Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُمْوَةَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمَعْوَتَرتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم (رَحَمَهُ الّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللّه)»
المجّد الثاني والثلاثون
طُبعَ بِأمْر
خَادِ الجَيْ الشَّرِفَيْ المَلِكِ فَّدِ رْ عَبْدِ الْعَز ◌َلْسُود
أجْزَل اللّه مَتُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ المَلِ فَهْلِ لْطَبَائَةِ المُصُنَّحِفِ الشّريف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْأَوْقَافِةِ وَاللَّجُومَ وَالإِنْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٤٠٠ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٤-٥٢-٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ٣٢)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٤-٥٢-٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ٣٢)

كتاب النكاح

بِسْمِاللهِلَالرَّحْمِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
مثل الشيخ الإمام العالم العلامة
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
عمن أصابه سهم من سهام إبليس المسمومة؟
فأجاب : من أصابه جرح مسموم فعليه بما يخرج السم ويبرئ الجرح
بالترياق والمرهم . وذلك بأمور :
((منها )): أن يتزوج أو يتسرى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إذا نظر أحدكم إلى محاسن امرأة فليأت أهله؛ فإنمامعها مثل مامعها )) وهذا
مما ينقص الشهوة، ويضعف العشق .
((الثانى)): أن يداوم على الصلوات الخمس، والدعاء، والتضرع وقت
السحر. وتكون صلاته بحضور قلب وخشوع . وليكثر من الدماء بقوله :
((يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. يا مصرف القلوب صرف قلبى إلى
طاعتك وطاعة رسولك )) فإنه متى أدمن الدعاء والتضرع لله صرف قلبه عن ذلك،
كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
٥

((الثالث)): أن يبعد عن مسكن هذا الشخص، والاجتماع بمن مجتمع به؛
بحيث لا يسمع له خبر، ولا يقع له على عين ولا أثر ؛ فإن البعد جفا ، ومتى قل
الذكر ضعف الأثر فى القلب. فليفعل هذه الأمور، وليطالع بما يجدد له من
الأحوال. والله أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل عازب ، ونفسه تتوق إلى الزواج ؛ غير أنه يخاف أن يتكلف
من المرأة ما لا يقدر عليه، وقد عاهد الله أن لا يسأل أحداً شيئاً فيه منة لنفسه
وهو كثير التطلع إلى الزواج : فهل يأثم بترك الزواج؟ أم لا؟
فأجاب : قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر،
وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)). و ((استطاعة
النكاح)» هو القدرة على المؤنة ؛ ليس هو القدرة على الوطء ؛ فإن الحديث إنما
هو خطاب القادر على فعل الوطء؛ ولهذا أمر من لم يستطع أن يصوم؛ فإنه له
وجاء. ومن لا مال له: هل يستحب أن يقترض ويتزوج؟ فيه نزاع فى مذهب
الإمام أحمد وغيره . وقد قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ فِكَامًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ). وأما ((الرجل الصالح)) فهو القائم بما يجب عليه من حقوق
الله وحقوق عباده.
٦

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل خطب على خطبته رجل آخر : فهل يجوز ذلك ؟
فأجاب: الحمد لله. ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه: ولا يستام على سوم أخيه))
ولهذا اتفق الأئمة الأربعة فى المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك
وإنما تنازعوا فى صحة نكاح الثانى؟ على قولين.
((أحدهما)): أنه باطل؛ كقول مالك وأحمد فى إحدى الروايتين.
((والآخر)): أنه صحيح؛ كقول أبى حنيفة، والشافعى، وأحمد فى الرواية
الأخرى ؛ بناء على أن المحرم هو ما تقدم على العقد، وهو الخطبة . ومن أبطله
قال : إن ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى. ولا نزاع بينهم فى أن فاعل ذلك
عاص لله ورسوله؛ وإن نازع فى ذلك بعض أصحابهم. والإصرار على المعصية
مع العلم بها يقدح فى دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين .
٧

وسئل شيخ الإسلام وم اللّه
عن امرأة فارقت زوجها ، وخطبها رجل فى عدتها، وهو ينفق عليها :
فهل يجوز ذلك ؟ أم لا؟
فأجاب : الحمد لله . لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة؛ ولو كانت فى عدة
وفاة باتفاق المسلمين . فكيف إذا كانت فى عدة الطلاق ؟! ومن فعل ذلك
يستحق العقوبة التى تردعه وأمثاله عن ذلك ، فيعاقب الخاطب والمخطوبة جميعا،
ويزجر عن التزويج بها ؛ معاقبة له بنقيض قصده . والله أعلم.
وسئل
عن رجل طلق زوجته ثلاثا ، وأوفت العدة عنده، وخرجت ، وبعد وفاءالعدة
تزوجت، وطلقت فى يومها ، ولم يعلم مطلقها إلا ثانى يوم : فهل يجوز له أن
يتفق معها إذا أوفت عدتها أن يراجعها ؟
فأجاب : ليس له فى زمن العدة من غيره أن يخطبها ، ولا ينفق عليها ليتزوجها
وإذا كان الطلاق رجعيا لم يجزله التعريض أيضا ، وإن كان بائنا ففي جواز
التعريض نزاع. هذا إذا كانت قد تزوجت بنكاح رغبة . وأما إن كانت قد
تزوجت بنكاح محلل فقد ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له))
٨

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن رجل خطب ابنة رجل من العدول ، واتفق معه على المهر: منه عاجل
ومنه آجل. وأوصل إلى والدها المعجل من مدة أربع سنين؛ وهو يواصلهم
بالنفقة ؛ ولم يكن بينهم مكاتبة . ثم بعد هذا جاء رجل خطها ؛ وزاد عليه فى
المهر ، ومنع الزوج الأول؟
فأجاب : لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب إلى النكاح
وركنوا إليه باتفاق الأئمة؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه)). وتجب عقوبة من فعل ذلك
وأعان عليه: عقوبة تمنعهم وأمثالهم عن ذلك. وهل يكون نكاح الثانى صحيحاً:
أو فاسداً؟ فيه قولان للعلماء: فى مذهب مالك ، وأحمد ، وغيرهما.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل يدخل على امرأة أخيه ؛ وبنات عمه؛ وبنات خاله : هل يحل له
ذلك؟ أم لا ؟
فأجاب : لا يجوز له أن يخلو بإحداهن : ولكن إذا دخل مع غيره من غير
خلوة ولا ريبة جاز له ذلك . والله أعلم.
٩

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل أملك على بنت ؛ وله مدة سنين ينفق عليها ، ودفع لها ، وعزم
على الدخول : فوجد والدها قد زوجها غيره ؟
فأجاب: قد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المسلم أخو المسلم
لا يحل للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه ؛ ولا يستام على سوم أخيه ؛ ولا يبيع
على بيع أخيه)). فالرجل إذا خطب امرأة ؛ وركن إليه من إليه نكاحها
- كالأب المجبر - فإنه لا يحل لغيره أن يخطها . فكيف إذا كانوا قد ركنوا
إليه ، وأشهدوا بالإملاك المتقدم للعقد، وقبضوا منه الهدايا، وطالت المدة ؟!
فإن هؤلاء فعلوا محرما يستحقون العقوبة عليه بلا ريب؛ ولكن العقد الثانى
هل يقع صحيحاً أو باطلا؟ فيه قولان العلماء.
((أحدهما)) - وهو أحد القولين فى مذهب مالك وأحمد - أن عقد الثانى
باطل ؛ فتنزع منه وترد إلى الأول.
((والثانى)) أن النكاح صحيح: وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي؛
فيعاقب من فعل المحرم، ويرد إلى الأول جميع ما أخذ منه . والقول الأول أشبه
بما فى الكتاب والسنة .
١٠

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل طلق زوجته ثلاثا ، ولهما ولدان ، وهى مقيمة عند الزوج فى بيته
مدة سنين، ويبصرها وتبصره : فهل يحل لها الأكل الذى تأكل من عنده؟
أم لا؟ وهل له عليها حكم؟ أم لا؟
فأجاب : المطلقة ثلاثا هى أجنبية من الرجل ؛ بمنزلة سائر الأجنبيات ؛
فليس للرجل أن يخلو بها ؛ كما ليس له أن يخلو بالأجنبية. وليس له أن ينظر
إليها إلى مالا ينظر إليه من الأجنبية؛ وليس له عليها حكم أصلا.
ولا يجوز له أن يواطئها على أن تزوج غيره ثم تطلقه وترجع إليه ، ولا يجوز
أن يعطها ما تنفقه فى ذلك ؛ فإنها لو تزوجت رجلا غيره بالنكاح المعروف الذى
جرت به عادة المسلمين ثم مات زوجها أوطلقها ثلاثا لم يجز لهذا الأول أن يخطبها
فى العدة صريحاً باتفاق المسلمين. كما قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم
بِهِ، مِنْ خِطْبَةِالنِّسَاءِ أَوْأَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن
لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا ) ونهاه أن يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله . أي
حتى تنقضى العدة . فإذا كان قد نهاه عن هذه المواعدة والعزم فى العدة فكيف
إذا كانت فى عصمة زوجها ؟ ! فكيف إذا كان الرجل لم يتزوجها بعد : قواعد
١١

على أن تتزوجه ، ثم تطلقه، ويتزوج بها المواعد. فهذا حرام باتفاق المسلمين،
سواء قيل: إنه يصح نكاح المحلل، أو قيل : لا. فلم يتنازعوا فى أن التصريح
بخطبة معتدة من غيره أو متزوجة بغيره أو بخطبة مطلقة ثلاثا أنه لا يجوز.
ومن فعل ذلك يستحق العقوبة فى الدنيا والآخرة باتفاق الأئمة.
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل يتكلم شبه كلام النساء؛ وهو ((طنجير)) هل يحل دخوله على
النساء ؟ وما الحكم فيه ؟
فأجاب . بل مثل هذا يجب نفيه ؛ وإخراجه : فلا يسكن بين
الرجال ، ولا بين النساء ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنث ، وأمر بنفي
المخنثين، وقال: ((أخرجوم من بيوتكم)) ومع هذا فلم يكن طنجيراً؛
فكيف الطنجير ؟! وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
فى الأسباب التى بين الله وعباده ، وبين العباد : الخلقية والكسبية .
الشرعية ؛ والشرطية. قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْرَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَّكُمْمِّن
نَفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِىِ تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامُ
إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )
افتتح السورة بذكر خلق الجنس الإنسانى من نفس واحدة ؛ وأن زوجها
مخلوق منها ، وأنه بث منهما الرجال والنساء: أكمل الأسباب وأجلها ، ثم
١٢

ذكر ما بين الآدميين من الأسباب المخلوقة الشرعية : كالولادة ، ومن
(وَأَتَّقُواْاُللَّهُ الَّذِى تَسَآََّلُونَ بِهِ،
الكسبية الشرطية : كالنكاح ، ثم قال :
وَاُلْأَرْحَامَ ) قال طائفة من المفسرين من السلف: (تَسَاءَلُونَ بِهِ ) تتعاهدون
به ، وتتعاقدون . وهو كما قالوا ؛ لأن كل واحد من المتعاقدين عقد البيع
أو النكاح أو الهدنة أو غير ذلك يسأل الآخر مطلوبه : هذا يطلب تسليم
المبيع . وهذا تسليم الثمن : وكل منهما قد أوجب على نفسه مطلوب الآخر
فكل منهما طالب من الآخر موجب لمطلوب الآخر .
ثم قال: (والأرحام). و ((العهود)) و((الأرحام)): هما جماع
الأسباب التى بين بنى آدم ؛ فإن الأسباب التى بينهم : إما أن تكون بفعل الله
أو بفعلهم. فالأول ((الأرحام)) والثانى ((((العهود)) ولهذا جمع الله بينهما في
مواضع: فى مثل قوله : (لَا يَقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَاذِمَةً ) فالإل: القرابة،
والرحم . والذمة العهد ، والميثاق. وقال تعالى فى أول البقرة: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ مَن يُوصَلَ)
وقال: ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: أَن يُوصَلَ)
إلى قوله: ( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوصَلَ).
واعلم أن حق الله داخل فى الحقين ، ومقدم عليهما؛ ولهذا قدمه فى قوله
(أَتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم ) فإن الله خلق العبد وخلق أبويه، وخلقه من أبويه.
فالسبب الذى بينه وبين الله هو الخلقي التام؛ بخلاف سبب الأبوين؛ فإن أصل مادته
منهما، وله مادة من غيرهما؛ ثم إنهما لم يصوراه فى الأرحام. والعبد ليس له مادة إلا
١٣

من أبويه ، والله هو خالقه وبارئه ومصوره ورازقه وناصره وهاديه؛ وإنما حق
الأبوين فيه بعض المناسبة لذلك ؛ فلذلك قرن حق الأبوين بحقه فى قوله :
( أَنِ أَشْكُرْلِ وَلَوْ لِدَيْكَ ) وفى قوله: (وَأَعْبُدُ واْاللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْبِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا) وفى قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّ إِيَّاهُ وَبِأُلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا).
وجعل النبى صلى الله عليه وسلم التبرؤ من الأبوين كفرا ؛ لمناسبته
للتبرؤ من الرب. وفى الحديث الصحيح: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو
يعلمه إلا كفر (١)) أخرجاه فى الصحيحين، وقوله: ((كفر بالله من تبرأ من
نسب وإن دق(٢)))، وقوله: ((لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن
ترغبوا عن آبائكم (٣))). حق النسب والقرابة والرحم تقدمه حق الربوبية،
وحق القريب المجيب الرحمن ؛ فإن غاية تلك أن تتصل بهذا ، كما قال الله :
(( أنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن وصلها وصلته،ومن قطعها
بتته)) وقال: ((الرحم شجنة من الرحمن)) وقال (( لما خلق الله الرحم تعلقت
يحقو الرحمن فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) . وقد قيل فى قوله
(لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا) إن ((الإل)) الرب، كقول الصديق لما سمع قرآن
مسيلمة : إن هذا كلام لم يخرج من إل . وأما دخول حق الرب فى العهود
والعقود . فكدخول العبد فى الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن
محمداً رسول الله؛ فإن هذا عهد الإسلام ، وهو أشرف العهود وأوكدها
وأعمهاوأ كملها .
(١، ٣) الحديث مرويان في صحيح مسلم مجلد ١ ص ٧٩، ٨٠ بلفظ مختلف.
(٢) الحديث مروي في مسند الإمام أحمد مجلد ٢، ص ٢١٥ بلفظ : ( كفر تبرؤ
من نسب وإن دق أو ادعاء إلى نسب لا يعرف )
١٤

باب أركان النكاح وشروطه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
فصل
عمدة من قال: لا يصح النكاح إلا بلفظ ((الإنكاح)) و((التزويج))
- وهم أصحاب الشافعى، وابن حامد ، ومن وافقهم من أصحابنا كأبى الخطاب
والقاضى، وأصحابه، ومن بعده - إلا فى لفظ ((أعتقتك، وجعل عتقك
صداقك)) أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين ((كناية)) والكناية لا تقتضى
الحكم إلا بالنية ، والنية فى القلب لا تعلم، فلا يصح عقد النكاح بالكتابة؛
لأن صحته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنية لا يشهد عليها ؛ بخلاف ما يصح
بالكتابة : من طلاق وعتق وبيع ؛ فإن الشهادة لا تشترط فى صحة ذلك. ومنهم
من يجعل ذلك تعبداً؛ لما فيه من ثبوت العبادات. وهذا قول من لا يصححه
إلا بالعربية من أصحابنا وغيرهم. وهذا ضعيف لوجوه.
((أحدها)) لا نسلم أن ماسوى هذين كناية ؛ بل ثم ألفاظ هى حقائق
عرفية فى العقد أبلغ من لفظ ((أنكحت)) فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء
والعقد، ولفظ ((الإملاك)) خاص بالعقد، لايفهم إذا قال القائل: أملك فلان
على فلانة إلا العقد، كما فى الصحيحين: ((أملكتكها على مامعك من القرآن))
سواء كانت الرواية باللفظ أو بالمعنى .
١٥

((الثانى)) أنا لا نسلم أن الكتابة تفتقر إلى النية مطلقا؛ بل إذا قرن بها
لفظ من ألفاظ الصريح أو حكم من أحكام العقد كانت صريحة ، كما قالوا فى
((الوقف)) إنه ينعقد بالكناية: كتصدقت، وحرمت، وأبدت. إذا قرن
بها لفظ أوحكم. فإذا [قال: ] أملكتكها فقال: قبلت هذا التزويج. أوأعطيتكها
زوجة فقال: قبلت. أو أملكتكها على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان ونحو ذلك: فقد قرن بها من الألفاظ والأحكام ما يجعله صريحاً.
((الثالث)) أن إضافة ذلك إلى الحرة يبين المعنى؛ فإنه إذا قال فى ابنته:
ملكتكها ، أو أعطيتكها ، أو زوجتكها ، ونحو ذلك : فالمحل ينفى الإجمال
والاشتراك .
((الرابع)) أن هذا منقوض عليهم بالشهادة فى الرجعة ؛ فإنها مشروعة
إما واجبة ، وإما مستحبة . وهى شرط فى صحة الرجعة على قول ، وبالشهادة على
البيع وسائر العقود؛ فإن ذلك مشروع مطلقا ، سواء كان العقد بصريح،
أو كتابة مفسرة .
((الخامس)): أن الشهادة تصح على العقد. ويثبت بها عند الحاكم على أى
صورة انعقدت . فعلم أن اعتبار الشهادة فيه لا يمنع ذلك.
((السادس)) أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما . ويشهد الشهود على
ما فسروه .
١٦

((السابع)) أن الكتابة عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة فى
الظاهر بلا نزاع . ومعلوم أن اجتماع الناس ، وتقديم الخطبة ، وذكر المهر،
والمفاوضة فيه، والتحدث بأمر النكاح: قاطع في إرادة النكاح ؛ وأما التعبد
فيحتاج إلى دليل شرعى. ثم العقد جنس لا يشرع فيه التعبد بالألفاظ ؛ لأنها
لا يشترط فيها الإيمان ؛ بل تصح من الكافر ، وما يصح من الكافر لا تعبد
فيه . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل وكل ذمياً فى قبول نكاح امرأة مسلمة: هل يصح النكاح ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. هذه المسئلة فيها نزاع ؛ فإن الوكيل فى قبول
النكاح لابد أن يكون ممن يصح منه قبوله النكاح لنفسه فى الجملة . فلو وكل
امرأة أو مجنونا أو صبياً غير مميز لم يجز ؛ ولكن إذا كان الوكيل ممن يصح
منه قبول النكاح بإذن وليه ، ولا يصح منه القبول بدون إذن وليه : فوكل فى
ذلك مثل أن يوكل عبداً فى قبول النكاح بلا إذن سيده، أو يوكل سفيها
محجوراً عليه بدون[ إذن] وليه، أو يوكل صبياً مميزاً بدون إذن وليه؛ فهذا فيه قولان
للعلماء فى مذهب أحمد، وغيره. وإن كان يصح منه قبول النكاح بغير إذن ؛
لكن فى الصورة المعينة لا يجوز لمانع فيه: مثل أن يوكل فى نكاح الأمة من
لا يجوز له تزوجها صحت الوكالة .
١٧

وأما ((توكل الذمى)» فى قبول النكاح له فهو يشبه تزويج الذمي ابنته الذمية
من مسلم ، ولوزوجها من ذمي جاز ؛ ولكن إذا زوجها من مسلم: ففيها قولان فى
مذهب أحمد وغيره. قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز؛ بل يوكل مسلمًاً . وقيل :
لا يزوجها إلا الحاكم بإذنه. وكونه ولياً فى تزويج المسلم مثل كونه وكيلا فى
تزويج المسلمة. ومن قال: إن ذلك كله جائز، قال: إن الملك فى النكاح يحصل
للزوج ؛ لا للوكيل باتفاق العلماء ؛ بخلاف الملك فى غيره ؛ فإن الفقهاء تنازعوا فى
ذلك : فذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أن حقوق العقد تتعلق بالموكل، والملك
يحصل له : فلو وكل مسلم ذمياً فى شراء خمر لم يجز. وأبو حنيفة يخالف فى ذلك.
وإذا كان الملك يحصل للزوج، وهو الموكل للمسلم: فتوكيل الذمي بمنزلة توكله
فى تزويج المرأة بعض محارمها، كمالها؛ فإنه يجوز توكله فى قبول نكاحها
للموكل ، وإن كان لا يجوز له تزوجها، كذلك النمي إذا توكل فى نكاح
مسلم ، وإن كان لا يجوز له تزوج المسلمة ؛ لكن الأحوط ألا يفعل ذلك ؛ لما
فيه من النزاع ؛ ولأن النكاح فيه شوب العبادات.
ويستحب ((عقده فى المساجد)) وقد جاء فى الآثار: ((من شهد إملاك
مسلم فكأنماشهد فتحا فى سبيل الله)). ولهذا وجب فى أحد القولين فى مذهب
أحمد وغيره أن يعقد بالعربية ، كالأذكار المشروعة .
وإذا كان كذلك لم ينبغ أن يكون الكافر متوليا النكاح مسلم؛ ولكن
لا يظهر مع ذلك أن العقد باطل ؛ فإنه ليس على بطلانه دليل شرعى؛ والكافر
يصح منه النكاح، وليس هو من أهل العبادات. والله أعلم.
١٨

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن مريض تزوج فى مرضه : فهل يصح العقد ؟
فأجاب : نكاح المريض صحيح، ترث المرأة فى قول جماهير علماء
المسلمين من الصحابة والتابعين ، ولا تستحق إلا مهر المثل ؛ لا تستحق
الزيادة على ذلك بالاتفاق .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل له بنت ، وهي دون البلوغ ، فزوجوها فى غيبة أبيها . ولم
يكن لها ولي ؛ وجعلوا أن أباها توفي وهو حي ، وشهدوا أن خالها أخوها
فهل يصح العقد أم لا؟
فأجاب : إذا شهدوا أن خالها أخوها فهذه شهادة زور، ولا يصير
الخال ولياً بذلك ؛ بل هذه قد تزوجت بغير ولي ، فيكون نكاحها باطلاعند
أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعى وأحمد وغيرهما . وللأب أن تجدده. ومن
شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر
الحال. وإن كان دخل بها فلها المهر ، ويجوز أن يزوجها الأب فى عدة النكاح
الفاسد عند أكثر العلماء، كاً بى حنيفة والشافعي وأحمد فى المشهور عنه. والله أعلى.
١٩

وسئل رحمه الله تعالى
عن امرأة لها أب وأخ ، ووكيل أبيها فى النكاح وغيره حاضر،فذهبت
إلى الشهود وغيرت اسمها واسم أبيها، وادعت أن لها مطلقا يريد بجديد النكاح
وأحضرت رجلاً أجنبياً، وذكرت أنه أخوها، فكتبت الشهود كتا بها على ذلك
ثم ظهر ما فعلته، وثبت ذلك بمجلس الحكم : فهل تعزر على ذلك؟ وهل يجب
تعزير المعرفين ، والذى ادعى أنه أخوها ، والذى عرف الشهود بما ذكر ؟
وهل يختص التعزير بالحاكم ؟ أو يعزرم ولي الأمر من محتسب وغيره ؟
فأجاب : الحمد لله . تعزر تعزيراً بليغاً؛ ولو عزرها ولي الأمر مرات
كان ذلك حسناً . كما كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير فى الفعل إذا اشتمل على
أنواع من المحرمات ، فكان يعزر في اليوم الأول مائة ، وفى الثانى مائة، وفى
الثالث مائة : يفرق التعزير ؛ لئلا يفضى إلى فساد بعض الأعضاء. وذلك أن
هذه قد ادعت إلى غير أبيها، واستخلفت أخاها ، وهذا من الكبائر ، فقد
ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من ادعى إلى غير
أبيه أوتولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل
الله منه صرفًا ولاعدلا )) بل قدثبت في الصحيح عن سعد وأبى بكرة
(١)
أنهما سمعا النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ادعى إلى غير أبيه
(١) الحديث مروي في صحيح مسلم مجلد ١ ص ١١٤٧ ( بلفظ مختلف ) .
٢٠