء : كأبى حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى إحدى الروايتين . وكذا إذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار فيقتلون . وسئل رحم الله عن الإنسان يقتل مؤمنا متعمداً أو خطأ ، وأخذ منه القصاص فى الدنيا أولياء المقتول والسلطان : فهل عليه القصاص فى الآخرة ، أم لا ؟ وقد قال تعالى : ( النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) . فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما القاتل خطأ فلا يؤخذ منه قصاص ؛ لا فى الدنيا ، ولا فى الآخرة ؛ لكن الواجب فى ذلك الكفارة ، ودية مسلمة إلى أهل القتيل ، إلا أن يصدقوا وأما ((القاتل عمدا)) إذا اقتص منه فى الدنيا : فهل للمقتول أن يستوفي حقه فى الآخرة ؟ فيه قولان فى مذهب أحمد ، وكذلك غيره فيما أظن من يقول : لا حق له عليه ؛ لأن الذى عليه استوفى منه فى الدنيا . ومنهم من يقول : بل عليه حق ؛ فإن حقه لم يسقط بقتل الورثة ، كما لم يسقط حق الله بذلك؛ وكما لا يسقط حق المظلوم الذي غصب ماله وأعيد إلى ورثته ؛ بل له أن يطالب الظالم بما حرمه من الانتفاع به فى حياته . والله أعلم . ١٤٠