Indexed OCR Text
Pages 281-300
فأجاب: إذا لم تمكنه من نفسها أو خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة ، وكذلك إذا طلب منها أن تسافر معه فلم تفعل فلا نفقة لها ولا كسوة، حيث كانت ناشزاً عاصية له فيما يجب له عليها [من] طاعته: لم يجب لها نفقة ولا كسوة. وسئل رحمه الله تعالى عن امرأة متزوجة برجل ، ولها أقارب كلما أرادت أن تزورهم أخذت الفراش ، وتقعد عندم عشرة أيام وأكثر ، وقد قربت ولادتها ، ومتى ولدت عندهم لم يمكن أن يجىء إلى بيتها إلا بعد أيام ، ويبقى الزوج بردان : فهل يجوز لهم أن يخلوها تلد عنده ؟ فأجاب : لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه ، ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه ويحبسها عن زوجها ، سواء كان ذلك لكونها مرضعاً ، أو لكونها قابلة ، أو غير ذلك من الصناعات ، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله ؛ ومستحقة للعقوبة . ٢٨١ باب الخلع وسئل الشيخ رحمه الله تعالى ما هو الخلع الذى جاء به الكتاب والسنة ؟ فأجاب : الخلع الذى جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها ، كما يفتدى الأسير ، وأما إذا كان كل منهما مريدا لصاحبه فهذا الخلع محدث فى الإسلام . وقال رحمه اللّه إذا كانت مبغضة له مختارة لفراقه فإنها تفتدى نفسها منه ، فترد إليه ماأخذته من الصداق ، وتبريه مما فى ذمته ، ويخلعها ، كما فى الكتاب والسنة واتفق عليه الأئمة . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن امرأة مبغضة لزوجها طلبت الانخلاع منه ، وقالت له : إن لم تفارقنى وإلا قتلت نفسى ؛ فأكرهه الولي على الفرقة ، وتزوجت غيره ، وقد طلبها الأول ، وقال: إنه فارقها مكرها ، وهي لا تريد إلا الثانى ؟ ٢٨٢ فأجاب : إن كان الزوج الأول أكره على الفرقة بحق : مثل أن يكون مقصراً فى واجباتها ، أو مضراً لها بغير حق من قول أو فعل كانت الفرقة صحيحة ، والنكاح الثانى صحيحاً ، وهى زوجة الثانى. وإن كان أكره بالضرب أو الحبس وهو محسن لعشرتها حتى فارقها لم تقع الفرقة ؛ بل إذا أبغضته وهو محسن إليها فإنه يطلب منه الفرقة من غير أن يلزم بذلك ، فإن فعل وإلا أمرت المرأة بالصبر عليه إذا لم يكن ما يبيح الفسخ. وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل اتهم زوجته بفاحشة؛ بحيث إنه لم ير عندها ما ينكره الشرع إلا [أنه] (١) ادعى أنه أرسلها إلى عرس، ثم تجسس عليها فلم يجدها فى العرس، فأنكرت ذلك، ثم إنه أتى إلى أوليائها وذكر لهم الواقعة ، فاستدعوا بها لتقابل زوجها على ماذكر ، فامتنعت خوفا من الضرب ؛ فرجت إلى بيت خالها ، ثم إن الزوج بعد ذلك جعل ذلك مستندا فى إبطال حقها ؛ وادعى أنها خرجت بغير إذنه : فهل يكون ذلك مبطلا لحقها ؟ والإنكار الذى أنكرته عليه يستوجب إنكاراً فى الشرع ؟ فأجاب: قال الله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا الْنِسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) فلا يحل للرجل أن يعضل المرأة : بأن يمنعها ويضيق عليها (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٨٣ حتى تعطيه بعض الصداق ، ولا أن يضربها لأجل ذلك ؛ لكن إذا أتت بفاحشة مبينة كان له أن يعضلها لتفتدي منه ؛ وله أن يضربها . هذا فيما بين الرجل وبين الله . وأما ((أهل المرأة)» فيكشفون الحق مع من هو فيعينونه عليه ، فإن تبين لهم أنها هي التى تعدت حدود الله وآذت الزوج فى فراشه : فهي ظالمة متعدية ، فلتفتد منه . وإذا قال: إنه أرسلها إلى عرس ولم تذهب إلى العرس فليسأل إلى أين ذهبت ؟ فإن ذكر أنها ذهبت إلى قوم لاريبة عندهم وصدقها أولئك القوم ، أو قالوا لم تأت إلينا ؛ وإلى العرس لم تذهب : كان هذا ريبة وبهذا يقوى قول الزوج . وأما (الجهاز)) الذى جاءت به من بيت أبيها فعليه أن يرده عليها بكل حال ، وإن اصطلحوا فالصلح خير ، ومتى تابت المرأة جاز لزوجها أن يمسكها ولا حرج فى ذلك ؛ فإن التائب من الذنب كمن لاذنب له ، وإذا لم يتفقا على رجوعها إليه فلتبرئه من الصداق ، وليخلعها الزوج ؛ فإن الخلع جائز بكتاب الله وسنة رسوله، كما قال الله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِ ). والله أعلم. ٢٨٤ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن ثيب بالغ لم يكن وليها إلا الحاكم ، فزوجها الحاكم لعدم الأولياء ثم خالعها الزوج وبرأته من الصداق بغير إذن الحاكم : فهل تصح المخالفة والإبراء ؟ فأجاب: إذا كانت أهلا للتبرع جاز خلعها وإبراؤها بدون إذن الحاكم . وسئل رحمه اللّه عن امرأة قال لها زوجها: إن أبرأتينى فأنت طالق. فأبرأته، ولم تكن تحت الحجر ، ولا لها أب ، ولا أخ . ثم إنها ادعت أنها سفيهة لتسقط بذلك الإبراء. فأجاب : لا يبطل الإبراء مجرد دعواها ، ولو قامت بينة بأنها سفيهة ولم تكن تحت الحجر لم يبطل الإبراء بذلك ؛ وإن كانت هي المتصرفة لنفسها . والله أعلم. ٢٨٥ وسئل رحم الله تعالى عن امرأة أبرأت زوجها من جميع صداقها ، ثم بعد ذلك أشهد الزوج على نفسه أنه طلق زوجته المذكورة على البراءة ، وكانت البراءة تقدمت على ذلك : فهل يصح الطلاق ؟ وإذا وقع يقع رجعيا أم لا ؟ فأجاب : إن كانا قد تواطئا على أن تهبه الصداق وتبريه على أن يطلقها فأبرأته ، ثم طلقها : كان ذلك طلاقا بائنا . وكذلك لو قال لها : أبرئينى وأنا أطلقك . أو : إن أبرأتينى طلقتك. ونحو ذلك من عبارات الخاصة والعامة التى يفهم منها أنه سأل الإبراء على أن يطلقها. وأما إن كانت أبرأته براءة لا تتعلق بالطلاق ؛ ثم طلقها بعد ذلك : فالطلاق رجعي ؛ ولكن هل لها أن ترجع فى الإبراء إذا كان يمكن لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر فى العادة إلا لأن يمسكها أو خوفا من أن يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد . وأما إذا كانت قد طابت نفسها بالإبراء مطلقا وهو أن يكون ابتداء منها لابسبب منة ولاعوض : فهنا لا ترجع فيه بلا ريب . والله أعلم. ٢٨٦ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل قال لامرأته : هذا ابن زوجك لا يدخل لي بيتا ؛ فإنه ابنى ربيته: فلما اشتكاه لأبيه قال للزوج : إن أبرأتك امرأتك تطلقها ؟ قال: نعم . فأتى بها ، فقال لها الزوج : إن أبرأ تينى من كتابك ، ومن الحجة التى لك علي : فأنت طالق ؟ قالت : نعم . وانفصلا ، وطلع الزوج إلى يبت جيرانه ، فقال: هى طالق ثلاثا، ونزل إلى الشهود فسألوه كم طلقت؟ قال : ثلاثا على ماصدر منه : فهل يقع عليه الطلاق الثلاث ؟ فأجاب : الحمدلله . إذا كان إبراؤها على مادل عليه سياق الكلام ليس مطلقا بل بشرط أن يطلقها بانت منه ، ولم يقع بها بعد هذا طلاق ، والشرط المتقدم على العقد كالشرط المقارن ، والشرط العرفي كاللفظي . وقول هذا الذى من جهتها له : إن جاءت زوجتك وأبرأتك تطلقها ؟ وقوله : اشتراط عليه أنه يطلقها إذا أبرأته، ومجيئه بها بعد ذلك، وقوله : أنت إن أبر أتينى قالت: نعم. متنزل على ذلك، وهو أنه إذا أبرأته يطلقها: بحيث لو قالت : أبرأته وامتنع لم يصح الإبراء ؛ فإن هذا إيجاب وقبول فى العرف ، لما تقدم من الشروط ودلالة الحال ؛ والتقدير : أبرأتك بشرط أن تطلقنى . ٢٨٧ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل طلق زوجته طلقة رجعية ؛ فلما حضر عند الشهودقال له بعضهم : قل: طلقتها على درهم . فقال له ذلك ؛ فلما فعل قالوا له : قد ملكت نفسها فلا ترجع إليك إلا برضاها . فإذا وقع المنع : هل يسقط حقه مع غرره بذلك ؟ أم لا؟ فأجاب : الحمدلله . إذا كان قد طلقها طلقة رجعية ، ثم إن الشاهد قد لقنه أن يقول: طلقها على درهم ، فقال ذلك معتقداً أنه يقر بذلك الطلاق الأول لا ينشئ طلاقاً آخر: لم يقع به غير الطلاق الأول، ويكون رجعيا ؛ لابائنا وإذا ادعى عليه أنه قال ذلك القول الثانى إنشاءاً لطلاق آخر ثان ، وقال : إنما قلته إقراراً بالطلاق الأول، وليس ممن يعلم أن الطلاق بالعوض يبينها . فالقول قوله مع يمينه ؛ لاسيما وقرينة الحال تصدقه ؛ فإن العادة جارية بأنه إذا طلقها ثم حضر عند الشهود فإنما حضر ليشهدوا عليه بما وقع من الطلاق . ٢٨٨ وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((الخلع)): هل هو طلاق محسوب من الثلاث؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته ؟ فأجاب رحمه الله تعالى : هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأصحابه أنه فرقة بائنة وفسخ النكاح؛ وليس من الطلاق الثلاث . فلو خلعها عشر مرات كان له أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجاً غيره ، وهو أحد قولي الشافعي . واختاره طائفة من أصحابه ونصروه ؛ وطائفة نصروه ولم يختاروه ؛ وهذا قول جمهور فقهاء الحديث : كإسحاق بن راهويه ، وأبى ثور، وداود ، وابن المنذر ، وابن خزيمة. وهو ثابت عن ابن عباس وأصحابه : كطاووس ، وعكرمة. و ((القول الثانى)): أنه طلاق بأن محسوب من الثلاث. وهو قول كثير من السلف ، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك ، والشافعي فى قوله الآخر ؛ ويقال: إنه الجديد، وهو الرواية الأخرى عن أحمد . وينقل ذلك عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ؛ لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة العلم بالحديث : كابن المنذر ، وابن خزيمة ، والبيهقي وغيرهم : النقل عن هؤلاء ؛ ولم يصححوا إلا قول ابن عباس؛ إنه فسخ: وليس بطلاق . وأما الشافعي وغيره فقال لا نعرف حال من روى هذا عن عثمان : هل هو ثقة أم ليس بثقة؟ فما صححوا ما نقل عن الصحابة ؛ بل اعترفوا أنهم لا يعلمون صحته (١)(( قاعدة فى الخلع)). ٢٨٩ وما علمت أحداًمن أهل العلم بالنقل صحح مانقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث؛ بل أثبت مافى هذا عندهم ما نقل عن عثمان، وقد نقل عن عثمان بالإسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة . وقال : لاعليك عدة . وهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة ؛ وليس بطلاق ؛ إذ الطلاق بعد الدخول يوجب الاعتداد بثلاثة قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين ؛ بخلاف الخلع ؛ فإنه قد ثبت بالسنة وآثار الصحابة أن العدة فيها استبراء بحيضة ، وهو مذهب إسحق ، وابن المنذر ، وغيرهما ، وإحدى الروايتين عن أحمد . وقد رد ابن عباس امرأة على زوجها بعد طلقتين وخلع مرة قبل أن تنكح زوجا غيره ، وسأله إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص لما ولاه الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له : إن عامة طلاق أهل اليمن هو الفداء ؟ فأجابه ابن عباس بأن الفداء ليس بطلاق ؛ ولكن الناس غلطوا فى اسمه . واستدل ابن عباس بأن الله تعالى قال: (الطَّلَقُ مَنَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْنَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْمِمَّآءَ اتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلََّ يُقِيمَاحُدُ ودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّايُقِيمَا حُدُودَاللّهِفَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِّ تِلْكَ حُدُ ودُ الَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ) قال ابن عباس . فقد ذكر الله تعالى الفدية بعد الطلاق مرتين، ثم قال: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى وهذا يدخل فى الفدية خصوصاً وغيرها عموماً ، فلو تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) كانت الفدية طلاقا لكان الطلاق أربعاً. وأحمد فى المشهور عنه هو ومن تقدم اتبعوا ابن عباس. ٢٩٠ واختلف هؤلاء فى ((المختلعة)) هل عليها عدة ثلاثة قروء؟ أو تستبرأ بحيضة؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد ((أحدهما)) تستبرئ بحيضة، وهذا قول عثمان ، وابن عباس ؛ وابنعمر فی آخر روایتیه ،وهو قول غير واحد من السلف ؛ ومذهب إسحق ، وابن المنذر وغيرهما ، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فى السنن من وجوه حسنة ، كما قد بينت طرقها فى غير هذا الموضع. وهذا مما احتج به من قال : إنه ليس من الطلاق الثلاث ، وقالوا لو كان منه لوجب فيه تربص ثلاثة قروء بنص القرآن ، واحتجوا به على ضعف من نقل عن عثمان ؛ أنه جعلها طلقة بائنة ؛ فإنه قد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه جعلها تستبرئ بحيضة ، ولو كانت مطلقة لوجب عليها تربص ثلاثة قروء. وإن قيل: بل عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة . فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فاتباع عثمان فى الرواية الثابتة عنه التى يوافقه عليها ابن عباس ، ويدل عليها الكتاب والسنة: أولى من رواية راويها مجهول وهى رواية جمهان الأسامى عنه أنه جعلها طلقة بائنة . وأجود ماعند من جعلها طلقة بائنة من النقل عن الصحابة هو هذا النقل عن عثمان ، وهو مع ضعفه قد ثبت عنه بالإسناد الصحيح ما يناقضه، فلا يمكن الجمع بينهما ؛ لما فى ذلك من خلاف النص والإجماع . ٢٩١ وأما النقل عن على، وابن مسعود فضعيف جداً، والنقل عن عمر مجمل لادلالة فيه ، وأما النقل عن ابن عباس أنه فرقة وليس بطلاق . فمن أصح النقل الثابت باتفاق أهل العلم بالآثار، وهذا مما اعتضد به القائلون بأنه فسخ: كأحمد وغيره والذين اتبعوا ما نقل عن الصحابة من أنه طلقة بائنة من الفقهاء ظنوا تلك نقولا صحيحة؛ ولميكن عندهم من نقد الآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها ما عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك، فصار هؤلاء يرون أن الذين خالفوا ابن عباس وأمثاله من الصحابة أجل منه وأكثر عدداً، ولم يعلموا أنه لم يثبت خلافه عن أحد من الصحابة، مع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم فقهه فى الدين ، وعلمه التأويل)) وكان ما استنبطه فى هذه المسألة من القرآن ، واستدل به من السنة عن كمال فقهه في الدين وعلمه بالتأويل، وهو أكثر الصحابة فتيا. قيل للإمام أحمد: أي الصحابة أكثر فتياً؟ قال: ابن عباس. وهو أعلم وأفقه طبقة فى الصحابة ، وكان عمر بن الخطاب يدخله مع أكابر الصحابة - كعثمان، وعلي ، وابن مسعود، وبحوم - فى الشورى ولم يكن عمر يفعل هذه بغيره من طبقته ، وقال ابن مسعود لو أدرك ابن عباس أسناننا لما عشره منا أحد . أي ما بلغ عشره. والناقلون لهذه المسألة عنه أجل أصحابه ، وأعلمهم بأقواله : مثل طاووس ، وعكرمة؛ فإن هذين كانا يدخلان عليه مع الخاصة ؛ بخلاف عطاء، وعمرو بن دينار ونحوهما ، فقد كانوا يدخلون عليه مع العامة . ومعلوم أن خواص العالم ٢٩٢ عندهم من علمه ماليس عند غيرهم، كما عند خواص الصحابة - مثل الخلفاء الراشدين الأربعة، وابن مسعود، وعائشة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرم - من العلم ماليس عند من ليس له مثلهم من الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم . والمقصود بهذا : أن كثيراً من الناس يظن أن ابن عباس خالفه فى هذه المسألة كثير من الصحابة أو أكثرهم، ولا يعلمون أنه لم يثبت عن الصحابة إلا مايوافق قوله ؛ لاما يناقضه . وإن قدر أن بعضهم خالفه فالمرجع فيما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة . قال هؤلاء: والطلاق الذى جعله الله ثلاثا هو الطلاق الرجعي ، وكل طلاق فى القرآن فى المدخول بها هو الطلاق الرجعي غير الطلقة الثالثة؛ ولذلك قال أحمد فى أحد قوليه : تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الرجعي . قال هؤلاء : فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى رجعي وبأن فقد خالف الكتاب والسنة ؛ بل كل مافيه بينونة فليس من الطلاق الثلاث ؛ فإذا سمي طلاقا بائناً ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع فيه . قالوا : ولو كان الخلع طلاقا لما جاز فى الحيض ، فإن الله حرم طلاق الحائض، وقد سلم لنا المنازعون أو أكثرم أنه يجوز فى الحيض ؛ ولأن الحاجة داعية إليه فى الحيض. قالوا: والله تعالى إنما حرم المرأة بعد الطلقة الثالثة عقوبة للرجل لئلا يطلق لغير حاجة ؛ فإن الأصل فى الطلاق الحظر؛ وإنما أبيح منه قدر الحاجة ، والحاجة تندفع بثلاث مرات ؛ ولهذا أبيحت الهجرة ثلاثا، والإحداد لغير موت الزوج ثلاثا ، ومقام المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا . والأصل فى الهجرة ومقام المهاجر بمكة التحريم. ٢٩٣ ثم اختلف هؤلاء. هل من شرط كونه فسخاًأن يكون بغير لفظ الطلاق ونيته ؟ على ثلاثة أقوال . ((أحدها)): أنه لابد أن يكون بغير لفظ الطلاق ونيته. فمن خالع بلفظ الطلاق أو نواه فهو من الطلاق الثلاث ، وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، ثم قد يقول هؤلاء: إذاعري عن صريح الطلاق ونيته فهو فسخ. وقد يقولون: إنه لا يكون فسخً إلا إذا كان بلفظ الخلع. والفسخ والمفاداة دون سائر الألفاظ : كلفظ الفراق، والسراح، والإبانة وغير ذلك من الألفاظ التى لا يفارق الرجل امرأته إلا بها، مع أن ابن عباس لم يسمه إلا فدية وفراقا وخلا ، وقال : الخلع فراق ؛ وليس بطلاق . ولم يسمه ابن عباس فسخا، ولا جاء فى الكتاب والسنة تسميته ((فسخا))، فكيف يكون لفظ الفسخ صريحاً فيه دون لفظ الفراق ؟! وكذلك أحمد بن حنبل أكثر ما يسميه ((فرقة)) ليست بطلاق. وقد يسميه ((فسخا)) أحيانا ؛ لظهور هذا الاسم فى عرف المتأخرين. ((والثانى)) أنه إذا كان بغير لفظ الطلاق كلفظ ((الخلع)) ((والمفاداة)» ((والفسخ)) فهو فسخ ، سواء نوى به الطلاق أو لم ينو. وهذا الوجه ذكره غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد . وعلى هذا القول : فهل هو فسخ إذا عري عن صريح الطلاق بأي لفظ وقع من الألفاظ والكنايات ؟ أو هو مختص بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة ؟ على وجهين ، كالوجهين على القول الأول . ٢٩٤ وهذا القول أشبه بأصولهما من الذى قبله ؛ فإن اللفظ إذا كان صريحاً فى باب ووجد معاداً فيه لم يكن كناية فى غيره ؛ ولهذا لو نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع عند عامة العلماء ، وعلى هذا دل الكتاب والسنة . وكذلك عند أحمد : لو نوى بلفظ الحرام الطلاق لم يقع؛ لأنه صريح فى الظهار؛ لاسيما على أصل أحمد . وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة فى الخلع فلا تكون كناية فى الطلاق ، فلايقع بها الطلاق بحال ؛ ولأن لفظ الخلع والمفاداة والفسخ والعوض إما أن تكون صريحة فى الخلع ؛ وصريحة فى الطلاق، أو كناية فيهما، فإن قيل بالأول - وهو الصحيح - لم يقع بها الطلاق وإن نواه . وإن قيل بالثانى: لزم أن يكون لفظ الخلع والفسخ والمفاداة من صريح الطلاق ، فيقع بها الطلاق، كما يقع بلفظ الطلاق عند التجرد؛ وهذا لم يقله أحد ، ولم يعدها أحد من الصرائح. فإن قيل: هي مع العوض صريحة فى الطلاق . قيل : هذا باطل على أصل الشافعى ؛ فإن ماليس بصريح عنده لا يصير صريحا بدخول العوض ؛ ولهذا قال الشافعى ومن وافقه من أصحاب أحمد : إن النكاح لا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج ، لأن ماسوى ذلك كناية والكناية تفتقر إلى النية ، والنية لا يمكن إلا بإشهاد عليها، والنكاح لا بد فيه من الشهادة ؛ فإذا قال: ملكتكها بألف، وأعطيتكها بألف، ونحو ذلك أو وهبتكها لم يجعل دخول العوض قرينة فى كونه نكاحا؛ لاحتمال عليك الرقبة. كذلك لفظ المفاداة يحتمل المفاداة من الأسر. ولفظ الفسخ إن كان طلاقا مع ٢٩٥ العوض فهو طلاق بدون العوض؛ ولم يقل أحد من أصحاب الشافعي : إنه صريح فى الطلاق بدون العوض ، بل غايته أن يكون كناية . وهذا القول مع كونه أقرب من الأول: فهو أيضاً ضعيف. ((القول الثالث)) أنه فسخ بأي لفظ وقع؛ وليس من الطلاق الثلاث. وأصحاب هذا القول لم يشترطوا لفظاً معينا، ولا عدم نية الطلاق ؛ وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأصحابه ؛ وهو المنقول عن أحمد بن حنبل وقدماء أصحا به فى الخلوع بين لفظ ولفظ ؛ لا لفظ الطلاق ولا غيره ؛ بل ألفاظهم صريحة فى أنه فسخ بأي لفظ كان ، أصرح من لفظ الطلاق فى معناه الخالص. وأما الشافعي فلم يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره ؛ بل لما ذكر قول ابن عباس وغيره وأصحابه ذكر عن عكرمة أنه قال : كلما أجازه المال فليس بطلاق . قال: وأحسب من لم يجعله طلاقا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق . ومن هنا ذكر محمد بن نصر، والطحاوي ونحوهما : أنهم لا يعلمون نزاعا فى الخلع بلفظ الطلاق . ومعلوم أن مثل هذا الظن لا ينقل به مذاهب السلف ، ويعدل به عن الْفاظهم ، وعلمهم ؛ وأدلتهم البينة فى التسوية بين جميع الألفاظ ؛ وأما أحمد فكلامه بين فى أنه لا يعتبر لفظا ، ولا يفرق بين لفظ، ولفظ ، وهو متبع لابن عباس فى هذا . ٢٩٦ القول وبه اقتدى . وكان أحمد يقول : إياك أن تكلم فى مسألة ليس لك فيها إمام. وإمامه فى هذه المسألة هو ابن عباس، ونقله أحمد وغيره عن ابن عباس وأصحابه . فتبين أن الاعتبار عندم ببذل المرأة العوض، وطلبها الفرقة. وقد كتبت ألفاظهم فى هذا الباب فى الكلام المبسوط . ((وأيضًاً)» فقد روي البخاري فى صحيحه ، عن ابن عباس : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس بن شماس - وهو أول من خالع فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما جاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت له : لا أنقم عليه خلقاً ولا ديناً ،ولكن أكره الكفربعد فى الإسلام؛ فذكرت أنها تبغضه . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتردين عليه الحديقة)) فقالت: نعم. قال: ((اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)) وابن عباس الذى يروى هذا اللفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم، وروى أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ((أمرها بحيضة)) استبراء. وقال : لاعدة عليك، وأفتى بأن طلاق أهل اليمن الذي يسمونه ((الفداء)) ليس من الطلاق الثلاث ، مع أن إبراهيم بن سعد قال له: عامة طلاق أهل اليمن الفداء، فقال له : ليس الفداء بطلاق ؛ وإنما هو فراق ، ولكن الناس غلطوا فى اسمه . فأخبره السائل أن طلاقهم هو الفداء، وهذا ظاهر فى أن ذلك يكون بلفظ الطلاق، وأدنى أحواله أن يعم لفظ الطلاق وغيره ، وابن عباس أطلق الجواب ٢٩٧ وعم ، ولم يستثن الفداء بلفظ الطلاق ولا عين له لفظً، مع علمه بأن وقوع ذلك بلفظ الطلاق أكثر منه بغيره ؛ بل العامة لا تعرف لفظ الفسخ والخلع ويحو ذلك إن لم يعلمها ذلك معلم، ولا يفرقون بين لفظ ولفظ ؛ بل كثير منهم إذا قيل له : خالع امرأتك، طلقها بلا عوض ، وقال: قد خلمتها . فلا يعرفون الفرق بين لفظ ولفظ إن لم يذكر لهم الغرض فى أحد اللفظين. وأهل اليمن إلى اليوم تقول المرأة لزوجها : طلقنى. فيقول لها : ابذلي لي فتبذل له الصداق أو غيره فيطلقها، فهذا عامة طلاقهم ، وقد أفتاه ابن عباس بأن هذا فدية وفراق وليس بطلاق. ورد امرأة على زوجها بعد طلقتين وفداء مرة. فهذا نقل ابن عباس وفتياه واستدلاله بالقرآن بما يوافق هذا القول . وهذا كما أنه مقتضى نصوص أحمد وأصوله فهو مقتضى أصول الشرع ، ونصوص الشارع ؛ فإن الاعتبار فى العقود بمقاصدها ومعانيها؛ لا بألفاظها. فإذا كان المقصود باللفظين واحداً لم يجز اختلاف حكمهما . ولو كان المعنى الواحد إن شاء العبد جعله طلاقاً وإن شاء لم يجعله طلاقاً [ كان تلاعبا ] وهذا باطل وقد أوردوا على هذا : أن المعتقة تحته إذا خيرها زوجها فإن لها أن تطلق نفسها ، ولها أن تفسخ النكاح لأجل عنقها . قالوا: فهي مخيرة بين الأمرين وكذلك الزوج مع العوض يملك إيقاع فسخ، ويملك إيقاع طلاق . وهذ القياس ضعيف ؛ فإن هذه إذا طلقت نفسها إنما يقع الطلاق رجعيا: فتكون مخيرة بين ٢٩٨ إيقاع فرقة بائنة ، وبين إيقاع طلاق رجعي. وهذا مستقيم ؛ كما يخير الزوج بين أن يخلعها مفارقة فرقة بائنة ، وبين أن يطلقها بلا عوض طلاقا رجعيا ؛ وإنما المخالف للأصول أن يملك فرقة بائنة إن شاء جعلها فسخا ، وإن شاء جعلها طلاقا، والمقصود فى الموضعين واحد؛ وهو الفرقة البائنة؛ والأمر إليه فى جعلها طلاقا ، أو غير طلاق: فهذا هو المنكر الذى يقتضى أن يكون العبد إن شاء جعل العقد الواحد طلاقا ، وإن شاء جعله غير طلاق ، مع أن المقصود فى الموضعين واحد . ((وأيضا )) فالذى يرجع إلى العبد هو قصد الأفعال وغايتها؛ وأما الأحكام فإلى الشارع . فالشارع يفرق بين حكم هذا الفعل وحكم هذا الفعل ؛ لاختلاف المقصود بالفعلين . فإذا كان مقصود الرجل بها واحداً لم يكن مخيرا فى إثبات الحكم ونفيه، ومعلوم أن مقصود الفرقة واحد لا يختلف . ((وأيضا)) فمعنى الافتداء ثابت فيما إذا سألته أن يفارقها بعوض؛ والله علق حكم الخلع بمسمى الفدية ، حيث وجد هذا المعنى فهو الخلع المذكور فى كتاب الله تعالى . ((وأيضًاً)) فإن الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق فى القرآن؛ فلم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة ؛ فلو كان الاقتداء طلاقا ٢٩٩ لثبت فيه الرجعة وهذا يزيل معنى الاقتداء؛ إذ هو خلاف الإجماع؛ فإنا نعلم من قال: إن الخلع المطلق يملك فيه العوض ويستحق فيه الرجعة . لكن قال طائفة هو غير لازم ؛ فإن شاء رد العوض وراجعها؛ وتنازع العلماء فيما إذا شرط الرجعة فى العوض: هل يصح؟ على قولين: هما روايتان عن مالك. وبطلان الجمع مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وهو قول متأخري أصحاب أحمد. ثم من هؤلاء من يوجب العوض ويرد الرجعة. ومنهم من يثبت الرجعة ويبطل العوض . وهما وجهان فى مذهب أحمد والشافعي ؛ وليس عن أحمد فى ذلك نص. وقياس مذهب أحمد صحته بهذا الشرط، كما لو بذلت ما لا على أن تملك أمرها . فإنه نص على جواز ذلك، ولأن الأصل عنده جواز الشرط فى العقود، إلا أن يقوم على فسادها دليل شرعي، وليس الشرط الفاسد عنده ما يخالف مقتضى العقد عند الإطلاق؛ بل ما خالف مقصود الشارع وناقض حكمه ؛ كاشتراط الولاء لغير المعتق، واشتراط البائع الوطء مع أن الملك للمشترى ، ونحو ذلك . ((وأيضاً )) فالفرق بين لفظ ولفظ فى الخلع قول محدث لم يعرف عن أحد من السلف: لا الصحابة ، ولا التابعين، ولا تابعيهم . والشافعى - رضى الله عنه - لم ينقله عن أحد؛ بل ذكر: أنه يحسب أن الصحابة يفرقون. ومعلوم أن هذا ليس نقلا لقول أحد من السلف . والشافعي ذكر هذا فى أحكام القرآن. ورجح فيه أن الخلع طلاق وليس بفسخ، فلم يجز هذا القول لما ظنه من تناقض أصحابه، وهو أنهم يجعلونه بلفظ طلاقا بائنا من الثلاث ، ٣٠٠