Indexed OCR Text

Pages 81-100

كثيرة قوية: من الكتاب والسنة؛ والآثار، والاعتبار، كما هو مبسوط
فى موضعه .
وسبب ذلك أن ((الأصل فى الطلاق الحظر)) وإنما أبيح منه قدر الحاجة
كما ثبت فى الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن إبليس ينصب
عرشه على البحر ، ويبعث سراياه : فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة ، فيأتيه
الشيطان فيقول : ما زلت به حتى فعل كذا ؛ حتى يأتيه الشيطان فيقول :
ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته ؛ فيدنيه منه؛ ويقول: أنت! أنت!
ويلتزمه)) وقد قال تعالى فى ذم السحر: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَايُفَرِّقُونَ بِهِ،
بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المختلعات
والمنتزعات هن المنافقات)) وفى السنن أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس رام عليها رائحة الجنة))
ولهذا لميبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا
غيره ، وإذا كان إنما أبيح للحاجة ، فالحاجة تندفع بواحدة ، فمازاد فهو باق
على الحظر .
((الأصل الثانى)) أن الطلاق المحرم الذى يسمى ((طلاق البدعة)) إذا أوقعه
الإنسان هل يقع ، أم لا؟ فيه نزاع بين السلف والخلف. والأكثرون يقولون
بوقوعه مع القول بتحريمه . وقال آخرون : لا يقع . مثل طاووس، وعكرمة ،
وخلاس ، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة ، وأهل الظاهر :
٨١

كداود، وأصحابه. وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن
أبى جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، وهو قول
أهل الظاهر : داود وأصحابه ؛ لكن منهم من لا يقول بتحريم الثلاث . ومن
أصحاب أبى حنيفة ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع مجموع الثلاث إذا أوقعها
جميعاً؛ بل يقع منها واحدة؛ ولم يعرف قوله فى طلاق الحائض؛ ولكن وقوع الطلاق
جميعا قول طوائف من أهل الكلام والشيعة . ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول:
إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلاً؛ لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله
سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وطوائف من أهل الكلام والشيعة ؛
لكن ابن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث ؛ فلذا يوقعها ، وجمهورهم
على تحريمها، وأنه لا يقع إلا واحدة. ومنهم من عرف قوله فى الثلاث ولم يعرف
قوله فى الطلاق فى الحيض ، كمن ينقل عنه من أصحاب أبى حنيفة ومالك . وابن
عمر روي عنه من وجهين أنه لا يقع . وروي عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت:
أنه یقع . وروی ذلك عن زید .
وأما ((جمع الثلاث)) فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة : روي الوقوع
فيها عن عمر، وعثمان، وعلي ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ، وأبى
هريرة . وعمران بن حصين، وغيرهم. وروي عدم الوقوع فيها عن أبى بكر ،
وعن عمر صدراً من خلافته ، وعن على بن أبى طالب ، وابن مسعود، وابن عباس
أيضاً، وعن الزبير ، وعبد الرحمن بن عوف . رضي الله عنهم أجمعين.
٨٢

قال أبوجعفر أحمد بن محمد بن مغيث فى كتابه الذى سماه ((المقنع فى أصول
الوثائق. وبيان مافى ذلك من الدقائق )»: وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا فى كلمة
واحدة ، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق
كم يلزمه من الطلاق ؟ فقال على بن أبى طالب وابن مسعودرضى الله تعالى عنهما: يلزمه
طلقة واحدة، وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ وذلك لأن قوله: ((ثلاثا))
لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات؛ لأنه إذا كان مخبراً عمامضى فيقول: طلقت ثلاث
مرات ، يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه فى ثلاثة أفعال كانت منه، فذلك يصح.
ولو طلقها مرة واحدة فقال : طلقتها ثلاث مرات لكان كاذبا، وكذلك لو حلف
بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أمان وأما لو حلف بالله فقال : أحلف بالله
ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، والطلاق مثله. قال : ومثل ذلك قال الزبير
ابن العوام، وعبد الرحمن بن عوف روينا ذلك كله عن ابن وضاح يعنى الإمام
محمد بن وضاح الذى يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبى شيبة ويحيى بن معين
وسحنون بن سعيد وطبقتهم. قال : وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ
هدى، ومحمد بن عبد السلام الحسيني فقيه عصره، وابن بقي بن مخلد ، وأصبغ
ابن الحباب ، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة ، وذكر هذا عن بضعة عشر فقها
من فقهاء طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس .
قلت : وقد ذكره التلمسانى رواية عن مالك، وهو قول محمد بن مقاتل
الرازى من أئمة الحنفية ، حكاه عن المازني وغيره، وقد ذكر هذا رواية عن
٨٣

مالك ، وكان يفتى بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية ، وهو وغيره
يحتجون بالحديث الذى رواه مسلم فى صحيحه وأبوداود وغيرهما عن طاووس، عن
ابن عباس أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر
وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب إن الناس
قد استعجلوا أمراً كان لهم ، فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وفى
رواية : أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك! ألم يكن طلاق الثلاث
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك. فلما كان
فى عهد عمر تتابع الناس فى الطلاق فأمضاه عليهم وأجازه.
والذينردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة ، وكذلك كل حديث
فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة . أو أن أحداً فى
زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك : مثل حديث يروى عن على ، وآخر عن عبادة بن
الصامت ، وآخر عن الحسن عن ابن عمر ، وغير ذلك ، فكلها أحاديث
ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث ، بل هى موضوعة ، ويعرف أهل العلم بنقد
الحديث أنها موضوعة ، كما هو مبسوط فى موضعه .
وأقوى ماردوه به أنهم قالوا : ثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى
بلزوم الثلاث .
٨٤

وجواب المستدلين أن ابن عباس روي عنه من طريق عكرمة أيضاً أنه
كان يجعلها واحدة ؛ وثبت عن عكرمة عن ابن عباس مايوافق حديث طاووس
مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفا على ابن عباس ؛ ولم يثبت خلاف
ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالمرفوع ((أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛
فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم)) قال الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده: حدثنا
سعيد بن إبراهيم ؛ حدثنا أبي ؛ عن ابن إسحاق ، حدثنى داود بن الحصين ،
عن عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته
ثلاثا فى مجلس واحد ؛ فخزن علها حزنا شديداً قال: فسأله رسول الله صلى الله
عليه وسلم. ((كيف طلقتها))؟ قال: فقال: طلقتها ثلاثاقال: ((فى مجلس واحد))؟
قال: نعم. قال. ((فإنها تلك واحدة فارجعها إن شئت)) قال. فراجعها؛
وكان ابن عباس يقول : إما الطلاق عند كل طهر .
قلت وهذا الحديث قال فيه ابن إسحاق حدثنى داود؛ وداود من شيوخ
مالك ورجال البخارى ؛ وابن إسحاق إذا قال . حدثنى. فهو ثقة عند أهل
الحديث. وهذا إسناد جيد؛ وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود فى السنن ؛
ولم يذكر أبوداود هذا الطريق الجيد ؛ فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا أصح؛
وليس الأمر كما قاله ؛ بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك ؛ وهو كما
قال أحمد . وقد بسطنا الكلام على ذلك فى موضع آخر .
٨٥

وهذا المروى عن ابن عباس فى حديث ركانة من وجهين ، وهورواية
عكرمة عن ابن عباس من وجهين عن عكرمة ، وهو أثبت من رواية عبدالله
ابن علي بن يزيد بن ركانة ونافع بن عجين: أنه طلقها ألبتة ، و(( أن النبى
صلى الله عليه وسلم استحلفه، فقال: ما أردت إلا واحدة؟)) فإن هؤلاء
مجاهيل لا تعرف أحوالهم، وليسوا فقهاء، وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل
وأبو عبيد ، وابن حزم ، وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل : حديث ركانة فى
ألبتة ليس بشىء. وقال أيضا : حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة
لأن ابن إسحق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس (( أن
ركانة طلق امرأته ثلاثا)) وأهل المدينة يسمون ((ثلاثا)) ألبتة. فقد استدل أحمد
على بطلان حديث ألبتة بهذا الحديث الآخر الذى فيه أنه طلقها ثلاثا ، وبين
أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق ألبتة ، وهذا يدل على ثبوت
الحديث عنده ، وقد بينه غيره من الحفاظ ، وهذا الإسناد وهو قول ابن
إسحق : حدثنى داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : هو
إسناد ثابت عن أحمد وغيره من العلماء. وبهذا الإسنادروى: ((أن النبى صلى
الله عليه وسلم رد ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول)) وصحح ذلك أحمد
وغيره من العلماء. وابن إسحق إذا قال: حدثنى. حديثه صحيح عند أهل الحديث
إنما يخاف عليه التدليس إذا عنعن ، وقد روى أبو داود فى سننه هذا عن ابن
عباس من وجه آخر ، وكلاهما یوافق حدیث طاووس عنه ، وأحمد کانیعارض
حديث طاووس بحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها ثلاثا ، ونحوه .
٨٦

وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا ، ثم رجع أحمد عن ذلك ، وقال
تدبرت القرآن فوجدت الطلاق الذي فيه هو الرجعي . أو كما قال. واستقر
مذهبه على ذلك ، وعليه جمهور أصحابه ، وتبين من حديث فاطمة أنها كانت
مطلقة ثلاثا متفرقات ؛ لامجموعة ، وقد ثبت عنده حديثان عن النبى صلى الله
عليه وسلم: أن من جمع ثلاثا لم يلزمه إلا واحدة . وليس عن النبى صلى الله
عليه وسلم ما يخالف ذلك ؛ بل القرآن يوافق ذلك ، والنهي عنده يقتضى
الفساد . فهذه النصوص والأصول الثابتة عنه تقتضى من مذهبه أنه لا يلزمه
إلا واحدة ، وعدوله عن القول بحديث ركانة وغيره كان أولاً لما عارض ذلك
عنده من جواز جمع الثلاث ؛ فكان ذلك يدل على النسخ ؛ ثم إنه رجع عن
المعارضة ، وتبين له فساد هذا المعارض . وأن جمع الثلاث لا يجوز : فوجب
على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض، وليس يعل حديث طاووس بفتيا
ابن عباس بخلافه ؛ وهذا عامه فى إحدى الروايتين عنه ؛ ولكن ظاهر مذهبه
الذى عليه أصحابه أن ذلك لا يقدح فى العمل بالحديث ، لاسيما وقدبين ابن عباس
عذر عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى الإلزام بالثلاث. وابن عباس عذره هو
العذر الذي ذكره عن عمر رضى الله عنه، وهو أن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله
عليهم استحقوا العقوبة على ذلك فعوقبوا بلزومه ؛ بخلاف ما كانوا عليه قبل
ذلك ؛ فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم.
٨٧

وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب
فيها ثمانين، وينفي فيها ، ويحلق الرأس ؛ ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله
عليه وسلم ، وكما قاتل على بعض أهل القبلة ولم يكن ذلك على عهد النبي صلى الله
عليه وسلم ، والتفريق بين الزوجين هو مما كانوا يعاقبون به أحيانا: إما مع بقاء
النكاح، وإما بدونه . فالنبى صلى الله عليه وسلم فرق بين الثلاثة الذين خلفوا
وبين نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق، والمطلق ثلاثًا حرمت عليه
امرأته حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق ، وعمر بن الخطاب
ومن وافقه كمالك وأحمد فى إحدى الروايتين حرموا المنكوحة فى العدة على
الناكح أبداً؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده، والحكمان لهما عند
أكثر السلف أن يفرقا بينهما بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالما معتديا؛ لما فى ذلك
من منعه من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة ، ودل على ذلك الكتاب والسنة
والآثار، وهو قول مالك وأحد القولين فى مذهب الشافعي وأحمد، وإلزام عمر
بالثلاث لما أكثروا منه: إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة ، وإما
أن يكون رآه شرعاً لازما ؛ لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون
لا يوقعونه إلا قليلا :
وهكذا كما اختلف كلام الناس فى نهيه عن المتعة : هل كان نهى اختيار؛
لأن إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة كان أفضل من التمتع؟ أو كان قد نعى
عن الفسح ؛ لاعتقاده أنه كان مخصوصا بالصحابة ؟ وعلى التقديرين فالصحابة قد
٨٨

نازعوه فى ذلك، وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغير م: فى المتعة
وفى الإلزام بالثلاث. وإذا تنازعوا فى شيء وجب ردما تنازعوا فيه إلى الله
والرسول، كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولاسكنى، ونازعه فى ذلك كثير
من الصحابة ، وأكثر العلماء على قولهم. وكان هووابن مسعود يريان أن الجنب
لا يتيمم ، وخالفهماعمار وأبو موسى وابن عباس وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء
على قول هؤلاء؛ لما كان معهم الكتاب والسنة . والكلام على هذا كثير
مبسوط فى موضع آخر. والمقصودهنا التنبيه على ما أخذ الناس به .
والذين لا يرون الطلاق المحرم لازما يقولون: هذا هو الأصل الذي عليه
أئمة الفقهاء : كمالك، والشافعي وأحمد ، وغيرهم . وهو: أن إيقاعات
العقود المحرمة لا تقع لا زمة : كالبيع المحرم ، والنكاح المحرم ، والكتابة
المحرمة، ولهذا أبطلوا نكاح الشغار، ونكاح المحلل، وأبطل مالك وأحمد
البيع يوم الجمعة عند النداء ؛ وهذا بخلاف الظهار المحرم ، فإن ذلك نفسه
محرم ؛ كما يحرم القذف، وشهادة الزور ، واليمين الغموس، وسائر الأقوال
التى هي فى نفسها محرمة : فهذا لا يمكن أن ينقسم إلى صحيح وغير صحيح ؛
بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال ، فعوقب المظاهر بالكفارة ، ولم
يحصل ماقصده به من الطلاق ؛ فإنهم كانوا يقصدون به الطلاق وهو موجب
لفظه ؛ فأبطل الشارع ذلك لأنه قول محرم ؛ وأوجب فيه الكفارة .
أما الطلاق فجنسه مشروع: كالنكاح والبيع ؛ فهو يحل تارة، ويحرم تارة
٨٩

فينقسم إلى صحيح وفاسد، كما ينقسم البيع والنكاح. والنهي فى هذا الجنس
يقتضي فساد المنهي عنه ، ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فأبطل الشارع
ذلك ؛ لأنه قول محرم : كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق
وإلا فهم كانوا يقصدون الطلاق بلفظ الظهار ؛ كلفظ الحرام . وهذا قياس
أصل الأئمة : مالك ؛ والشافعي ، وأحمد .
ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم فى الطلاق خالفوه لما بلغهم من الآثار.
فلما ثبت عنده عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التى طلق امرأته وهى
حائض قالوا : هم أعلم بقصته ، فاتبعوه فى ذلك . ومن نازعهم يقول :
مازال ابن عمر وغيره يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بمافهموه منها؛ فإن الاعتبار
بما رووه؛ لابمارأوه وفهموه. وقد ترك جمهور العلماء قول ابن عمر الذى فسر به
قوله: ((فاقدروا له)) وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره لحديث
((البيعين بالخيار)) مع أن قوله هو ظاهر الحديث. وترك جمهور العلماء
تفسيره لقوله: (فَأَتُواْ حَرَقَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ ). وقوله نزلت هذه الآية فى كذا.
وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه ، كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن
عباس : أن يبيع الأمة طلاقها ؛ مع أنه روى حديث بريرة ، وأن النبى
صلى الله عليه وسلم خيرها بعد أن بيعت وعتقت ، فإن الاعتبار بما رووه ،
لا مارأوه وفهموه .
٩٠

ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم ألزموا بالثلاث المجموعة قالوا :
لا يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع ؛ واعتقد طائفة لزوم هذا الطلاق
وأن ذلك إجماع ؛ لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا ؛ لا سيما وصار القول بذلك
معروفا عن الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق .
قال المستدلون : هؤلاء الذين هم بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام
يقولون جامع الثلاث لا يقع به شيء : هذا القول لا يعرف عن أحد من
السلف ؛ بل قد تقدم الإجماع على بعضه ؛ وإنما الكلام هل يلزمه واحدة ؟
أو يقع ثلاث ؟ والنزاع بين السلف فى ذلك ثابت لا يمكن رفعه ؛ وليس
مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها : من كتاب ،
ولا سنة ، ولا إجماع ، وإن كان بعضهم قد احتج على هذا بالكتاب ،
وبعضهم بالسنة ، وبعضهم بالإجماع ؛ وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر
من ذلك ؛ لكن المنازع يبين أن هذه كلها حجج ضعيفة ، وأن الكتاب
والسنة والاعتبار إنما تدل على نفي اللزوم ، وتبين أنه لا إجماع فى المسألة ؛ بل
الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا
يجعلون ذلك مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته شرعا لازما، كما شرع
تحريم المرأة بعد الطلقة الثالثة ؛ بل كانوا مجتهدين فى العقوبة بإلزام ذلك إذا
كثر ولم ينته الناس عنه .
٩١

وقد ذكرت الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث
لمن عصى الله بإيقاعها جملة ، فأما من كان يتقى الله فإن الله يقول:
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ ) فمن لا يعلم التحريم
حتى أوقعها ، ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم : فهذا
لا يستحق أن يعاقب ؛ وليس فى الأدلة الشرعية : الكتاب ، والسنة ،
والإجماع ، والقياس: ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين،
وامرأته محرمة على الغير بيقين ، وفى إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه
وذريعة إلى نكاح التحليل الذى حرمه الله ورسوله .
و((نكاح التحليل)) لم يكن ظاهراً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه.
ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح
تحليل؛ بل ((لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له)) و(لعن آكل الربا،
وموكله، وشاهديه، وكاتبه)) ولم يذكر فى التحليل الشهود ولا الزوجة ولا
الولي ؛ لأن التحليل الذي كان يفعل كان مكتوما بقصد المحلل أو يتواطأ عليه
هو والمطلق المحلل له. والمرأة ووليها لا يعلمون قصده، ولو علموا لم يرضوا أن
يزوجوه ؛ فإنه من أعظم المستقبحات والمنكرات عند الناس ؛ ولأن عاداتهم
لم تكن بكتابة الصداق فى كتاب، ولا إشهاد عليه ؛ بل كانوا يتزوجون
ويعلنون النكاح، ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين وقت العقد، كما هو
٩٢

مذهب مالك وأحمدفى إحدى الروايتين عنه؛ وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم
فى الإشهاد على النكاح حديث صحيح. هكذا قال أحمد بن حنبل وغيره.
فلما لم يكن على عهد عمر رضى الله عنه تحليل ظاهر، ورأى
فى إنفاذ الثلاث زجرا لهم عن المحرم : فعل ذلك باجتهاده . أما إذا كان
الفاعل لا يستحق العقوبة، وإنفاذ الثلاث يفضى إلى وقوع التحليل
المحرم - بالنص وإجماع الصحابة - والاعتقاد وغير ذلك من المفاسد
لم يجز أن يزال مفسدة حقيقية بمفاسد أغلظ منها ؛ بل جعل الثلاث واحدة
فى مثل هذا الحال كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى
بكر أولى؛ ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون بلزوم الثلاث
فى حال دون حال، كما نقل عن الصحابة. وهذا: إما لكونهم رأوه من
((باب التعزير)» الذي يجوز فعله بحسب الحاجة؛ كالزيادة على أر بعين فى الخمر
والنفي فيه، وحلق الرأس. وإما لاختلاف اجتهادهم : فرأوه تارة لازما . وتارة
غير لازم .
وبالجملة فما شرعه النبى صلى الله عليه وسلم لأمته ((شرعا لازما)) إما لا
يمكن تغييره، لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا
يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا؛ لا سما الصحابة؛ لاسما
الخلفاء الراشدون ؛ وإنما يظن ذلك فى الصحابة أهل الجهل والضلال : كالرافضة
والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه ولو قدر أن أحداً فعل ذلك
٩٣

لم يقره المسلمون على ذلك ؛ فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة
معصومة أن تجتمع على مثل ذلك ، وقد نقل عن طائفة : كعيسى بن أبان وغيره
من أهل الكلام والرأى من المعتزلة وأصحاب أبى حنيفة ومالك: أن الإجماع
ينسخ به نصوص الكتاب والسنة ، وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن
مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يحملون
الإجماع نفسه ناسخا ، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوز تبديل المسلمين
دينهم بعد نبيهم، كما تقول النصارى من: أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا
ما رأوا تحريمه مصلحة؛ ويحلوا ماراً والمحليله مصلحة ، وليس هذا دين المسلمين
ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم. ومن اعتقد فى الصحابة أنهم كانوا
يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله؛ ولكن يجوز أن يجتهد
الحاكم والمفتى فيصيب فيكون له أجران ، ويخطىء فيكون له أجر واحد.
وما شرعه النبى صلى الله عليه وسلم ((شرعا معلقا بسبب)» إنما يكون
مشروعا عند وجود السبب : كإعطاء المؤلفة قلوبهم ؛ فإنه ثابت بالكتاب
والسنة . وبعض الناس ظن أن هذا نسخ لما روي عن عمر : أنه ذكر أن
الله أغنى عن التألف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط؛
ولكن عمر استغنى فى زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم ، فترك ذلك لعدم الحاجة
إليه ؛ لا لنسخه ، كما لو فرض أنه عدم فى بعض الأوقات ابن السبيل ،
والغارم ونحو ذلك .
٩٤

و ((متعة الحج)» قدروى عن عمر أنه نهى عنها ، وكان ابنه عبد الله
ابن عمر وغيره يقولون : لم يحرمها ؛ وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل،
وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله فى غير أشهر الحج؛ فإن هذه العمرة
أفضل من عمرة المتمتع والقارن باتفاق الأئمة ، حتى إن مذهب أبى حنيفة
وأحمد منصوص عنه: أنه إذا اعتمر فى غير أشهر الحج وأفرد الحج فى
أشهره : فهذا أفضل من مجردالتمتع والقران ؛ مع قولهما بأنه أفضل من
الإفراد المجرد . ومن الناس من قال : إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة .
قالوا ، إن هذا محرم به لا يجوز ، وأن ما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم
أصحابه من الفسخ كان خاصا بهم ، وهذا قول كثير من الفقهاء : كأنى
حنيفة ، ومالك ، والشافعي . وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا ،
وقالوا : بل الفسخ واجب ، ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعاً : مبتدئا ،
أو فاسخا ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فى حجة الوداع، وهذا
قول ابن عباس وأصحابه ومن اتبعه من أهل الظاهر والشيعة. و((القول
الثالث)) : أن الفسخ جائز ، وهو أفضل . ويجوز أن لا يفسخ، وهو
قول كثير من السلف والخلف : كأحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث ؛
ولا يمكن الإنسان أن يحج حجة محما عليها إلا أن يحج متمتعا ابتداء من غير
فسخ . فأما حج المفرد والقارن : ففيه نزاع معروف بين السلف والخلف
كما تنازعوا فى جواز الصوم فى السفر ، وجواز الإتمام فى السفر، ولم
يتنازعوا فى جواز الصوم والقصر فى الجملة .
٩٥

وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة : كعمران بن حصين ،
وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عباس ، وغيرهم؛ بخلاف نهيه عن متعة
النساء فإن عليا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك ، وأنكر على على ابن عباس
إباحة المتعة ، قال : إنك امرؤ تائه ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حرم متعة النساء، وحرم لحوم الحمر الأهلية عام خيبر ، فأنكر علي بن أبى طالب
على ابن عباس إباحة الحمر ، وإباحة متعة النساء ؛ لأن ابن عباس كان يبيح
هذا وهذا، فأنكر عليه علي ذلك وذكر له ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حرم المتعة، وحرم الحمر الأهلية)) ويوم خيبر كان تحريم الخمر
الأهلية . وأما تحريم المتعة فإنه عام فتح مكة ، كما ثبت ذلك فى الصحيح .
وظن بعض الناس أنها حرمت ؛ ثم أبيحت، ثم حرمت. فظنْ بعضهم
أن ذلك ثلاثا ؛ وليس الأمر كذلك
فقول عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة
فلو أنفذناه عليهم فأنفذه عليهم : هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن
ينفذ عليهم الثلاث ، فهذا إما أن يكون كالنهي عن متعة الفسخ ؛ لكون ذلك
كان ذلك مخصوصا بالصحابة وهو باطل ؛ فإن هذا كان على عهد أبى بكر ،
ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك . وبهذا أيضا تبطل دعوى
من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة النساء. وإن قدر أن عمر رأى ذلك لازما
فهو اجتهاد منه اجتهده فى المنع من فسخ الحج ؛ لظنه أن ذلك كان خاصا ،
٩٦

وهذا قول مرجوح قد أنكره غير واحد من الصحابة، والحجة الثانية هى مع
من أنكره . وهكذا الإلزام بالثلاث . من جعل قول عمر فيه شرعا لازما .
قيل له : فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة ، وإذا تنازعوا فى شىء
وجب ردما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ، والحجة مع من أنكر
هذا القول المرجوح.
وإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة ، وهذا أشبه
الأمرين بعمر ، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من ((وجهين)) من جهة أن
العقوبة بذلك: هل تشرع ؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لايرى
العقوبة به غيره ، كتحريق على الزنادقة بالنار ؛ وقد أنكره عليه ابن عباس ،
وجمهور الفقهاء مع ابن عباس . ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها ،
فمن كان من ( المتقين) استحق أن يجعل الله له فرجا ومخرجا ، لم يستحق
العقوبة. ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم ، فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك
اليوم أن لا يطلق إلا طلاقا سنياً. فإنه من (المتقين ) فى باب الطلاق . فمثل هذا
لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة ؛ بل يلزم بواحدة منها. وهذه المسائل عظيمة.
وقد بسطنا الكلام عليها فى موضع آخر من مجلدين ؛ وإنما نيهنا عليها
ههنا تنبيها لطيفا .
والذى يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب
التعزير الذى يجوز فعله بحسب الحاجة: كالزيادة على أربعين فى الخمر. وإما
٩٧

لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما ، وتارة غير لازم. وأما القول بكون لزوم
الثلاث شرعا لازما، كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي. وعلى هذا
القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة، ويراجع امرأته ؛ ولا يلزمه شىء
لكونها كانت حائضا ، إذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة .
فصل
وأما (( الطلاق فى الحيض)) فمنشأ النزاع فى وقوعه: أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال لعمر بن الخطاب لما أخبره أن عبدالله بن عمر طلق امرأته وهى حائض
: ((مره فليراجعها ، حتى تحيض ، ثم تطهر، ثم يحيض ثم تطهر)) فمن
العلماء من فهم من قوله: ((فليراجعها)) أنها رجعة المطلقة . وبنوا على هذا
أن المطلقة فى الحيض يؤمر برجعتها مع وقوع الطلاق . وهل هو أمر
استحباب؟ أو أمر إيجاب؟ على ((قولين)) هما روايتان عن أحمد .
والاستحباب مذهب أبى حنيفة والشافعى . والوجوب مذهب مالك .
وهل يطلقها فى الطهر الأول الذى يلى حيضة الطلاق ؟ أولا يطلقها إلا فى طهر
من حيضة ثانية؟ على ((قولين)) أيضا، هما روايتان عن أحمد ، ووجهان
فى قول أبى حنيفة . وهل عليه أن يطأها قبل الطلاق الثاني ؟ جمهورهم
لا يوجبه . ومنهم من يوجبه ، وهو وجه فى مذهب أحمد ؛ وهو قوى على
قياس قول من يوقع الطلاق ؛ لكنه ضعيف فى الدليل .
٩٨

وتنازعوا فى علة منع طلاق الحائض : هل هو تطويل العدة ، كما يقوله
أصحاب مالك والشافعي ، وأكثر أصحاب أحمد ؟ أو لكونه حال الزهد
فى وطئها ، فلا تطلق إلا فى حال رغبة فى الوطء ؛ لكون الطلاق ممنوعا
لا يباح إلا لحاجة ، كما يقول أصحاب أبي حنيفة وأبو الخطاب من أصحاب
أحمد؟ أو هو تعبد لا يعقل معناه، كما يقوله بعض المالكية؟ على ثلاثة أقوال
ومن العلماء من قال: قوله: ((مره فليراجعها)) لا يسلتزم وقوع الطلاق
بل لما طلقها طلاقا محر ما حصل منه إعراض عنها ومجانبة لها ؛ لظنه وقوع
الطلاق ، فأمره أن يردها إلى ما كانت ، كما قال فى الحديث الصحيح لمن باع
صاعا بصاعين: ((هذا هو الربا، فرده)) وفى الصحيح عن عمران بن حصين
أن رجلا أعتق ستة مملوكين ((نجزأم النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء ،
فاعتق اثنين، ورد أربعة للرق)) وفى السنن عن ابن عباس ((أن النبى
صلى الله عليه وسلم رد زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول )) فهذا رد
لها . وأمر على بن أبى طالب أن يرد الغلام الذى باعه دون أخيه . وأمر بشيراً
أن يرد الغلام الذى وهبه لابنه . ونظائر هذا كثيرة .
ولفظ ((المراجعة)) يدل على العود إلى الحال الأول. ثم قد يكون
ذلك بعقد جديد، كما فى قوله تعالى: ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَتَّرَاجَعَآ)
وقد یکون برجو ع بدن کل منهما إلى صاحبه وإن لم يحصل هناك طلاق، کما إذا
٩٩

أخرج الزوجة أو الأمة من داره فقيل له : راجعها . فأرجعها كما فى حديث
علي : حين راجع الأمر بالمعروف . وفى كتاب عمر لأبي موسى : وأن تراجع
الحق فإن الحق قديم .
واستعمال لفظ ((المراجعة)) يقتضي المفاعلة. والرجعة من الطلاق
يستقل بها الزوج بمجرد كلامه ، فلا يكاد يستعمل فيها لفظ المراجعة ؛
بخلاف ما إذا رد بدن المرأة إليه فرجعت باختيارها فإنهما قد تراجعا ، كما
يتراجعان بالعقد باختيارهما بعد أن تنكح زوجا غيره . وألفاظ الرجعة من
الطلاق : هى الرد، والإمساك. وتستعمل فى استدامة النكاح: كقوله تعالى :
( وَإِذْتَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) ولم
(الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ
يكن هناك طلاق ، وقال تعالى :
أَوْتَسَرِيجُ بِإِحْسَنٍ ) والمراد به الرجعة بعد الطلاق . والرجعة يستقل بها
الزوج ، ويؤمر فيها بالإشهاد . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر
بالإشهاد، وقال: ((مره فليراجعها)) ولم يقل: لير يجعها
((وأيضا)) فلو كان الطلاق قد وقع : كان ارتجاعها ليطلقها فى الطهر
الأول أو الثانى زيادة وضرراً عليها ، وزيادة فى الطلاق المكروه ، فليس
فى ذلك مصلحة لاله ولا لها ؛ بل فيه إن كان الطلاق قد وقع بارتجاعه ليطلق
مرة ثانية زيادة ضرر ، وهو لم يمنعه عن الطلاق ؛ بل أباحه له فى استقبال
١٠٠