Indexed OCR Text
Pages 201-220
قال الموقعون الطلاق والعتاق : الفرق بينهما أنه هنا التزم حكما شرعيا وهو الوقوع ، وهناك التزم فعلا من أفعاله، وهو الإيقاع ، كقوله: فعلى الحج ، أو على الصوم ، أو على الصدقة ، وهو فى الفعل مخير بين أن يفعله وبين أن يتركه ويكفر ؛ بخلاف الحكم فإنه إلى الله تعالى . قالوا : وقد ثبت أن الخلع جائز بنص القرآن والسنة ، فإذا قال لامر أته : إن أعطيتنى كذا فأنت طالق . فأعطته إياه وقع الطلاق. فيقاس عليه سائر الشروط إذا علق بها الطلاق وقع ، وكذلك ثبت جواز الكتابة بالكتاب والسنة ، وفى معناها ما إذا قال لعبده : إن أعطيتني ألفا فأنت حر ؛ وكذلك تعليق العتق بسائر الشروط . فهذا منتهى ما يحتج به هؤلاء . وأما أولئك فيقولون : قولكم إن اللازم بها حكم شرعى وهناك فعل . غلط ؛ بل اللازم المعلق بالشرط فى كلا الموضعين حكم شرعي ؛ لكن فى أحدهما وقوع ، وفى الآخر وجوب . فقوله : إن فعلت كذا فعلي الحج . إنما يكون فيه وجوب الحج ؛ لا نفس فعله . ثم يقال : لافرق بين أن يكون الجزاء حكما شرعيا ؛ أو أن يكون ملازما له : كالسبب والمسبب اللازم له ؛ فإنه لوقال : هو يهودى أو نصراني إن فعل كذا . فقد التزم حكما ، وذلك لا يلزمه عند وقوع الشرط بلا نزاع . وأيضا فلو قال: إن فعلت كذا فعلي الصوم ؛ أو فعلي الحج . فالجزاء وجوب الصوم والحج . ثم إذا وجب عليه فعله بحكم الوجوب ، فالوجوب ٢٠١ هو التعليق بالشرط ؛ ليس المعلق بالشرط نفس فعله ؛ إذلو كان المعلق نفس فعله لوجد عند وجود الشرط اللغوى، ولكن المعلق وجوب الإعتاق والحج ونحو ذلك ، ثم هو مخير بين التزام هذا الوجوب ؛ وبين التكفير . وفيما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدى حر. فالجزاء نفس الحرية ، ومقتضاها تحريم استعباده ، وكذلك وقوع الطلاق موجبه تحريم استمتاعه . فالتحريم هنا موجب الجزاء ؛ لا نفس الجزاء . وهذا من باب خطاب الوضع والإخبار ؛ وذلك من خطاب التكليف . وكذا قوله : إن فعلت كذا فمالي صدقة ؛ فإنه التزم أن يصير المال صدقة. فهذا حكم شرعى ؛ لا فعل ؛ لكن إذا صار صدقة لزمه أن يخرجه . ولو قال : فعبدى حر ، التزم أن يصير حراً فلو قال . فعلى أن أعتق هذا فالملتزم وجوب العتق . ثم إذا وجب كان عليه فعله . ومع هذا فله رفع الوجوب ؛ وإذا قال : فهو حر ، فإنه التزم نفس الحرية ، وهو إذا صار حراً كان عليه إرساله ، كما أن المرأة إذا صارت طالقة ثلاثا كان عليه إرسالها ، وألا يخلو بها ، ولا يطأها . فالناذر فى هذه الصورة التزم الحكم والفعل يتبعه . ثم إذا فعل ما أوجبه فهو الإيقاع الطلاق والعتق : حصل الوقوع. فموجب التعليق وجوب يتبعه إيقاع ووقوع . ثم إذا قصد بهذا التعليق المين صار يمينا ؛ ولم يلزمه الوجوب ولا الإيقاع ، ولا الوقوع . فإذا كان قصد اليمين منع الثلاثة فلأن يمنع واحد منها وهو الوقوع بطريق الأولى . ٢٠٢ قالوا : ولأن المظاهر والمحرم إذا قال: أنت علي كظهر أمي ، وأنت علي حرام . إنما التزم حكما شرعيا؛ لم يلتزم فعلا . ومع هذا فدخلت فى ذلك الكفارة . قالوا : فكما أنه يخير فيما إذا كان الملتزم وجوب العتق بين أن يلتزمه أو يكفر ، فكذلك إذا التزم وقوعه يخير بين أن يلتزم وقوعه فيعتقه ويرسل العبد ، فيكون إعتاقه إرساله إمضاء للمنذور ؛ وبين ألا يعتقه ولا يرسله فلا يكفر إمضاء له ؛ بل يكون عليه كفارة ، كما إذا قال : إن فعلت كذا فهذا المال صدقة ، أو هذا البعير هدي ، وحنث . فهو مخیر بین أن يتصدق بالمال ويرسل البعير هديا ؛ فيكون قد التزم موجب كونه صدقة وهديا ؛ وبين أن يكفر ويمسك المال والهدى فلا يرسله . وأما إذا التزم محرما ؛ مثل أن يقول : إن فعلت كذا فعلي إهانة المصحف ؛ ونحو ذلك . فهنا ليس له ذلك باتفاق العلماء ، وفى وجوب الكفارة النزاع المتقدم؛ وكذلك إذا التزم حكما لا يجوز التزامه ، مثل قوله: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني. فهذا لا يجوز له التزام الكفر بوجه من الوجوه ولو قصد ذلك لكان كافراً بالقصد . والمقصود: أنه لا فرق لا فى الشرع ولا فى العرف بين أن يلتزم الحكم الموجب عليه فعلا يقتضى ذلك الفعل حكما آخر يقتضي وجوب فعل أو تحريمه وبين أن يلتزم الحكم المقتضى لوجوب ذلك الفعل أو تحريمه. فالتزام وجوب الفعل الذي يقتضى ذلك الحكم، كما إذا قال: فعلي أن أطلق، أو أعتق . فإنه ٢٠٣ التزم وجوب الطلاق والإعتاق والتطليق ، وذلك فعل منه يوجب حكما . وهو وقوع الطلاق والعتاق . ومعلوم أن التزامه لوجوب الفعل المقتضي للحكم الثانى الذى هو الوقوع أقوى من التزامه الوقوع؛ فإنه هناك التزم حكمين وفعلين، وهو هنا التزم أحد الحكمين وأحد الفعلين، فالذى التزمه فى موارد النزاع فى بعض ما التزمه فى مواقع الإجماع . فإذا كان له أن لا يلتزم هذا فذاك بطريق الأولى. فهو فى مواقع الإجماع إذا قصد بالتعليق اليمين فهو مخير بين أن يحنث ويكفر يمينه ، وبين أن يوفي بما التزمه فيوقع العتق والطلاق والصدقة ، فكذلك الذى التزمه فى مواقع النزاع بطريق الأولى. والحنث فى هذه اليمين يكون بأن يوجد الشرط ولا يوجد الجزاء فلا يحنث إلا بهذين الشرطين. فإذا قال: إذا فعلت كذا فعلى الحج ، أو العتق ، أو الطلاق: لم يحنث إلا إذا فعله ولم يوجد الجزاء المعلق به، فإن أوقع الجزاء المعلق به لم يحنث ؛ كما أنه لو لم يوجد الشرط لم يحنث، ولو قدر أنه التزم فعلا كقوله : إن فعلت كذا عتق عبدي ، أو طلقت امرأتى . فإنه لا فرق بين ذلك وبين أن يقول : فعلى عتق عبدي ، أو طلاق امرأتى. فالتزام أحد الأمرين متضمن لالتزام الآخر ؛ فإن الوجوب يقتضى أن عليه فعل الواجب، والتحريم يقتضى أن له فعل المحرم. والإيجاب مستلزم للوجوب؛ والتحريم مستلزم للحرمة . والوجوب يقتضي الفعل ، والإيقاع مستلزم الوقوع . مقتض للحرمة، والحرمة مقتضية للترك. فلا فرق بين أن يلتزم الإيجاب ٢٠٤ والوجوب والفعل أو التحريم أو الحرمة أو الإيقاع أو الوقوع أو الحرمة التى هى موجب ذلك . قال هؤلاء : وأما حجة من احتج بالخلع والكتابة وتعليق ذلك بعوض نجوابه عند أهل الظاهر - ابن حزم ونحوه - أنهم يقولون: لا يقع شىء من العتاق والطلاق المعلق بالشرط ؛ بناء على أن هذا لم يرد به نص، وما لم يرد نص بإباحته فى العقود والشروط فهو عندهم باطل . ولا يكتفون فى ذلك بالأدلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالشروط والعهد وتحريم الغدر ونحو ذلك ؛ لاعتقادهم أن هذه النصوص منسوخة . وهذا القول ضعيف ، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع . واسم الطلاق والعتاق فى القرآن يتناول المنجز ، والمعلق بالشرط إذا كان المقصود وقوعه عند الشرط ؛ فإن كلاهما داخل فى مسمى التطليق ؛ بخلاف ما يكره وقوعه عند الشرط فإنه يمين داخل فى مسمى التطليق . وعلى هذا فالجواب على قول الأئمة والجمهور مبني على الفرق بين الشرط المقصود وجوده ، والشرط المقصود عدمه وعدم الجزاء الذى علق به ، وهو الذى يراد به الخلف ولا يراد به وقوع الجزاء عند الشرط. والفرق بين هذين هو مذهب الصحابة ؛ لا يعرف عنهم فيه خلاف ، وهو مذهب جماهير السلف ٢٠٥ والفقهاء، وهو مذهب الشافعى وأحمد، وأحد القولين فى مذهب أبى حنيفة، وهو قول فى مذهب مالك. فيقال: إنه هنا قصد الشرط والجزاء، كما قصد ذاك نذر التبرر. فكما أنه فرق فى النذور المعلقة بالشروط بين ما يقصد فيه ثبوتها وبين ما يقصد فيه نفيها ؛ كذلك هذا . فإن هذا جميعه من باب واحد وهى أحكام معلقة بشروط ، وإذا كان الشرع أو العقل والعرف تفرق فى الأحكام المعلقة بالشروط اللغوية بين ما يقصد ثبوته وبين ما يقصد انتفاؤه - كما اتفق على ذلك الصحابة وجمهور الفقهاء - لم يجز تسوية أحدهما بالآخر . وإنما يحسن الاحتجاج بالخلع والكتابة على من يمنع تعليق الطلاق بالشروط جملة ، كما هو مذهب ابن حزم والإمامية أو بعضهم ؛ فإن هؤلاء يقولون: إن الطلاق المعلق بشرط لايقع بحال؛ بناء على أنه لا يقع عندم من الطلاق إلا ما ثبت أن الشارع أذن فيه . قالوا : ولم يثبت أنه أذن فى هذا ، فهم لا يقولون بالقياس، وجعلوا ما نقل عن الصحابة والتابعين فى الحلف بالطلاق والعتاق حجة لهم ؛ وليس بحجة لهم ؛ فإن المنقول عن طاوس أنه لا يرى الحلف بالطلاق شيئا ، وهذا لا يقضي أنه لا يرى تعليقه بالشروط بحال بل قد يفرق بين الشرط المقصود ثبوته والمقصود عدمه ، كما أن هذا هو قول طاوس وعطاء وغيرهما فى مسألة ((نذر اللجاج، والغضب)) ٢٠٦ ولهذا لما دخل الشافعى مصر سأله سائل عن هذه المسألة إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج، أو فعلي الصوم . فأفتاه الشافعى بكفارة يمين، وكان الغالب على أهل مصر قول مالك : إن عليه الحج والصوم . ومع هذا فلما حنث ابن عبد الرحمن القاسم فى هذه اليمين أفتاه عبد الرحمن القاسم - الذى هو العمدة فى مذهب مالك - بكفارة يمين . وقال : أفتيتك بقول الليث بن سعد ، وإن عدت أفتبتك بقول مالك . والمحققون من متأخرى أصحاب مالك يرجحون الإفتاء بكفارة يمين، وهو الذى رجع إليه أبو حنيفة آخراً. وأما جمهور السلف من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون يجزئه كفارة يمين ، كما هو مذهب الشافعى وأحمد . والمشهور عندهما أنه يخير بين التكفير وبين فعل الملتزم. وعن أحمد رواية : أن عليه الكفارة عينا ، ويذكر قولا فى مذهب الشافعى. وكذلك جماعة من المفتين أصحاب مالك يفتون فى الحلف بالطلاق بكفارة يمين ، ويحتجون بما رووه عن عائشة أنها قالت : كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة اليمين بالله . وهذا قول طاوس ومن وافقه من السلف ، وهو معنى قول الصحابة . وهذه المسائل مسائل جليلة يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا موضعه . والله أعلم. ٢٠٧ فصل والإفتاءبهذا الأصل لا يحتاج إليه فى الغالب؛ بل غالب مسائل الأيمان بالطلاق والعتاق واليمين بالله تعالى والنذر والحرام ونحو ذلك يحتاج فيه إلى قواعد. ((القاعدة الأولى)) إذا حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو جاهلا بأنه المحلوف عليه . فالعلماء فيه ثلاثة أقوال ((أحدها)) لا يحنث بحال فى جميع الأيمان، وهذا مذهب المكيين: كعطاء ، وابن أبى بجيح ، وعمرو بن دينار وغيرهم، ومذهب إسحاق بن راهويه ، وهو أحد قولي الشافعي ؛ بل أظهرهما ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد . ونظرت جوابه فى هذه الرواية فوجدت الناقلين له بقدر الناقلین لجوابه فى الرواية الثانية التى اختارها الخلال صاحبه ، والخرقي ، والقاضى ، وغيرهم من أصحابه. وهو الفرق بين اليمين المكفرة كاليمين بالله تعالى والظهار والحرام، واليمين التى لا تكفر .. على منصوصه - وهى المين بالطلاق والعتاق. و ((القول الثالث)) أنه يحنث فى جميع الأيمان، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك ، وأحمد فى الرواية الثالثة عنه . ٢٠٨ والقول الأول أصح ؛ لأن الحض والمنع فى اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية فى الأمر والنهى ؛ فإن الحالف على نفسه أو عبده أو قرابته أو صديقه الذى يعتقد أنه يطيعه هو طالب لما حلف على فعله، مانع لما حلف على تركه ، وقد وكد طلبه ومنعه باليمين، فهو بمنزلة الأمر والنهى المؤكد. وقد استقر بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل المنهى عنه ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه، ولا يكون عاصيا مخالفا : فكذلك من فعل المحلوف ناسيا أو مخطئا فإنه لا يكون حانثا مخالفا اليمينه . ويدخل فى ذلك من فعله متأولا ، أو مقلداً لمن أفتاه ، أو مقلداً لعالم ميت ، أو مجتهداً مصيبا ، أو مخطئا . حيث لم يتعمد المخالفة؛ ولكن اعتقد أن هذا الذى فعله ليس فيه مخالفة لليمين ، فإنه لا يكون حانثا . ويدخل فى هذا إذا خالع وفعل المحلوف عليه معتقداً أن الفعل بعد الخلع لم تتناوله يمينه، فهذه الصورة تدخل فى يمين الجاهل المتأول عند من يقول: إن هذا الخلع خلع الأيمان باطل ، وهو أصح أقوال العلماء وأما من جعله صحيحا فذلك يقول : إنه فعل المحلوف عليه فى زمن البينونة ، والمرأة لو فعلت المحلوف عليه بعد البينونة وانقضاء العدة لم يحنث الرجل بالاتفاق ، وكذلك إذا فعلته فى عدة الطلاق البائن عند الجمهور : كمالك ، والشافعى ، وأحمد الذين يقولون: إن المختلفة لا يلحقها طلاق. وأما أبو حنيفة فإنه يقول : يلحقها الطلاق ؛ فيحنث عنده إذا وجدت الصفة فى زمن البينونة ، ولو كان الرجل عاميا فقيل له : خالع امرأتك ، وافعل المحلوف عليه، ولم يعرف معنى الخلع، فظن أنه طلاق مجرد، ٢٠٩ فطلقها ، ثم فعل المحلوف عليه يظن أنه لا يحنث بذلك : لم يقع به الطلاق عند من لا يحنث الجاهل المتأول. وكذلك لو قيل له: زلها بطلقة. فأزالها بطلقة، ثم فعل المحلوف عليه : لم يقع عليه بالفعل طلقة ثانية ، وإن كانت الطلقة الأولى رجعية ؛ لكن فى صورة النسيان والخطأ والجهل لا يحنث ، وتبقى اليمين معقودة عند جماهير العلماء ؛ وليس فيه نزاع إلا وجه ضعيف لبعض المتأخرين ((القاعدة الثانية)) إذا حلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فهذا أولى بعدم التحنيث من مسألة فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا ؛ ولهذا فرق أبو حنيفة ومالك وغيرهما بين هذه الصورة وصورة الناسى والجاهل ، فقالوا هنا لا يحنث فى اليمين بالله تعالى ، وهناك يحنث . قالوا : لأنه هنا كانت اليمين على الماضى فلم تنعقد ؛ لأن الحالف على ماض إن كان عالما فهو: إما صادق بار. وإما أن يكون متعمداً للكذب ، فتكون يمينه اليمين الغموس. وإما أن يكون مخطئا معتقداً أن الأمر كما حلف عليه: فهذا لا إثم عليه فى ذلك ، ولا يكون على فاعله إثم الكذاب . وهذا هو لغو اليمين عند هؤلاء، ومثل هذا يجوز على الأنبياء وغيرهم ، كما يجوز عليهم النسيان ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ذى اليدين: (( لم أنس، ولم تقصر)) وكان صلى الله عليه وسلم قد نسي، فقال له ذو اليدين: بلى قد نسيت. فقال: ((أ كما يقول ذو اليدين؟)) قالوا : نعم. وفى الحديث الصحيح أنه لما صلى بهم خمساً، فقالوا له بعد الصلاة: أزيد فى الصلاة؟ فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا صليت خمسًاً. قال: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذ كرونى)). ٢١٠ قالوا : وأما اليمين على المستقبل فإنها منعقدة ، والخطأ والنسيان واقع فى الفعل لا فى العقد ، فلهذا فرق بين الماضى والمستقبل فى اليمين بالله . وأما فى الطلاق فقالوا أيضا فى الماضى والمستقبل، كإحدى الروايات عن أحمد فى المستقبل . وأما مذهب الشافعي وأحمد فعلى قولهما لا يحنث الجاهل والناسى فى المستقبل ، فكذلك لا يحنث المخطئ حين عقد اليمين الذى حلف على شىء يعتقد أنه كما حلف عليه فتبين بخلافه . وأما على قولهما : إنه يحنث فى المستقبل فيحنث فى الماضى؛ تسوية بين الماضى والمستقبل، فكذلك لا يحنث. وهذه طريقة من سلكها من أصحاب الشافعى وأحمد : كأنى البركات فى (( محرره). وأصحاب هذه الطريقة يقولون: إن من قال: إنه لا يحنث إذا حلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه : فيلزمه ألا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا أوجاهلا . ويضعفون قول مالك وأبى حنيفة فى الفرق، وقيل: بل لا يحنث فى الماضى قولا واحدا، وفي المستقبل قولان . وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد سلكوا مسلك أصحاب أبى حنيفة ومالك : ففرقوا بين الماضى والمستقبل، فقالوا : إذا حلف بالله على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنه لا يحنث ، ولو حلف لا يفعل المحلوف عليه ففعله ناسياً أو جاهلا ففيه ٢١١ روايتان. وهذه طريقة القاضى أبى يعلى وابن عقيل فى (( الفصول)) وأبى محمد المقدسى؛ وغيرهم فجعلوا النزاع فى المستقبل دون الماضى وهؤلاء منهم من قال: ((لغو اليمين)) هو أن يحلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه بلا نزاع. وأما إذا سبق لسانه فى المستقبل : ففيه روايتان. وهذه طريقة القاضى وابن عقيل فى ((الفصول))؛ واختار القاضى فى ((خلافه)) أن قوله فى المستقبل لا والله! بلى والله ! ليس بلغو ، وهذا مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، وغيرهما . ومنهم من قال : ما يسبق على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء، وفيما إذا حلف على شىء فتبين بخلافه روا يتان . وهذه طريقة أبى محمد . ((والصواب)) أن النزاع فى الصورتين ؛ فإن الشافعى فى رواية الربيع عنه يوجب الكفارة فيمن حلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه؛ ولكن القول الآخر للشافعى أن هذا لغو، كقول الجمهور، وهذا هو قول محمد بن الحسن ، وكذا هو ظاهر مذهب أحمد أن كلا النوعين لغو لا كفارة فيه ، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ ولهذا جزم أكثر أصحاب أحمد بأنه لا كفارة لافى هذا، ولافى هذا. ولم يذكروا نزاءًا؛ لانه نص على أن كليهما لغو فى جوابه، كما ذكر ذلك الخرقي وابن أبي موسى وغير همامن المتقدمين. وذكر طائفة عنه فى اللغو ((روايتين)) رواية كقول أبى حنيفة ومالك. ورواية كقول ٢١٢ الشافعى، كما ذكر ذلك طائفة: منهم ابن عقيل، وأبو الخطاب ، وغيرهما . وصرح بعض هؤلاء - كابن عقيل وغيره - بأنه إذا قيل: إن اللغو هو أن يسبق على لسانه اليمين من غير قصد فإنه إذا حلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبین بخلافه حنث . فلهذا صار فى مذهبه عدة طرق . ((طريقة القدماء)) أن كليهما لغو، قولاً واحداً . ((وطريقة القاضي)) أن الماضى لغو قولا واحداً وفى سبق اللسان فى المستقبل روايتان . وهذه الطريقة توافق مذهب أبى حنيفة، ومالك. ((وطريقة أبى محمد)). أن سبق اللسان لغو قولا واحدا. وفى الماضى روايتان . وهذه الطريقة توافق مذهب الشافعي . ((والطريقة الرابعة)) وهي أضعف الطرق: أن اللغو فى إحدى الروايتين هذا دون هذا ، وفي الأخرى هذا دون هذا . ((والطريقة الخامسة)) وهي الجامعة بين الطرق: أن فى مذهبه ثلاث روايات ، كما ذكر ذلك صاحب المحرر ، فإذا سبق على لسانه: لا والله! بلى والله ! وهو يعتقد أن الأمر كما حلف عليه : فهذا لغو باتفاق الأئمة ٢١٣ الأربعة . وإذا سبق على لسانه اليمين فى المستقبل ، أو تعمد اليمين على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: في الصورتين أقوال ثلاثة ؛ هي الروايات الثلاث عن أحمد . ((أحدها)) أن الجميع لغو ، كقول الجمهور، وهو ظاهر مذهب أحمد وهى مذهبه فى إحدى الطريقتين بلا نزاع عنه. وعلى هذه الطريقة فقد فسر اللغو بهذا . وهذا أحد قولي الشافعى . ((والثاني)) أنه يحنث فى الماضى دون ما سبق على لسانه، وهو أحد قولي الشافعي أيضا . ((والثالث)) بالعكس ، كمذهب أبى حنيفة ومالك. فقد تبين أن أن المخطئ فى عقد اليمين الذى حلف على شىء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه هو فى إحدى الطريقتين كالناسى والجاهل ، وفى الأخرى لا يحنث قولا واحدا . وهى المعروفة عند أئمة أصحاب أحمد . وعلى هذا فالحالف بالطلاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه لا يحنث إذا لم يحنث الناسى والجاهل فى المستقبل: إما تسوية بينهما. وإما بطريق الأولى ، على اختلاف الطريقتين . وهكذا ذكر المحققون من الفقهاء. ٢١٤ وقد ظن بعض متأخرى الفقهاء كالسامرى صاحب ((المستوعب)» أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه يحنث قولا واحداً ؛ لأن الطلاق لا لغو فيه ، وهذا خطأ ؛ فإن الذى يقول إن الطلاق لا لغو فيه هو الذى يحنث الناسي والجاهل إذا حلف بالطلاق، وأما من لم يحنث الناسى والجاهل فإنه لا يقول لالغو فى الطلاقإذا فسر اللغوبان يحلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه - فإن عدم الحنث فى هذه الصورة : إما أن يكون أولى بعدم الحنث فى تلك الصورة، أو يكون مساويا لها ؛ كما قدبيناه. ولا يمكن أحد أن يقول: إنه إذا حلف بالطلاق والعتاق على امرأته لا يفعله ففعله ناسيا أو جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يحنث ، ويقول إذا حلف على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه يحنث ؛ لأن الجهل المقارن لعقد اليمين أخف من الجهل المقارن لفعل المحلوف عليه، وغايته أن يكون مثله؛ ولأن اليمين الأولى منعقدة اتفاقا. وأما الثانية ففى انعقادها نزاع بينهم. والله أعلم . وسئل شيخ الإسلام وم اللّه عمن حلف بالطلاق على أمر من الأمور ، ثم حنث فى يمينه : هل يقع به الطلاق ، أم لا ؟ فأجاب : المسألة فيها نزاع بين السلف والخلف على ثلاثة أقوال . ٢١٥ ((أحدها)) أنه يقع الطلاق إذا حنث فى يمينه، وهذا هو المشهور عندا كثر الفقهاء المتأخرين ، حتى اعتقد طائفة منهم أن ذلك إجماع ؛ ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة، وحجتهم عليه ضعيفة جدا ، وهي : أنه التزم أمرا عند وجود شرط فلزمه ما التزمه . وهذا منقوض بصور كثيرة ، وبعضها مجمع عليه: كنذر الطلاق والمعصية، والمباح، وكالتزام الكفر على وجه اليمين؛ مع أنه ليس له أصل يقاس به إلا وبينهما فرق مؤثر فى الشرع ولا دل عليه عموم نص ولا إجماع ، لكن لما كان موجب العقد لزوم ما التزمه صار يظن فى بادئ الرأى أن هذا عقد لازم، وهذا يوافق ما كانوا عليه فى أول الإسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ومحرمة ، كما يقال: إنه كان [ شرع] من قبلنا. لكن نسخ هذا شرع محمد صلى الله عليه وسلم، وفرض للمسلمين تحلة أيمانهم ، وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما فرضه من الكفارة . وأما إذا لم يحنث فى يمينه فلا يقع به الطلاق بلا ريب؛ إلا على قول ضعيف يروى عن شريح، ويذكر رواية عن أحمد فيما إذا قدم الطلاق . وإذا قيل : يقع به الطلاق؛ فإن نوى باليمين الثانية توكيد الأولى - لا إنشاء يمين أخرى - لم يقع به إلاطلقة واحدة؛ وإن أطلق وقع به ثلاث وقيل : لا يقع به إلا واحدة . ٢١٦ و «القول الثانى)» أنه لا يقع به طلاق، ولا يلزمه كفارة . وهذا مذهب داود وأصحابه وطوائف من الشيعة . ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف؛ بل هو مأثور عن طائفة صريحا كأبى جعفر الباقر رواية جعفر بن محمد . وأصل هؤلاء أن الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر : لغو ، كالحلف بالمخلوقات . ويفتى به فى اليمين التى يحلف بها بالتزام الطلاق طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعي: كالقفال، وصاحب ((التتمة)) وينقل عن أبى حنيفة نصا ؛ بناء على أن قول القائل : الطلاق يلزمنى. أو لازم لي ، ونحو ذلك : صيغة نذر ؛ لا صيغة إيقاع، كقوله : لله علي أن أطلق . ومن نذر أن يطلق لم يلزمه طلاق بلا نزاع ؛ ولكن فى لزومه الكفارة له قولان . ((أحدهما)) يلزمه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وهو المحكي عن أبي حنيفة : إما مطلقا . وإما إذا قصد به اليمين . ((والثانى)) لا. وهو قول طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعى كالقفال ، والبغوى ، وغيرهما . فمن جعل هذا نذرا ، ولم يوجب الكفارة ٢١٧ فى نذر الطلاق: يفتى بأنه لا شيء عليه ، كما أفتى بذلك طائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم . ومن قال : عليه كفارة لزمه على قوله كفارة يمين، كمايفتى بذلك طائفة من الحنفية والشافعية . وأما ((الحنفية)) فبنوه على أصله فى أن من حلف بنذر المعاصى والمباحات فعليه كفارة يمين ، وكذلك يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي ؛ لتفريقه بين أن يقول : على نذر. فلا يلزمه شىء . وبين أن يقول : إن فعلته فعلي نذر. فعليه كفارة يمين . ففرق هؤلاء بين نذر الطلاق وبين الحلف بنذر الطلاق . وأحمد عنده على ظاهر مذهبه المنصوص عنه : أن نذر الطلاق فيه كفارة يمين، والحلف بنذره عليه فيه كفارة يمين ، وقد وافقه على ذلك من وافقه من الخراسانيين من أصحاب الشافعى ، وجعله الرافعى والنووي وغيرهما هو المرجح فى مذهب الشافعى، وذكرواذلك فى نذر جميع المباحات ؛ لكن قوله : الطلاق لي لازم ، فيه صيغة إيقاع فى مذهب أحمد، فإن نوى بذلك النذر ففيه كفارة عين عنده . و ((القول الثالث)) وهو أصح الأقوال، وهو الذى يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار: أن هذه عين من أيمان المسلمين، فيجرى فيها ما يجرى فى أيمان المسلمين ٢١٨ وهو الكفارة عند الحنث ؛ إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفارة . وهذا قول طائفة من السلف والخلف : كطاووس ، وغيره. وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب وبه يفتى كثير من المالكية وغيرم ، حتى يقال: إن فى كثير من بلاد المغرب من يفتى بذلك من أئمة المالكية ، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأصوله فى غير موضع . وعلى هذا القول فإذا كرر المين المكفرة مرتين أو ثلاثا على فعل واحد : فهل عليه كفارة واحدة ؟ أو كفارات ؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن أحمد. أشهرهما عنه تجزيه كفارة واحدة . وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن حزم وغيره فى الحلف بالطلاق ، كما حكوها فى الحلف بالعتق والنذر وغيرهما ، فإذا قال : إن فعلت كذا فعبيدى أحرار : ففيها الأقوال الثلاثة؛ لكن هنا لم يقل أحد من أصحاب أبى حنيفة والشافعي: إنه لا يلزمه العتق، كما قالوا ذلك فى الطلاق. فيصح نذره بخلاف الطلاق . والمنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجزئه كفارة يمين كما ثبت ذلك عن ابن عمر، وحفصة، وزينب . ورووه أيضا عن عائشة . ٢١٩ وأم سلمة وابن عباس وأبى هريرة ؛ وهو قول أكابر التابعين: كطاووس وعطاء، وغيرهما، ولم يثبت عن صحابى ما يخالف ذلك ؛ لا فى الحلف بالطلاق ، ولا فى الحلف بالعتاق ؛ بل إذا قال الصحابة : إن الحالف بالعتق لا يلزمه العتق ، فالخالف بالطلاق أولى عندهم. وهذا كالحلف بالنذر مثل : أن يقول : إن فعلت كذا فعلى الحج . أو صوم سنة . أو ثلث مالى صدقة . فإن هذا يمين تجزئ فيه الكفارة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل عمر ، وابن عباس، وعائشة ، وابن عمر ، وهو قول جماهير التابعين: كطاووس، وعطاء، وأبى الشعثاء، وعكرمة ، والحسن ،وغيرهم. وهو مذهب الشافعي المنصوص عنه ، ومذهب أحمد بلانزاع عنه ، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة اختارها محمد بن الحسن، وهو قول طائفة من أصحاب مالك كابن وهب ، وابن أبى الغمر ، وأفتى ابن القاسم ابنه بذلك . والمعروف عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدم : أنه لافرق بين أن يحلف بالطلاق، أو العتاق ، أو النذر : إما أن تجزئه الكفارة فى كل يمين. وإما أن لاشيء عليه . وإما أن يلزمه كما حلف به ؛ بل إذا كان قوله : إن فعلت كذا فعلى أن أعتق رقبة. وقصد به اليمين لا يلزمه العتق ؛ بل يجزئه كفارة يمين ، ولوقاله على وجه النذر لزمه ٢٢٠