Indexed OCR Text

Pages 301-320

الباقين فليس له أن يرجع عن العدل الذي أمره الله به ورسوله . كيف وقد
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله، واعدلوا فى أولادكم)) وقال :
((إنى لا أشهد على جور)) وقال فى التفضيل: ((اردده)) وقال على سبيل
التهديد للمفضل: ((أشهد على هذا غيرى)) والله أعلم .
وسئل
عن رجل ملك بنته ملكا ، ثم ماتت ، وخلفت والدها وولدها : فهل
يجوز للرجل أن يرجع فيما كتبه لبنته أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . ما ملكته البنت ملكا تاما مقبوضا
وماتت انتقل إلى ورثتها ، فلا بيها السدس ، والباقى لابنها ، إذا لم يكن
لها وارث ((غيرمما)". وليس له الرجوع بعد موت البنت فيما ملكها بالاتفاق.
وسئل
عن رجل وهب لابقته مصاغا ، لم يتعلق به حق لأحد، وحلف بالطلاق
أن لا يأخذ منها شيئا منه ؛ واحتاج أن يأخذ منها شيئا : فهل له أن يرجع
فى هبته أم لا ؟ وإن أعطته شيئا من طيب نفسها هل يحنث أم لا ؟
(١) أضيفت لضرورة السياق .
٣٠١

فأجاب : الحمد لله . له أن يرجع فيما وهبه لها ؛ لكنه إن فعل المحلوف
عليه حنث . فإن كان قصده أن لا يأخذ شيئا بغير طيب قلبها ، أو بغير إذنها
فإن طابت نفسها أو أذنت لم يحنث .
وسئل
عن رجل له أولاد وهب لهم ماله ، ووهب أحدهم نصيبه لولده ؛ وقد
رجع الوالد الأول فيما وهبه لأولاده ؛ فردوا عليه، إلا الذى وهبه لولده امتنع:
فهل يلزمه أن ينتزعه من ولده، ويسلمه لوالده ؟
فأجاب : الحمد لله . إذا كان قد وهب لولده شيئا ولم يتعلق به حق
الغير : مثل أن يكون قد صار عليه دين ؛ أو زوجوه لأجل ذلك : فله أن
- ترجع فى ذلك . والله أعلم .
وسئل
عن رجل ماتت والدّه ، وخلفته ووالده وكريمته . ثم ماتت كريمته ،
فأراد والده أن يزوجه ، فقال : ما أزوجك حتى تملكنى ما ورثته عن
والدتك : فملکه ذلك ، وتصدق علیه بالربع بشهود ، ثم بعد ذلك مرض
٣٠٢

والده مرضا غيب عقله ، فرجع فيما تصدق به على ولده ، وأوقفها على زوجته
وولده وابنته ، ولم يذكر ولده ، وانتسخ كتاب الوقف مرتين : فهل له أن
مخصص أولاده ، ويخرج ولده من جميع إرث والدته؟
٠٠
فأجاب : إن كان الأب قد أعطى ابنه شيئا عوضا عما أخذه له فليس له
أن يرجع بذلك بلا نزاع بين العلماء . وأما إن كان تصدق به عليه صدقة لله
ففى رجوعه عليه قولان للعلماء . ( أحدهما ) لا يرجع . ( والثانى) يرجع
عند مالك والشافعي وأحمد . ومتى رجع وعقله غائب ؛ أو أوقف وعقله غائب
أو عقد عقداً : لم يصح رجوعه ولا وقفه ؛ إذا كان مغيبا عقله بمرض ،
بلا نزاع بين العلماء .
وسئل
عن رجل سرق له مبلغ ؛ فظن فى أحد أولاده أنه هو أخذه ؛ ثم صار
يدعو عليه ، وهجره ؛ وهو برىء ، ولم يكن أخذ شيئا : فهل يؤجر الولد
بدعاء والده عليه .
فأجاب : نعم إذا كان الولد مظلوما ؛ فإن الله يكفر عنه بما يظلمه ،
ويؤجر على صبره ؛ ويأثم من يدعو على غيره عدوانا .
٣٠٣

وسئل رحمه اللّه
عن رجل خلف شيئاً من الدنيا ، وتقاسمه أولاده ، وأعطوا أمهم كتابها
وثمنها ، وبعد قليل وجد الأولاد مع أمهم شيئاً يجىء ثلث الوراثة . فقالوا:
من أين لك هذا المال ؟ فقالت: لما كان أبوكم مريضًاً طلبت منه شيئاً فأعطانى
ثلث ماله ، فأخذوا المال من أمهم ؛ وقالوا : ما أعطاك أبوناشيئاً: فهل يجب
رد المال إليها .
فأجاب : ما أعطى المريض فى مرض الموت لوراثه فإنه لا ينفذ إلا بإجازة
الورثة ؛ فما أعطاه المريض لامرأته فهو كسائر ماله ؛ إلا أن يجيز ذلك باقى
الورثة . وينبغى للأولاد أن يقروا أمهم ، ويجيزوا ذلك لها ؛ لكن
لا يجبرون على ذلك ؛ بل تقسم جميع التركة . قال النبى صلى الله عليه وسلم :
((لا وصية لوارث)).
٣٠٤

کتاب الوصايا
سئل رحمه اللّه تعالى
عمن قال : يدفع هذا المال إلى يتامى فلان فى مرض موته ، ولم يعرف
أهذا إقرار ؟ أو وصية ؟
فأجاب : إن كان هناك قرينة تبين مراده هل هو إقرار أو وصية عمل
بها؛ وإن لم يعرف: فما كان محكوما له به لم يزل عن ملكه بلفظ مجمل ،
بل يجعل وصية .
وسئل
عن مودع مرض مودعه فقال له : أما يعرف ابنك بهذه الوديعة ؟
فقال : فلان الأسير يجىء ما يقدر على شىء يعود عليه ؛ وقصد بذلك أن يكون
مرصداً له ، ولم يزد على ذلك ، فإذا خرج من الثلث هل يجوز أن يصرفه فى
مصالح ذلك الأسير؟
٣٠٥

فأجاب : تنعقد الوصية بكل لفظ يدل على ذلك ، كما إذا فهمت المخاطبة من
الموصي، ويبقى قبول [حكم ] (١) الوصية فى التصرف فيها موقوفا على قبول
الموصى له لفظا أو عرفا وعلى إذنه فى التصرف فيها أوإذن الشارع ، ويجوز
صرف مال الأسير فى فكاكه بلا إذنه. والله أعلم.
وسئل
عن رجل كتب وصيته ، وذكر فى وصيته : أن فى ذمته لزوجته مائة
درهم، ولم تكن زوجته تعلم أن لها فى ذمته شيئاً: فهل يجوز لوصيه بعدموته
دفع الدراهم لزوجته بغير يمين - إذا كان قد أقر لها من غير استحقاق ؟
فأجاب : لا يحل لها أن تأخذ من ذلك شيئاً؛ فإن هذا يكون وصية لوارث
لا يجوز له وصيته بإجماع المسلمين؛ إلا بإجازة بقية الورثة ، وأما فى الحكم
فلا تعطى شيئاً حتى تصدقه على الإقرار فى مرض الموت ، وإلا كان باطلا عند
أكثر العلماء ، وإذا صدقته على الإقرار فادعى الوصي أو بعض الورثة أن هذا
الإقرار من غير استحقاق - كما جرت عادة بعض الناس أنه يجعل الإنشاء
إقراراً - فإن ذلك بمنزلة أن يدعى فى الإقرار أنه أقر قبل القبض . ومثل ذلك
قد تنازع العلماء فى التحليف عليه. والصحيح أنه يحلف. والصحيح أنها
لا تعطى شيئاً حتى تحلف .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣٠٦

وسئل
عن امرأة أعتقت جارية دون البلوغ ، وكتبت لها أموالها ، ولم تزل
بحت يدها إلى حال وفاتها - أي السيدة المعتقة - وخلفت ورثة: فهل يصح
تمليكها للجارية؟ أم للورثة انتزاعها ؟ أو بعضها ؟
فأجاب : الحمد لله . أما مجرد التمليك بدون القبض الشرعى فلا يلزم به
عقد الهبة ؛ بل للوارث أن ينتزع ذلك ، وكذلك إن كانت هبة تلجئة بحيث
توهب فى الظاهر وتقبض مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينتزعه منه
إذا شاء ، ونحو ذلك من الحيل التى تجعل طريقاً إلى منع الوارث أو الغريم
حقوقهم ، فإذا كان الأمر كذلك : كانت أيضاً هبة باطلة ؛ والله أعلم.
وسئل
عمن أشهد على أبيه أن عنده ثلاثمائة [ فى ]حجة عن فلانة ، فقال ورثتها :
لا يخرج إلا بثلثها ، فقال المشهود عليه: أمي تبرعت بها. فما الحكم ؟
فأجاب مجرد هذا الإشهاد لا يوجب أن يكون هذا المال تركة مخلفة
يستحق الورثة ثلثيها ؛ لاحتمال ألا يكون من مال المرأة ، ولاحتمال أن
يكون حجة الإسلام الخارجة من صلب التركة ؛ والله أعلى.
٣٠٧

وسئل رحم اللّه
عن رجل تصدق على ابنته لصلبه، وأسند وصيته لرجل (١) فآجره مدة
ثلاثين سنة ؛ وقد توفى الوصي المذكور . ورشد من كان وصيا عليها ، ولم
ترض الموصى عليها بعد رشدها بإجارة الوصي ؛ وأن الوصي أجر ذلك بغير
قيمة المثل : فهل تنفسخ الإجارة وتتصرف فى ملكها عادة الملاك ؟
فأجاب : لها أن تفسخ هذه الإجارة بلا نزاع بين العلماء ؛ وإنما النزاع
هل تقع باطلة من أصلها؟ أو مضمونة على المؤجر ؟ والله أعلم.
وسئل
عن رجل أوصى لأولاده بسهام مختلفة ، وأشهد عليه عند وفاته بذلك :
فهل تنفذ هذه الوصية ؟ أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يجوز للمريض تخصيص بعض
أولاده بعطية منجزة ، ولا وصية بعدالموت ، ولا أن يقر له بشىء فى ذمته ؛
وإذا فعل ذلك لم يجز تنفيذه بدون إجازة بقية الورثة . وهذا كله باتفاق
(١) فى الأصل زيادة : وله
٣٠٨

المسلمين ، ولا يجوز لأحد من الشهود أن يشهد على ذلك شهادة يعين بها على
الظلم ، وهذا التخصيص من الكبائر الموجبة للنار ، حتى قد روى أهل السنن
ما يدل على الوعيد الشديد لمن فعل ذلك ؛ لأنه كالمتسبب فى الشحناء وعدم
الاتحاد بين ذريته ؛ لاسما فى حقه ، فإنه يتسبب فى عقوقه وعدم بره .
دسل
عن رجل له زرع ويخل. فقال عند موته لأهله : أنفقوا من ثلثى على
الفقراء والمساكين إلى أن يولد لولدى ولد فيكون لهم. فهل تصح هذه الوصية
أم لا ؟ فأجاب : نعم تصح هذه الوصية ؛ فإن الوصية لولد الولد الذين
لا يرثون جائزة ، كما وصى الزبير بن العوام لولد عبدالله بن الزبير . والوصية
تصح للمعدوم بالمعدوم ، فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث ولد الولد فيكون
لهم. والله أعلم.
وسئل
عن رجل أوصى لأولاده الذكور بتخصيص ملك دون الإناث، وأثبته على
يد الحاكم قبل وفاته : فهل يجوز ذلك؟
فأجاب : لا يجوز أن يخص بعض أولاده دون بعض فى وصيته ولامرض
موته باتفاق العلماء ، ولا يجوز له على أصح قولي العلماء أن يخص بعضهم بالعطية
٣٠٩

فى صحته أيضاً، بل عليه أن يعدل بينهم ، ويرد الفضل ، كما أمر النبى صلى الله
عليه وسلم بشير بن سعيد حيث قال له: ((اردده)) فرده، وقال: ((إنى لا أشهد
على جور)) وقال له على سبيل التهديد: ((أشهد على هذا غيرى)). ولا يجوز
للولد الذى فضل أن يأخذ الفضل ؛ بل عليه أن يرد ذلك فى حياة الظالم الجائر ،
وبعد موته ، كما يرد فى حياته فى أصح قولى العلماء .
وسئل رحمه اللّه
عن امرأة وصت لطفلة تحت نظر أبيها بمبلغ من ثلث مالها ، وتوفيت
الموصية ، وقبل للطفلة والدها الوصية المذكورة بعد وفاتها ؛ وادعى لها عند
الحاكم بما وصت الموصية ، وقامت البينة بوفاتها وعليها بما نسب إليها من
الإيصاء ، وعلى والدها بقبول الوصية لابنته ، وتوقف الحاكم عن الحكم
للطفلة بما ثبت لها عنده بالبينة ، لتعذر حلفها لصغر سنها : فهل يحلف والدها ؟
أو يوقف الحكم إلى البلوغ ويحلفها ؟ أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله . لا يحلف والدها ؛ لأنه غير مستحق ؛ ولا يوقف
الحكم إلى بلوغها وحلفها ؛ بل يحكم لها بذلك بلا نزاع بين العلماء ؛ مالم يثبت
معارض . بل أبلغ من هذا لو ثبت لصبي أو لمجنون حق على غائب عنه من دين
عن مبيع ، أو بدل قرض ، أو أرش جناية ، أو غير ذلك مما لوكان
مستحقا بالغا عاقلا : يحلف على عدم الإبراء ، أو الاستيفاء فى أحد قولي
٣١٠

العلماء ؛ ويحكم به الصبي والمجنون، ولا يحلف وليه ، كما قد نص عليه العلماء .
ولهذا لو ادعى مدع على صبي أو مجنون جناية أو حقا لم يحكم له ؛ ولا يحلف
الصبي والمجنون . وإن كان البالغ العاقل لا يقول إلا بيمين . ولها نظائر .
هذا فيما يشرع فيه اليمين بالاتفاق ، أو على أحد قولي العلماء . فكيف
بالوصية التى لم يذكر العلماء تحليف الموصى له فيها؛ وإنما أخذ به بعض الناس .
والوصية تكون للحمل باتفاق العلماء ، ويستحقها إذا ولد حيا ، ولم يقل
مسلم: إنها تؤخر إلى حين بلوغه . ولا يحلف . والله أعلم
٠
دسل
عن امرأة وصت وصايا فى حال مرضها ؛ ولزوجها ولأخيها بشىء ، ثم
بعد مدة طويلة وضعت ولداً ذكراً ؛ وبعد ذلك توفيت : فهل يبطل حكم الوصية
فأجاب : أما ما زاد على ثلث التركة فهو للوارث ، والولد اليتيم
لا يتبرع بشىء من ماله. فأما الزوج الوارث فالوصية له باطلة ؛ لأنه وارث.
وأما الأخ فالوصية له صحيحة ؛ لأنه مع الولد ليس بوارث؛ وإن كان عند
الوصية وارثا . فينظر ما وصت به للأخ والناس ، فإن وسعه الثلث وإلاقسم
بينهم على قدر وصاياها .
٣١١

وسئل رحمه اللّه
عن امرأة ماتت ولم يكن لها وارث سوى ابن أخت لأم، وقد أوصت
بصدقة أكثر من الثلث: فهل للوصي أن ينفذ ذلك ويعطى ما بقي لابن أختها ؟
فأجاب : يعطى الموصى له الثلث ، وما زاد عن ذلك إن أجازه الوارث
جاز؛ وإلا بطل . وابن الأخت يرث المال كله عند من يقول بتوريث ذوى
الأرحام ؛ وهو الوارث فى هذه المسألة عندهم . وهو مذهب جمهور السلف،
وأبى حنيفة ، وأحمد ، وطوائف من أصحاب الشافعى . وهو قول فى
مذهب مالك إذا فسد بيت المال . والله أعلم .
وسئل
عن رجل مات ، وخلف ستة أولاد ذكور ، وابن ابن ، وبنت ابن،
ووصى لابن ابنه بمثل نصيب أولاده ، ولبنت ابنه بثلث ما بقي من الثلث
بعد أن كان يعطى ابن ابنه نصيبه. فكم يكون نصيب كل واحد من أولاده؟
فأجاب : الحمد لله . ظاهر مذهب الشافعى وأحمد وأبى حنيفة أن
هذه المسألة تصح من ستين ، لكل ابن ثمانية ، ولصاحب الوصية ثلث
ما بقي بعد الثلث اثني عشر ، ثلث ذلك أربعة . ولها طرق يعمل بها .
وجواب هذه المسألة معروف فى كتب العلم .
٣١٢

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل توفي ، وله مال كثير ، وله ولد صغير ؛ وأوصى فى حال
مرضه أن يباع فرسه الفلانى؛ ويعطى تمنه كله لمن يحج عنه حجة الإسلام.
وبيعت بتسعمائة درهم . فأراد الحاكم أن يستأجر إنسانا أجنبيا ليحج بهذا
المقدار، فجاء رجل غيره فقال: أنا أحج بأربعمائة . فهل يجوز ذلك ؟
أو يتعين ما أوصى به ؟
فأجاب: الحمد لله . بل يجب إخراج جميع ما أوصى به إن كان يخرج
من ثلثه ؛ وإن كان لا يخرج من ثلثه لم يجب على الورثة إخراج ما زاد على
الثلث ؛ إلا أن يكون واجبا عليه بحيث لا يحصل حجة الإسلام [إلا به](١).
والله أعلم.
وسئل
عن رجل خلف أولاداً، وأوصى لأخته كل يوم بدرهم ؛ فأعطيت ذلك
حتى نفد المال ؛ ولم يبق من التركة إلاعقار مغله كل سنة ستمائة درهم : فهل
تعطى ذلك ؟ أو درهما كما أوصى لها ؟
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣١٣

فأجاب : الحمد لله . إذا لم يكن ما بقي متسعا لأن تعطى منه كل يوم
درهما؛ ويبقى للورثة درهمان: فلا تعطى إلاما يبقى معه للورثة الثلثان؛ لا يزاد
على مقدار الثلث شيء إلا بإجازة الورثة المستحقين؛ إذا كان المجيز بالغا رشيداً
أهلا للتبرع . وإن لم يكن المجيز كذلك؛ أو لم يجز: لم تعط شيئًا .
ولو لم يخلف الميت إلا العقار فإنها تعطى من مغله أقل الأمرين من الدرم الموصى
به أو ثلث المغل ، فإن كان المغل أقل من ثلاثة دراهم كل يوم لم تعط إلا ثلث
ذلك ؛ فلو كان درهما أعطيت ثلث درهم فقط ؛ وإن أخذت زيادة على مقدار
ثلث المغل استرجع منها ذلك ؛ وليس فى ذلك نزاع بين العلماء . والله أعلم.
وسئل
عن امرأة توفيت ، وخلفت أباها ، وعمها أخا أبيها شقيقه، وجدتها ،
وكان أبوها قد رشدها قبل أن يزوجها ، ثم إنها أوصت فى مرض موتها
لزوجها بالنصف . ولعمها بالنصف الآخر ؛ ولم توص لأبيها وجدتها بشىء:
فهل تصح هذه الوصية ؟
فأجاب : أما الوصية للعم فصحيحة ؛ لكن لا ينفذ فيما زاد على الثلث
إلا بإجازة، والوصية للزوج لا ينفذ شىء منها إلا بإجازة الورثة . وإذا لم يجز
الورثة بما زاد على الثلث كان للزوج نصف الباقى بعد هذه الوصية التى هى
الثلث ، وللجدة السدس ، وللأب الباقى ، وهو الثلث .
٣١٤

وسئل رحمه اللّه
عن امرأة أوصت قبل موتها بخمسة أيام بأشياء : من حج ، وقراءة،
وصدقة : فهل تنفذ الوصية ؟
فأجاب : إذا أوصت بأن يخرج من ثلث مالها ما يصرف فى قربة لله
وطاعته وجب تنفيذ وصيتها ؛ وإن كان فى مرض الموت . وأما إن كان
الموصى به أكثر من الثلث كان الزائد موقوفا ، فإن أجازه الورثة جاز ،
وإلا بطل . وإن وصت بشيء فى غير طاعة لم تنفذ وصيتها .
وسئل
عن رجل أوصى زوجته عند موته أنها لاتهب شيئا من متاع الدنيا
لمن يقرأ القرآن ويهدي له ، وقدادعى أن فى صدره قرآنا يكفيه، ولمتكن
زوجته تعلم بأنه كان يحفظ القرآن: فهل أصاب فيما أوصى ؟ وقد قصدت
الزوجة الموصى إليها أنها تعطى شيئا لمن يستحقه يستعين به على سبيل الهدية :
ويقرأ جزءامن القرآن ويهديه لميتها : فهل يفسح لها فى ذلك ؟
٣١٥

فأجاب : الحمدلله . تنفذ وصيته ؛ فإن إعطاء أجرة لمن يقرأ القرآن
ويهديه للميت بدعة، لم ينقل عن أحد من السلف؛ وإنما تكلم العلماء فيمن
يقرأ الله ويهدى للميت . وفيمن يعطى أجرة على تعليم القرآن وجوه . فأما
الاستئجار على القراءة وإهداؤها فهذا لم ينقل عن أحد من الأئمة، ولا أذن فى
ذلك ؛ فإن القراءة إذا كانت بأجرة كانت معاوضة ، فلا يكون فيها أجر،
ولا يصل إلى الميت شىء ، وإنما يصل إليه العمل الصالح، والاستئجار على مجرد
التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة وإنما تكلموا فى الاستئجار على التعليم
لكن هذه المرأة إذا أرادت نفع زوجها فلتتصدق عنه بما تريد الاستئجار به،
فإن الصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة ، وينفعه الله بها . وإن تصدقت بذلك
على قوم من قراء القرآن الفقراء ليستغنوا بذلك عن قراءتهم حصل من الأجر
بقدر ما أعينوا على القراءة ، وينفع الله الميت بذلك. والله أعلم.
وسل
عن مسجد لرجل ، وعليه وقف ، والوقف عليه حكر ؛ وأوصى قبل
وفاته أن يخرج من الثلث ويشترى الحكر الذى للوقف ، فتعذر مشتراه ؛
لأن الحكر وقف ، وله ورثة وهم ضعفاء الحال ، وقد وافقهم الوصي على شىء من
الثلث لعمارة المسجد : فهل إذا تأخر من الثلث شىء للأيتام يتعلق فى ذمة الوصي؟
فأجاب : بل على الوصي أن يخرج جميع الثلث كما أوصاه الميت ؛ ولا يدع
للورثة شيئا ، ثم إن أمكن شراء الأرض التى عينها الموصى اشتراها ووقفها ،
٣١٦

وإلا اشترى مكانا آخر ووقف على الجهة التى وصى بها الموصى ؛ كما ذكره
العلماء فيما إذا قال : بيعوا غلامى من زيد ، وتصدقوا بثمنه. فامتنع فلان من
شرائه ؛ فإنه يباع من غيره ويتصدق بثمنه ، فالوصية بشراء معين والتصدق به
لوقف كالوصية يبيع معين والتصدق بثمنه ؛ لأن الموصى له هنا جهة الصدقة
والوقف ، وهى باقية ؛ والتعيين إذا فات قام بدله مقامه ؛ كما لو أتلف الوقف
متلف، أو أتلف الموصى به متلف ؛ فإن بدلهما يقوم مقامهما فى ذلك، فيفرق
بين الموصى به والموقوف ؛ وبين بدل الموصى له والموقوف عليه ؛ فإنه لو
وصى لزيد لم يكن لغيره، ولو وصى أن يعتق عبده المعين، أو نذر عتق عبد
معين فمات المعين لم يقم غيره مقامه .
وتنازع الفقهاء إذا وصى أن يحج عنه فلان بكذا فامتنع ذلك المعين من
الحج، وكان الحج تطوعا: فهل يحج عنه أم لا ؟ على قولين ، هما وجهان فى
مذهب أحمد وغيره ؛ لأن الحج مقصود فى نفسه ؛ ويقع المعين مقصودا ،
فمن الفقهاء من غلب جانب التعيين . ومنهم من قال : بل الحج مقصوداً يضا
كما أن الصدقة والوقف مقصودان، وتعيين الحج كتعيين الموقوف والمتصدق
به ، فإذا فات التعيين أقيم بدله ، كما يقام فى الصدقة والوقف .
٣١٧

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل أوصى فى مرضه المتصل بموته بأن يباع شراب فى حانوت العطر
قيمته مائة وخمسون درهما ، يضاف ذلك إلى ثلاثمائة درهم من ماله ، وأن
يشترى بذلك عقار ؛ ويجعل وقفا على مصالح مسجد لامامه ومؤذنه وزيته .
وكتب ذلك قبل مرضه ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إذا أوصى أن يباع شىء معين من ماله من
عقار أو منقول ، يضم إلى منه شىء آخر قدره من ماله ، ويصرف ذلك فى
فى وقف شرعى: جاز. وإذا كان ذلك يخرج من الثلث أخرج ، وإن لم ترض
الورثة ، وما أعطاه للورثة فى مرض موته إن أعطى أحدامنهم زيادة على قدر
ميرانه لم يجز إلا بإجازة الورثة ، وإن أعطى كل إنسان شيئا معينا بقدر حقه
أو بعض حقه: ففيه قولان للعلماء فى مذهب أحمد وغيره: ((أحدهما)) له
ذلك، وهو مذهب الشافعى. ((والثانى)) ليس له ذلك ، وهو مذهب أبى حنيفة
وإذا قيل : إن له ذلك بحسب ميراث أحدهم ؛ فإن عطية المريض فى مرض
الموت المخوف بمنزلة وصيته بعد موته فى مثل ذلك باتفاق الأئمة. والله أعلم.
٣١٨

باب الموصى إليه
سئل رحمه اللّه تعالى
عن وصي على أيتام بوكالة شرعية: وللاً يتام دار ، فباعها وكيل
الوصى من قبل أن ينظرها ، وقبض الثمن ، ثم زيدفيها : فهل له أن يقبل
الزيادة ؟ أم لا ؟
فأجاب : إن كان الوكيل باعها بثمن المثل، وقد رؤيت له صح البيع .
وإن لم ترله : فيه نزاع . وإن باعها بدون ثمن المثل فقد فرط فى الوصية ،
ويرجع عليه بما فرط فيه، أو يفسخ البيع، إذا لم يبذل له تمام المثل .
والله أعلم.
وسئل
عن رجل جليل القدر ، له تعلقات كثيرة مع الناس ، وأوصى بأمور :
فجاء رجل إلى وصيه فى حياة الموصى ؛ وقال : يافلان : جئتك فى حياةفلان
٣١٩

الموصى بمال ، فلى عنده كذا ، وكذا. فذكر الوصي ذلك للموصي:
فقال الموصى من ادعى بعد موتى على شيئا خلفه وأعطه بلا بينة : فهل يجوز
أو يجب على الوصي فعل ذلك مع يمين المدعى .
فأجاب. نعم : يجب على الوصى تسليم ما ادعاه هذا المدعى إذا حلف عليه
ء
وسواء كان يخرج من الثلث أولا ؛ أما إذا كان يخرج من الثلث كان أسوأ
الأحوال ؛ كما يكون هذا الموصي متبرعا بهذا الإعطاء . ولو وصى لمعين إذا
فعل فعلا ، أو وصى لمطلق موصوف : فكل من الوصيتين جائز باتفاق الأمة
فإنهم لا ينازعون فى جواز الوصية بالمجهول ؛ ولم يتنازعوا فى جواز الإقرار
بالمجهول ؛ ولهذا لا يقع شبهة لأحد فى أنه إذا خرج من الثلث وجب تسليمه
وإنما قد تقع الشبهة فيما إذا لم يخرج من الثلث . والصواب المقطوع به أنه يجب
تسليم ذلك من رأس المال ؛ لأن الدين مقدم على الوصايا؛ فإن هذا الكلام مفهومه
رد المين على المدعى، والأمر بتسليم ماحلف عليه.
لكن رد اليمين هل هو كالإقرار ؟ أو كالبينة؟ فيه للعلماء قولان. فإذا
قيل : هو كالإقرار صار هذا إقرارا لهذا المدعى؛ غايته أنه أقر بموصوف
أوبمجهول ؛ وكل من هذين إقرار يصح باتفاق العلماء ؛ مع أن هذا الشخص
المعين ليس الإقرار له إقراراً بمجهول ؛ فإنه هو سبب اللفظ العام ، وسبب
اللفظ العام مراد فيه قطعا ، كأنه قال : هذا الشخص المعين إن حلف على ما ادعاه
ء
فاعطوه إياه . ومثل هذه الصفة جائزة باتفاق العلماء، واجب تنفيذها . وإن
٣٢٠