Indexed OCR Text
Pages 121-140
فأجاب: الحمد لله. قوله: يسلم إليها كتابها. كناية عن الطلاق ، فإذا قال الموكل : إنه أراد به الطلاق، أو علم بذلك بدلالة الحال : ملك أن يطلق واحدة ولم يملك الوكيل أن يطلق ثلاثا إلا بإذن الموكل. وإذا قال للوكيل لم أرد بذلك أنه يطلقها ثلاثا قبل قوله ؛ ولم يمكن الوكيل أن يطلقها ثلاثا، وإذا طلقها الوكيل واحدة ثم راجعها الزوج صحت الرجعة . ١٢١ باب الحلف بالطلاق وغير ذلك مثل شيخ الإسلام رحمه الله عن يمين الغموس فى الحلف بالطلاق ، وعن رجل قال لزوجته : لا يدخل أهلك بيتى فصعب عليه: حلف بالطلاق الثلاث أنه ما قاله ، ويعلم أنه قاله . فأجاب: الأيمان التى يحلف بها الناس نوعان: ((أحدهما)) أعان المسلمين. فالقسم الثانى الحلف بالمخلوقات : كالحلف و ((الثانى)) أعان المشركين بالكعبة ، والملائكة والمشايخ ، والملوك ، والآباء ، والسيف ، وغير ذلك مما يحلف بها كثير من الناس . فهذه الأيمان لاحرمة لها ؛ بل هي غير منعقدة ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين ؛ بل من حلف بها فينبغى أن بوحد الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف فقال فى حلفه واللات والعزى ، فليقل: لا إله إلا الله)) وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((من حلف فليحلف بالله، أو ليصمت)) وفى السنن عنه. ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) رواه الترمذى، وصححه . فهذه الآمان باتفاق الأئمة ١٢٢ وأكثرهم على أن النبي نهى عنها ؛ بل قد روى عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أنه قال : لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي أن أحلف بغيره صادقا قال : وهذا لأن الحلف بغير الله شرك ، والشرك أعظم من الكذب . والنذر للمخلوقات أعظم من الحلف بها ، فمن نذر لمخلوق لم ينعقد نذره ولا وفاء عليه باتفاق العلماء : مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشايخ وغيرهم كمن ينذر للشيخ جاكير . وأبى الوفاء ، أو المنتظر ، أو الست نفيسة أو للشيخ رسلان ، أو غير هؤلاء ، وكذلك من نذر لغير هؤلاء : زيتا أو شمها، أو ستوراً ، أو نقداً: ذهباً أو درام ، أو غير ذلك : فكل هذه النذور محرمة باتفاق المسلمين ، ولا يجب ؛ بل ولا يجوز الوفاءبها باتفاق المسلمين وإنما يوفى بالنذر إذا كان لله عز وجل ، وكان طاعة ؛ فإن النذر لا يجوز إلا إذا كان عبادة ، ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما شرع . فمن نذر لغير الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله، وهو كالسجود لغير الله . ولو نذر ماليس عبادة - كما لونذرت المرأة صوم أيام الحيض - لم يلزم ذلك .. ولا يجوز صيام أيام الحيض باتفاق المسلمين، كما فى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصيه)) ولو نذر أن يسافر إلى قبر نبي من الأنبياء ، أو شيخ من المشايخ ؛ أو مشهده ؛ أو مقامه . أو مسجد غير المساجد الثلاثة لم يكن عليه أن يوفي بنذره باتفاق الأئمة . ١٢٣ وكذلك من نذر صلاة ، أو صوما، أو صدقة، أو اعتكافا ، أو أضحية أو هديا، أو نذر أن يسافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المقدس: ففيه ((قولان)» للعلماء ، وهما قولان للشافعي. ((أحدهما)) ليس عليه أن يوفي به، وهو مذهب أبى حنيفة. ومن أصله أنه لا يجب بالنذر إلاما كان من جنسه واجب بالشرع : كالصلاة والصيام والاعتكاف : فيجب بالنذر ، لأن الصوم واجب عنده، وعند أحمد فى إحدى الروايتين ، وعند مالك ؛ فلهذا وجب عنده . وإتيان المسجد ليس واجباً بالشرع فلا يجب عنده بالنذر . و ((القول الثانى)) يجب الوفاء إذا نذر إتيان المسجدين؛ وهو مذهب مالك وأحمد ؛ لأن ذلك طاعة لله . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) هذا إن كان قصد أن يسافر المسجد للصلاة فيه وللاعتكاف ونحو ذلك . وأما إذا كان قصده نفس زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا للعبادة في مسجده لم يف بهذا النذر ؛ نص عليه مالك وغيره من العلماء ؛ وليس بين الأئمة فى ذلك نزاع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا)) أخرجاه فى الصحيحين . ١٢٤ فمن نذر سفراً إلى بقعة ليعظمها غير هذه الثلاثة كالسفر إلى الطور الذى كلم الله عليه موسى بن عمران ، أو غار حراء الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه، أو غار ثور الذى قال الله تعالى فيه: (ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى اَلْغَارِ) لم يف بهذا النذر باتفاق الأئمة ؛ فكيف بما سوى ذلك من الغيران والكهوف ، وكذلك لو نذر السفر إلى قبر الخليل عليه السلام ، أو قبر أبى بريد ، أو قبر أحمد بن حنبل ، أو قبور أهل البقيع ؛ فإن زيارة القبور مشروعة لمن كان قريبا منها ، وكان مقصوده الدعاء للميت . فأما السفر إليها فتهی عنه . وأما الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم: نجمهور العلماء على أنه أيضا منهي عنه ولا تنعقد به اليمين، ولا كفارة فيه (هذا) قول مالك وأبي حنيفة والشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين عنه .. وعنه تنعقد به اليمين. فصل ((النوع الثاني)) أيمان المسلمين ؛ فإن حلف باسم الله فهى أيمان منعقدة بالنص والإجماع ، وفيها الكفارة إذا حنث . وإذا حلف بما يلتزمه لله كالحلف بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق مثل أن يقول : إن فعلت كذا فعلي عشر حجج . أو فالى صدقة . أو : على صيام شهر. أو: فنسائي طوالق : أو عبيدى أحرار . أو يقول : الحل على حرام لا أفعل كذا . أو ١٢٥ الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا وكذا. أو إلا فعلت كذا . وإن فعلت كذا فنسائي طوالق . أو عبيدى أحرار ، ونحو ذلك : فهذه الأيمان أيمان المسلمين عند الصحابة وجمهور العلماء ، وهى أيمان منعقدة . وقال طائفة : بل هو من جنس الحلف بالمخلوقات ، فلا تنعقد . والأول أصح ، وهو قول الصحابة؛ فإن عمر وابن عمر وابن عباس وغيرهم كانوا ينهون عن النوع الأول ، وكانوا يأمرون من حلف بالنوع الثانى أن يكفر عن يمينه ، ولا ينهونه عن ذلك فإن هذا من جنس الحلف بالله والنذر الله . وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كفارة النذر كفارة يمين )» فقول القائل : لله علي أن أفعل كذا . إن قصد به اليمين فهو يمين؛ كمالو قال: لله على كذا.أو إن أقتل فلانا فعلي كفارة: فى مذهب أحمد، وأبي حنيفة ، وهو الذى ذكره الخراسانيون فى مذهب الشافعي . فالذين قالوا: هذه يمين منعقدة. منهم من ألزم الحالف بما التزمه ، فألزمه إذا حنث بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام ، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة . ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق وبين غيرهما . وهو المعروف عن الشافعي . ومنهم من فرق بين النذر وغيره ، وهو المشهور عن أحمد، ومنهم من فرق بين الطلاق وغيره، وهو أبو ثور . والصحيح أن هذه الأمان كلها فيها كفارة إذا حنث ، ولا يلزمه إذا حنث لا نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام . وهذا معنى أقوال الصحابة ، فقد ثبت النقل عنهم صريها بذلك فى الحلف بالعتق والنذر . وتعليلهم ، وعموم كلامهم ١٢٦ يتناول الحلف بالطلاق وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنه لا يلزم الحلف. بالطلاق طلاقا كما ثبت عن طاووس ، وعكرمة ، وعن أبي جعفر ، وجعفر ابن محمد. ومن هؤلاء من ألزم الكفارة، وهو الصحيح . ومنهم من لم يلزمه الكفارة . فالعلماء فى الحلف بالطلاق أكثر من ((أربعة أقوال)) قيل: يلزمه مطلقاً؛ كقول الأربعة . وقيل: لا يلزمه مطلقا؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعى وابن حزم ، وغيرهما . وقيل : إن قصد به اليمين لم يلزمه ، وهو أصح الأقوال: وهو معنى قول الصحابة ((اليمين)). ففى لزوم الكفارة ((قولان)) أصحهم أنه يلزمه إذا كانت اليمين على مستقبل ، فإن كانت اليمين على ماض أو حاضر قصده به الخبر - لا الحض والمنع - كقوله: والله لقد فعلت كذا. أو لم أفعله . وقوله: الطلاق يلزمنى لقد فعلت كذا . أو لم أفعله . أو الحل على حرام لقد فعلت كذا. فهذا إما أن يكون معتقداً صدق نفسه؛ أو يعلم أنه كاذب؛ فإن كان يعتقد صدق نفسه ((ففيه ثلاثة أقوال)). ((أحدها)) لا يلزمه شىء فى جميع هذه الأيمان؛ وهذا أظهر قولي الشافعى ؛ والرواية الثانية عن أحمد. فمن حلف بالطلاق والعتاق أو غيرهما ١٢٧ على شىء يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا شيء عليه على هذا القول ، وهذا أصح الأقوال . ((والثانى)) يكون كالحلف على المستقبل فى الجميع، وهذا هو القول الثانى للشافعى، والرواية الثانية عن أحمد. فعلى هذا تلزمه الكفارة فيما يكفره ((والقول الثالث)) أن يمينه إذا كانت مكفرة كالحلف باسم الله فلاشيء عليه ؛ بل هذا من لغو اليمين ؛ وإن كانت غير مكفرة كالحلف بالطلاق والعتاق لزمه ذلك ، وهذا مذهب مالك؛ وأبى حنيفة ، وأحمد فى المشهور فإذا كانت اليمين غموسا - وهو أن يحلف كاذبا عالما بكذب نفسه - فهذه اليمين يأثم بها باتفاق المسلمين ، وعليه أن يستغفر الله منها، وهي كبيرة من الكبائر ؛ لا سيما إن كان مقصوده أن يظلم غيره ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان)). ثم إن كانت مما يكفر : ففيها كفارة عند الشافعى وأحمد فى رواية، وأما الأكثرون فقالوا: هذه أعظم من أن تكفر ، وهذا قول مالك وأبى حنيفة ؛ وأحمد فى المشهور عنه . قالوا : والكبائر لا كفارة فيها كمالا كفارة فى السرقة ، والزنا ، وشرب الخمر ؛ وكذلك قتل العمد لا كفارة فيه عند الجمهور . ١٢٨ وإذا حلف بالتزام يمين غموس ، كالصورة التى سأل عنها السائل مثل أن يقول : الحل عليه حرام ما فعلت كذا . أو الطلاق يلزمني ما فعلت كذا. أو إن فعلت كذا . فمالي صدقة . أو فعلي الحج. أوقنسائى طوالق. أو عبيدى أحرار . فقيل : تلزمه هذه اللوازم إذا قلنا لا كفارة فى الغموس ؛ وإن قلنا : هذه أمان مكفرة فى المستقبل ؛ لأنه لو لم يلزمه ذلك لظلت هذه الأيمان عن الكفارة ، ولزوم ما التزمه، وهو اختيار ((جدى أبى البركات)) وكذلك قال محمد بن مقاتل الرازى : من حلف بالكفر يمينا غموسا كفر . ((والقول الثانى)) أن هذا كاليمين الغموس بالله ، هى من الكبائر ، ولا يلزمه ما التزمه من النذر والطلاق والحرام ، وهو أصح القولين . وعلى هذا القول فكل من لم يقصده لم يلزمه نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام ، سواء كانت اليمين منعقدة أو كانت غموسا ، أو كانت لغواً، وإنما يلزم الطلاق والعتاق والنذر لمن قصد ذلك؛ فإن التعليق ((نوعان )) نوع يقصد به وقوع الجزاء إذا وقع الشرط : فهذا تعليق لازم . فإذا علق النذر أو الطلاق أو العتاق على هذا الوجه لزمه . فإذا قال لامر أته : إذا تطهرت من الحيض فأنت طالق . أو إذا تبين حملك فأنت طالق وقع بها الطلاق عند الصفة ، وكذلك إذا علقه بالهلال ، وكذلك لو نهاها عن أمر وقال : إن فعلته فأنت طالق : وهو إذا فعلته يريد أن يطلقها فإنه يقع به الطلاق ، ونحو هذا . ١٢٩ بخلاف مثل أن ينهاها عن فاحشة أو خيانة أو ظلم فيقول : إن فعلتيه أنت طالق . فهو وإن كان يكره طلاقها ؛ لكن إذا فعلت ذلك المنكر كان طلاقها أحب إليه من أن يقيم معها على هذا الوجه . فهذا يقع به الطلاق ، فقد ثبت عن الصحابة أنهم أو قموا الطلاق المعلق بالشرط إذا كان قصده وقوعه عند الشرط ، كما الزموه بالنذر ؛ بخلاف من كان قصده اليمين . والذى قصده اليمين هو مثل الذى يكره الشرط ويكره الجزاء وإن وقع الشرط ، مثل أن يقول : إن سافرت معكم فنسائى طوالق، وعبيدى أحرار ومالي صدقة وعلى عشر حجج. وأنا برىء من دين الإسلام، ونحو ذلك فهذا مما يعرف قطعا أنه لا يريد أن تلزمه هذه الأمور، وإن وجد الشرط . فهذا هو الحالف . فيجب الفرق فى جميع التعليقات ، ومن قصده وقوع الجزاء ومن قصده اليمين. فإذا طلق امرأته طلاقا منجزا، أو معلقا بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها : وقع به الطلاق إذا كان حلالا ، وهو أن يطلقها طلقة واحدة فى طهر لم يصبها فيه ، أو حامل قدتبين حملها . (( وأما الطلاق الحرام)) كما لوطلق فى الحيض، أو الطهر بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها: ففيه نزاع. والأظهر أنه لا يلزم، كما لا يلزم النكاح المحرم ونحوه . وجمع الثلاث حرام عند الجمهور. فإذا طلق ثلاثا : فهل يلزمه الثلاث ؟ أو واحدة ؟ ففيه قولان ، أظهرهما أنه لا يلزمه إلا واحدة . وقد بسطنا الكلام على هذه المسائل فى غير هذا الموضع. والله أعلم . ١٣٠ وقال رحمه اللّه تعالى إذا ((حلف الرجل بالطلاق)) فقال: الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا؛ أولا أفعله . أو الطلاق لازم لي لأفعلنه. أو إن لم أفعله فالطلاق يلزمنى. أو لازم ونحو هذه العبارات التى تتضمن التزام الطلاق فى يمينه ، ثم حنث فى عينه : فهل يقع به الطلاق؟ فيه ((قولان)) لعلماء المسلمين فى المذاهب الأربعة وغيرها من مذاهب علماء المسلمين . ((أحدهما)) أنه لا يقع الطلاق، وهذا منصوص عن أبى حنيفة نفسه وهو قول طائفة من أصحاب الشافعى : كالقفال، وأبى سعيد المتولي صاحب ((التتمة)) وبه يفتى ويقضى فى هذه الأزمنة المتأخرة طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وغيرهم من أهل السنة والشيعة فى بلاد الشرق ، والجزيرة ، والعراق، وخراسان، والحجاز ، واليمن وغيرها . وهو قول داود وأصحابه - كابن حزم وغيره - كانوا يفتون ويقضون فى بلاد فارس والعراق والشام ومصر وبلاد المغرب إلى اليوم ، فإنهم خلق عظيم ، وفيهم قضاة ومفتون عدد کثیر . وهو قول طائفة من السلف کطاووسوغیر طاووس . وبه يفتى كثير ١٣١ من علماء المغرب فى هذه الأزمة المتأخرة من المالكية وغيرم، وكان بعض شيوخ مصر يفتى بذلك، وقد دل على ذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل المنصوص عنه وأصول مذهبه فى غير موضع . ولو ((حلف بالثلاث)) فقال: الطلاق يلزمنى ثلاثا لأفعلن كذا، ثم لم يفعل فكان طائفة من السلف والخلف من أصحاب مالك وأحمدبن حنبل وداود وغيرهم يفتون بأنه لا يقع به الثلاث ؛ لكن منهم من يوقع به واحدة، وهذا منقول عن طائفة من الصحابة والتابعين وغيرهم فى التنجيز ؛ فضلا عن التعليق واليمين. وهذا قول من اتبعهم على ذلك من أصحاب مالك، وأحمد ، وداود فى التنجيز والتعليق ، والحلف . ومن السلف طائفة من أعيانهم فرقوا فى ذلك بين المدخول بها وغير المدخول بهـ والذين لم يوقعوا طلاقا بمن قال الطلاق يلزمني لأفعلن كذا: منهم من لا يوقع به طلاقا؛ ولا يأمره بكفارة. ومنهم من يأمره بكفارة. وبكل من القولين أفتى كثير من العلماء. وقد بسطت أقوال العلماء فى هذه المسائل ، وألفاظهم ، ومن نقل ذلك منهم؛ والكتب الموجود ذلك فيها؛ والأدلة على هذه الأقوال فى مواضع أخر تبلغ عدة مجلدات. ١٣٢ وهذا بخلاف الذى ذكرته فى مذهب أبى حنيفة والشافعى؛ وهو فيما إذا حلف بصيغة اللزوم مثل قوله . الطلاق يلزمنى ؛ ونحو ذلك وهذا النزاع فى المذهبين سواء كان منجزا، أو معلقا بشرط ، أو محلوفا به : ففى المذهبين: هل ذلك صريح ؟ أو كناية؟ أو لا صريح ولا كناية فلا يقع به الطلاق وإن نواه؟ ثلاثة أقوال . وفى مذهب أحمد قولان هل ذلك صريح؛ أو كناية. وأما الحلف بالطلاق أو التعليق الذى يقصد به الحلف: فالنزاع فيه من غيرهم بغير هذه الصيغة . فمن قال : إن من أفتى بأن الطلاق لا يقع فى مثل هذه الصورة خالف الإجماع، وخالف كل قول فى المذاهب الأربعة فقد أخطأ؛ واقتفى مالا علم به ؛ وقد قال الله تعالى: ( وَلَنَقْفُ مَالَسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمُ ) بل أجمع الأئمة الأربعة وأتباعهم وسائر الأمة مثلهم على أنه من قضى بأنه لا يقع الطلاق فى مثل هذه الصورة لم يجز نقض حكمه. ومن أفتى به ممن هو من أهل الفتيا ساغ له ذلك ، ولم يجز الإنكار عليه باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين ولا على من قلده. ولو قضى أو أفتى بقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة فى مسائل الأيمان والطلاق وغيرهما مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين ولم يخالف كتابا ولا سنة ولا معنى ذلك؛ بل كان القاضى به والمفتى به يستدل عليه بالأدلة الشرعية - كالاستدلال بالكتاب والسنة - فإن هذا يسوغ له أن يحكم به ويفتى به . ١٣٣ ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم ، ولا منعه من الحكم به ، ولا من الفتيابه، ولا منع أحد من تقليده. ومن قال: إنه يسوغ المنع من ذلك فقد خالف إجماع الأئمة الأربعة؛ بل خالف إجماع المسلمين، مع مخالفته لله ورسوله؛ فإن الله تعالى يقول فى كتابه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَ طِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنَّكُمْ فَإِ نَعْهُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُإِلَى اللَّهِ وَّسُولِ إِنَ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اُلْآَخِّذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) فأمر الله المؤمنين بالرد فيما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وهو الرد إلى الكتاب والسنة . فمن قال: إنه ليس لأحد أن يرد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة؛ بل على المسلمين اتباع قولنا دون القول الآخر من غير أن يقيم دليلا شرعيا - كالاستدلال بالكتاب والسنة - على صحة قوله فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وتجب استتابة مثل هذا وعقوبته، كما يعاقب أمثاله . فإذا كانت المسئلة مما تنازع فيه علماء المسلمين، وتمسك بأحد القولين؛ لم يحتج على قوله بالأدلة الشرعية - كالكتاب والسنة - وليس مع صاحب القول الآخر من الأدلة الشرعية ما يبطل به قوله : لم يكن لهذا الذى ليس معه حجة تدل على صحة قوله أن يمنع ذلك الذي يحتج بالأدلة الشرعية بإجماع المسلمين ؛ بل جوز أن يمنع المسلمون من القول الموافق للكتاب والسنة ، وأوجب على الناس اتباع القول الذى يناقضه بلا حجة شرعية توجب عليهم اتباع هذا القول ، وتحرم عليهم اتباع ذلك القول ؛ فإنه قد انسلخ من الدين تجب استتابته وعقوبته ١٣٤ كأمثاله،وغايته أن يكون جاهلا فيعذر بالجهل أولاً حتى يتبين له أقوال أهل العلم ودلائل الكتاب والسنة ؛ فإن أصر بعد ذلك على مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، واتبع غير سبيل المؤمنين: فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلاقتل وكل يمين من أيمان المسلمين غير اليمين بالله عز وجل : مثل الحلف بالطلاق والعتاق، والظهار، والحرام، والحلف بالحج، والمشى، والصدقة ، والصيام، وغير ذلك : فالعلماء فيها نزاع معروف عند العلماء، سواء حلف بصيغة القسم فقال : الحرام يلزمنى: أو العتق يلزمنى: لأ فعلن كذا . أو حلف بصيغة العتق فقال: إن فعلت كذا فعلي الحرام، ونسائى طوالق، أو فعبيدى أحرار، أو مالى صدقة ، وعلي المشى إلى بيت الله تعالى . واتفقت الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين على أنه يسوغ للقاضى أن يقضى فى هذه المسائل جميعها بأنه إذا حنث لا يلزمه ما حلف به؛ بل إما أن لا يجب عليه شيء. وإما أن تجزيه الكفارة ويسوغ للمفتى أن يقضى بذلك. ومازال فى المسلمين من يفتى بذلك من حين حدث الحلف بها . وإلى هذه الأزمنة : منهم من يفتى بالكفارة فيها . ومنهم يفتى بأنه لا كفارة فيها ، ولا لزوم المحلوف به كما أن منهم من يفتى بلزوم المحلوف به . وهذه الأقوال الثلاثة فى الأمة من يفتى بها بالحلف بالطلاق والعتاق والحرام والنذر. وأما إذا حلف بالمخلوقات كالكعبة، والملائكة؛ فإنه لا كفارة فى هذا باتفاق المسلمين . ١٣٥ فالأمان ((ثلاثة أقسام)): إما الحلف بالله ففيه الكفارة بالاتفاق. وإما الحلف بالمخلوقات فلا كفارة فيه بالاتفاق ؛ إلا الحلف بالنبى صلى الله عليه وسلم . ((قولان)) فى مذهب أحمد. والجمهور أنه لا كفارة فيه ، وقد عدی بعض أصحاب ذلك إلى جميع النبيين . وجماهير العلماء من أصحاب أحمد وغير م على خلاف ذلك . وأما ما عقد من الأيمان بالله تعالى وهو هذه الايمان فللمسلمين فيها (( ثلاثة أقوال)) وإن كان من الناس من ادعى الإجماع فى بعضها: فهذا كما إن كثيرا من مسائل النزاع يدعى فيها الإجماع من لم يعلم النزاع، ومقصوده أني لا أعلم نزاما . فمن علم النزاع وأثبته كان مثبتا عالما ، وهو مقدم على النافى الذى لا يعلمه باتفاق المسلمين . وإذا كانت المسئلة مسئلة نزاع فى السلف والخلف، ولم يكن مع من ألزم الحالف بالطلاق أو غيره نص كتاب ولاسنة ولا إجماع : كان القول بنفى لزومه سائنا باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين؛ بل هم متفقون على أنه ليس لأحد أن يمنع قاضيا يصلح للقضاء أن يقضى بذلك، ولا يمنع مفتيا يصلح للفتيا آن يفتي بذلك؛ بلهم يسوغون الفتيا والقضاء فى أقوال ضعيفة ؛ لوجودالخلاف فيها، فكيف يمنعون مثل هذا القول الذى دل عليه الكتاب والسنة والقياس الصحيح الشرعى ، والقول به ثابت عن السلف والخلف ؛ بل الصحابة الذين م خير هذه الأمة ثبت عنهم أنهم أفتوافى الحلف بالعتق الذى هو أحب إلى الله تعالى من الطلاق: أنه لا يلزم الحالف به؛ بل يجزيه ١٣٦ كفارة عين. فكيف يكون قولهم فى الطلاق الذى هو أبغض الحلال إلى الله ؟! وهل يظن بالصحابة رضوان الله عليهم أنهم يقولون فيمن حلف بما يحبه الله من الطاعات - كالصلاة، والصيام، والصدقة، والحج : أنه لا يلزمه أن يفعل هذه الطاعات ؛ بل يجزيه كفارة يمين؛ ويقولون فيما لا يحبه الله؛ بل يبغضه: إنه يلزم من حلف به. وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالكفر والإسلام أنه لا يلزمه كفر ولا إسلام ؛ فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهوديا بالاتفاق. وهل يلزمه كفارة يمين؟ على ((قولين)) ((أحدهما)) يلزمه؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد فى المشهور عنه. ((والثانى)) لا يلزمه؛ وهو قول مالك والشافعى؛ ورواية عن أحمد ؛ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه إذا اعتقد أنه يصير كافرا إذا حنث وحلف به فإنه يكفر . قالوا : لأنه مختار للكفر . والجمهور قالوا : لا يكفر ؛ لأن قصده أن لا يلزمه الكفر ؛ فلبغضه له حلف به . وهكذا كل من حلف بطلاق أو غيره إنما يقصد بيمينه أنه لا يلزمه لفرط بغضه له . وبهذا فرق الجمهور بين ((نذر التبرر)) و((نذر اللجاج والغضب))قالوا: لأن الأول قصده وجود الشرط والجزاء ؛ بخلاف الثانى . فإذا قال : إن شفى الله ١٣٧ مريضي فعلي عتق رقبة . أو فعبدي حر: لزمه ذلك بالاتفاق . وأما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي عتق رقبة . أو فعبدي حر. وقصده أن لا يفعله فهذا موضع النزاع : هل يلزمه العتق فى الصورتين ؟ أو لا يلزمه فى الصورتين ؟ أو يجزيه كفارة يمين ؟ أو يجزيه الكفارة فى تعليق الوجوب دون تعليق الوقوع ؟ وهذه الأقوال الثلاثة فى الطلاق ولو قال اليهودى : إن فعلت كذا فأنا مسلم وفعله لم يصر مسلما بالاتفاق لأن الحالف حلف ما يلزمه وقوعه . وهكذا إذا قال المسلم: إن فعلت كذا فنسائي طوالق ، وعبيدي أحرار ؛ وأنا يهودى : هو يكره أن يطلق نساءه، ويعتق عبيده، ويفارق دينه، مع أن المنصوص عن الأئمة الأربعة وقوع العنق . ومعلوم أن سبعة من الصحابة : مثل ابن عمر ، وابن عباس، وأبى هريرة وعائشة، وأم سلمة، وحفصة ، وزينب ربيبة النبى صلى الله عليه وسلم أجل من أربعة من علماء المسلمين، فإذا قالوام وأئمة التابعين أنه لا يلزمه العتق المحلوف به ؛ بل يجزيه كفارة يمين: كان هذا القول - مع دلالة الكتاب والسنة - إنما يدل على هذا القول . فكيف يسوغ لمن هو من أهل العلم والإيمان أن يلزم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقول المرجوح فى الكتاب والسنة والأفيسة الصحيحة الشرعية، مع مالهم [من ]مصلحة دينهم ودنياه؛ فإن ١٣٨ فى ذلك من صيانة أنفسهم ، وحريمهم، وأموالهم، وأعراضهم، وصلاح ذات بينهم، وصلة أرحامهم ؛ واجتماعهم على طاعة الله ورسوله ؛ واستغنائهم عن معصية الله ورسوله : مايوجب ترجيحه لمن لا يكون عارفا بدلالة الكتاب والسنة؛ فكيف بمن كان عارفا بدلالة الكتاب والسنة . فإن القائل بوقوع الطلاق ليس معه من الحجة ما يقاوم قول من نفى وقوع الطلاق . [ ولو] اجتهد من اجتهد فى إقامة دليل شرعى سالم عن المعارض المقاوم على وقوع الطلاق على الحالف لعجز عن ذلك ، كما عجز عن تحديد ذلك . فهل يسوغ لأحد أن يأمر بما يخالف إجماع المسلمين، ويخرج عن سبيل المؤمنين؛ فإن القول الذى ذهب إليه بعض العلماء. وهو لم يعارض نصا ولا إجماعا ولا مافى معنى ذلك ويقدم عليه الدليل الشرعى من الكتاب والسنة والقياس الصحيح ليس لأحد المنع من الفتيا به والقضاء به . وإن لم يظهر رجحانه، فكيف إذا ظهر رجحانه بالكتاب والسنة ، وبين ما لله فيه من المنة . ) وقال فى فإن الله تعالى يقول: ( قَدْفَرَضَ اللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ كتابه: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَفْتُمُ ) وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على عين فرأى غيرها خيراً منها ء فليكفر عن يمينه وليات الذى هو خير )» وهذا مروي عن النبي صلى الله ١٣٩ عليه وسلم من وجوه كثيرة، وفى مسلم من حديث أبى هريرة ، وعدى بن حاتم ، وأبى موسى الأشعرى، وفى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها)) وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لأن يلج أحدكم بيمينه فى أهله آم له من أن يعطى الكفارة التى فرض الله)). وقال البخارى: من استلج فى أهله فهو أعظم إنما. فقوله صلى الله عليه وسلم (يلج)) من اللجاج؛ ولهذا سميت هذه الأيمان ((نذر اللجاج، والغضب ». والألفاظ التى يتكلم بها الناس فى الطلاق ((ثلاثة أنواع)): (صيغة التنجيز . والإرسال)) كقوله: أنت طالق، أو مطلقة فهذا يقع به الطلاق باتفاق المسلمين . ((الثانى)) صيغة قسم ، كقوله : الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا . أو لا أفعل كذا . فهذا يمين باتفاق أهل اللغة ، واتفاق طوائف الفقهاء، واتفاق العامة ، واتفاق أهل الأرض . ((الثالث)» صيغة تعليق، كقوله: إن فعلت كذا فامر أتى طالق. فهذه إن كان قصده به اليمين - وهو الذي يكره وقوع الطلاق مطلقاً كما يكره ١٤٠