Indexed OCR Text

Pages 261-280

وأما الناظر فعليه أن يعمل ما يقدر عليه من العمل الواجب، ويأخذ لذلك
العمل ما يقابله، فإن كان الواجب عشرة أجزاء من العوض المستحق أخذه، وإنكان
يستحق الجميع على ما يعمله أخذ الجميع. وله أن يأخذ على فقره ما يأخذه الفقير
على فقره . والله أعلم.
وسئل عن تغيير صورة الوقف
فأجاب : الحمد لله . أما ما خرج من ذلك عن حدود الوقف إلى طريق
المسلمين ، وإلى حقوق الجيران: فيجب إزالته بلا ريب. وأما ما خرج إلى
الطريق النافذ فلابد من إزالته وأما إن كان خرج إلى ملك الغير فإن أذن فيه
وإلا أزيل .
وأما تغيير صورة البناء من غير عدوان فينظر فى ذلك إلى المصلحة ، فإن كانت
هذه الصورة أصلح للوقف وأهله أقرت . وإن كان إعادتها إلى ما كانت عليه
أصلح أعيدت . وإن كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف بنيت. فيتبع
فى صورة البناء مصلحة الوقف ، ويدار مع المصلحة حيث كانت. وقد ثبت
عن الخلفاء الراشدين - كعمر وعثمان - أنهما قد غيرا صورة الوقف للمصلحة
بل فعل عمر بن الخطاب ما هو أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة
القديم فصار سوق التمارين، وبنى لهم مسجدا فى مكان آخر. والله أعلم.
٢٦١

وسل
عمن ناصب على أرض وقف على أن للوقف ثلثي الشجر المنصوب، وللعامل
الثلث : فهل لمن بعده من النظار بيع نصيب الوقف من الشجر ؟
فأجاب : لا يجوز له بيع ذلك إلا لحاجة تقتضى ذلك. والله أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى
عن امرأة وقفت على ولديها دكا كين ودارا، ثم بعد بنيها وبني أولادها
يرجع على وقف مدرسة نور الدين الشهيد وغيره من المصارف الشرعية ، ثم إن
بعض قرائب المرأة تعدى وتحيل وباع الوقف ، ثم إن الورثة حا كموا المشتري
ورقم القاضى على شهود الكتاب: وهو صحيح ثابت . فقام المشتري وأوقفها
صدقة على خبز يصرف للمسا كين وجعل الرئيس ناظرا على الصدقة : فهل
يصح ذلك. وإذا علم الرئيس العالم المتعبد أن هذا مغتصب : فهل يحل له أن
يكون ناظرا عليه ، وما يكون ؟
فأجاب : بيع الوقف الصحيح اللازم الذى يحصل به مقصود الوقف من
الانتفاع لا يجوز، ولا يصح وقف المشتري له ، ولا يجوز للناظر على الوقف
الثانى أن يصرفه إلى غير المستحقين قبل ، ولا يتصرف فيه بغير مسوغ شرعى
سواء تصرف بحكم النظر الباطل، أو بغير ذلك . والله أعلم.
٢٦٢

وسئل رحمه الله
عن رجل بنى حائطاً فى مقبرة المسلمين ؛ يقصد أن يحوز نفعه لدفن موتاه
فادعى رجل أن له موتى تحت الحائط ، وما هو داخل الحائط : فهل يجوز له
ذلك ؟
فأجاب : ليس له أن يبني على مقبرة المسلمين حائطاً، ولا أن يحتجر من
مقبرة المسلمين ما يختص به دون سائر المستحقين . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن حمام أكثرها وقف على الفقراء والمساكين والفقهاء ، وأن إنسانا
له حمامات بالقرب منها . وأنه احتال واشترى منها نصيباً . وأخذ الرصاص
الذى يخصه من الحاصل ، وعطل الحمام وضار: فهل يلزمه العمارة أسوة
الوقف أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله. ليس له أن يتصرف فى الحمام المشتركة بغير إذن الشركاء
ولا بإذن الشارع ، ولا يستولي على شىء منها بغير إذن الشر كاء ، ولا يقسم
٢٦٣

بنفسه شيئا ويأخذ نصيبه منه . سواء كان رصاصا أو غيره ؛ ولا يغير بناء
شىء منها ، ولا يغير القدر ولا غيرها ، وهذا كله باتفاق المسلمين . وليس
له أن يغلقها ؛ بل يكرى على جميع الشركاء إذا طلب بعضهم ذلك ؛ وتقسم
بينهم الأجرة . وهذا مذهب جماهير العلماء: كأبى حنيفة، ومالك، وأحمد.
وإذا احتاجت الحمام إلى عمارة لابد منها فعلى الشريك أن يعمر معهم فى أصح
قولي العلماء . والله أعلم
وسئل رحم الله
عن قناة سبيل ، لها فايض ، ينزل على قناة الوسخ ، وقريب منها قناة
طاهرة قليلة الماء : فهل يجوز أن يساق ذلك الفائض إلى المطهرة . وهل يثاب
فاعل ذلك ؟ وهل يجوز منعه ؟
فأجاب : نعم . يجوز ذلك بإذن ولي الأمر، ولا يجوز منع ذلك إذا لم
يكن فيه مصلحة شرعية ، ويثاب الساعى فى ذلك . والله أعلم.
٢٦٤

وسئل رحمه الله
عن الوقف الذى يشترى بعوضه ما يقوم مقامه ، وذلك مثل الوقف الذى أتلفه
متلف ، فإنه يؤخذ منه عوضه يشترى به ما يقوم مقامه ؛ فإن الوقف مضمون
بالإتلاف باتفاق العلماء ، ومضمون باليد . فلو غصبه غاصب تلف تحت يده
العادية فإن عليه ضمانه باتفاق العلماء ؛ لكن قد تنازع بعضهم فى بعض الأشياء
هل تضمن بالغصب كالعقار . وفى بعضها هل يصح وقفه كالمنقول؟ ولكن
لم يتنازعوا أنه مضمون بالإتلاف باليد كالأموال ؛ بخلاف أم الولد ؛ فإنهم
وإن اتفقوا على أنها مضمونة بالإتلاف : فقد تنازعوا هل تضمن باليد أولا ؟
فاكثرهم يقول: هى مضمونة باليد: كمالك ، والشافعى، وأحمد . وأما
أبو حنيفة فيقول: لا تضمن باليد . وضمان اليد هو ضمان العقد . كضمان
البايع تسليم المبيع ، وسلامته من العيب، وأنه بيع بحق . وضمان در كه عليه
بموجب العقد وإن لم يشترطه بلفظه.
ومن أصول الاشتراء بيدل الوقف : إذا تعطل نفع الوقف ؛ فإنه يباع
ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه : فى مذهب أحمد ، وغيره . وهل يجوزمع
كونه مغلا أن يبدل بخير منه ؟ فيه قولان فى مذهبه . والجواز مذهب أبى
ثور وغيره .
٢٦٥

والمقصود أنه حيث جاز البدل : هل يشترط أن يكون فى الدرب أو
البلد الذى فيه الوقف الأول . أم يجوز أن يكون بغيره إذا كان ذلك أصلح
لأَ هل الوقف : مثل أن يكونوا مقيمين ببلد غير بلد الوقف ، وإذا اشتري
فيه البدل كان أنفع لهم ؛ لكثرة الريع ، ويسر التناول ؟ فنقول: ماعلمت
أحداً اشترط أن يكون البدل فى بلد الوقف الأول ؛ بل النصوص عند أحمد
وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضى أن يفعل فى ذلك ما هو
مصلحة أهل الوقف ؛ فإن أصله فى هذا الباب مراعاة مصلحة الوقف ؛ بل أصله
فى عامة العقود اعتبار مصلحة الناس ؛ فإن الله أمربالصلاح ، ونهى عن الفساد
وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها. ( وَقَالَ مُوسَى
وقال
لِأَخِيهِ هَرُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعُ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
شعيب: (إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) وقال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ
وقال تعالى : ( وَإِذَاقِيلَلَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ
فَلَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ).
وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة ، كما جوز
تغييره للمصلحة . واحتج بأن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أبدل مسجد
الكوفة القديم بمسجد آخر، وصار المسجد الأول سوقا للتمارين . وجوز
أحمد إذا خرب المكان أن ينقل المسجد إلى قرية أخرى ؛ بل ويجوز ؛ فى أظهر
الروايتين عنه : أن يباع ذلك المسجد ويعمر بثمنه مسجد آخر فى قرية أخرى
ء
إذا لم يحتج إليه فى القرية الأولى . فاعتبر المصلحة بجنس المسجد ؛ وإن كان
٢٦٦

فى قرية غير القرية الأولى : إذا كان جنس المساجد مشتركة بين المسلمين
والوقف على قوم بينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد ؛ فإن
الوقف على معينين حق لهم ، لا يشركهم فيه غيرم . وغاية مافيه أن يكون
بعد انقضائهم لجهة عامة : كالفقراء ؛ والمسا كين . فيكون كالمسجد . فإذا
كان الوقف يبلدهم أصلح لهم كان اشتراء البدل يبلدهم هو الذى ينبغى فعله
المتولي ذلك .
وصار هذا كالفرس الحبيس الذى يباع ويشترى بقيمته ما يقوم مقامه إذا
كان محبوسا على ناس ببعض الثغور ، ثم انتقلوا إلى ثغر آخر ، فشراء البدل
بالثغر الذى هو فيه مضمون أولى من شرائه بثغر آخر. وإن كان الفرس حبيسا
على جميع المسلمين فهو بمنزلة الوقف على جهة عامة : كالمساجد، والوقف على
المساكين.
ومما يبين هذا: أن الوقف لو كان منقولا: كالنور، والسلاح، وكتب
العلم ؛ وهو وقف على ذرية رجل بعينهم جاز أن يكون مقر الوقف حيث كانوا
بل كان هذا هو المتعين ؛ بخلاف مالو أوقف على أهل بلد بعينه .
لكن إذا صار له عوض : هل يشترى به ما يقوم مقامه إذا كان العوض
منقولا ؟ فأن يشترى بهذا العوض فى بلد مقامهم أولى من أن يشترى به فى مكان
العقار الأول ، إذا كان ذلك أصلح لهم ؛ إذليس فى تخصيص مكان العقار
٢٦٧

الأول مقصود شرعي ، ولامصلحة لأهل الوقف . وما لم يأمر به الشارع
ولا مصلحة فيه للإنسان فليس بواجب ولا مستحب . فعلم أن تعيين المكان
الأول ليس بواجب ولا مستحب لمن يشترى بالعوض ما يقوم مقامه ؛ بل العدول
عن ذلك جائز . وقد يكون مستحبا ، وقد يكون واجبا إذا تعينت المصلحة
فيه . والله أعلم.
٢٦٨

باب الهبة والعطية
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن الصدقة والهدية أيهما أفضل ؟
فأجاب: الحمد لله. ((الصدقة)) ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير
قصد فى شخص معين ولاطلب غرض من جهته ؛ لكن يوضع فى مواضع الصدقة
كأهل الحاجات. وأما ((الهدية)) فيقصد بها إكرام شخص معين؛ إما لمحبة
وإما لصداقة ؛ وإما لطلب حاجة ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل
الهدية، ويثيب عليها ، فلا يكون لأحد عليه منة ، ولا يأكل أوساخ الناس التى
يتطهرون بها من ذنوبهم ، وهي الصدقات ، ولم يكن يأ كل الصدقة لذلك
وغيره .
وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل ؛ إلا أن يكون فى الهدية معنى تكون
به أفضل من الصدقة : مثل الإهداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته محبة
له . ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه ، وأخ له فى الله: فهذا قد يكون
أفضل من الصدقة .
٢٦٩

وسئل
عمن وهب أو أباح لرجل شيئا مجهولا : هل يصح ؟ كما لو أباحه ثمر
شجرة فى قابل ؟ ولو أراد الرجوع هل يصح؟
فأجاب : تنازع العلماء فى هبة المجهول : جوزه مالك ، حتى جوز أن
يهب غيره ماورثه من فلان؛ وإن لم يعلم قدره، وإن لم يعلم أثلث هو أم ربع؟
وكذلك إذا وهبه حصة من دار ولا يعلم ماهو، وكذلك يجوز هبة المعدوم
كأن يهبه ثمر شجره هذا العام، أو عشرة أعوام؛ ولم يجوز ذلك الشافعى.
وكذلك المعروف فى مذهب أبى حنيفة وأحمد المنع من ذلك ؛ لكن أحمد
وغيره يجوز فى الصلح على المجهول والإبراء منه ما لا يجوزه الشافعى. وكذلك
أبو حنيفة يجوز من ذلك مالا يجوزه الشافعى .
فإن الشافعى يشترط العلم بمقدار المعقود عليه فى عامة العقود ، حتى عوض الخلع
والصداق ، وفيما شرط على أهل الذمة . وأكثر العلماء بوسعون فى ذلك .
وهو مذ كور فى موضعه . ومذهب مالك فى هذا أرجح .
وهذه المسألة متعلقة بأصل آخر ، وهو: أن عقود المعاوضة كالبيع،
والنكاح ، والخلع: تلزم قبل القبض . فالقبض - موجب العقد ومقتضاه ..-
٢٧٠

ليس شرطا فى لزومه . والتبرعات : كالهبة ، والعارية فمذهب أبى حنيفة
والشافعى أنها لا تلزم إلا بالقبض؛ وعند مالك تلزم بالعقد. وفى مذهب أحمد
نزاع ، كالنزاع فى المعين ، هل يلزم بالعقد أم لابد من القبض ؟ وفيه عنه
روايتان . وكذلك فى بعض صور العارية . ومازال السلف يعيرون الشجرة
ويمنحون المنايح ؛ وكذلك هبة الثمر واللبن الذى لم يوجد ، ويرون ذلك
لازما ولكن هذا يشبه العارية ؛ لأن المقصود بالعقد يحدث شيئا بعد شىء
كالمنفعة ؛ ولهذا كان هذا مما يستحقه الموقوف عليه، كالمنافع ؛ ولهذا تصح
المعاملة بجزء من هذا : كالمساقاة . وأما إباحة ذلك فلا نزاع بين العلماء فيه
وسواء كان ما أباحه معدوما أو موجودا، معلوما أو مجهولا ؛ لكن لاتكون
الإباحة عقدا لازما كالعارية عند من لا يحمل العارية عقدا لازما ؛ كأبى حنيفة
والشافعى . وأما مالك فيجعل ذلك لازما إذا كان محدودا بشرط أو عرف
وفى مذهب أحمد نزاع وتفصيل.
وسئل رحم الله
عن امرأة وهبت لزوجها كتابها، ولم يكن لها أب سوى إخوة : فهل
لهم أن يمنعوها ذلك؟
فأجاب : الحمد للهرب العالمين . ليس لإخوتها عليها ولاية ولا حجر؛
فإن كانت ممن يجوز تبرعها فى مالها صحت هبتها ، سواءرضوا أو لم يرضوا.
والله أعلم.
٢٧١

وسئل رحمه اللّه
عن امرأة لها أولاد غير أشقاء ، خصصت أحد الأولاد ، وتصدقت
عليه بحصة من ملكها دون بقية إخوته ، ثم توفيت المذكورة وهى مقيمة
بالمكان المتصدق به : فهل تصح الصدقة أم لا ؟
فأجاب : الحمدلله . إذا لم يقبضها حتى ماتت بطلت الهبة فى المشهورمن
مذهب الأئمة الأربعة . وإن أقبضته إياه لم يجز على الصحيح أن يختص به
الموهوب له ؛ بل يكون مشتركا بينه وبين إخوته . والله أعلم .
وقال: ( فصل )
وأما العقود التى يشترط القبض فى لزومها واستقرارها : كالصدقة، والهبة،
والرهن ، والوقف - عند من يقول إن القبض شرط فى لزومه - فهذا أيضاً
يصح فى المشاع عند جمهور العلماء : كمالك، والشافعى، وأحمد، ولم يجوزها
أبو حنيفة . قال : لأن القبض شرط فيها ، وقبضها غير ممكن قبل القسمة ،
وأما الجمهور فقالوا تقبض فى هذه العقود كما تقبض فى البيع ؛ وإن كان القبض
من موجب البيع ليس شرطاً فى صحته ولا لزومه . ويقبض مالا ينقسم ؛ فإنهم
اتفقوا على جواز هبته مشاعا ؛ لتعذر القسمة فيه .
٢٧٢

ثم إذا وهب المشاع الذى تصح هبته بالاتفاق : كالذى لا ينقسم ، والمتنازع
فيه عند من يجوز هبته : كمالك، والشافعى، وأحمد، وقبض ذلك قبض مثله ،
وحازه الموهوب له ، والمتصدق عليه: لزم بذلك باتفاق المسلمين : يتصرف فيه
بأنواع التصرفات الجائزة فى المشاع. فإن شاء أن يبيعه أو يهبه وإن شاءتهائا
هو والمتهب فيه بالمكان أو بالزمان. وإن شاءا أ كرياه جميعاً؛ كما يفعل ذلك كل
شريكين للشقص مع مالك الشقص الذى لم يوهب . وإن تصرف فيه
بالمساكنة للمتهب مهاياة أو غير مهايأة لا ينقص الهبة ولا يبطلها . ومن
قال [ غير ] ذلك فقد خرق إجماع المسلمين.
وما فعله الفقهاء من أصحاب مالك فى كتبهم : من اشتراط الخيار ، وأن
بقاءه فى يد الواهب: بإ كراء ، أو استعارة، أو غيرها يبطل الحيازة ، وأن
حيازة المتهب له ثم عوده إلى الواهب فى الزمن القريب يبطل حيازته .
وفى الزمن الطويل كالسنة نزاع ، وأنه إذا مرض أو أفلس قبل الحيازة
بطلت، ونحو ذلك. ومثل تنازعهم : هل يجبر على الإقباض أم لا؟ وعند
أبي حنيفة والشافعى لا يجبر، وعند مالك يجبر، وعند أحمد فى الغبن
روايتان. وأمثال هذه المسائل : فهذا كله فى نفس الموهوب المفرد والمشاع
فأما النصف الباقى على ملك الواهب فهم متفقون - اتفاقا معلوما
عند علماء الشريعة بالاضطرار من دين الإسلام - أن تصرف المالك فيه
لا يبطل ماوقع من الهبة والحيازة السابقة فى النصيب. ومتفقون على أن
هذين الشريكين يتصرفان كتصرف الشركاء . ومن توم من المتفقهة أنه
٢٧٣

بعد إقباض النصيب المشاع إذا تساكنا فى الدار، فسكن هذا فى النصف
الباقى له ، وهذا فى النصف الآخر - مهايأة أو غير مهايأة - أن ذلك
ينقض الهبة - كما لو كان السكنى فى نفس الموهوب، كما يقوله مالك في
ذلك - فقد خرق إجماع المسلمين ، وهو من أبعد الناس عن مذاق الفقه
ومعرفة الشريعة .
فإن هذا لو كان صحيحاً لكان الواهب للمشاع يتعطل انتفاعه بما بقي له ،
وكان بمنزلة واهب الجميع ؛ ولأن الفقهاء إنما ذكروا ذلك فى الموهوب ؛ لأن بقاء
يد الواهب عليه وعوده إليه فى المدة اليسيرة يمتنع معها الحوز فى العادة ؛ وربما كان
ذلك ذريعة إلى الهبة من غير حوز فيظهر سكناها بطريق العارية حيلة ؛ ولهذا
روى عن عثمان رضى الله عنه - أنه قال: مابال أقوام يعطى أحدم ولده العطية؛
فإن مات ولده قال : مالي وفى يدى؛ وإزمات هوقال: كنت وهبته؛ لا يثبتمن
الهبة إلا ماحازه الولد من مال والده. ثم سألوه عن الصغير فقال حوز والده
حوزله . وبهذا أخذمالك وغيره. وهذاظاهرفى نفس الأمر مفردا كان أو مشاعا.
فأما النصيب الآخر الذى لم يوهب : فهو بمنزلة عين أخرى لم توهب:
يتصرف تصرف الشريك، بحيث لو احتاج إلى عمارة أجبر على ذلك عند أحمد
ومالك فى ظاهر مذهبه ، وبحيث تجب فيه الشفعة. وإذا كان قسمة عينه تمكن
قسم إن كان قابلا للقسمة . وإن لم يقبلها: فهل يجبر على البيع إذا طلبه الآخر ليقتسما
الثمن؟ فيه قولان للعلماء. والإجبار قول مالك، وأبى حنيفة وأحمد. وعدمه قول
٢٧٤

الشافعى. وهذا واضح على من له فى الفقه بالشريعة أد فى إلمام ، إذا كان يفهم
مأخذ الفقهاء؛ ولكن من لم يميز إذا رأى ما ذكروه من الفروع فى الموهوب
وخيل إليه أن هذا فيه وفى النصيب الآخر : كان هذا بعيدا من التميز فى الأحكام
الشرعية والمسائل الفقهية، وليست هذه المسألة مما تقبل النزاع والخلاف أصلا
ومن العجب أنهم يطلبون النقل فى هذه المسألة من (( كتاب الهبة والصدقة))
ونحو ذلك؛ وليس هذا موضعها؛ وإنما موضعها ((كتاب الشركة،
والقسمة)) ونحو ذلك ؛ فإن السؤال إما وقع عن التصرف فى الشقص الباقى
لم يقع فى النصيب الموهوب ، وإن تخيل متخيل أن التساكت يقتضى ثبوت
يدكل منهما على الجميع . قيل له : حينئذ تكون يدكل من الشريكين على جميع
المشترك، وإن صح هذا لم يصح يد المشترك بحال ، فإن أبا حنيفة إنما قاله فيما
يقبل القسمة ، ثم إذا قدر أن يدالشريك على الجميع فهذه لا تمنع الحيازة المعتبرة فى
المشاع ؛ فإنه إذا وهب شقصا من عين فإنما عليه أن يقبض الموهوب فقط ، مع
بقاء يده على مالم يهبه ؛ سواء قيل: إن بقاءيده على نصبه يعم الجميع ، أولا يعم .
فعلم أن استيلاء الشريك الواهب على نصيبه وتصرفه فيه لا يمنع الحوز ابتداء ،
ولا عنمه دوامًاً باتفاق المسلمين .
وسل
عمن وهب ربع مكان فتبين أقل من ذلك هل تبطل الهبة ؟
فأجاب . لا تبطل .
٢٧٥

وسئل رحمه اللّه
عن رجل له بنتان ، ومطلقة حامل ، وكتب لابنتيه ألفي دينار ، وأربع
أملاك ، ثم بعد ذلك ولد للمطلقة ولد ذكر ، ولم يكتب له شيئاً، ثم بعد
ذلك توفي الوالد وخلف موجودا خارجاعما كتبه لبنتيه ، وقسم الموجود بينهم
على حكم الفريضة الشرعية : فهل يفسخ ما كتب للبنات ، أم لا ؟
فأجاب : هذه المسئلة فيها نزاع بين أهل العلم : إن كان قد ملك البنات
تعليكا تاما مقبوضا. فإما أن يكون كتب لهن فى ذمته ألفي دينار من غير
إقباض ، أو أعطاهن شيئاً ولم يقبضه لهن : فهذا العقد مفسوخ ، ويقسم
الجميع بين الذكر والأنثيين . وأما مع حصول القبض: ففيه نزاع . وقد
روى أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده ، فلما مات ولد له حمل ، فأمر
أبو بكر وعمر أن يعطى الحمل نصيبه من الميراث ، فلهذا ينبغي أن يفعل بهذا
كذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)
وقال: ((إنى لا أشهد على جور)) لمن أراد تخصيص بعض أولاده بالعطية . وعلى
البنات أن يتقين الله ويعطين الابن حقه .
٢٧٦

وقول النبي صلى الله عليه وسلم الذى خصص بعض أولاده: ((أشهد على
هذا غيرى)) تهديداً له؛ فإنه قال: ((اردده)) وقد رده ذلك الرجل. وأما إذا
وصى لهن بعد موته فهى غير لا زمة باتفاق العلماء . والصحيح من قولي
العلماء أن هذا الذى خص بناته بالعطية دون حمله يجب عليه أن يرد ذلك فى
حياته ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن مات ولم يرده رد بعد موته على
أصح القولين أيضا ؛ طاعة لله ولرسوله، واتباعا للعدل الذى أمر به ؛ واقتداء
بأبى بكر وعمر رضي الله عنهما . ولا يحل الذى فضل أن يأخذ الفضل ؛ بل عليه
أن يقاسم إخوته فى جميع المال بالعدل الذى أمر الله به . والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل
عن رجل له جارية ، فأذن لولده أن يستمتع بالجارية المذكورة ، ويطأها
ولم يصدر منه تمليك له بالجارية ، ولا هبة ، ولا غير ذلك ، وأن الجارية
حصل لها ولد من ولد مالك الجارية المذكورة . فهل يكون الإذن فى الاستمتاع
والوطء تمليكا للولد؟ وهل يكون الولد حراً، وتكون الجارية أم ولد لولد
مالك الجارية فيحرم بيعها للمالك والد الصبى الآذن لولده فى استمتاعها ووطئها ؟
الجواب: الحمد لله . هذه المسئله تبنى على أصلين
أحدهما صفة العقود . ومذهب مالك وأحمد فى المشهور من مذهبه
وغيرهما أن البيع والهبة والإجارة لا تفتقر إلى صيغة ؛ بل يثبت ذلك
٢٧٧

بالمعاطاة ، فما عده الناس بيعا أو هبة أو إجارة فهو كذلك. ومذهب الشافعى
المشهور اعتبار الصيغة ؛ إلا فى مواضع مستثناة. وحيث كان ذلك بالصيغة
فليس لذلك عند الجمهور صيغة محدودة فى الشرع ؛ بل المرجع فى الصيغة
المفيدة لذلك إلى عرف الخطاب . وهذا مذهب الجمهور ؛ ولذلك صححوا
الهبة بمثل قوله: أعمرتك هذه الدار ، وأطعمتك هذا الطعام ، وحملتك على
هذه الدابة ، ونحو ذلك مما يفهم منه أهل الخطاب به الهبة . وتجهيز المرأة
بجهازها إلى بيت زوجها تمليك، كما أفتى به أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما
وذلك أن الله ذكر البيع والإجارة والعطية مطلقا فى كتابه ؛ ليس لها
حد فى اللغة ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف . والمقصود بالخطاب إفهام
المعانى ، فأي لفظ دل عليه مقصود العقد انعقد به . وعلى هذا قاعدة الناس
إذا اشترى أحد لابنه أمة ، وقال : خذها لك استمتع بها ونحو ذلك كان
هذا عليكا عندهم .
وأيضا : فمن كان يعلم أن الأمة لا توطأً إلا ملك إذا أذن لابنه فى
الاستمتاع بها لا يكون مقصوده إلا تمليكها ؛ فإن كان قد حصل ما يدل على
التمليك على قول جمهور العلماء - وهو أصح قوليهم - كان الابن واطئا فى
ملكه، وولده حر لاحق النسب ، والأمة أم ولد له، لا تباع ، ولا توهب
ولا تورث. وأما إن قدر أن الأب لم يصدر منه تمليك بحال، واعتقد الابن أنه
قد ملكها : كان ولده أيضا حراً ، ونسبه لاحق ، ولا حد عليه . وإن
٢٧٨

اعتقد الابن أيضا أنه لم يملكها ولكن وطئها بالإذن : فهذا ينبنى على
(( الأصل الثانى)).
فإن العلماء اختلفوا فيمن وطئ أمة غيره بإذنه . قال مالك : ملكها
بالقيمة حبلت أو لم يحبل . وقال الثلاثة : لا يملكها بذلك . فعلى قول
مالك : هى أيضا ملك للولد ، وأم ولد له ، وولده حر . وعلى قول الثلاثة
الأمة لا تصير أم ولد ؛ لكن الولد هل يصير حراً مثل أن يطأ جارية امرأته
بإذنها ؟ فيه عن أحمد روايتان: ((إحداهما)) لا يكون حراً، وهذا مذهب
أبي حنيفة؛ وإن ظن أنها حلال له. ((الثانى)) أن الولد يكون حراً؛ وهذا
هو الصحيح إذا ظن الواطئ أنها حلال ، فهو المنصوص عن الشافعى وأحمد
فى المرتهن ، فإذا وطئ الأمة المرهونة بإذن الراهن ، وظن أن ذلك جائز؛
فإن ولده ينعقد حراً ؛ لأجل الشبهة ؛ فإن شبه الاعتقاد أو الملك يسقط الحد
باتفاق الأئمة . فكذلك يؤثر فى حرية الولد ونسبه ؛ كما لو وطئها فى نكاح
فاسد ، أو ملك فاسد ؛ فإن الولد يكون حراً باتفاق الأئمة . وأبو حنيفة
يخالفهما فى هذا، ويقول : الولد مملوك. وأما مالك فعنده أن الواطئ
قد ملك الجارية بالوطء المأذون فيه .
وهل على هذا الواطئ بالإذن قيمة الولد؟ فيه قولان الشافعى ((أحدهما))
وهو المنصوص عن أحمد أنه لا تلزمه قيمته ؛ لأنه وطئ بإذن المالك ، فهو
كما لو أتلف ماله بإذنه. ((والثانى)) تلزمه قيمته، وهو قول بعض
٢٧٩

أصحاب أحمد. ومن أصحاب الشافعى من زعم أن هذا مذهبه قولا واحداً .
وأما المهر فلا يلزمه فى مذهب أحمد ومالك وغيرهما . وللشافعي فيه قولان
((أحدهما)): يلزمه كما هو مذهب أبي حنيفة. وكل موضع لا تصير الأمة أم
ولد فإنه يجوز بيعها .
وسئل
عن امرأة تصدقت على ولدها فى حال صحتها وسلامتها بحصة من كل
ما يحتمل القسمة ، من مدة تزيد على عشر سنين ، وماتت المتصدقة ، ثم
تصدق المتصدق عليه بجميع ما تصدقت به والدّه عليه على ولده فى حياته ،
وثبت ذلك جميعه بعد وفاة المتصدقة الأولى عند بعض القضاة ، وحكم به :
فهل لبقية الورثة أن تبطل ذلك بحكم استمراره بالسكنى بعد تسليمه لولدها
المتصدق عليه أم لا ؟
فأجاب رحمه الله : إذا كانت هذه الصدقة لم تخرج عن يد المتصدق حتى
مات بطلت باتفاق الأئمة فى أقوالهم المشهورة. وإذا أثبت الحاكم ذلك لم
يكن إثباته لذلك العقد موجبا لصحته . وأما الحكم بصحته وله ورثة والحالة
هذه فلا يفعل ذلك حاكم عالم ؛ إلا أن تكون القضية ليست على هذه
الصفة ، فلا يكون حينئذ حا كما. وإما أن تكون الصدقة قد أخرجها المتصدق
٢٨٠