Indexed OCR Text

Pages 41-60

قومه ؛ ولهذا لما مات اهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه ، فحكم فيهم :
أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى حريمهم، وتقسم أموالهم. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)) وفى رواية. ((لقد حكمت فيهم بحكم
الله من فوق سبع سموات)) والعلماء ورثة الأنبياء، وقد قال تعالى: (وَدَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ إِذْتَغَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ*
فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) فهذان نبيان كريمان حكما فى حكومة
واحدة، خص الله أحدهما بفهمها مع ثنائه على كل منهما بأنه آتاه حكما وعلما
فكذلك العلماء المجتهدون - رضي الله عنهم - للمصيب منهم أجران. وللآخر
أجر . وكل منهم مطيع لله بحسب استطاعته ، ولا يكلفه الله ما عجز عن علمه.
ومع هذا فلا يلزم الرسول صلى الله عليه وسلم قول غيره ، ولا يلزم ماجاء به
من الشريعة شيء من الأقوال المحدثة ؛ لاسيما إن كانت شنيعة .
ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول صلى
الله عليه وسلم من خطئهم وخطا غيرم. كما قال عبد الله بن مسعود فى المفوضة:
أقول فيها برأيي ؛ فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فني ومن الشيطان
والله ورسوله بريئان منه. وكذلك روى عن الصديق فى الكلالة، وكذلك
عن عمر فى بعض الأمور ؛ مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه على هذا الوجه
حتى يوجد النص موافقا لاجتهادم ، كما وافق النص اجتهاد ابن مسعود وغيره ،
٤١

وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله ، وبما يجب من تعظيم شرع الرسول صلى الله عليه
وسلم أن يضيفوا إليه إلا ما علموه منه ؛ وما أخطأوا فيه - وإن كانوا مجتهدين -
قالوا: إن الله ورسوله بريئان منه. وقد قال الله تعالى: ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
الْبَغُ الْمُبِينُ ) وقال: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاخِلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ) وقال: (فَلَنَسْئَلَنَّ
الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).
ولهذا نجد المسائل التى تنازعت فيها الأمة على أقوال ؛ وإنما القول
الذى بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم واحد منها ، وسائرها إذا
كان أهلها من أهل الاجتهاد أهل العلم والدين: فهم مطيعون لله ورسوله،
مأجورون غير مأزورين ؛ كما إذا خفيت جهة القبلة فى السفر اجتهد كل قوم
فصلوا إلى جهة من الجهات الأربع ؛ فإن الكعبة ليست إلا فى جهة واحدةمنها
وسائر المصلين مأجورون على صلاتهم حيث اتقوا ما استطاعوا .
ومن آيات ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكر مع غيره
على الوجه المبين ظهر النور والهدى على ما بعث به ؛ وعلم أن القول الآخر
دونه ؛ فإن خير الكلام كلام الله ؛ وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم؛
وقد قال سبحانه وتعالى: ( قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا
اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا)
وهذا التحدي
٤٢

والتعجيز . ثابت فى لفظه ونظمه ومعناه، كما هو مذكور فى غير هذا
الموضع .
ومن أمثال ذلك: ما تنازع المسلمون فيه من مسائل الطلاق ، فإنك تجد
الأقوال فيه (( ثلاثة )): قول فيه آصار وأغلال وقول فيه خداع واحتيال.
وقول فيه علم واعتدال. وقول يتضمن نوعامن الظلم والاضطراب. وقول يتضمن
نوعاً من الظلم والفاحشة والعار . وقول يتضمن سبيل المهاجرين والأنصار .
وتجدهم فى مسائل الأيمان بالنذر ؛ والطلاق والعتاق ، على ثلاثة أقوال. قول
يسقط أيمان المسلمين ، ويجعلها بمنزلة أيمان المشركين. وقول يجعل الأيمان
اللازمة ليس فيها كفارة ولا تحلة ، كما كان شرع غير أهل القبلة . وقول يقيم
حرمة أيمان أهل التوحيد والإيمان ؛ ويفرق بينهما وبين أيمان أهل الشرك
والأوثان ، ويجعل فيها من الكفارة والتحليل ما جاء به النص والتنزيل
واختص به أهل القرآن دون أهل التوراة والإنجيل. وهذا هو الشرع الذى
جاء به خاتم المرسلين، وإمام المتقين؛ وأفضل الخلق أجمعين . صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه الطيبين الطاهرين ؛ وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
٤٣

وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه
فصل
مختصر جامع فى مسائل ((الأيمان، والطلاق)) وما بينهما من اتفاق
وافتراق ؛ فإن المسألة قد تكون من مسائل الأيمان دون الطلاق . وقد تكون
من مسائل الطلاق دون الأيمان ، وقد تكون من مسائل النوعين .
فإن الكلام المتعلق بالطلاق ثلاثة أنواع . والأيمان ثلاثة أنواع.
أما الكلام المتعلق بالطلاق فهو: إما صيغة تنجيز . وإما صيغة تعليق .
وإما صيغة قسم
أما ((صيغة التنجيز)) فهو إيقاع الطلاق مطلقا مرسلا من غير تقييد
بصفة ولا يمين؛ كقوله: أنت طالق . أو مطلقة. أو : فلانة طالق. أو : أنت
الطلاق. أو : طلقتك ، ونحو ذلك مما يكون بصيغة الفعل ، أو المصدر، أواسم
الفاعل ، أو اسم المفعول: فهذا يقال له: طلاق منجز. ويقال . طلاق مرسل .
ويقال: طلاق مطلق . أى غير معلق بصفة . فهذا إيقاع الطلاق . وليس هذا
٤٤

بيمين يخير فيه بين الحنث وعدمه ؛ ولا كفارة فى هذا باتفاق المسلمين
والفقهاء فى عرفهم المعروف بينهم لا يسمون هذا يمينا ولا حلفا ؛ ولكن من
الناس من يقول: حلفت بالطلاق. ومراده أنه أوقع الطلاق .
وأما ((صيغة القسم)) فهو أن يقول: الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا، أولا
أفعل كذا . فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره، أو منع لنفسه أو لغيره،
أو على تصديق خبر أو تكذيبه : فهذا يدخل فى مسائل الطلاق والأمان
فإن هذا يعين باتفاق أهل اللغة : فإنها صيغة قسم ، وهو يمين أيضا فى عرف
الفقهاء ، لم يتنازعوا فى أنها تسمى يمينا؛ ولكن تنازعوا فى حكمها. فمن
الفقهاء من غلب عليها جانب الطلاق فأوقع به الطلاق إذا حنث. ومنهم من
غلب عليه جانب اليمين فلم يوقع به الطلاق ، بل قال: عليه كفارة يمين . أو قال
لا شيء عليه بحال .
وكذلك تنازعوا فيما إذا حلف بالنذر فقال: إذا فعلت كذا فعلي الحج
أوصوم شهر ، أو مالي صدقة؛ لكن هذا النوع اشتهر الكلام فيه عن
السلف من الصحابة وغيرهم . وقالوا : إنه أيمان بجزى فيه كفارة عين ؛ لكثرة
وقوع هذا فى زمن الصحابة ؛ بخلاف الحلف بالطلاق فإن الكلام فيه إنما
عرف عن التابعين ومن بعدهم . وتنازعوا فيه على القولين .
٤٥

والثالث ((صيغة تعليق)) كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق.
ويسمى هذا طلاقا بصفة . فهذا إما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو
يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة . وإما أن يكون قصده إيقاع
الطلاق عند تحقق الصفة .
((فالأول)) حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء. ولو قال إن حلفت
يعينا فعلي عتق رقبة وحلف بالطلاق حنث بلا نزاع نعلمه بين العلماء المشهورين،
وكذلك سائر ما يتعلق بالشرط اقصد اليمين، كقوله: إن فعلت كذا فعلي عنق
رقبة، أو فعبيدي أحرار، أو فعلى الحج، أو علي صوم شهر ، أو فالي صدقة أو
هدي، ونحو ذلك ؛ فإن هذا بمنزلة أن يقول : العتق يلزمني لا أفعل كذا ،
وعلى الحج لا أفعل كذا، ونحو ذلك ؛ لكن المؤخر فى صيغة الشرط مقدم
فى صيغة القسم ، والمنفي فى هذه الصيغة مثبت فى هذه الصيغة .
((والثانى)) وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة. فهذا يقع
به الطلاق إذا وجدت الصفة ، كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف ،
وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت؛ كقوله . أنت طالق عند رأس الشهر.
وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق، ولم يعلم فيه خلاف قديما:
لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق، وهو قول الإمامية ، مع أن ابن
حزم ذكر فى ((كتاب الإجماع)) إجماع العلماء على أنه يقع به الطلاق ،
٤٦

وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه مخرج اليمين : هل يقع الطلاق ؟
أولا يقع ولا شىء عليه؟ أو يكون يمينا مكفرة ؟ على ثلاثة أقوال : كما
أن نظائر ذلك من الأيمان فيها هذه الأقوال الثلاثة .
وهذا الضرب وهو الطلاق المعلق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها
وليس فيها معنى الحض والمنع ، كقوله : إن طلعت الشمس فأنت طالق .
هل هو يمين؟ فيه قولان ((أحدهما)) هو يمين، كقول أبى حنيفة وأحد
القولين فى مذهب أحمد. ((الثانى)) أنه ليس بيمين، كقول الشافعي، والقول
الآخر فى مذهب أحمد. وهذا القول أصح شرعا. ولغة. وأما العرف فيختلف.
فصل
وأما أنواع الأيمان الثلاثة ((فالأول)) . أن يعقد اليمين بالله.
و ((الثانى)) أن يعقدها لله. ((والثالث)) أن يعقدها بغير الله أو لغير الله.
فأما ((الأول)) فهو الحلف بالله. فهذه يمين منعقدة، مكفرة بالكتاب
والسنة والإجماع .
وأما ((الثالث)) وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل: أن يحلف
بالطواغيت؛ أو بأبيه . أو الكعبة : أو غير ذلك من المخلوقات: فهذه يمين غير
٤٧

محترمة ، لا تنعقد، ولا كفارة بالحنث فيها باتفاق العلماء ؛ لكن نفس الحلف
بها منهي عنه، فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((من حلف فقال فى حلفه: واللات والعزى. فليقل لا إله إلا الله)) رسواء فى ذلك
الحلف بالملائكة والأنبياء وغيرهم باتفاق العلماء ؛ إلا أن فى الحلف بالنبي صلى الله
عليه وسلم ((قولين)) فى مذهب أحمد، وقول الجمهور، أنها مين غير منعقدة
ولا كفارة فيها .
وأما عقدها لغير الله فمثل أن ينذر للأوتاذوالكنائس، أو يحلف بذلك
فيقول: إن فعلت كذا فعلي للكنيسة كذا ، أو لقبر فلان كذا، ونحوذلك.
فهذا إن كان نذرا فهو شرك ، وإن كان يمينا: فهو شرك إذا كان يقول ذلك على
وجه التعظيم. كما يقول المسلم: إن فعلت كذا فعلي هدي ، وأما إذا قاله على
وجه البغض لذلك ، كما يقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني
فهذا ليس مشركا، وفى لزوم الكفارة له قولان معروفان للعلماء . وما كان
من نذر شرك أو عين شرك فعليه أن يتوب إلى الله من عقدها ؛ ليس فيها وفاء
ولا كفارة؛ إنما ذلك فيما كان لله أو بالله .
وأما المعقود لله فعلى وجهين .
((أحدهما)) أن يكون قصده التقرب إلى الله ؛ لامجرد أن يحض أو يمنع
وهذا هو النذر، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
٤٨

((كفارة النذر كفارة يمين)) وثبت عنه أن قال: ((من نذر أن يطيع الله
فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) . فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر
لله طاعة فعليه الوفاء به ، وإن نذر ماليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به . وما
كان محرما لا يجوز الوفاء به ؛ لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين
عندا كثر السلف ، وهو قول أحمد، وهو قول أبى حنيفة. قيل: مطلقا.
وقيل : إذا كان فى معنى اليمين .
((والثانى)) أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب
فهذا هو الحلف بالنذر ، والطلاق والعتاق ، والظهار ، والحرام، كقوله : إن
فعلت كذا فعلي الحج، وصوم سنة ، ومالي صدقة ، وعبیدی أحرار، ونسائي
طوالق. فهذا الصنف يدخل فى مسائل ((الأيمان)) ويدخل فى مسائل ((الطلاق
والعتاق، والنذر، والظهار)). وللعلماء فيه ثلاثة أقوال.
((أحدها)) أنه يلزمه ما حلف به إذا حنث ؛ لأنه التزم الجزاء عند وجود
الشرط ، وقد وجد الشرط ، فيلزمه : كنذر التبرر المعلق بالشرط .
((والقول الثانى)»: هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث ؛لا
كفارة، ولا وقوع ؛ لأن هذا حلف بغير الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت)) وفى رواية فى الصحيح: ((لا يحلفوا
إلا بالله))
٤٩

((والقول الثالث)) أن هذه أمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من
الأيمان . ومن العلماء من فرق بين ما عقده الله من الوجوب - وهو الحلف
بالنذر - وما عقده لله من تحريم - وهو الحلف بالطلاق والعتاق - فقالوا
فى الأول : عليه كفارة عين إذا حنث . وقالوا فى الثانى : يلزمه ما علقه وهو
الذى حلف به إذا حنث ؛ لأن الملتزم فى الأول فعل واجب ، فلا يبرأ إلا بفعله
فيمكنه التكفير قبل ذلك والملتزم فى الثانى وقوع حرمة . وهذا يحصل
بالشرط فلا يرتفع بالكفارة .
و((القول الثالث)) هو الذى يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار
وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجملة ، كما قد بسط
فى موضعه. وذلك أن الله قال فى كتابه: ( وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَانَ
فَكَفَّرَتُهُوَإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ ) إلى قوله: (ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ)
وقال تعالى: (قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ) وثبت فى الصحيح عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها
فليأت الذى هو خير ، وليكفر عن يعينه)) وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين
وقوله :
لفظا ومعنى. أما اللفظ فلقوله: (قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْغِلّةَ أَيْمَنِكُمْ )
( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيَمَنْكُمْ ) وهذا خطاب للمؤمنين، فكل ما كان من أيمانهم
فهو داخل فى هذا، والحلف بالمخلوقات شرك ليس من أيمانهم ؛ لقول النبي
صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) رواه أهل السنن أبو داود
٥٠

وغيره، فلا تدخل هذه فى أمان المسلمين . وأما ما عقده بالله أولله فهو من
أيمان المسلمين، فيدخل فى ذلك ؛ ولهذا لو قال : أمان المسلمين أو أمان البيعة
تلزمنى، ونوى دخول الطلاق والعتاق: دخل فى ذلك، كما ذكر ذلك الفقهاء،
ولا أعلم فيه نزاعا ، ولا يدخل فى ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من المخلوقات،
وإذا كانت من أمان المسلمين تناولها الخطاب .
وأما من جهة المعنى فهو أن الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين ؛
لثلا تكون اليمين موجبة عليهم أو محرمة عليهم لا مخرج لهم، كما كانوا
عليه فى أول الإسلام قبل أن تشرع الكفارة؛ لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء
باليمين ، فلو كان من الأيمان مالا كفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة .
وأيضافقد قال الله تعالى: ( وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُوَأْ وَتَتَّقُواْ
وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ) نهام الله أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم من فعل ما أمر به؛
لئلا يمتنعوا عن طاعته باليمين التي حلفوها ، فلو كان فى الأيمان ما ينعقد ولا كفارة
فيه لكان ذلك مانعا لهم من طاعة الله إذا حلفوا به .
وأيضا فقد قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن ذِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
((والإيلاء)) هو الحلف والقسم، والمراد بالإيلاء هنا أن يحلف الرجل أن
لا يطأ امرأته، وهو إذا حلف بما عقده بالله كان موليا، وإن حلف بما عقده لله
٥١

كالخلف بالنذر والظهار والطلاق والعتاق كان موليا عند جماهير العلماء :
كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي فى قوله الجديد، وأحمد. ومن العلماء من لم
يذكر فى هذه المسألة نزاعا كابن المنذر وغيره ، وذكر عن ابن عباس أنه
قال: كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء، والله سبحانه وتعالى قد جعل المولي
بين خيرتين: إما أن يفيء. وإما أن يطلق . والفيئة هي الوطء : خير بين
الإمساك بمعروف، والتسريح بإحسان . فإن فاء فوطئها حصل مقصودها ، وقد
أمسك بمعروف، وقد قال تعالى: ( فَإِن فَآءُ و فَإِنَّاللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومغفرته
ورحمته للمولي توجب رفع الإثم عنه وبقاء امرأته . ولا تسقط الكفارة ، كما
فى قوله : ( يَُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَا أَحَلَ اللهُلَه ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَالَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *
قَدْفَضَ اَللَّهُلَكُمْتِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ
(
فبين أنه غفور رحيم بما فرضه
من تحلة الأيمان ، حيث رحم عباده بما فرضه لهم من الكفارة ، وغفر لهم بذلك
نقضهم لليمين التى عقدوها ؛ فإن موجب العقد الوفاء لولا ما فرضه من التحلة
التى جعلها تحل عقدة اليمين. وإن كان المولي لا يفىء ؛ بل قد عزم على الطلاق؛
فإن الله سميع عليم. فحكم المولي فى كتاب الله: أنه إما أن ينوء، وإما أن
يعزم الطلاق . فإن فاء فإن الله غفور رحيم لا يقع به طلاق ، وهذا متفق عليه
فى اليمين بالله تعالى.
وأما ((اليمين بالطلاق)) فمن قال: إنه يقع به الطلاق فلا يكفر ؛ فإنه
يقول : إن فاء المولي بالطلاق وقع به الطلاق ، وإن عزم الطلاق فأوقعه وقع به
٥٢

الطلاق . فالطلاق على قوله لازم سواء أمسك بمعروف ؛ أو سرح بإحسان.
والقرآن يدل على أن المولي مخير: إما أن يفوء؛ وإما أن يطلق. فإذا
فاء لم يلزمه الطلاق ؛ بل عليه كفارة الحنث إذا قيل بأن الحلف بالطلاق فيه
الكفارة ؛ فإن المولي بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث عند جمهور
العلماء، وفيه قول شاذ: أنه لاشيء عليه بحال. وقول الجمهور أصح؛ فإن الله
بين فى كتابه كفارة اليمين فى سورة المائدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير ، وليكفر
عن يمينه)).
فإن قيل ، المولي بالطلاق إذا فاء غفر الله له ما تقدم من تأخير الوطء
للزوجة ، وإن وقع به الطلاق ، ورحمه بذلك؟
((قيل)): هذا لا يصح. فإن أحد قولي العلماء القائلين بهذا الأصل
أن الحالف بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ امرأته لا يجوز له وطؤها بحال ؛ فإنه إذا
أولج حنث، وكان النزع فى أجنبية ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد
القولين فى مذهب مالك. (( والثانى)) يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها ،
وتحرم بها عليه امرأته . ومعلوم أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة فى الوطء،
والمرأة لا تختار وطأة يقع بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له،
فلا يحصل مقصودها بهذه الفيئة . وأيضاً : فإنه على هذا التقدير لافائدة فى
٥٣

التأجيل ؛ بل تعجيل الطلاق أحب إليها لتقضي العدة لتباح لغيره ، فإذا كان
لا بد لها من الطلاق على التقديرين : كان التأجيل ضرراً محضا لها ، وهذا
خلاف مقصود الإيلاء الذى شرع لنفع المرأة ؛ لالضرها .
وما ذكرته من النصوص قد استدل به الصحابة وغيرهم من العلماء فى هذا
الجنس ، فأفتوا من حلف فقال : إن فعلت كذا فالي هدي ، وعبيدي
أحرار، ونحو ذاك: بأن يكفر عينه، فجعلوا هذا يمينا مكفرة؛ وكذلك
غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا هذا متناولاً للحلف بالطلاق والعتاق
وغير ذلك من الأيمان ، وجعلوا كل يمين يحلف بها الحالف ففيها كفارة
يعين وإن عظمت .
وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا الضرب فيه شبه من النذر والطلاق
والعتاق ، وشبه من الأيمان ؛ وليس كذلك ؛ بل هذه أيمان محضة ؛
ليست نذرا، ولا طلاقا. ولا عتاقا، وإنما يسميها بعض الفقهاء ((نذر
اللجاج، والغضب)) تسمية مقيدة، ولا يقتضى ذلك أنها تدخل فى اسم النذر
عند الإطلاق . وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضة
كما قرر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما فى الحلف بالنذر ؛ لكن هي أيمان علق
الحنث فيها على شيئين ((أحدهما)) فعل المحلوف عليه: و((الثانى)) عدم
إيقاع المحلوف به .
٥٤

فقول القائل : إن فعلت كذا فعلي الحج هذا العام . بمنزلة قوله :
والله إن فعلت كذا لأحجن هذا العام ، وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا
إذا فعل ولم يحج ذلك العام، كذلك إذا قال : إن فعلت كذا فعلى أن أحج
هذا العام . إنما تلزمه الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام ، وكذلك إذا
قال : إن فعلت كذا فعلي أن أعتق عبدي. أو أطلق امرأتى ؛ فإنه
لا تلزمه الكفارة إلا إذا فعله ولم يطلق ولم يعتق ، ولو قال: والله إن فعلت
كذا فوالله لأطلقن امرأتي ولأعتقن عبدي . وكذلك إذا قال : إن فعلت
كذا فامر أتى طالق، وعبدي حر: هو بمنزلة قوله : والله إن فعلت كذا
ليقعن فى الطلاق والعتاق، ولأوقعن الطلاق والعتاق، وهو إذا فعله لم تلزمه
الكفارة إلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق، وإذا لم يوقعه لم يقع لأنه لم يوجد
شرط الحنث ؛ لأن الحنث معلق بشرطين ، والمعلق بالشرط قد يكون وجوبا،
وقد يكون وقوعا. فإذا قال : إن فعلت كذا فعلي صوم شهر . فالمعلق
وجوب الصوم. وإذا قال : فعبدى حر ، وامرأتى طالق فالمعاق وقوع العتاق،
والطلاق وقد تقدم أن الرجل المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط
وقع ، كما إذا كان قصده أن يطلقها إذا أبرأته من الصداق، فقال: إن أبرأتينى
من صداقك فأنت طالق . فهنا إذا وجدت الصفة وقع الطلاق .
وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره وقوع الجزاء عند الشرط فهذا
حالف ، كما لو قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا
٥٥

وأما قول القائل : إنه التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه: فهذا باطل
من أوجه .
((أحدها)) أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا
يهودي، أو نصراني. وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم : هو التزام
للكفر والإسلام عند الشرط، ولا يلزمه ذلك بالاتفاق ؛ لأنه لم يقصدوقوعه
عند الشرط؛ بل قصد الحلف به، وهذا المعنى موجود فى سائر أنواع الحلف
بصيغة التعليق .
((الثانى)) أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلى أن أطلق امرأتى: لم يلزمه
أن يطلقها بالاتفاق إذا فعله .
((الثالث)) أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين: ((أحدهما))
أن يكون الملتزم قربة. ((والثانى)) أن يكون قصده التقرب إلى الله به؛
لا الحلف به . فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل
والشرب لم يلزمه. ولو التزم قربة: كالصلاة، والصيام والحج: على وجه
الحلف بها لم يلزمه ؛ بل يجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف ،
وهو مذهب الشافعي وأحمد ؛ وآخر الروايتين عن أبي حنيفة ، وقول
المحققين من أصحاب مالك .
٥٦

وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين؛ وهو يكره
وقوعه إذا وجد الشرط، كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به ؛ وكما
يكره وجوب تلك العبادات إذا حلف بها .
وأما قول القائل: إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة ؟
((فيقال)): النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات ؛ ولهذا جعله شركا؛
لأنه عقد اليمين بغير الله؛ فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله ؛ ولهذا
كان النذر أبلغ من اليمين ؛ فوجوب الكفارة فيما عقد لله أولى من وجوبها
فيما عقد بالله . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه تعالى
((عن الفرق بين الطلاق، والحلف)) وإيضاح الحكم فى ذلك؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
عبده ورسوله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . الصيغ التى يتكلم بها
الناس فى الطلاق والعتاق والنذر والظهار والحرام ((ثلاثة أنوع)).
٥٧

((النوع الأول)) صيغة التنجيز مثل أن يقول : امرأتى طالق.
أو : أنت طالق . أو : فلانة طالق . أو هي مطلقة. ونحو ذلك : فهذا
يقع به الطلاق ، ولا تنفع فيه الكفارة بإجماع المسلمين . ومن قال : إِن
هذا فيه كفارة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وكذلك إذا قال : عبدي حر.
أو على صيام شهر. أو: عتق رقبة. أو: الحل علي حرام . أو: أنت علي
كظهر أمى : فهذه كلها إيقاعات لهذه العقود بصيغ التنجيز والإطلاق.
((والنوع الثانى)» أن يحلف بذلك فيقول : الطلاق يلزمني لأفعلن
كذا . أو لا أفعل كذا . أو يحلف على غيره - كعبده وصديقه الذي
يرى أنه يبر قسمه - ليفعلن كذا . أو لا يفعل كذا . أو يقول : الحل
علي حرام لأفعلن كذا . أو لا أفعله . أو يقول : علي الحج لأفعلن كذا .
أو لا أفعله ، ونحو ذلك : فهذه صيغ قسم ، وهو حالف بهذه الأمور ؛
لا موقع لها . وللعلماء فى هذه الأيمان ثلاثة أقوال .
((أحدها)) أنه إذا حنث لزمه ماحلف به. ((والثانى)) لا يلزمه شيء.
و((الثالث)) يلزمه كفارة يمين. ومن العلماء من فرق بين الحلف والطلاق والعتاق
وغيرها. والقول الثالث أظهر الأقوال؛ لأن الله تعالى قال: (قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ
تَجِلَةَ أَيْمَنِكُمْ ) وقال: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) وثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم فى صحيح مسلم وغيره من حديث أبى هريرة وعدي بن حاتم وأبى
٥٨

موسى أنه قال: ((ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذى
هو خير ، وليكفر عن يمينه)) وجاء هذا المعنى فى الصحيحين من حديث
أبي هريرة ، وأبى موسى ؛ وعبد الرحمن بن سمرة . وهذا يعم جميع أيمان
المسلمين ، فمن حلف بيمين من أيمان المسلمين وحنث أجزأته كفارة يمين.
ومن حلف بأيمان الشرك : مثل أن يحلف بتربة أبيه ؛ أو الكعبة ، أو نعمة
السلطان ، أو حياة الشيخ ، أو غير ذلك من المخلوقات : فهذه اليمين غير
منعقدة ، ولا كفارة فيها إذا حنث باتفاق أهل العلم .
((والنوع الثالث)) من الصيغ: أن يعلق الطلاق أو العتاق أو النذر
بشرط ؛ فيقول : إن كان كذا فعلي الطلاق . أو الحج . أو فعبيدي
أحرار . ونحو ذلك : فهذا ينظر إلى مقصوده ، فإن كان مقصوده أن يحلف
بذلك ليس غرضه وقوع هذه الأمور - كمن ليس غرضه وقوع الطلاق
إذا وقع الشرط- فيحكمه حكم الحالف؛ وهو من ((باب اليمين)). وأما إن كان
مقصوده وقوع هذه الأمور : كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط :
مثل أن يقول لامرأته: إن أبر أتينى من طلاقك فأنت طالق. فتبرئه. أو يكون
غرضه أنها إذا فعلت فاحشة أن يطلقها ، فيقول : إذا فعلت كذا فأنت طالق ؛
بخلاف من كان غرضه أن يحلف عليها ليمنعها ؛ ولو فعلته لم يكن له غرض فى
طلاقها ، فإنها تارة يكون طلاقها أكره إليه من الشرط، فيكون حالفا. وتارة
يكون الشرط المكروه أكره إليه من طلاقها. فيكون موقعا للطلاق إذا وجد
٥٩

ذلك الشرط ، فهذا يقع به الطلاق، وكذلك إن قال : إن شفى الله مريضى
فعلي صوم شهر ، فشفى ، فإنه يلزمه الصوم.
فالأصل فى هذا : أن ينظر إلى مراد المتكلم ومقصوده ، فإن كان غرضه
أن تقع هذه الأمور وقعت منجزة أو معلقة إذا قصد وقوعها عندوقوع الشرط.
وإن كان مقصوده أن يحلف بها؛ وهو يكره وقوعها إذا حنث وإن وقع الشرط
فهذا حالف بها؛ لا موقع لها، فيكون قوله من ((باب اليمين))؛ لا من «باب
التطليق ، والنذر)) فالحالف هو الذى يلتزم ما يكره وقوعه عند المخالفة ،
كقوله : إن فعلت كذا فأنا يهودي ؛ أو نصراني، ونسائي طوالق، وعبيدي
أحرار، وعلى المشي إلى بيت الله. فهذا ونحوه يمين؛ بخلاف من يقصد وقوع
الجزاء من ناذر ومطلق ومعلق فإن ذلك يقصد ويختار لزوم ما التزمه، وكلاهما
ملتزم ؛ لكن هذا الحالف يكره وقوع اللازم وإن وجد الشرط الملزوم، كما إذا قال:
إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني ، فإن هذا يكره الكفر ، ولو وقع
الشرط : فهذا حالف . والموقع يقصد وقوع الجزاء اللازم عند وقوع الشرط
الملزوم ؛ سواء كان الشرط مراداً له ، أو مكروها ، أو غير مراد له : فهذا
موقع ليس بحالف. وكلاهما ملتزم معلق ؛ لكن هذا الحالف يكره
وقوع اللازم .
والفرق بين هذا وهذا ثابت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأ كابر التابعين ، وعليه دل الكتاب والسنة ، وهو مذهب جمهور العلماء.
٦٠