Indexed OCR Text
Pages 181-200
كفروا مبتدعين الكفر كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِوَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) . وسئل رحم الله تعالى عن الإماء الكتابيات: ما الدليل على وطئهن بملك اليمين من الكتاب، والسنة والإجماع ، والاعتبار ؟ وعلى تحريم الإماء المجوسيات ؟ أفتونا مأجورين ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. وطء ((الإماء الكتابيات)) بملك المين أقوى من وطئهن بملك النكاح عند عوام أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم ؛ ولم يذكر عن أحد من السلف تحريم ذلك كما نقل عن بعضهم المنع من نكاح الكتابيات ؛ وإن كان ابن المنذر قد قال : لم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم نكاحهن . ولكن التحريم هو قول الشيعة ؛ ولكن فى كراهة نكاحهن مع عدم الحاجة نزاع ، والكراهة معروفة فى مذهب مالك والشافعي وأحمد ، وكذلك كراهة وط ء الإماء ؟ فيه نزاع . روي عن الحسن : أنه كرهه . والكراهة فى ذلك مبنية ١٨١ على كراهة التزوج . وأما التحريم فلا يعرف عن أحد ؛ بل قد تنازع ء العلماء فى جواز تزويج الأمة الكتابية : جوزه أبو حنيفة وأصحابه، وحرمه مالك والشافعى والليث والأوزاعي ، وعن أحمد روايتان : أشهرهما كالثانى ؛ فإن الله سبحانه إنما أباح نكاح المحصنات بقوله تعالى : (وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ) الآية. فأباح (وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن المحصنات منهم ، وقال فى آية الإماء : يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ )؛ فإنما أباح النساء المؤمنات ؛ وليس هذا موضع بسط هذه المسئلة . وأما (( الأمة المجوسية)» فالكلام فيها ينبنى على أصلين . ((أحدهما)) أن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات . وهذا مذهب الأمة الأربعة، وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة فى ذبائحهم ونسائهم ، وجعل الخلاف فى ذلك من جنس خلاف أهل البدع . و ((الأصل الثانى)) أن من لا يجوز نكاحهن لا يجوز وطأهن بملك المين كالوثنيات ، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد وغير م، وحكي عن أبي ثور : أنه : قال يباح وطء الإماء بملك اليمين على أي دين كن. ١٨٢ وأظن هذا يذكر عن بعض المتقدمين . فقد تبين أن فى وطء الأمة الوثنية نزاما . وأما الأُمة الكتابية فليس فى وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع ؛ بل فى التزوج بها خلاف مشهور . وهذا كله مما يبين أن القول بجواز التزوج بهن مع المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه . وحينئذ فنقول : الدليل على أنه لا يحرم التسري بهن وجوه . ((أحدها)) أن الأصل الحل، ولم يقم على تحريمهن دليل من نص ولا إجماع ولاقياس ، فبقي حل وطئهن على الأصل ؛ وذلك أن ما يستدل به من ينازع في حل نكاحهن كقوله: (وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ ) وقوله : (وَلَ تُقْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) إنما يتناول النكاح؛ لا يتناول الوطء بملك اليمين . ومعلوم أنه ليس فى السنة ولا فى القياس ما يوجب تحريمهن ، فيبقى الحل على الأصل . ((الثانى)) أن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَّ يقتضى عموم جواز أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ) الوطء ملك اليمين مطلقا ، إلا ما استثناه الدليل ؛ حتى إن عثمان وغيره من الصحابة جعلوا مثل هذا النص متناولا الجمع بين الأختين حين قالوا: أحلتهما آية ، وحرمتهما آية . فإذا كانوا قد جعلوه عاما فى صورة حرم فيها النكاح فلأن يكون عاما فى صورة لا يحرم فيها النكاح أولى وأحرى. ١٨٣ ((الثالث)) أن يقال: قد أجمع العلماء على حل ذلك كما ذكرناه ، ولم يقل أحد من المسلمين : إنه يجوز نكاحهن ، ويحرم التسري بهن ؛ بل قد قيل: يحرم الوطء فى ملك المين حيث يحرم الوطء فى النكاح. وقيل: يجوز التزوج بهن . فعلم أن الأمة مجمع على التسرى بها ؛ ولم يكن أرجح من حل النكاح ؛ ولم يكن دونه . فلو حرم التسرى دون النكاح كان خلاف الإجماع ((الرابع)» أن يقال: إن حل نكاحهن يقتضى حل التسرى بهن من طريق الأولى والأحرى . وذلك أن كل من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك المين بلا نزاع . وأما العكس فقد تنازع فيه ؛ وذلك لأن ملك اليمين أوسع ؛ لا يقتصر فيه على عدد ؛ والنكاح يقتصر فيه على عدد . وما حرم فيه الجمع بالنكاح قد نوزع فى تحريم الجمع فيه بملك اليمين ؛ وله أن يستمتع بملك المين مطلقا من غير اعتبار قسم ولا استئذان فى عزل ، ونحو ذلك مما حجر عليه فيه لحق الزوجة . وملك النكاح نوع رق ، وملك اليمين رق تام . وأباح الله للمسلمين أن يتزوجوا أهل الكتاب؛ ولا يتزوج أهل الكتاب نساءهم ؛ لأن النكاح نوع رق، كما قال عمر : النكاح رق ؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته . وقال زيد بن ثابت : الزوج سيد فى كتاب الله؛ وقرأ قوله تعالى: ( وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ ) وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله فى النساء، فإنهن عوان عندكم)) فجوز ١٨٤ للمسلم أن يسترق هذه الكافرة ، ولم يجوز للكافر أن يسترق هذه المسلمة لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كما جوز للمسلم أن يملك الكافر، ولم يجوز للكافر أن يملك المسلم . فإذاً جواز وطئهن من ملك تام أولى وأحرى . يوضح ذلك : أن المانع: إما الكفر ؛ وإما الرق . وهذا الكفر ليس بمانع ؛ والرق ليس مانعا من الوطء بالملك ؛ وإنما يصلح أن يكون مانعا من التزوج . فإذا كان المقتضي للوط. فأما ، والمانع منتفيا : جاز الوطء. فهذا الوجه مشتمل على ((قياس التمثيل)) وعلى ((قياس الأولى)) ويخرج منه ((وجه رابع)) يجعل ((قياس التعليل)). فيقال: الرق مقتض لجواز وطء المملوكة ؛ كما نبه النص على هذه العلة كقوله: ( أَوْمَامَلَكَتْ ◌َيْمَئُهُمْ ) وإنما يمتنع الوطء بسبب يوجب التحريم ؛ بأن تكون محرمة بالرضاع ؛ أو بالصهر ، أو بالشرك، ونحو ذلك . وهذه ليس فيها ما يصلح للمنع إلا كونها كتابية ، وهذا ليس بمانع ، فإذا كان المقتضي للحل قائما ، والمانع المذكور لا يصلح أن يكون معارضا : وجب العمل بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم . وهذه الوجوه بعد عام تصورها توجب القطع بالحل . (( الوجه الخامس)» أن من تدبر سير الصحابة والسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وجد آ ثاراً كثيرة تبين أنهم لم يكونوا يحملون ذلك ما نعا ؛ بل هذه كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه : مثل الذى كانت له أم ولد ، وكانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام يقتلها، ١٨٥ وقد روى حديثها أبو داود وغيره . وهذه لم تكن مسلمة ، لكن هذه القصة قد يقال : إنه لا حجة فيها ؛ لأنها كانت فى أوائل مقدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ، ولم يكن حينئذ يحرم نكاح المشركات ، وإنما ثبت التحريم بعد الحديبية لما أنزل الله تعالى: (وَلَ تُمْسِكُواْبِعِصَمِ الْكَوَافِ ) وطلق عمر امرأته كانت بمكة ، وأما الآية التى فى البقرة فلا يعلم تاريخ نزولها وفى البقرة ما نزل متأخراً كايات الزنا، وفيها مانزل متقدما : كايات الصيام. ومثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك قال للحر بن قيس: «هل لك فى نساء بنى الأصفر؟)) فقال: (أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْسِنِّ) ومثل فتحه لخيبر ، وقسمه للرقيق ، ولم ينه المسلمين عن وطئهن حتى يسلمن كما أمرم بالاستبراء. بل من يبيح ((وطء الوثنيات بملك المين)) قد يستدل بما جرى يوم أو طاس من قوله : ((لا توطاً حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة)» على جواز وطء الوثنيات بملك المين . وفى هذا كلام ليس هذا موضعه ، والصحابة لما فتحوا البلاد لم يكونوا يمتنعون عن وطء النصرانيات . ١٨٦ فصل وأما (( المجوسية)) فقد ذكرنا أن الكلام فيها مبني على أصلين . ((أحدهما)) أن المجوس لا تحل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤم والدليل على هذا وجوه . ((أحدها)) أن يقال: ليسوا من أهل الكتاب، ومن لم يكن من أهل الكتاب لم يحل طعامه ولا نساؤه . أما المقدمة الأولى ففيها نزاع شاذ (وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارٌَ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ فالدليل عليها أنه سبحانه قال : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّاعَنْ فتبين أنه أنزل القرآن كراهة أن يقولواذلك دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ) ومنعاً لأن يقولوا ذلك ودفعا لأن يقولوا ذلك ، فلو كان قد أنزل على أكثر من طائفتين لكان هذا القول كذبا فلا يحتاج إلى مانع من قوله . ((وأيضا )) فإنه قال: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ كُوْإِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فذكر الملل الست ، وذكر أنه يفصل بينهم يوم القيامة ، ولما ذكر الملل التى (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى فيها سعيد فى الآخرة قال : ١٨٧ فى موضعين . فلم وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا ) يذكر المجوس ولا المشركين: فلو كان فى هاتين الملتين سعيد فى الآخرة كما فى الصابئين واليهود والنصارى لذكرم ، فلو كان لهم كتاب لكانوا قبل النسخ والتبديل على هدى ؛ وكانوا يدخلون الجنة إذا عملوا بشريعتهم ، كما كان اليهود والنصارى قبل النسخ والتبديل ، فلما لم يذكر المجوس فى هؤلاء علم أنه ليس لهم كتاب ؛ بل ذكر الصابئين دونهم ، مع أن الصابئين ليس لهم كتاب ، إلا أن يدخلوا فى دين أحد من أهل الكتابين . وهو دليل على أن المجوس أبعد عن الكتاب منهم. وأيضا ففى المسند والترمذى وغيرهما من كتب الحديث والتفسير والمغازى الحديث المشهور: لما اقتتلت فارس والروم، وانتصرت الفرس: ففرح بذلك المشركون ؛ لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب، واستبشر بذلك أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ؛ لكون النصارى أقرب إليهم ؛ لأن لهم كتابا ، وأنزل الله تعالى: (الَّمَ * غُلِبَتِ الزُّومُ * فيِ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ) الآية. وهذا يبين أن المجوس لم يكونوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لهم كتاب . ((وأيضا)) ففى حديث الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره من التابعين (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس)) وقال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكي نسائهم ، ولاآ كلي ذبائحهم » وهذا مرسل. ١٨٨ وعن خمسة من الصحابة توافقه ، ولم يعرف عنهم خلاف وأما حذيفة فذكر أحمد : أنه تزوج بيهودية . وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم. ((والمرسل)) فى أحد قولي العلماء حجة؛ كمذهب أبى حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. وفي الآخر هو حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن، أو أرسل من وجه آخر. وهذا قول الشافعى. فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء . وهذا المرسل نص فى خصوص المسئلة ، غير محتاج إلى أن يبنى على المتقدمين . فإن قيل : روي عن علي : أنه كان لهم كتاب فرفع . قيل : هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره ، وإن صح فإنه إنما يدل على أنه كان لهم كتاب فرفع، لا أنه الآن بأيديهم كتاب ؛ وحينئذ فلا يصح أن يدخلوا فى لفظ ( أهل الكتاب) إذ ليس بأيديهم كتاب ؛ لامبدل ، ولا غير مبدل ، ولا منسوخ ، ولا غير منسوخ؛ ولكن إذا كان لهم كتاب ثم رفع بقي لهم شبهة كتاب ، وهذا القدر يؤثر فى حقن دمائهم بالجزية إذا قيدت بأهل الكتاب. وأما الفروج والذبائح : فلها مخصوص بأهل الكتاب . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أمر أن يسن بهم سنتهم فى أخذ الجزية خاصة ، كما فعل ذلك الصحابة، فإنهم لم يفهموا من هذا اللفظ إلا هذا الحكم. وقد روى مقيدا: ((غير ناكي نسائهم؛ ولا آ كلي ذباتحهم)) فن جوز أخذ الجزية من أهل الأوثان قاس ١٨٩ عليهم غيرهم فى الجزية ، ومن خصهم بذلك قال : إن لهم شبهة كتاب بخلاف غيرم. والدماء تعصم بالشبهات؛ ولا تحل الفروج والذبائح بالشبهات؛ ولهذا لما تنازع علي وابن عباس فى ذبائح بني تغلب قال علي: إنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب الخمر. وقرأ ابن عباس قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ. مِنْهُمْ ) فعلي رضي الله عنه منع من ذبائحهم مع عصمة دمائهم، وهو الذي روى حديث كتاب المجوس ، فعلم أن التشبه بأهل الكتاب فى بعض الأمور ء يقتضى حقن الدماء، دون الذبائح والنساء . وسئل شيخ الإسلام وم اللّه عن رجل تكلم بكلمة الكفر ، وحكم بكفره، ثم بعد ذلك حلف بالطلاق من امرأته ثلاثا : فإذا رجع إلى الإسلام هل يجوزله أن يجدد النكاح من غير تحليل ، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا ارتدولم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدة امرأته ؛ فإنها تبين منه عند الأئمة الأربعة . وإذا طلقها بعد ذلك : فقد طلق أجنبية فلا يقع بها الطلاق . فإذاعاد إلى الإسلام فله أن يتزوجها . وإن طلقها فى زمن العدة قبل أن يعود إلى الإسلام : فهذا فيه قولان ١٩٠ للعلماء . ((أحدهما)). أن البينونة تحصل بنفس الردة، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك فى المشهور عنه ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه . فعلى هذا يكون الطلاق بعد هذا طلاق الأجنبية فلا يقع. (( والثانى)) أن النكاح لا يزول حتى تنقضي العدة ، فإن أسلم قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما . وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد فى الرواية الأخرى عنه . فعلى هذا إذا كان الطلاق فى العدة، وعاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة : تبين أنه طلق زوجته ، فيقع الطلاق . وإن كان لم يعد إلى الإسلام حتى انقضت العدة: تبين أنه طلق أجنبية ، فلا يقع به الطلاق . والله أعلم : ۔۔۔ ١٩١ باب الصداق وقال شيخ الإسلام رحمه الله السنة : تخفيف الصداق ، وألا يزيد على نساء النبى صلى الله عليه وسلم وبناته : فقد روت عائشة - رضى الله عنها - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة)) وعن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((خير هن أيسر هن صداقاً)) وعن الحسن البصري ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألزموا النساء الرجال، ولا تغالوا فى المهور)). وخطب عمر بن الخطاب الناس فقال : ألا لا تغالوا فى مهور النساء ؛ فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله : كان أولا كم النبى صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق امرأة من نساءئه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية . قال الترمذى : حديث صحيح. ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقا يضر به إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينا . قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ١٩٢ إنى تزوجت امرأة من الأنصار. فقال: ((على كم تزوجتها؟)) قال : على أربع أوراق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((على أربع أوراق فكأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك فى بعث تصيب منه )) قال: فبعث بعثا إلى بني عبس فبعث ذلك الرجل فيهم . رواه مسلم فى صحيحه. (( والأوقية)) عندهم أربعون درهما، وهي بجموع الصداق، ليس فيه مقدم ومؤخر . وعن أبى عمرو الأسلمى : أنه ذكر أنه تزوج امرأة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه فى صداقها ، فقال: ((كم أصدقت؟)) قال: فقلت؛ مائتى درهم. فقال: ((لو كنتم تعرفون الدراهم من أوديتكم ما زدتم)) رواه الإمام أحمد فى مسنده . وإذا أصدقها دينا كثيرا فى ذمته وهو ينوي ألا يعطيها إياه كان ذلك حراما عليه، فإنه قدروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تزوج امرأة بصداق ينوي ألا يؤديه إليها فهو زان ، ومن ادّان دينا ينوي ألا يقضيه فهو سارق )). وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي ألا يعطيهم إياه: فهذامنكر قبيح، مخالف للسنة ، خارج عن الشريعة . ١٩٣ وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو فى الغالب لا يطيقه فقد حمل نفسه ، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته ، وارتهانه بالدين ؛ وأهل المرأة قدآذوا صهرم وضروه. والمستحب فى ((الصداق)) مع القدرة واليسار : أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ولا بناته ، وكان مابين أربعمائة إلى خمسمائة . بالدرام الخالصة ، نحواً من تسعة عشر دينارا . فهذه سنة رسول الله صلى الله وسلم من فعل ذلك فقداستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصداق، قال أبو هريرة رضى عنه كان : صداقنا إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرأواق، وطبق بيديه . وذلك أربعمائة درهم . رواه الإمام أحمد فى مسنده، وهذا لفظ أبى داود فى سننه. وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم کان صداقرسول الله صلی الله عليه وسلم؟ قالت: کان صداقه لأزواجه ثنتی عشرة أوقية ونشاً. قالت أتدرى ما النش ؟ قلت : لا . قالت : نصف أوقية : فذلك خمسمائة درهم . رواه مسلم فى صحيحه، وقد تقدم عن عمر أن صداق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نحواً من ذلك، فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواتى هن خير خلق الله فى كل فضيلة ، وهن أفضل نساء العالمين فى كل صفة : فهو جاهل أحمق . وكذلك صداق أمهات المؤمنين. وهذا مع القدرة واليسار . فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة . ١٩٤ والأولى تعجيل الصداق كله للمرأة قبل الدخول إذا أمكن ، فإن قدم البعض وأخر البعض : فهو جائز . وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق. فتزوج عبد الرحمن بن عوف فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وزن نواة من ذهب. قالوا : وزنها ثلاثة دراهم وثلث . وزوج سعيد بن المسبب بنته على درهمين، وهي من أفضل أيم من قريش ، بعد أن خطبها الخليفة لابنه فأنى أن يزوجها به . والذي نقل عن بعض السلف أن تكثير صداق النساء فإنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصداق كله قبل الدخول ؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئا. ومن كان له يسار ووجد فأحب أن يعطى امرأته صداقا كثيراً فلا بأس بذلك، كما قال تعالى: (وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَ هُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا). أما من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه : فهذا مكروه . كما تقدم. وكذلك من جعل فى ذمته صداقا كثيراً من غير وفاءله : فهذا ليس بمسنون . والله أعلم. وسئل رحم اللّه عن الرجل يتزوج على صداق معين مكتوب ، ويتفقا على مقدم فيعطيه ثم يموت : هل يحسب المقدم من جملة الصداق المكتوب ؟ فأجاب : وأما ما يقدمه الزوج للمرأة من النقد الذى اتفقوا عليه غير الصداق الذى يكتب فى الكتاب إذا أعطاها الزوج ذلك أو بعضه أو ١٩٥ بدله ؛ فإنه لا يحسب عليها من الصداق المكتوب ؛ بل لو لم يعطها ذلك لكان ھے لها أن تطلبه فى أظهر قولي العلماء، وكان من الصداق الذى يستقر بالموت تأخذه كله بعد موته؛ فإنها إذا رضيت بأن يكون لها مقدم ومؤخر ؛ يسميه السلف عاجلا وآجلا ، وشارطته على أن يقدم لها كذا ويؤخر كذا. وإن لم تذكر حين العقد فالشرط المتقدم على العقد إذا لم يفسخ حين عقد العقد كالمشروط فى أظهر قولي العلماء. كما قد بسط الكلام على ذلك فى الكتاب الكبير الذى صنفته فى ((مسائل الذراع والحيل)) و(( بيان الدليل. على بطلان التحليل )) إلا أن يكون المراد أنه إذا دخل بها يعطيها قبل الدخول ذلك ، فإذا لم يدخل بها لم تستحق ماشرط لها تعجيله قبل الدخول . وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة عجل لها زوجها نقدا، ولم يسمه فى كتاب الصداق ، ثم توفي عنها ، فطلب الحاكم أن يحسب المعجل من الصداق المسمى فى العقد ؛ لكون المعجل لم يذكر فى الصداق . فأجاب : الحمد لله. إن كانا قد اتفقا على العاجل المقدم والآجل المؤخر - كماجرت به العادة - فللزوجة أن تطلب المؤخر كله إن لم يذكر المعجل فى العقد، وكذلك إن كان قد أهدى لها - كما جرت به العادة وأما إن كان أقبضها من الصداق المسمى حسب على الزوجة . والله أعلم ١٩٦ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصداق مدة شهرين ، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يطلقه ؟ فأجاب : إذا لم يعرف له مال حلفه الحاكم على إعساره وأطلقه . ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه فى المذاهب الأربعة . وسئل رحمه اللّه عن امرأة بكر تزوجها رجل ودخل بها ، ثم ادعى أنها كانت ثيبا ، وتحا كما إلى حاكم، فأرسل معها امرأتين فوجدوها كانت بكراً فأنكر . ونكل عن المهر : ما يجب عليه؟ فأجاب : ليس له ذلك ؛ بل عليه كمال المهر ، كما قال زرارة ، وقضى الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون: أن من أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجبت عليه العدة والمهر . والله أعلم ١٩٧ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل خطب امرأة ، فاتفقوا على النكاح من غير عقد ، وأعطى أباها لأجل ذلك شيئا، فاتت قبل العقد : هل له أن يرجع بما أعطى ؟ فأجاب: إذا كانوا قدوفوا بمااتفقوا عليه، ولم يمنعوه من نكاحها حتى ماتت فلا شيء عليهم ؛ وليس له أن يسترجع ما أعطام ، كما أنه لو كان قد تزوجها استحقت جميع الصداق ، وذلك لأنه إنما بذل لهم ذلك ليمكنوه من نكاحها وقد فعلوا ذلك، وهذا غاية الممكن . وسئل رحمه اللّه عن امرأة تزوجت، ثم بان أنه كان لها زوج ، ففرق الحاكم بينهما : فهل لها مهر ؟ وهل هو المسمى ؛ أو مهر المثل ؟ فأجاب: إذا علمت أنها مزوجة ولم تستشعر ؛ لاموته ، ولاطلاقه : فهذه زانية مطاوعة لامهر لها . وإذا اعتقدت موته وطلاقه فهو وطء شبهة بنكاح فاسد فلها المهر ، وظاهر مذهب أحمد ومالك أن لها المسمى؛ وعن أحمد رواية أخرى كقول الشافعى أن لها مهر المثل . والله أعلم . ١٩٨ وسئل رحمه اللّه تعالى عن معسر : هل يقسط عليه الصداق ؟ فأجاب : إذا كان معسراً قسط عليه الصداق على قدر حاله ، ولم يجز حبسه ؛ لكن أكثر العلماء يقبلون قوله فى الإعسار مع يمينه ، وهو مذهب الشافعى وأحمد . ومنهم من لا يقبل البينة إلا بعد الحبس؛ كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة . فإذا كانت الحكومة عند من يحكم بمذهب الشافعى وأحمد لم يحبس . وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكتب عليه صداقا ألف دينار وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئا إلا عندنا هذه عادة وسمعة ، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟ فأجاب : إذا كانت الصورة على ما ذكر لم يجز لها أن تطالب إلا ما اتفقا عليه، وأما ماذكر على الوجه المذكور فلا يحل لها المطالبة به ، بل يجب لها ما اتفقا عليه . ١٩٩ وسئل رحمه اللّه تعالى عن امرأة تزوجت برجل ؛ فهرب وتركها من مدة ست سنين ، ولم يترك عندها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها ، فلما اطلع الحاكم عليها فسخ العقد بينهما : فهل يلزم الزوج الصداق ؟ أم لا ؟ فأجاب : إن كان النكاح الأول فسخ لتعذر النفقة من جهة الزوج ؛ وانقضت عدتها ؛ ثم تزوجت الثانى: فنكاحه صحيح . وإن كانت تزوجت الثانى قبل فسخ نكاح الأول : فنكاحه باطل . وإن كان الزوج والزوجة علما أن نكاح الأول باق ؛ وأنه يحرم عليهما النكاح: فيجب إقامة الحد عليهما . وإن جهل الزوج نكاح الأول ، أو نفاه ، أو جهل تحريم نكاحه قبل الفسخ : فنكاحه نكاح شبهة ؛ يجب عليه فيه الصداق ، ويلحق فيه النسب، ولاحد فيه ، وإن كانت غرته المرأة أو وليها فأخبره أنها خلية عن الأزواج : فله أن يرجع بالصداق الذى أداه على من غره فى أصح قولي العلماء . ٢٠٠