Indexed OCR Text

Pages 181-200

فإن كان بعض المتأخرين قد زاغ قلبه حتى صار يظهر له من الآية معنى فاسد
مما يقتضى حدوثا أو نقصا: فلا شك أن الظاهر لهذا الزايغ غير مراد. وإذا
رأينا رجلايفهم من الآية هذا الظاهر الفاسد قررنا عنده ((أولاً)) : أن هذا
المعنى ليس مفهوما من ظاهر الآية. ثم قررنا عنده ((ثانيا)) أنه فى نفسه
معنى فاسد . حتى لو فرض أنه ظاهر الآية - وإن كان هذا فرض مالا حقيقة
له - لوجب صرف الآية عن ظاهرها كسائر الظواهر التى عارضها ما أوجب
أن المراد بها غير الظاهر .
واعلم أن من لم يحكم دلالات اللفظ ، ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ:
تارة يكون بالوضع اللغوى ؛ أو العرفي ؛ أو الشرعي: إما فى الألفاظ المفردة.
وإما فى المركبة. وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذى تتغير به دلالته
فى نفسه . وتارة بما اقترن به من القرأن اللفظية التى تجعله مجازاً. وتارة بما
يدل عليه حال المتكلم والمخاطب والمتكلم فيه. وسيأتى الكلام الذى يعين أحد
محتملات اللفظ ، أو يبين أن المراد به هو مجازه . إلى غير ذلك من الأسباب
التى تعطى اللفظ صفة الظهور ؛ وإلا فقد يتخبط فى هذه المواضع. نعم! إذا لم
يقترن باللفظ قط شىء من القرائن المتصلة التى تبين مراد المتكلم ؛ بل علم مراده
بدليل آخر لفظى منفصل : فهنا أريد به خلاف الظاهر . كالعموم المخصوص
بدليل منفصل. وإن كان الصارف عقليا ظاهراً: ففى تسمية المراد خلاف الظاهر.
خلاف مشهور فى ((أصول الفقه)).
١٨١

وبالجملة فإذا عرف المقصود فقولنا: هذا هو الظاهر . أو ليس هو الظاهر:
خلاف لفظى ؛ فإن كان الحالف ممن فى عرف خطا به أن ظاهر هذه الآية ماهو
مما ثل لصفات المخلوقين : فقد حنث . وإن كان فى عرف خطا به أن ظاهرها
هو ما يليق بالله تعالى لم يحنث. وإن لم يعلم عرف أهل ناحيته فى هذه اللفظة:
ولم يكن سبب يستدل به على مراده ، وتعذر العلم بنيته : فقد جاز أن يكون
أراد معنى صحيحا ، وجاز أن يكون أراد معنى باطلا : فلا يحنث بالشك.
وهذا كله تفريع على قول من يقول : إن من حلف على شىء يعتقده
كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث. وأما على قول من لم يحنثه فالحكم فى
يمينه ظاهر.
واعلم أن عامة من ينكر هذه الصفة وأمثالها إذا بحثت عن الوجه الذى
أنكروه وجدتهم قداعتقدوا أن ظاهر هذه الآية كاستواء المخلوقين. أو استواء
يستلزم حدوثا أو نقصاً ، ثم حكوا عن مخالفهم هذا القول، ثم تعبوا فى إقامة
الأدلة على بطلانه ، ثم يقولون: فيتعين تأويله: إما بالاستيلاء، أو بالظهور
والتجلى، أو بالفضل والرجحان الذى هو على القدر والمكانة. ويبقى ((المعنى
الثالث)) وهو: استواء يليق بجلاله ، يكون دلالة هذا اللفظ عليه كدلالة
لفظ العلم والإرادة والسمع والبصر على معانيها : قد دل السمع عليه.
١٨٢

بل من أكثر النظر فى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالاضطرار
أنه ألقى إلى الأمة: إن ربكم الذى تعبدونه فوق كل شىء، وعلى كل شىء فوق
العرش ، وفوق السموات.
وعلم أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل شئ عليم ،
وعلى كل شىء قدير .
وأنه لا ينقل عن واحد لفظ يدل لا نصا ولا ظاهراً على خلاف ذلك ،
ولاقال أحد منهم يوما من الدهر إن ربنا ليس فوق العرش ، أو أنه ليس على
العرش ، أو أن استواءه على العرش كاستوائه على البحر إلى غير ذلك من
ترهات الجهمية، ولا مثل استواءه باستواء المخلوق، ولا أثبت له صفة تستلزم
حدوثا أو نقصا .
والذى يبين لك خطأ من أطلق ((الظاهر)) على المعنى الذى يليق بالخلق:
أن الألفاظ ((نوعان)):
((أحدهما)) ما معناه مفرد: كلفظ الأسد، والحمار، والبحر ، والكلب.
فهذه إذا قيل: ((أسد الله وأسد رسوله)) أو قيل للبليد: حمار. أو العالم ،
أو السخي ، أو الجواد من الخيل: بحر. أو قيل للأسد : كلب. فهذا مجاز؛
١٨٣

ثم إن قرنت به قرينة تبين المراد كقول النبى صلى الله عليه وسلم الفرس أنى
طلحة: ((إن وجدناه لبحراً)) وقوله: ((إن خالداً سيف من سيوف الله
سله الله على المشركين)) وقوله لعثمان: ((إن الله يقمصك قيصا)) وقول
ابن عباس : الحجر الأسود يمين الله فى الأرض ، فمن استلمه وصافه فكأنما
بايع ربه . أو كما قال . ونحو ذلك . فهذا اللفظ فيه تجوز ؛ وإن كان قد
ظهر من اللفظ مراد صاحبه . وهو محمول على هذا الظاهر فى استعمال هذا
المتكلم ؛ لا على الظاهر فى الوضع الأول وكل من سمع هذا القول علم المراد
به وسبق ذلك إلى ذهنه لاستحالة إرادة المعنى الأول، وهذا يوجب أن يكون
نصا؛ لا محتملا .
وليس حمل اللفظ على هذا المعنى من التأويل الذى هو صرف اللفظ عن
ء
الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح فى شىء. وهذا أحد مشارات غلط
الغالطين فى هذا الباب ، حيث يتوم أن المعنى المفهوم من هذا اللفظ مخالف
للظاهر ، وأن اللفظ متأول .
((النوع الثانى)) من الألفاظ ما فى معناه إضافة: إما بأن يكون المعنى
إضافة محضة : كالملو ، والسفول ، وفوق ، وتحت ، ونحو ذلك . أو أن
يكون ثبوتيا فيه إضافة: كالعلم ، والحب ، والقدرة ، والعجز ،
١٨٤

والسمع ، والبصر فهذا النوع من الألفاظ لا يمكن أن يوجد له معنى مفرد
بحسب بعض موارده ؛ لوجهين.
((أحدهما)» أنه لم يستعمل مفرداً قط.
((الثانى)) أن ذلك يلزم منه الاشتراك ، أو المجاز ؛ بل يجعل حقيقة
فى القدر المشترك بين موارده .
وما نحن فيه من هذا الباب ؛ فإن لفظ استوى لم تستعمله العرب فى
خصوص جلوس الآدمى - مثلا - على سريره حقيقة حتى يصير فى غيره مجازاً؛
كما أن لفظ ((العلم)) لم تستعمله العرب فى خصوص العرف القائم بقلب البشر
المنقسم إلى ((ضرورى)) و((نظرى)) حقيقة، واستعملته فى غيره مجازاً؛
بل المعنى تارة: يستعمل بلا تعدية، كما فى قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُّذَّهُ، وَأُسْتَوَىّ).
وتارة: يعدى بحرف الغاية، كما فى قوله: (ثُمَاسْتَوَىَّإِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ).
وتارة : يعدى بحرف الاستعلاء . ثم هذا تارة: يكون صفة لله. وتارة :
يكون صفة لخلقه . فلا يجب أن يجعل فى أحد الموضعين حقيقة وفى
الآخر مجازاً.
ولا يجوز أن يفهم من استواء الله الخاصية التي تثبت للمخلوق دون الخالق ؛
كما فى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ ) وقوله تعالى: (مِّمَّاعَمِلَتْ أَيْدِينَآَ) وقوله
١٨٥

تعالى ( صُنْعَاللَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَّكُلَّ شَىْءٍ ) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ)
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ ) فهل يستحل مسلم أن يثبت لربه خاصية
الآدمي البانى الصانع الكاتب العامل؟ أم يستحل أن ينفى عنه حقيقة العمل والبناء
كما يختص به ويليق بجلاله ؟ أم يستحل أن يقول: هذه الألفاظ مصروفة عن
ظاهرها؟ أم الذى يجب أن يقول : عمل كل أحد بحسبه ، فكما أن ذاته
ليست مثل ذوات خلقه: فعمله ، وصنعه، وبناؤه ؛ ليس مثل عملهم ، وصنعهم،
وبنائهم .
ونحن لم نفهم من قولنا : بنى فلان . وكتب فلان : ما فى عمله من المعالجة
والتأثر إلا من جهة علمنا بحال البانى ؛ لامن جهة مجرد اللفظ الذى هو لفظ
الفعل وما يدل عليه بخصوص إضافته إلى الفاعل المعين . وبهذا ينكشف لك
كثير مما يشكل على كثير من الناس ، وترى مواقع اللبس فى كثير من هذا
الباب. والله يوفقنا وسائر إخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل .
ويجمع قلوبنا على دينه الذى ارتضاه لنفسه ، وبعث به رسوله صلى الله عليه
وسلم. والحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين وصلى الله على
محمد صاحب الحوض المورود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
٠
١٨٦

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أن لا يدخل دار جاره ، ثم اضطر إلى
الدخول فدخل : فهل يقع عليه طلاق بذلك، أم لا؟ وإذا لزمه الكفارة
فما الدليل على لزومها ؟
فأجاب - رضى الله عنه - فقال: الحمد لله. إذا حلف بالطلاق أو
العتاق يمينا تقتضى حضا أو منعا ، كقوله : الطلاق، أو العتق يلزمه ليفعلن
كذا، أو لا يفعل كذا . أو قوله: إن فعلت كذا فامر أتى طالق . أو
فعبدي حر . ونحو ذلك : فالعلماء فيها ثلاثة أقوال .
(«أحدها)) أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق. وهذا قول بعض
التابعين ، وهو المشهور عندا كثر الفقهاء.
((والثاني)) لا يقع به شيء ، ولا كفارة عليه . وهذا مأثور عن
بعض السلف ، وهو مذهب داود ، وابن حزم ، وغيرهما من المتأخرين؛
ولهذا كان سفيان بن عيينة شيخ الشافعى وأحمد لا يفتى بالوقوع ؛ فإنه روى
١٨٧

عن طاوس ، عن أبيه : أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا . فقيل له :
أ كان يراه يمينا قال: لا أدرى. جزم بأنهلم يكن يوقع الطلاق، وشك هل
كان يجعله يميناً فيها كفارة؟
((والقول الثالث)) أنه يجزئه كفارة يمين ، وهذا مأثور عن طائفة
من الصحابة وغيرهم فى العتق، كما نقل ذلك عن عمر ، وحفصة بنت عمر ،
وزينب ريبة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم أفتوا من قال لفلان :
إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فمالى صدقة، وأرقائى أحرار. فقالوا : كفر
عن يمينك ، ودع الرجل مع امرأته : يا هاروت وماروت ! وهذا قول أبى
ثور وغيره من الفقهاء فى العتق، وكذلك رواه حماد بن سلمة فى ((جامعه))
عن حبيب بن الشهيد أنه سأل الحسن البصرى عن رجل قال : كل مملوك
له حر إن دخل على أخيه . فقال: يكفر عن يمينه .
وروى ذلك عن أبى هريرة ، وأم سلمة ، قال أبو بكر الأثرم فى مسنده
ثنا عارم بن الفضل ، ثنا معتمر بن سليمان، قال قال أبي: ثنا بكر بن عبد الله،
أخبر نى أبو رافع ، قال قالت مولاتى ليلى بنت العجماء : كل مملوك لها محرر ،
وكل مال لها هدي ، وهى يهودية ، وهى نصرانية إن لم تطلق امرأتك
أو تفرق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة - وكانت إذا
ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب، قال: فأتيتها، فجاءت - يعنى إليها-
١٨٨

فقالت : فى البيت هاروت وماروت ؟! قالت يا زينب ! جعلني الله فداك :
إنها قالت كل مملوك لها محرر ، وكل مال لها هدي، وهى يهودية ، وهى
نصرانية . فقالت: يهودية ، ونصرانية !! خلي بين الرجل وبين امرأته .
يعنى وكفرى يمينك . فأتيت حفصة أم المؤمنين ، فأرسلت إليها فأنّها ؛
فقالت : يا أم المؤمنين! جعلنى الله فداك: إنها قالت كل مملوك لها محرر ،
وكل مال هدي، وهى يهودية، وهي نصرانية . فقالت يهودية ونصرانية !!
خلي بين الرجل وبين امرأته. يعنى وكفري عن يمينك. فأتت عبد الله بن عمر ،
فجاء يعنى إليها؛ فقام على الباب فسل؛ فقالت (ساأنت وسا أبوك)(١)؛ فقال: أمن
حجارة أنت؟! أم من حديد أنت؟. من أي شىء أنت ؟! أفتك زينب؛
وأفتك حفصة أم المؤمنين، فلم تقبلى فتياهما ؟ ! فقالت: يا أبا عبد الرحمن!
جعلنى الله فداك: إنها قالت : كل مملوك لها حر ، وكل مال لها هدي،
وهى يهودية، وهى نصرانية. فقال : يهودية ونصرانية !! كفرى عن
يمينك، وخلى بين الرجل وبين امرأته .
وهذا الأثر معروف؛ قد رواه حميد أيضا وغيره عن بكر بن عبدالله
المزنى. ورواه أحمد وغيره، وذكروا أن الثلاثة أفتوها بكفارة يمين
لكن سلمان التيمى ذكر فى روايته : كل مملوك لها حر؛ ولم يذكر
هذه الزيادة حميد وغيره . وبهذا أجاب أحمد لما فرق بين الحلف بالعتق
والحلف بغيره .
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( بأبي أنت وأبوك ) كما جاء في السنن الكبرى
للبيهقي مجلد ١٠ ص ٦٦
١٨٩

وعارض ذلك أثر آخر ذكره عن ابن عمر وابن عباس، فقال المروزى :
قال أبو عبدالله : إذا قال كل مملوك له حر: فيعتق عليه إذا حنث ؛ لأن الطلاق
والعتق ليس فيهما كفارة . وقال : ليس قول: كل مملوك لها حر. فی حدیث ليلى
بنت العجماء. وحديث أبي رافع أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب وذكرت
العتق فأفتوها بكفارة اليمين ، وأما حميد وغيره فلم يذكروا العنق. قال :
وسألت أبا عبد الله عن حديث أبى رافع قصة امرأته وأنها سألت ابن عمر
وحفصة فأمروها بكفارة يمين، قلت فيها المشي؟ قال: نعم. أذهب إلى أن
فيها كفارة يمين، قال أبو عبد الله ليست تقول فيه كل مملوك إلا (١) قلت
فإذا حلف بعتق مملوكه يحنث؟ قال: يعتق، كذا يروى عن عمر وابن عباس
أنهما قالا للجارية تعتق ، ثم قال : ما سمعنا إلا من عبد الرزاق ، عن معمر .
وقلت : فإيش إسناده؟ قال : معمر ؛ عن إسماعيل بن أمية ، عن عثمان بن حاضر
عن ابن عمر وابن عباس. وقال : إسماعيل بن أمية ، وأيوب بن موسى: مكيان.
وقال أبو طالب قال أبو عبد الله: من حلف بالمشي إلى بيت الله، وهو يحرم
بحجة، وهو يهدى ، وماله فى المسا كين صدقة ، وكل يمين يكفر عندها عقد
يمين يحلف على شيء فإنما هي كفارة يمين، على حديث بكر ، عن أبى رافع
فى قصة حفصة . حلفت لتفرقن بينها وبين زوجها، فقالت: ياهاروت وماروت!
كفرى عن يمينك، واعتقى جاريتك، فجعل ذلك كله كفارة يمين عن العنق
فهذا أفضل ؛ وذلك أن العتق ليس فيه كفارة ، ولا استثناء . والاستثناء :
(١) بياض بالأصل
١٩٠

دائما يكون فى اليمين التى تكفر، فأوجب العتق ؛ وجعل فى
غيره كفارة .
قلت: فهذا الذى ذكره الإمام أحمد - رضي الله عنه - فى أجو بته ؛
ولكن المنصوص عنه فى غير موضع يقتضى أنه يجزئه كفارة يمين ؛ فإنه قد
نص فى غير موضع: أن الاستثناء لا يكون [الا](١) فى المين المكفرة،
ونص على أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق فإن مذهبه أنه ينفعه الاستثناء،
فإن له أن يستثنى ؛ بخلاف ما إذا أوقع الطلاق والعتاق قولا واحداً، كما نقل
ذلك عن ابن عباس ، وهو مذهب مالك وغيره
وقد نقل عن أحمد ((الشيخ أبو حامد الاسفرائينى)) ومن اتبعه:
الفرق فى الاستثناء بين الطلاق والعتاق ، وذلك غلط على أحمد ؛ إنما هذا قول
القدرية؛ فإنهم يقولون إن المشيئة بمعنى الأمر، والعتق طاعة ؛ بخلاف الطلاق.
فإذا قال: عبده حر إنشاء الله وقع العنق. وإذا قال: امرأته طالق إن شاء الله لم
يقع الطلاق. ورووا فى ذلك حديثا مسندا من رواية أهل الشام عن معاذ،
وهو مما وضعته القدرية الذين كانوا بالشام .
وسبب الغلط فى ذلك : أن أحمد قال فیمن قال : إن ملکت فلانا فهو حر
إن شاءالله فلكه عتق. وقال فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهى طالق إنشاء الله
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
١٩١

فتزوجها لم تطلق ففرق بين التعليقين ؛ لأن من أصله أن العتق
معلق بالملك ، لأنه من باب القرب ، كالنذر، فيصح تعليقه على الملك ، كما فى
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَمِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِحِينَ) والعنق يصح أن يكون مقصودا بالملك ؛ ولهذا يصح بيع العبد
بشرط عتقه ، بخلاف الطلاق فإنه ليس هو المقصود بالنكاح . فلو قيل : إنه
يقع عليه لم يكن للنكاح فائدة ، والعقود التى لا يحصل بها مقصودها باطلة .
فلما فرق أحمد فى هذه المسألة بين الطلاق والعتق اعتقد من نقل عنه أن
الفرق لأجل الاستثناء بالمشيئة ، وذلك غلط عليه .
والمقصود هنا أنه يتنوع الاستثناء فى الحلف بالطلاق والعتاق ، فإذا قال :
إن فعلت كذا فعبدى حر ؛ أو فاص أتى طالق إن شاء الله . نفعه الاستثناء
فى أصح الروايتين عنه . وإذا قال: الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا إن شاء الله.
فقال طائفة من أصحابه : كأنى محمد وأبى البركات - هنا ينفعه الاستثناء قولا
واحدا . وقيل : بل الروايتان فى صيغة القسم وفى صيغة التعليق ؛ وهذا أشبه
بكلام أحمد ؛ وهو مذهب مالك وأصحابه ؛ فإن لهم فى النوعين قولين . فإذا
كان أحمد فى أصح الروايتين عنه يجوز الاستثناء فى الحلف بالعتق ، سواء كان
بصيغة الجزاء أو بصيغة القسم ، مع قوله : إن الاستثناء لا يكون إلا فى المين
مو
المكفرة - لزم من ذلك أن تكون هذه من الأيمان المكفرة . قال فى رواية
١٩٢

أبى طالب - وقد سئل عن الاستثناء فقال: الاستثناء فما يكفر ، قال الله
تعالى: ( لَّايُؤَاخِذُ كُمُ الله ◌ِاللَّغْوِفِي أَيْمَنِكُمْ ) فكل يمين فيها كفارة ؛ غير
الطلاق والعتاق .
وأما كون سلمان التيمى هو الذى ذكر : كل مملوك له حر . فسلمان
التيمى ثقة ثبت ؛ وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة؛ وسببه - والله أعلم-
أن يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه ؛ لما فيه من النزاع .
يبين ذلك : أن من الناس من لم يذكر المتق فى ذلك عن التيمى أيضا ، مع
ء
أن التيمي كان يذكر العتق بلا نزاع. قال الميمونى: قال أحمد وابن أبى عدي:
لم يذكروا فى حديث أبى رافع عتقا. قلت: ومحمد بن أبي عدى هو أجل من
روى عن التيمى، فعلم أن من الرواة من كان يترك هذه الزيادة مع أنها ثابتة
فى الحديث؛ ولهذا لما ثبتت عند أبى ثور أخذ بها.
وأما الرواية الأخرى عن ابن عباس وابن عمر ، فقد قال أحمد
ما سمعناه إلا من عبد الرزاق، وعن معمر. وعثمان بن حاضر قد قيل: إنه سمع
من ابن عباس ، وقال أبو زرعة : هو يمانى حميرى ثقة، وقد روى له أبو داود
وابن ماجه. والأثر الأول أثبت؛ ورجاله ورواته من أهل العلم والفقهاء
الذين يعلمون مايروون ؛ وهذا الأثر فيه مويه ؛ ولم يضبطلنا لفظه. وقد بسط
١٩٣

الكلام على تضعيفه فى موضع آخر ؛ فإن صح كان فى ذلك نزاع عن الصحابة
وقد ذكر البخارى عن ابن عمر أثراً فى الطلاق محتمل أن يكون من هذا
الباب ؛ ويحتمل ألا يكون منه .
(وبالجملة)) فالنزاع فى هذه المسألة ثابت بين السلف: كعطاء، والحسن
البصرى، وغيرهما وقدذكرأبو محمد المقدسى فى شرح قول الحرقى: ((ومن
حلف بعتق ما يملك فنث عتق عليه كل ما يملك : من عبيده وإمائه ومكاتبيه
ومدبريه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه من مملوك)). فقال: معناه إذا قال
إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر وعتيق. أو : فكل ما أملك حر ؛ فإن هذا
إذا حنث عتق مماليكه، ولم يغن عنه كفارة، وروى ذلك عن ابن عمر وابن
عباس ؛ وبه قال ابن أبى ليلى؛ والشورى؛ ومالك والأو زاعى ؛ والليث؛
والشافعى؛ وإسحق قال : وروى عن ابن عمر ؛ وأبى هريرة؛ وعائشة ، وأم
سلمة وحفصة وزينب بنت أبى سلمة ، والحسن ، وأبي ثور : يجزئه كفارة
يمين؛ لأنها يمين فتدخل فى عموم قوله تعالى: (فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَكِينَ ) وذكر حديث أبى رافع المتقدم ، قال: ولنا أنه علق العتق
على شرط ، وهو قابل للتعليق ، فينتفع بوجود شرطه؛ كالطلاق، والآية
مخصوصة بالطلاق ، والعتق فى معناه ؛ ولأن العتق ليس بيمين فى الحقيقة ؛
إنما هو تعليق بشرط فأشبه الطلاق. قال : فأما حديث أبى رافع فإن أحمد
١٩٤

قال فيه : كفر عن يمينك ؛ وأعتق جاريتك ؛ وهذه زيادة يجب قبولها
ويحتمل أنها لم يكن لها مملوك سواها .
قلت : القياس المذكور عندهم منتقض بكل ما يعلقه بالشرط : من صدقة
المال ، والمشي إلى مكة ، والهدى ، وقوله : إن فعلت كذا فعلي أن أعتق
أو أطلق ، وقوله : إن فعل كذا فهو يهودى، أو نصراني ، وأمثال ذلك
مما صيغته صيغة الشرط ، وهو عندهم يمين اعتبارا بمعناه . والأصل الذى مشى
عليه ممنوع ؛ فإن الطلاق فيه نزاع ؛ بل إذا لم يوقعوا العتاق مع كونه قربة
فأولى ألا يوقعوا الطلاق. وأبو ثور لم يسلم الطلاق؛ لكن قال: إن
كان فيه إجماع فالإجماع أولى ما اتبع ؛ وإلا فالقياس أنه كالعتاق . وقد علم
أنه ليس فيه إجماع .
وأما ماذكره من الزيادة فى حديث أبى رافع ، وأنهم قالوا :
أعتقى جاريتك . فهذا غلط ، فإن هذا الحديث لم يذكر فيه أحد أنهم قالوا :
أعتقى جاريتك ، وقد رواه أحمد، والجوزجاني ، والأثرم ، وابن أبى
شيبة ، وحرب الكرمانى، وغير واحد من المصنفين : فلم يذكروا ذلك.
وكلام أحمد فى عامة أجوبته يبين أنه لميذكر أحمد عنهم ذلك ؛ وإنما
أجاب بكون الحلف بعتق المملوك إنما ذكره التيمي. وأبو محمد نقل ذلك
من ((جامع الخلال)) والخلال ذكر ذلك فى ضمن مسألة أبى طالب ،
١٩٥

كماقد بيناه . وذلك غلط على أحمد . وأبو طالب له أحيانا غلطات
فى فهم مايرويه : هذا منها .
وأما ما نقله عن أحمد من أن الاستثناء لا يكون إلا فى اليمين
المكفرة : فهذا نقله عن أحمد غير واحد ، مع أن أبا طالب ثقة ،
والغالب على روايته الصحة ؛ ولكن ربما غلط فى اللفظ . فأما نقله :
أن الاستثناء فيما يكفر فلم يغلط فيه ؛ بل نقله كما نقله غيره .
قال هارون بن عبد الله: قيل لأبى عبد الله : أليس قد كان ابن عباس
يرى الاستثناء بعد حين ؟ قال : إنما هذا فى القول ؛ ليس فى اليمين ؛
كان يذهب إلى قول الله عز وجل: (وَلَا نَقُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَدًا * إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ) قال أبو عبد الله: إنما هذا فى القول ؛
ليس فى اليمين ، وإنما يكون الاستثناء جائزا فيما تكون فيه الكفارة،
إذا حلف بالطلاق والعتاق لا يكفر . فقد نص على أن الاستثناء لا يكون
إلا فى اليمين المكفرة ، فإذا كان قد نص مع ذلك على جواز الاستثناء
فيما إذا حلف بالطلاق والعتاق لزمه إجراء الكفارة فى ذلك ، وهذا الذى
( وَلَكِن
قاله هو مقتضى الكتاب والسنة ، فإن الله تعالى قال :
يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ ) إلى قوله: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) فجعل هذه
الكفارة فى عقد اليمين مطلقاً ، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا ،
١٩٦

وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من حلف فقال: إن شاء الله ،
فإن شاء فعل ، وإن شاء ترك)) فادخل فى قول النبي صلى الله عليه وسلم
دخل فى قول الله تعالى.
والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان فى مسمى اليمين والحلف
باتفاق العلماء ؛ بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب
فإنه عين باتفاق الأمة .
وأما التعليق المحض ، كقوله : إن طلعت الشمس فأنت طالق .
ففيه قولان مشهوران لهم ، ومذهب الشافعي وأصحاب أحمد فى
أحد الوجهين ليس بيمين، كاختيار القاضى أبى يعلى . ومذهب أبى حنيفة
وأصحاب أحمد فى الوجه الآخر: هو يمين، كاختيار أبى الخطاب، وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت
الذى هو خير وليكفر عن يمينه)) وهذا عام يقتضى أن كل يمين فيها هذا، فا
لا یمکن فیه هذا فلیس ییمین.
((والمقصود)» هنا ذكر تحرير المنقول عن السلف والأئمة فى هذه
المسألة . وسيأتى ذكر الدلائل إن شاء الله تعالى ، وذكر البخارى فى صحيحه
عن ابن عباس أنه قال : لا طلاق إلا عن وطر ، ولا عتق إلا ما ابتغي به وجه
١٩٧

الله. ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق ليس له غرض بالطلاق ، ولا هو
متقرب بالعتق ؛ بل هو حالف بهما. وأما الطلاق فقد قيل : إن فيه
كفارة . وقيل : لاكفارة فيه . وهذا الثانى قول داود وأصحابه .
والشيعة يقولون : لا يقع به الطلاق، ولا يلزمه كفارة . وهو قول ضعيف
وإن كان القول بلزوم الطلاق وعدم التكفير ضعيفا أيضا، وهو أضعف منه .
والقول بلزوم الكفارة هو المأثور عن طاووس وغيره؛ وهو مقتضى
أقوال الصحابة ، وبه أفتى جماعة من المفتين المالكية وغيرهم ، ولاريب
أن الطلاق أولى ألا يقع من المتق فإذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع العتق
فالطلاق أولى ؛ ولكن أباثور لم يبلغه فى الطلاق شىء فقال: القياس يقتضى
أن الطلاق لايقع أيضا ؛ إلا أن يكون فيه إجماع فهو أولى أن يتبع .
وأما إذا قال : إذا فعلت كذا فعلى أن أعتق عبدى ، أو أطلق
امرأتى ، ومالي صدقة ، وعلى الحج ، أو فعلى صوم كذا ، ونحو ذلكفهنا
بجزئه كفارة يمين فى مذهب أحمد والشافعي ، وهو إحدى الروايتين
عن أبى حنيفة ، وهى رواية محمد . ويقال: إن أبا حنيفة رجع إليها
وقول طائفة من أصحاب مالك، وهو المأثور عن عامة الصحابة والتابعين ،
ويسميه الفقهاء (( نذر اللجاج ، والغضب)) . هذا إذا كان المنذور قربة:
كان كالعتق ونحوه؛ فإن لم يكن قربة كالطلاق فلاشيء فيه عند أبى حنيفة
ومالك والشافعي وأحمد فى رواية ؛ لكن المشهور عنه: أن عليه كفارة يمين.
١٩٨

((فنذر التبرر)» مثل أن يكون مقصود الناذر حصول الشرط، ويلتزم
فعل الجزاء شكراً لله تعالى؛ كقوله : إن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم
كذا ، أو أتصدق بكذا ، أو نحو ذلك : فهذا النذر عليه أن يوفى به ،
كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعمه ومن نذر أن
يعصي الله فلا يعصه)) رواه البخاري .
وأما ((نذر اللجاج ، والغضب)) فقصد الناذر أن لا يكون الشرط
ولا الجزاء : مثل أن يقال له : سافر مع فلان . فيقول : إن سافرت فعلى
صوم كذا وكذا ، أو علي الحج. فمقصوده أن لا يفعل الشرط ولا الجزاء ،
وكما لو قال: هو يهودي أو نصرانى إن فعل كذا . أو إن فعل كذا فهو
كافر ونحو ذلك ؛ فإن الأئمة متفقون على أنه إذا وجد الشرط فلا يكفر ،
بل عليه كفارة يمين عند أبى حنيفة وأحمد فى المشهور عنه . وعند مالك
والشافعي لاشىء عليه ؛ بخلاف ما إذا قال : إن أعطيتمونى الدرام كفرت ،
فإنه يكفر بذلك ؛ بل ينجز كفره ؛ لأنه قصد حصول الكفر عند
وجود الشرط .
فطائفة من الفقهاء نظروا إلى لفظ الناذر ، فقالوا : قد علق الحكم بشرط
فيجب وجوده عند وجود الشرط؛ ولم يفرقوا بين ((نذر اللجاج)) و ( نذر
التبرر)). وأما الصحابة وجمهور السلف والمحققون، فقالوا : الاعتبار بمعنى
اللفظ. والمشترط هنا قصده وجود الشرط والجزاء؛ وهناك قصده ألا يكون
١٩٩

هذا ولا هذا ؛ ولهذا يحلف بصيغة الشرط تارة . وبصيغة القسم أخرى .
مثل أن يقول : على الحج لأفعلن كذا ، أولا فعلت كذا ، أو علي العتق
إن فعلت كذا ، أو لافعلت كذا .
وهذا حجة من أمره بكفارة فى العتق ، وكذا فى الطلاق ؛ فإنه إذا
قيل له: سافر. فقال: عليه العتق أو الطلاق لا يفعل كذا ، أو إن فعل كذا فعبده
حر ، أو امرأته طالق : فقصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء : فهو
حالف بذلك ؛ لاموقع له .
قالوا : وهذا الحالف التزم وقوع الطلاق ، فهو كما لو التزم إيقاعه
بأن يقول : إن فعلت كذا فعلى أن أعتق ، أو أطلق . ولو قال هذا لم يلزمه
أن يطلق باتفاق الأئمة ؛ لكن فى وجوب الإعتاق قولان . فذهب الشافعي
وأحمد وغيرهما لا يقع به طلاق ولا عتاق ؛ لكن الشافعي يلزمه الكفارة
إذا لم يعتق، ولا يلزمه الكفارة إذا لم يطلق. فى المشهور من مذهبه . وهو
إحدى الروايتين عن أحمد . وأحمد يلزمه الكفارة فيهما على ظاهر مذهبه ،
وهو وجه لأصحاب الشافعي ؛ لأن المنذور إذا لم يكن قربة لم يكن عليه
فعله بالاتفاق ، ومذهب الشافعى وغيره المشهور: لا كفارة عليه إذا لميفعله .
ومذهب أحمد المشهور : عليه كفارة يمين . قال هؤلاء : التزامه الوقوع
كالتزامه الكفر ؛ ولو التزمه لم يكفر بالاتفاق ؛ بل عليه كفارة عين فى
فى إحدى القولين ، كما تقدم .
٢٠٠