Indexed OCR Text

Pages 121-140

و ((أيضا)) فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما
هو الواقع . فامرأة الزانى تصير زانية من وجوه كثيرة ، وإن استحلت
ما حرمه الله كانت مشر كة ؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك ، فلا
يكاد يعرف فى نساء الرجال الزناة المصرين على الزنى الذين لم يتوبوا منه امرأة
سليمة سلامة تامة ، وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها
يذهب إلى النساء الأجانب، وقد جاء فى الحديث: ((بروا آباء كم تبركم
أبناؤكم، وعفوا تمف نساؤكم)). فقوله: (الَِّلَ يَنكِحُ إِلََّزَانِيَةً) إما
أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنى، أو أن ذلك يفضى إلى زناها . وأما
الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنى زنى .
وكذلك ( المُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ ) : الحرائر ، وعن ابن عباس:
هن العفائف . فقد نقل عن ابن عباس تفسير (المحصنات) بالحرائر. وبالعفائف.
وهذا حق. فنقول مما يدل على ذلك قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ
لا
لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ ◌ِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ فَكُواْمِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
وَذَّكُرُواْ أسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَنَّقُواْ لَهَ إِنَّاللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلُ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ عِلٌّ لَّ وَالْمُحْصَنَتُّ مِنَ المُؤْمِنَتِ وَالُْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ). ((المحصنات))
قد قال أهل التفسير : هن العفائف . هكذا قال الشعبي، والحسن والنخعى
والضحاك ، والسدي . وعن ابن عباس: هن الحرائر. ولفظ (المحصنات)
إن أريد به ((الحرائر)) فالعفة داخلة فى الإحصان بطريق الأولى؛ فإن أصل
١٢١

المحصنة هى العفيفة التى أحصن فرجها، قال الله تعالى: ( وَمَرْيَمَ آَبْنَتَ عِمْرَنَ اَلِّىّ
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) وقال تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ بِرُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَافِلَاتِ
اَلْمُؤْمِنَتِ ) وهن العفائف ، قال حسان بن ثابت .
حصان رزان ماتزن بريبة وتصبح غر فى من لحوم الغوافل
ثم عادة العرب أن الحرة عندهم لا تعرف بالزنى؛ وإنما تعرف بالزنى الإماء
ولهذا لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند امرأة أبى سفيان على ألا تزنى
قالت : أو تزنى الحرة ؟! فهذا لم يكن معروفا عندهم. والحرة خلاف الأمة
صارت فى عرف العامة أن الحرة هي العفيفة؛ لأن الحرة التى ليست أمة كانت
معروفة عندهم بالعفة ، وصار لفظ الإحصان يتناول الحرية مع العفة ؛ لأن
الإماء لم تكن عفائف ، وكذلك الإسلام هو ينهى عن الفحشاء والمنكر
وكذلك المرأة المتزوجة زوجها يحصنها ، لأنها تستكفى به ، ولانه يغار
عليها. فصار لفظ ((الإحصان)) يتناول: الإسلام، والحرية، والنكاح.
وأصله إنما هو العفة ؛ فإن العفيفة هى التى أحصن فرجها من غير صاحبها ،
كالمحصن الذى يمتنع من غير أهله، وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل
الكتاب نكاح المحصنات، ((والبغايا)) لسن محصنات: فلم يبح الله
نكاحهن .
ومما يدل على ذلك قوله : ( إِذَآءَ اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ
والمسافح الزانى الذى يسفح ماءه مع هذه وهذه
وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ )
١٢٢

وكذلك المساخة والمتخذة الحدن الذى تكون له صديقة يزني بها دون غيره
فشرط فى الحل أن يكون الرجل غير مسافح ، ولا متخذ خدن . فإذا كانت
المرأة بغيا وتسافح هذا وهذا لم يكن زوجها محصنالها عن غيره ؛ إذ لو كان
محصنا لها كانت محصنة ، وإذا كانت مساحة لم تكن محصنة. والله إنما أباح
النكاح إذا كان الرجال محصنين غير مسافين، وإذا شرط فيه ألا يزنى
بغيرها - فلا يسفح ماءه مع غيرها - كان أبلغ، وأبلغ . وقال أهل اللغة:
((السفاح)) الزنا . قال ابن قتيبة (محصنين) أى متزوجين (غير مساخين)
قال: وأصله من سفحت القربة إذا صببتها. فسمى ((الزنا)) سفاحا؛ لأنه
يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس: ((السفاح)) صب
الماء بلا عقد ولا نكاح، فهي التى تسفح ماءها . وقال الزجاج: ( محصنين )
أى عاقدين التزوج . وقال غيرهما : متعففين غير زانين ، وكذلك قال فى
النساء (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِين )
ففى هاتين الآيتين اشترط أن يكون الرجال محصنين غير مساخين بكسر
الصاد. ((والمحص)) هو الذى يحصن غيره ؛ ليس هو المحصن بالفتح
الذي يشترط فى الحد . فلم يبح إلا تزوج من يكون محصنا للمرأة غير مسافح
ومن تزوج يبغي مع بقائها على البناء ولم يحصنها من غيره - بل هى كما كانت
قبل النكاح تبغى مع غيره - فهو مسافح بها لامحصن لها . وهذا حرام
بدلالة القرآن .
١٢٣

فإن قيل: إنما اراد بذلك أنك تبتغى بمالك النكاح لا تبتغى به السفاح
فتعطيها المهر على أن تكون زوجتك ليس لغيرك فيها حق ؛ بخلاف ما إذا
أعطيتها على أنها مسافة لمن تريد ، وأنها صديقة لك تزنى بك دون غيرك
فهذا حرام ؟
قيل : فإذا كان النكاح مقصوده أنها تكون له ؛ لالغيره، وهى لم تتب
من الزنى: لم تكن موفية بمقتضى العقد؟
فإن قيل : فإنه يحصنها بغير اختيارها، فيسكنها حيث لا يمكنها الزنى؟
قيل : أما إذا أحصنها بالقهر فليس هو بمثل الذى يمكنها من الخروج
إلى الرجال، ودخول الرجال إليها ؛ لكن قد عرف بالعادات والتجارب أن
المرأة إذا كانت لها إرادة فى غير الزوج احتالت إلى ذلك بطرق كثيرة
وتخفى على الزوج ، وربما أفسدت عقل الزوج بما تطعمه ، وربما سحرته
أيضا ، وهذا كثير موجود : رجال أطعمهم نساؤهم ، وسحرتهم نساؤهم،
حتى يمكن المرأة أن تفعل ماشاءت؛ وقد يكون قصدها مع ذلك أن
لا يذهب هو إلى غيرها: فهى تقصد منعه من الحلال ، أو من الحرام والحلال.
وقد تقصد أن يمكنها أن تفعل ماشاءت فلا يبقى محصنا لها قواما عليها ؛ بل تبقى
هى الحاكمة عليه . فإذا كان هذا موجودا فيمن تزوجت ولم تكن بغيا : فكيف
عن كانت بغيا ؟! والحكايات فى هذا الباب كثيرة ، وياليتها مع التوبة، يلزم
١٢٤

معه دوام التوبة: فهذا إذا أبيح له نكاحها، وقيل له : أحصنها ، واحتفظ
أمكن ذلك. أما بدون التوبة فهذا متعذر أو متعسر.
ولهذا تكلموا فى توبتها فقال ابن عمر وأحمد بن حنبل: يراودها على
نفسها . فإن أجابته كما كانت يجيبه لم تتب. وقالت طائفة منهم أبو محمد : لا
يراودها ؛ لأنها قد تكون تابت فإذا راودها نقضت التوبة ، ولأنه يخاف عليه
إذا راودها أن يقع فى ذنب معها . والذين اشترطوا امتحانها قالوا : لا يعرف
صدق توبتها بمجرد القول، فصار كقوله: (إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ
فَأَمْتَحِنُوهُنَّ) و((المهاجر)) قد يتناول التائب، قال النبى صلى الله عليه وسلم:
((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمهاجر من هجر السوء)) فهذه إذا ادعت
أنها هجرت السوء امتحنت على ذلك، وبالجملة لابد أن يغلب على قلبه صدق توبتها .
وقوله تعالى: ( وَلَامُتخذِىأَخْدَانٍ ) حرم به أن يتخذصديقة فى السر تزنى
معه لا مع غيره، وقد قال سبحانه فى آية الإماء (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن
يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضَِّ فَاَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
بِلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
◌ِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَفَتِ مِنَ الْعَذَابِ) فذكر فى ((الإماء))
محصنات غير مسافات ولامتخذات أخدان، وأما ((الحرائر)) فاشترط فيهن
أن يكون الرجال محصنين غير مساخين، وذكر فى المائدة (وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ)
١٢٥

لما ذكر نساء أهل الكتاب، وفى النساء لم يذكر إلا غير مسافين؛ وذلك أن
الإماء كن معروفات بالزنى دون الحرائر، فاشترط فى نكاحهن أن يكن محصنات
غير مسافات ولامتخذات أخدان ، فدل ذلك أيضًا على أن الأمة التى تبنى
لا يجوز تزوجها إلا إذا تزوجها على أنها محصنة يحصنها زوجها، فلا تسافح الرجال
ولا تتخذصديقا. وهذا من أبين الأمور فى تحريم نكاح الأمة الفاجرةمع ما تقدم.
وقد روى عن ابن عباس ( محصنات) عفائف غير زوان ( ولا متخذات
أخدان ) يعنى أخلاء : كان أهل الجاهلية يحرمون ماظهر من الزنى ويستحلون
ماخفى. وعنه رواية أخرى: ((المسافات)) المعلنات بالزنى (( والمتخذات أخدان))
ذوات الخليل الواحد . قال بعض المفسرين : كانت المرأة تتخذ صديقا تزنى معه
ولا تزنى مع غيره. فقد فسر ابن عباس هو وغيره من السلف المحصنات
بالعفائف ، وهو كما قالوا، وذكروا أن الزنى فى الجاهلية كان نوعين : نوعا
مشتركا ، ونوعا مختصاً . والمشترك ما يظهر فى العادة؛ بخلاف المختص فإنه مستقر
فى العادة. ولما حرم الله المختص وهو شبيه بالنكاح؛ فإن النكاح تختص فيه
المرأة بالرجل: وجب الفرق بين النكاح الحلال والحرام من اتخاذ الأخدان؛ فإن
هذه إذا كان يزنى بها وحدها لم يعرف أنها [ لم يطأها غيره] ولم يعرف أن
الولد الذى تلده منه ، ولا يثبت لها خصائص النكاح .
فلهذا كان عمر بن الخطاب يضرب على ((نكاح السر)) فإن نكاح السر
من جنس اتخاذ الأخدان شبيه به ، لاسما إذا زوجت نفسها بلا ولي ولا شهود
١٢٦

وكتما ذلك: فهذا مثل الذى يتخذ صديقة،ليس بينهما فرق ظاهر معروف عند
الناس يتميز به عن هذا ، فلا يشاء من يزنى بامرأة صديقة له إلا قال: تزوجتها .
ولا يشاء أحد أن يقول لمن تزوج فى السر: إنه يزنى بها إلا قال ذلك ، فلا بد
أن يكون بين الحلال والحرام فرق مبين. قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الله ◌ِيُضِلَ
قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) وقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ ) فإذا ظهر للناس أن هذه المرأة قد أحصنها تميزت عن المسافات والمتخذات
أخدانا، وإذا كان يمكنها أن تذهب إلى الأجانب لم تتميز المحصنات، كما أنه
إذا كتم نكاحها فلم يعلم به أحد لم تتميز من المتخذات أخدانا. وقد اختلف
العلماء فيما يتميز به هذا عن هذا ، فقيل : الواجب الإعلان فقط سواء أشهد
أو لم يشهد، كقول مالك وكثير من فقهاء الحديث وأهل الظاهر وأحمد فى
رواية . وقيل : الواجب الإشهاد سواء أعلن أو لم يعلن ، كقول أبى حنيفة
والشافعي ورواية عن أحمد . وقيل: يجب الأمران وهو الرواية الثالثة عن
أحمد. وقيل : يجب أحدهما وهو الرواية الرابعة عن أحمد .
واشتراط ((الإشهاد)) وحده ضعيف ؛ ليس له أصل فى الكتاب ولا فى
السنة، فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه حديث . ومن الممتنع أن
يكون الذى يفعله المسلمون دائما له شروط لم يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
وهذا مما تعم به البلوى ، جميع المسلمين يحتاجون إلى معرفة هذا . وإذا كان
هذا شرطا كان ذكره أولى من ذكر المهر وغيره مما لم يكن له ذكر فى كتاب
الله ولا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فتبين] أنه ليس مما
١٢٧

أوجبه الله على المسلمين فى منا كتهم . قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث:
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الإشهاد على النكاح شيء، ولو أوجبه
لكان الإيجاب إنما يعرف من جهة النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا
من الأحكام التى يجب إظهارها وإعلانها ، فاشتراط المهر أولى ؛ فإن المهر
لا يجب تقديره فى العقد بالكتاب والسنة والإجماع ، ولو كان قد أظهر ذلك
لنقل ذلك عن الصحابة : ولم يضيعوا حفظ مالا بد للمسلمين عامة من معرفته،
فإن الهمم والدواعى تتوافر على نقل ذلك ، والذى يأمر بحفظ ذلك . وهم قد
حفظوا نهيه عن نكاح الشغار ، ونكاح المحرم ، ونحو ذلك من الأمور التى
تقع قليلا ؛ فكيف النكاح بلا إشهاد إذا كان الله ورسوله قد حرمه وأبطله
كيف لا يحفظ فى ذلك نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! بل لو
نقل فى ذلك شىء من أخبار الآحاد لكان مردوداً عند من يرى مثل ذلك ؛
فإن هذا من أعظم ما تعم به البلوى أعظم من البلوى بكثير من الأحكام ،
فيمتنع أن يكون كل نكاح للمسلمين لا يصح إلا بإشهاد ؛ وقد عقد المسلمون
من عقود الأنكحة مالا يحصيه إلا رب السموات ؛ فعلم أن اشتراط الإشهاد
دون غيره باطل قطعا ؛ ولهذا كان المشترطون للإشهاد مضطر بين اضطرابا
يدل على فساد الأصل، فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع، إذا كان فيهم
من يجوزه بشهادة فاسقين ، والشهادة التى لا تجب عندم قد أمر الله فيها
بإشهاد ذوى العدل ، فكيف بالإشهاد الواجب ؟ !.
١٢٨

ثم من العجب أن الله أمر ((بالإشهاد فى الرجعة)) ولم يأمر به فى
النكاح ، ثم يأمرون به فى النكاح ولا يوجبه أكثرم فى الرجعة، والله
أمر بالإشهاد فى الرجعة ؛ لئلا ينكر الزوج ويدوم مع امرأته ، فيفضى
إلى إقامته معها حراما ؛ ولم يأمر بالإشهاد على طلاق لا رجعة معه ،
لأنه حينئذ يسرحها بإحسان عقيب العدة فيظهر الطلاق . ولهذا قال يزيد بن
هرون مما يعيب به أهل الرأى : أمر الله بالإشهاد فى البيع دون النكاح ؛
وهم أمروا به فى النكاح دون البيع . وهو كما قال . والإشهاد فى البيع
إما واجب وإما مستحب ، وقد دل القرآن والسنة على أنه مستحب .
وأما النكاح فلم يرد الشرع فيه بإشهاد واجب ولا مستحب ، وذلك أن
النكاح أمر فيه بالإعلان فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد ، فإن المرأة
تكون عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته ، فكان هذا الإظهار الدائم
مغنيا عن الإشهاد كالنسب ؛ فإن النسب لا يحتاج إلى أن يشهد فيه أحداً على
ولادة امرأته ؛ بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن
الإشهاد ؛ بخلاف البيع ؛ فإنه قد يجحد ويتعذر إقامة البينة عليه ، ولهذا
إذا كان النكاح فى موضع لا يظهر فيه كان إعلانه بالإشهاد . فالإشهاد قد
يجب فى النكاح ؛ لأنه به يعلن ويظهر ؛ لا لأن كل نكاح لا ينعقد
إلا بشاهدين ؛ بل إذا زوجه وليته ثم خرجا فتحدثا بذلك وسمع الناس ، أو
جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه تزوجها : كان هذا كافيا . وهكذا
كانت عادة السلف، لم يكونوا يكلفون إحضار شاهدين، ولا كتابة صداق
١٢٩

ومن القائلين بالإيجاب من اشتراط شاهدين مستورين ، وهو لا يقبل عند
الأداءإلا من تعرف عدالته : فهذا أيضا لا يحصل به المقصود. وقد شذ بعضهم
فأوجب من يكون معلوم العدالة ؛ وهذا مما يعلم فساده قطعا ، فإن أنكحة
المسلمين لم يكونوا يلتزمون فيها هذا. وهذه الأقوال الثلاثة فى مذهب أحمد
على قوله باشتراط الشهادة . فقيل : يجزئ فاسقان : كقول أبى حنيفة .
وقيل : يجزئ مستوران، وهذا المشهور عن مذهبه ، ومذهب الشافعي .
وقيل : فى المذهب لابد من معروف العدالة . وقيل : بل إن عقد حاكم
فلا يعقده إلا بمعروف العدالة ؛ بخلاف غيره ؛ فإن الحكام هم الذين يميزون
بين المبرور والمستور . ثم المعروف العدالة عند حاكم البلد : فهو خلاف
ما أجمع المسلمون عليه قديما وحديثا : حيث يعقدون الأنكحة فيما بينهم ،
والحاكم بينهم والحاكم لا يعرفهم . وإن اشترطوا من يكون مشهوراً عنده
بالخير فليس من شرط العدل المقبول الشهادة أن يكون كذلك. ثم الشهود
يموتون وتتغير أحوالهم ، وهم يقولون : مقصود الشهادة إثبات الفراش عند
التجاحد ، حفظا لنسب الولد . فيقال : هذا حاصل بإعلان النكاح ،
ولا يحصل بالإشهاد مع الكتمان مطلقا . فالذى لا ريب فيه أن النكاح مع
الإعلان يصح، وإن لم يشهد شاهدان . وأما مع الكتمان والإشهاد فهذا مما
ينظر فيه . وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان . فهذا الذى لا نزاع فى صحته .
وإن خلا عن الإشهاد والإعلان : فهو باطل عند العامة فإن قدر فيه خلاف
١٣٠

فهو قليل . وقد يظن أن فى ذلك خلافا فى مذهب أحمد ؛ ثم يقال ما يميز
هذا عن المتخذات أخدانا . وفى المشترطين للشهادة من أصحاب أبى حنيفة من
لا يعلل ذلك بإثبات الفراش؛ لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيما للنكاح .
وهذا يعود إلى مقصود الإعلان . وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال
بعض ، ولا يعرف من عنده هل هى امرأته أو خدينة ، مثل الأماكن
التى يكثر فيها الناس المجاهيل : فهذا قد يقال : يجب الإشهاد هنا .
ولم يكن الصحابة يكتبون ((صداقات)) لأنهم لم يكونوا يتزوجون
على مؤخر ؛ بل يعجلون المهر ، وإن أخروه فهو معروف ؛ فلما صار الناس
يتزوجون على المؤخر والمدة تطول وينسى: صاروا يكتبون المؤخر ، وصار
ذلك حجة فى إثبات الصداق ؛ وفى أنها زوجة له ؛ لكن هذا الإشهاد
يحصل به المقصود ؛ سواء حضر الشهود العقد أو جاءوابعد العقد فشهدوا على
إقرار الزوج والزوجة والولي وقد علموا أن ذلك نكاح قد أعلن ، وإشهادهم
عليه من غير تواص بكتمانه إعلان .
وهذا بخلاف ((الولي)) فإنه قد دل عليه القرآن في غير موضع والسنة
فى غير موضع ،وهو عادة الصحابة ، إنما كان يزوج النساء الرجال، لا يعرف
أن امرأة تزوج نفسها . وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات أخدان
ولهذا قالت عائشة: لا تزوج المرأة نفسها ؛ فإن البغي هى التى تزوج نفسها.
لكن لا يكتفى بالولي حتى يعلن؛ فإن من الأولياء من يكون مستحسنا على قرابته
١٣١

قال الله تعالى: ( وَأَنْكِحُواْأَيَمَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ)
وقال تعالى: (وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ) خاطب الرجال بإنكاح
الأيامى، كما خاطبهم بتزويج الرقيق. وفرق بين قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُواْ
اَلْمُشْرِكِينَ ) وقوله: (وَلَا تَنكِحُواْالْمُشْرِكَتِ ). وهذا الفرق مما احتج به
بعض السلف من أهل البيت .
و ((أيضا)) فإن الله أوجب الصداق فى غير هذا الموضع، ولم يوجب
الإشهاد. فمن قال: إن النكاح يصح مع نفي المهر، ولا يصح إلا مع
الإشهاد : فقد أسقط ما أوجبه الله، وأوجب ما لم يوجبه الله.
وهذا مما يبين أن قول المدنيين وأهل الحديث أصح من قول الكوفيين
فى تحريمهم ((نكاح الشغار)) وأن علة ذلك إنما هو نفي المهر، حيث يكون
المهر : فالنكاح صحيح، كما هو قول المدنيين، وهو أنص الروايتين ،
وأصرحهما عن أحمد بن حنبل ، واختيار قدماء أصحابه .
وهذا وأمثاله مما يبين رجحان أقوال أهل الحديث والأثر وأهل
ء
الحجاز - كأهل المدينة - على ما خالفها من الأقوال التي قيلت برأي يخالف
النصوص ؛ لكن الفقهاء الذين قالوا برأي يخالف النصوص بعد اجتهادهم
واستفراغ وسعهم - رضى الله عنهم - قد فعلوا ما قدروا عليه من طلب العلم
واجتهدوا، والله ينبيهم، وهم مطيعون لله سبحانه فى ذلك، والله يثيبهم
على اجتهادهم : فأجرهم الله على ذلك ؛ وإن كان الذين علموا ماجاءت به النصوص
١٣٢

أفضل ممن خفيت عليه النصوص . وهؤلاء لهم أجران ، وأولئك لهم أجر
كما قال تعالى: (وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ ◌َانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).
ومن تدبر نصوص الكتاب والسنة وجدها مفسرة لأمر النكاح، لا تشترط
فيه ما يشترطه طائفة من الفقهاء ؛ كما اشترط بعضهم : ألا يكون إلا بلفظ
الإنكاح والتزويج. واشترط بعضهم : أن يكون بالعربية. واشترط هؤلاء
وطائفة : ألا يكون إلا بحضرة شاهدين. ثم إنهم مع هذا صمحوا النكاح
مع نفي المهر. ثم صاروا طائفتين: طائفة تصحيح ((نكاح الشغار)) لأنه
لا مفسد له إلا نفي المهر ، وذلك ليس بمفسد عندهم . وطائفة تبطله ، وتعلل
ذلك بعلل فاسدة؛ كما قد بسطناه فى مواضع. وصححوا ((نكاح المحلل))
الذى يقصد التحليل ، فكان قول أهل الحديث وأهل المدينة الذين لم يشترطوا
لفظًاً معيناً فى النكاح ولا إشهاد شاهدين مع إعلانه وإظهاره ، وأبطلوا نكاح
الشغار، وكل نكاح نفي فيه المهر ، وأبطلوا نكاح المحلل (١) أشبه بالكتاب
والسنة وآثار الصحابة .
ثم إن كثيراً من أهل الرأي الحجازى والعراقي وسعوا ((باب الطلاق))
فأوقعوا طلاق السكران ، والطلاق المحلوف به ، وأوقع هؤلاء طلاق
(١) بياض بالأصل.
١٣٣

المكره ، وهؤلاء الطلاق المشكوك فيه فيما حلف به ، وجعلوا الفرقة
البائنة طلاقا محسوبا من الثلاث ، فجعلوا الخلع طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث .
إلى أمور أخرى وسعوا بها الطلاق الذى يحرم الحلال ، وضيقوا النكاح
الحلال . ثم لما وسعوا الطلاق صار هؤلاء يوسعون فى الاحتيال فى عود
المرأة إلى زوجها ، وهؤلاء لا سبيل عندم إلى ردها ؛ فكان هؤلاء فى
آصار وأغلال، وهؤلاء فى خداع واحتيال . ومن تأمل الكتاب والسنة
وآثار الصحابة تبين له أن الله أغنى عن هذا ، وأن الله بعث محمداً بالحنيفية
السمحة التي أمر فيها بالمعروف ونهي عن المنكر ، وأحل الطيبات وحرم
الخبائث والله سبحانه أعلم. وصلى الله على محمدوآ له وصحبه وسلم.
وسئل شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله
عن بنت الزنى: هل تزوج بأبيها ؟
فأجاب : الحمد لله . مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها،
وهو الصواب المقطوع به ؛ حتى تنازع الجمهور : هل يقتل من فعل ذلك ؟
على قولين . والمنقول عن أحمد : أنه يقتل من فعل ذلك . فقد يقال : هذا
إذا لم يكن متأولا. وأما ((المتأول)» فلا يقتل؛ وإن كان مخطئا. وقد يقال
هذا مطلقا ، كما قاله الجمهور : إنه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولا؛
وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين ، وفسقه
١٣٤

مالك وأحمد فى الرواية الأخرى . والصحيح : أن المتأول المعذور لا يفسق ؛
بل ولا يأثم . وأحمد لم يبلغه أن فى هذه المسألة خلافا؛ فإن الخلاف فيها إنما
ظهر فى زمنه ، لم يظهر فى زمن السلف ؛ فلهذا لم يعرفه .
والذين سوغوا ((نكاح البنت من الزنى)) حجتهم فى ذلك أن قالوا :
ليست هذه بنتا فى الشرع ؛ بدليل أنهما لا يتوارثان ؛ ولا يجب نفقتها، ولا يلى
نسكاحها ، ولا تعتق عليه بالملك ، ونحو ذلك من أحكام النسب ، وإذا
لم تكن بنتا فى الشرع لم تدخل فى آية التحريم ، فتبقى داخلة فى قوله
( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ ) .
وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ) الآية هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ ، سواء
كان حقيقة أو مجازاً ؛ وسواء ثبت فى حقه التوارث وغيره من الأحكام :
أم لم يثبت إلا التحريم خاصة ، ليس العموم فى آية التحريم كالعموم فى آية
الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: ( يُوصِيكُاللّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) وبيان ذلك من ثلاثة أوجه :
((أحدها)) أن آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت؛
كما يتناول لفظ ((العمة)) عمة الأب؛ والأم، والجد . وكذلك بنت
الأخت ، وبنت ابن الأخت. وبنت بنت الأخت . ومثل هذا العموم لا يثبت،
لافى آية الفرائض، ولا نحوها من الآيات ، والنصوص التى علق فيها
الأحكام بالأنساب .
١٣٥

((الثانى)) أن تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة، كما قال النى صلى الله
عليه وسلم: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)) وفى لفظ ((ما يحرم من
النسب)) وهذا حديث متفق على صحته، وعمل الأمة به : فقد حرم الله على
المرأة أن تتزوج بطفل غذته من لبنها، أو أن تنكح أولاده ، وحرم على
أمهاتها وعماتها وخالتها ؛ بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج
بالفحل صاحب اللبن ، وهو الذى وطى المرأة حتى در اللبن بوطئه . فإذا كان
يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع ، ولا يثبت فى حقها شيء من
أحكام النسب - سوى التحريم وما يتبعها من الحرمة - فكيف يباح له
نكاح بنت خلقت من مائه؟! وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبن در بوطئه؟!
فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب ، ومنجهة التنبيه والفحوى .
وقياس الأولى .
((الثالث)) أن الله تعالى قال: (وَحَلَِّلُ أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ)
قال العلماء: احتراز عن ابنه الذى تبناه ، كما قال: (لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى
ومعلوم أنهم فى
اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيِّ أَزْوَجِ أَدْعِيَا بِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًّا )
الجاهلية كانوا يستلحقون ولد الزنى أعظم مما يستلحقون ولد المتبنى ، فإذا كان
الله تعالى قيد ذلك بقوله : (مِنْ أَصْلَبِكُمْ) علم أن لفظ ((البنات)) ونحوها
يشمل كل من كان فى لغتهم داخلا فى الاسم .
وأما قول القائل: إنه لا يثبت فى حقها الميراث ، ونحوه . جوابه أن
النسب تتبعض أحكامه ، فقد ثبت بعض أحكام النسب دون بعض ، كما
١٣٦

وافق أكثر المنازعين فى ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن ولا ير ثه .
واختلف العلماء فى استلحاق ولد الزنى إذا لم يكن فراشا ؟ على قولين . كما
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بزمعة
ابن الأسود ، وكان قد أحبلها عتبة بن أبى وقاص ، فاختصم فيه سعد وعبد
ابن زمعة ، فقال سعد: ابن أخى . عهد إلي أن ابن وليدة زمعة هذا ابنى .
فقال عبد : أخي وابن وليدة أبي ؛ ولد على فراش أبي . فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((هو لك يا عبد بن زمعة . الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ؛
احتجبى منه يا سودة)) لما رأى من شبهه البين بعتبة ، فجعله أخاها فى الميراث
دون الحرمة .
وقد تنازع العلماء فى ولد الزنى: هل يعتق بالملك ؟ على قولين فى مذهب
أبى حنيفة وأحمد .
وهذه المسئلة لها بسط لا تسعه هذه الورقة . ومثل هذه المسئلة الضعيفة
ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين ؛ لا على وجه القدح فيه ،
ولا على وجه المتابعة له فيها ، فإن فى ذلك ضربا من الطعن فى الأئمة واتباع
الأقوال الضعيفة ، وبمثل ذلك صار وزير التقر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل
السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة ، ويوقعهم فى مذاهب
الرافضة وأهل الإلحاد . والله أعلم .
١٣٧

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل زنى بامرأة فى حال شبويته ، وقد رأى معها فى هذه الأيام
بنتا ، وهو يطلب التزويج بها ، ولم يعلم هل هي منه أو من غيره ، وهو
متوقف فى تزويجها ؟
فأجاب : الحمد لله . لا يحل له التزوج بها عند أكثر العلماء ؛ فإن
بنت التى زنى بها من غيره لا يحل التزوج بها عند أبى حنيفة ومالك وأحمد فى
إحدى الروايتين . وأما بنته من الزنى فأغلظ من ذلك ، وإذا اشتبهت عليه
بغيرها حرمتا عليه .
وسئل رحمه اللّه
عمن زنى بامرأة ؛ وحملت منه فأتت بأنثى: فهل له أن يتزوج البنت؟
فأجاب : الحمد لله . لا يحل ذلك عند جماهير العلماء ، ولم يحل ذلك
أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيره
من العلماء - مع كثرة اطلاعهم - فى ذلك نزاعا بين السلف ، فأفتى أحمد
١٣٨

ابن حنبل : إن فعل ذلك قتل . فقيل له ؛ إنه حكى فلان فى ذلك خلافا عن
مالك ؟ فقال : يكذب فلان . وذكر أن ولد الزنى يلحق بأيبه الزانى إذا
استلحقه عند طائفة من العلماء، وأن عمر بن الخطاب ((ألاط)) أي ألحق أولاد
الجاهلية بآبائهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الولد للفراش، وللعاهر
الحجر)) هذا إذا كان للمرأة زوج. وأما ((البني)) التى لا زوج لها:
ففى استلحاق الزانى ولده منها نزاع .
((وبنت الملاعنة)) لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلا نزاع
شاذ؛ مع أن نسبها ينقطع من أبيها ، ولكن لو استلحقها للحقته ، وهما
لا يتوارثان باتفاق الأئمة. وهذا لأن ((النسب)) تتبعض أحكامه، فقديكون
الرجل ابنا فى بعض الأحكام دون بعض . فابن الملاعنة ليس بابن؛ لا يرث
ولا يورث، وهو ابن فى ((باب النكاح » تحرم بنت الملاعنة على الأب.
والله سبحانه وتعالى حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ، فلا يحل
للرجل أن يتزوج بنته من الرضاعة ولا أخته ؛ مع أنه لا يثبت فى حقها من
(( أحكام النسب)) لا إرث ولا عقل ولا ولاية ولا نفقة ولا غير ذلك، إنما
تثبت فى حقها حرمة النكاح، والمحرمية. و((أمهات المؤمنين)) أمهات فى
الحرمة فقط ؛ لا فى المحرمية . فإذا كانت البنت التى أرضعتها امرأته بلبن در
بوطئه تحرم عليه وإن لم تكن منسوبة إليه فى الميراث وغيره: فكيف بمن
خلقت من نطفته؟! فإن هذه أشد اتصالا به من تلك، وقوله تعالى فى القرآن
١٣٩

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)الآية : يتناول كل ما يسمى بنتا ؛
حتى يحرم عليه بنت بنته، وبنت ابنه؛ بخلاف قوله فى الفرائض: (يُوصِيكُمُاللَّهُ
فِي أَوْلَدِ كُمْ ) فإن هذا إنما يتناول ولده وولدابنه، لا يتناول ولد بنته ؛ ولهذا
لما كان لفظ الابن والبنت يتناول ما يسمى بذلك مطلقا قال الله تعالى:
(وَحَلَِّلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ) ليحرز عن الابن المتبنى- كزيد-
الذى كان يدعى: زيد بن محمد. فإن هذا كانوا يسمونه ((ابنا)) فلو أطلق
اللفظ لظن أنه داخل فيه ؛ فقال تعالى (الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ) ليخرج ذلك.
وأباح للمسلمين أن يتزوج الرجل امرأة من تبناه بقوله تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى
زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَّزَوَحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَجِ أَدْعِيَا بِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ
مِنْهُنَّ وَطَرًا ).
فإذا كان لفظ ((الابن)) و((البنت)) يتناول كل من ينتسب إلى الشخص
حتى قد حرم الله بنته من الرضاعة: فبنته من الزنى تسمى ((بنته)) فهى أولى
بالتحريم شرعا ، وأولى أن يدخلوها فى آية التحريم. وهذا مذهب أبى حنيفة
وأصحابه، ومالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وجماهير أئمة المسلمين.
ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الزنى (هل ينشر
حرمة المصاهرة ؛ فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره ؟ فهذه فيها نزاع
قديم بين السلف ؛ وقد ذهب إلى كل قول كثير من أهل العلم : كالشافعى،
ومالك فى إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك ؛ وأبو حنيفة وأحمد ومالك
فى الرواية الأخرى: يحرمون ذلك. فهذه إذا قلد الإنسان فيها أحد القولين
جاز ذلك . والله أعلم.
١٤٠