Indexed OCR Text

Pages 241-260

إلا إذا كانت يضحى بها؛ لتعلق حرمة التضحية بعينها. وقال
الخرقي : ويجوز أن تبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها . وقال القاضى
أبو يعلى فى: ((التعليق)) إذا أوجب بدنة جاز بيعها؛ وعليه بدنة مكانها ؛
فإن لم يوجب مكانها حتى زادت فى بدن أو شعر أو ولدت كان عليه مثلها زائدة
ومثل ولدها ، ولو أوجب مكانها قبل الزيادة والولد لم يكن عليه شىء من الزيادة .
ولم أعلم فى أصحاب أحمدمن خالف فى هذا؛ إلا أبا الخطاب؛ فإنه اختارأنه
لا يجوز إبدالها . وقال: إذا نذر أضحية وعينها زال ملكه عنها ؛ ولم يجز أن
يتصرف فيها يبيع ولا إبدال ؛ وكذلك إذا نذر عتق عبد معين أو درام معينة.
وقال هذا قياس المذهب عندى ؛ لأن التعيين يجرى مجرى النص فى النذر الذى
لا يلحقه الفسخ؛ لأن أحمد قد نص فى رواية صالح وإبراهيم بن الحارث فيمن
نذر أضحية بعينها فأعورت أو أصابها عيب : تجزيه ، ولو كانت فى ملكه
لم يجزه ، ووجبت عليه صحيحة ؛ كما لو نذر أضحية مطلقة . قال : وكذلك
نص فى رواية حنبل فى الهدي إذا عطب فى الحرم : فقد أجزاً عنه؛ ولوكان
فى ملكه لم يجزه؛ ووجب بدله . وغير ذلك من المسائل. فدل على ماقلت.
وأبو الخطاب بنى ذلك على أن ملكه زال عنها ؛ فلا يجوز الإبدال بعد زوال
الملك ، وهو قول أصحاب مالك. والشافعي وأبو حنيفة يجوزون إبدالها
بخير منها . وبنى أصحابه ذلك هم والقاضي أبو يعلى وموافقوه على أن ملكه
لم يزل عنها . والنزاع بين الطائفتين فى هذا الأصل. وأحمد وفقهاء أصحا به
٢٤١

لا يحتاجون أن يبنوا على هذا الأصل . وقال أبو الخطاب: هذا هو القياس
فى النذر ؛ أنه إذا نذر الصلاة في مسجد بعينه لزمه ؛ وإنما تركناه للشرع ،
وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد))
فقيل له : فلو نذر الصلاة فى المسجد الأقصى جاز له الصلاة فى المسجد الحرام ؟
فقال : إن لم يصح الخبر بذلك لم نسلم على هذه الرواية .
وهذا الذى قاله أبو الخطاب كما أنه خلاف نصوص أحمد وجمهور أصحابه فهو
خلاف سائر أصوله؛ فإن جواز الإبدال عند أحمد لايفتقر إلى كون ذلك فى ملكه؛
بل ولا تأثير لذلك فى جواز الإبدال ؛ فإنه لو نذر عتق عبد فعينه لم يجز إبداله
بلا ريب ، وإن لم يخرج عن ملكه ؛ بل ويقول : خرجت الأضحية عن
ملكه ؛ ويجوز إبدالها بخير منها ؛ كما نقول مثل ذلك فى المساجد ، وكما نقول
بجواز الإبدال فى المنذورات ؛ لأن الذبح عبادة لله ، وذبح الأفضل أحب
إلى الله تعالى ، فكان هذا كإبدال المنذور بخير منه ، وذلك خير لأهل الحرم؛
بخلاف العتق ؛ فإن مستحقه هو العبد فبطل حقه بالإبدال .
والنزاع فى كون الأضحية المعينة بالنذر ثابتة على ملكه أو خارجة عن ملكه
إلى الله يشبه النزاع فى الوقف على الجهة العامة. والمشهور فى مذهب أحمدوالجمهور
فى ذلك أنها ملك لله. وقد يقال: لجماعة المسلمين، والمتصرف فيه بالتحويل هم
المسلمون المستحقون للانتفاع به، فيتصرفون فيه بحكم الولاية؛ لا يحكم الملك
٢٤٢

وكذلك الهدي والأضحية المعين بالنذر إذا قيل إنه يخرج عن ملك صاحبه ؛
ء
فإن له ولاية التصرف فيه بالذبح والتفريق ، فكذلك له ولاية التصرف فيه
بالإبدال، كما لو أتلفه متلف فإنه كان يأخذ منه يشترى به بدله، وإن لم يكن مالكا
له . فكونه خارجا عن ملكه لا يناقض جواز تصرفه فيه بولاية شرعية .
وقول القائل : يملكه صاحبه أو لا يملكه . فى ذلك وفى نظائره ؟
كقوله : العبد يملك أولا يملك، وأهل الحرب هل يملكون أموال المسلمين
أولا يملكونها ، والموقوف عليه هل يملك الوقف أولا يملكه؟ إنما نشأ فيها النزاع
بسبب ظن كون الملك جنسا واحداً تتماثل أنواعه؛ وليس الأمر كذلك ؛ بل
الملك هو القدرة الشرعية ، والشارع قد يأذن للإنسان فى تصرف دون تصرف ،
ويملكه ذلك التصرف دون هذا، فيكون مالكا ملكا خاصا ؛ ليس هو مثل
ملك الوارث ؛ ولا ملك الوارث كملك المشترى من كل وجه ؛ بل قد يفترقان.
وكذلك ملك النهب والغنائم ونحوهما قد خالف ملك المبتاع والوارث.
فقول القائل: إنه يملك الأضحية المعينة. إن أرادأنه يملكها كما يملك
ع
المبتاع ؛ بحيث يبيعها ويأخذ منها لنفسهويهها لمن يشاء وتورث عنه ملكا فليس
الأمر كذلك. وكذلك إن أراد بخروجها عن ملكه أنه انقطع تصرفه فيها
كما ينقطع التصرف بالرق أو البيع فليس الأمر كذلك ؛ بل له فيها ملك
خاص، وهو ملكه أن يحفظها، ويذبحها ، ويقسم لحمها ، ويهدي، ويتصدق،
ويأكل . وهذا الذي يملكه من أضحيته لا يملكه من أضحيته غيره.
٢٤٣

فصل
والدليل على ذلك وجوه
أحدها : ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة،
ولاً لصقتها بالأرض ، ولجعلت لها بابين: بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون
منه)) ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولوكان تغييرها وإبدالها
بما وصفه صلى الله عليه وسلم واجبا لم يتركه ، فعلم أنه كان جائزًا، وأنه كان
أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام . وهذا فيه تبديل بنائها
ببناء آخر . فعلم أن هذا جائز فى الجملة؟ وتبديل التأليف بتأليف آخر هو
أحد أنواع الإبدال .
وأيضا فقدثبت أن عمر وعثمان غير ابناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم : أما
عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع ، وأما عثمان فبناه مادة أعلى من تلك
كالساج. وبكل حال فاللبن والجذوع التى كانت وقفا أبدلها الخلفاء الراشدون
بغيرها . وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر . ولا فرق
بين إبدال البناء ببناء ، وإبدال العرصة بعرصة: إذا اقتضت المصلحة ذلك ؛ ولهذا
أبدل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة بمسجد آخر : أبدل نفس العرصة ،
٢٤٤

وصارت العرصة الأولى سوقا للتمارين . فصارت العرصة سوقا بعد أن كانت
مسجداً . وهذا أبلغ ما يكون فى إبدال الوقف للمصلحة . وأيضا فقد ثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه جوز إبدال المنذور بخير منه. ففى المسند مسند أحمد
وسنن أبى داود ، قال أبو داود : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد يعنى ابن
سلمة، أنا حبيب المعلم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، أن
رجلا قام يوم الفتح فقال يارسول الله: إنى نذرت إن فتح الله عز وجل عليك
مكة أن أصلى فى بيت المقدس، قال أبو سلمة: مرة ركعتين، قال: ((صل ها هنا))
ثم أعاد عليه، فقال: ((صل ها هنا)) ثم أعاد عليه؛ قال: ((فشأنك إذاً))
قال أبو داود: وروى نحوه عن عبد الرحمن بن عوف ، عن
النبي صلى الله عليه وسلم .
ولهذا فى السنن طريق ثالث رواه أحمد وأبوداود، عن طائفة من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم، قال أبوداود: ثنا (١) بن خالد، ثنا أبو عاصم، وثنا
عباس العمبرى، ثنا روح، عن ابن جريج، أنا يوسف بن الحكم بن أبى سفيان:
أنه سمع حفص بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف ، عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم بهذا الخبر، زاد فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((والذى بعث محمدا بالحق
لوصليت ها هنا لأجزاً عنك صلاة فى بيت المقدس)) قال أبوداود رواه
الأنصار، عن ابن جريج. قال حفص بن عمر بن حنة : وقال عمر: أخبراه عن
عبد الرحمن بن عوف ، عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(١) بياض بالأصل.
٢٤٥

وفى المسند وصحيح مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة شكت
شكوى، فقالت : إن شفانى الله فلأ خرجن فلأصلين فى بيت المقدس ، فبرأت
ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة تسلم عليها، وأخبرتها بذلك، فقالت
اجلسي وكلي ما صنعت، وصلى فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنى
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((صلاة فيه أفضل من ألف صلاة
فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)).
وهذا مذهب عامة العلماء كالشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما ، وأبى
يوسف صاحب أبى حنيفة ، وابن المنذر ، وغيرهم: قالوا : إذا نذر أن يصلي
فى بيت المقدس أجزأه الصلاة فى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن نذر
الصلاة فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم أجزأه الصلاة فى المسجد الحرام ، وإن
نذر الصلاة فى المسجد الحرام لم يجزه الصلاة فى غيره عند الأكثرين ، وهو
مذهب ابن المسيب ، ومالك ، والشافعى فى أصح قوليه ، ومذهب أبى يوسف
صاحب أبى حنيفة . وحكي عن أبى حنيفة : لا يتعين شيء للصلاة ؛ بخلاف
ما لو نذر أن يأتى المسجد الحرام لحج أو عمرة ؛ فإن هذا يلزمه بلا نزاع .
وأبو حنيفة بنى هذا على أصله؛ وهو أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه
واجب بالشرع .
وأما مالك وأحمد والشافعى فى ظاهر مذهبه فيوجبون بالنذر ما كان
طاعة ؛ وإن لم يكن جنسه واحيا بالشرع، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عائشة
٢٤٦

- رضى الله عنها - عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من نذر أن يطيع
الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)). والنبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((صل هاهنا)) وقال: (( لو صليت هنا لأجزا عنك صلاة - أو كل صلاة
- فى بيت المقدس)) خص الأمر بالصلاة فى المسجد الحرام، ولم يقل: صل
حيث شئت، وقال: (( لو صليت ها هنا لأجزا عنك صلاة فى بيت المقدس))
نجعل المجزى عنه الصلاة فى المسجد الأفضل ؛ لا فى كل مكان . فدل هذا على
أنه لم ينقله إلى البدل إلا لفضله ؛ لا لكون الصلاة لم تتعين.
وقد ثبت عنه فى الصحاح تفضيل مسجده، والمسجد الحرام على المسجد
الأقصى ، وفى السنن والمسند تفضيل المسجد الحرام على مسجده ، وثبت عنه
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد أنه قال: ((لا تشد الرحال الا
إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا)) وفى
لفظ لمسلم: ((إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد)). فدل ذلك على أن السفر إلى هذه
الثلاثة بر وقربة وعمل صالح ؛ ولهذا أذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب
إلى الأقصى ، مع أمره له أن يصلى فى المسجد الحرام، وإخباره أن ذلك يجزيه
فدل ذلك على أنه أمر ندب ، وأنه مخير بين أن يفعل عين المنذور ، وأن يفعل
ما هو أفضل منه .
ومعلوم أن النذريوجب عليه ما نذر هلله تعالى من الطاعة؛ لقوله: ((من نذر
أن يطيع الله فليطعه)). وهو أمر أوجبه هو على نفسه، لم يجب بالشرع ابتداء
٢٤٧

ثم إن الشارع بين أن البدل الأفضل يقوم مقام هذا، والأضحية والهدي المعين
وجوبه من جنس وجوب النذر المعين. فدل ذلك على أن إبداله بخير منه أفضل
من ذبحه بعينه : کالواجب بالشرعفی الذمة ؛ کما لو وجب عليهبنت مخاض فادى
بنت لبون ؛ أو وجب عليه بنت لبون فأدى حقة ، وفى ذلك حديث فى السنن
عن النبي صلى الله عليه وسلم: يبين أنه إذا أدى أفضل مما وجب عليه أجزأ.
رواه أبو داود فى السنن وغيره .
قال أبو داود: ثنا محمد بن منصور، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبى،
عن ابن إسحاق ، حدثنى عبد الله بن أبى بكر، عن يحى بن عبد الله بنعبد الرحمن
ابن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمرو بن حزم ، عن أبي بن كعب قال : بمثنى
النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا ، فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه
فيه إلا بنت مخاض، فقلت له أد بنت مخاض؛ فإنها صدقتك . فقال : ذاك مالا
لبن فيه ولا ظهر ؛ ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة نفذها. فقلت له: ما أنا
بآخذ مالم أو مر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن
أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل ، فإن قبله منك قبلته ، وإن
رده عليك رددته. قال. فإنى فاعل ، نخرج معي وخرج بالناقة التى عرض
علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يانبى الله ! أمانى رسولك
ليأخذ من صدقة مالي ، وأيم الله ما قام فى مالى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولارسوله قط قبله، فجمعت له مالى ، فزعم أن ما علي إلا بنت مخاض، وذلك
٢٤٨

ما لا لبن فيه ولا ظهر ، وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى علي ،
وها هى هذه قدجئتك بها يارسول الله. خذها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( ذلك الذى عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك))
قال: فهاهى ذه يارسول الله ! قد جئتك بها، فخذها، قال: «فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بقبضها ، ودعاله فى ماله بالبر كة ))
وما فى هذا الحديث من إجزاء سن أعلا من الواجب مذهب عامة أهل
العلم الفقهاء المشهورين وغيرهم. فقد ثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز
بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع، وبإيجاب العبد. ولا فرق بين الواجب
فى الذمة وما أوجبه معينا ؛ فإنما وجب فى الذمة وإن كان مطلقا من وجه فإنه
مخصوص متميز عن غيره ؛ ولهذا لم یکن له إبداله بدونه بلا ريب.
وعلى هذا فلو نذر أن يقف شيئا فوقف خيرا منه كان أفضل ، فلو نذر
أن يبنى لله مسجدا وصفه ، أو يقف وقفاوصفه . فبنى مسجداً خيرا منه ، ووقف
وقفا خيرا منه كان أفضل. ولو عينه ، فقال: لله علي أن أبني هذه الدار مسجداً
أو وقفها على الفقراء والمسا كين. فبنى خيرا منها، ووقف خيراًمنها . كان أفضل:
كالذى نذر الصلاة بالمسجد الأقصى وصلى فى المسجد الحرام ، أو كانت عليه
بنت مخاض فأدى خيرا منها .
وقد تنازع الفقهاء فى الواجب المقدر إذا زاده : كصدقة الفطر إذا أخرج
أكثر من صاع. فوزه أكثرهم، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد
٢٤٩

وغيرهم. وروي عن مالك كراهة ذلك . وأما الزيادة فى الصفة فاتفقوا عليها
والصحيح جواز الأمرين؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًافَهُوَ خَيْرٌ لَّةً، وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌلَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
وقد ثبت باتفاق أهل العلم - وهو فى كتب الحديث الصحاح وغيرها وكتب
التفسير والفقه - أن الله لما أوجب رمضان كان المقيم مخيرا بين الصوم وبينأن
يطعم كل يوم مسكينا. فكان الواجب هو إطعام المسكين، وندب سبحانه إلى
إطعام أكثر من ذلك، فقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) ثم قال: (وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌلَكُمْ) فلما كانوا مخيرين كانوا
على ثلاث درجات : أعلاها الصوم ، ويليه أن يطعم فى كل يوم أكثر من
مسكين، وأدناها أن يقتصر على إطعام مسكين. ثم إن الله حتم الصوم بعد
ذلك وأسقط التخيير فى الثلاثة .
فإن قيل: ففي سنن أبى داود: ثنا عبد الله بن محمد العقيلي. ثنا محمد بن سلمة،
عن أبى عبدالرحيم ، عن جهم بن الجارود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه : قال
أهدى عمربن الخطاب رضى الله عنه: نجيبة ، فأعطى بها ثلاثمائة دينار ؛ فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقال يارسول الله! إنى أهديت نجيبة فأعطيت بها ثلاثمائة
دينار أفا بيعها، وأشترى بثمنها بدنا؟ قال: ((لا. انحرها إياها )) فقدنهاه عن
بيعها وأن يشتري بثمنها بدنا؟
٢٥٠

قيل : هذه القضية - بتقدير صحتها - قضية معينة ؛ ليس فيها لفظ عام يقتضى
النهي عن الإبدال مطلقا، ونحن لم يجوز الإبدال مطلقا. ولا يجوزه أحد من أهل
العلم بدون الأصل ، وليس فى هذا الحديث أن البدل كان خيرا من الأصل؛ بل
ظاهره أنها كانت أفضل. فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
سئل: أى الرقاب أفضل؟ فقال: ((أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها)) وقد قال
تعالى: ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَّبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) وقد قيل: من تعظيمها
استحسانها واستسمانها والمغالاة فى أثمانها.
وهذه النجيبة كانت نفيسة؛ ولهذا بذل فيها من كثير ، فكان إهداؤها
إلى الله أفضل من أن يهدى بثمنها عدد دونها، والملك العظيم قد يهدى له فرس
نفيسة فتكون أحب إليه من عدة أفراس بثمنها، فالفضل ليس بكثرة العدد فقط ،
بل قد قال الله تعالى: ( لَنْ ثَنَالُواْالْرَّحَتَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) فما كان أحب إلى
المرء إذا تقرب به إلى الله تعالى كان أفضل له من غيره ؛ وإن استويافى القيمة؛
فإن الهدية والأضحية عبادة بدنية ومالية ؛ ليست كالصدقة المحضة ؛ بل إذا ذبح
النفيس من ماله لله تعالى كان أحب إلى الله تعالى. قال بعض السلف : لا يهدي
أحدكم لله تعالى ما يستحي أن يهديه لكريمه. وقدقال تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُواْالْخَبِثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُواْفِيهِ ) وقد قرب ابنا آدم قربانًا
فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. وقد ذكر أن سبب ذلك أن أحدهما قرب
نفيس ماله، والآخر قرب الدون من ماله . والله أعلم.
٢٥١

وسئل شيخ الإسلام
عن الواقف والناذر يوقف شيئا؛ ثم يرى غيره أحظ للموقوف عليه منه
هل يجوز إبداله ؛ كما فى الأضحية ؟
فأجاب : وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه كما فى إبدال الهدي :
فهذا نوعان
أحدهما : أن الإبدال للحاجة مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه
ما يقوم مقامه: كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به للغزو
فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا خرب ماحوله
فتنقل آلته إلى مكان آخر. أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه:
أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود الواقف فيباع ويشترى بثمنه
ما يقوم مقامه . وإذا خرب ولم تمكن عمارته فتباع العرصة ، ويشترى بثمنها
ما يقوم مقامها: فهذا كله جائر ؛ فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصودقام بدله مقامه.
والثانى الإبدال لمصلحة راجحة : مثل أن يبدل المهدي بخير منه ، ومثل
المسجد إذا بني بدله مسجدآخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول: فهذاونحوه
جائز عند أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب-رضى [ اللّه]
عنه - نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر؛ وصار الأول سوقا للتمارين
فهذا إبدال لعرصة المسجد .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٢٥٢

وأما إبدال بنائه ببناء آخر ؛ فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبى صلى الله عليه وسلم
بناء غير بنائه الاول وزادا فيه ؛ وكذلك المسجد الحرام فقد ثبت فى الصحيحين
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «لو لا أن قومك حديثو عهد جاهلية
لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض؛ ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه،
وبابا يخرج الناس منه. فلولا المعارض الراجح لكان النبى صلى الله عليه وسلم يغير بناء
الكعبة . فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة.
وأما إبدال العرصة بعرصة أخرى : فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه
اتباعا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث فعل ذلك عمر ، واشتهرت
القضية ، ولم تنكر .
وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه: مثل أن يقف دارا ، أو حانوتا ،
أو بستانا، أو قرية يكون مغلها قليلا، فيبدلها بماهو أنفع للوقف : فقد أجاز
ذلك أبو ثور وغيره من العلماء : مثل أبى عبيد بن حرمويه، قاضى مصر، وحكم
بذلك. وهو قياس قول أحمد فى تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة؛
بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة بحيث يصير المسجد سوقا
فلأن يجوز إبدال المستغل بمستغل آخر أولى وأحرى. وهو قياس قوله فى
إبدال الهدى بخير منه. وقد نص على أن المسجد اللاصق بأرض إذا رفعوه وبنوا
بحته سقابة ، واختار ذلك الجيران : فعل ذلك. لكن من أصحابه من منع إبدال
المسجد والهدي والأرض الموقوفة، وهو قول الشافعى وغيره ؛ لكن النصوص
والآثار والقياس تقتضى جواز الإبدال للمصلحة . والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٥٣

وسئل رحمه الله تعالى
عمن أوقف وقفا على الفقراء. وهو من كروم يحصل لأصحابها ضرر به.
فهل يجوز أن يرجع فيه ويقف غيره؟ وهل إذا فعل يكون الاثنان وقفا؟
فأجاب إذا كان فى ذلك ضرر على الجيران جاز أن يناقل عنه ما يقوم مقامه،
ويعود الأول ملكا، والثانى وقفا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى مسجد
الكوفة لما جعل مكانه مسجداً صار الأول سوقا للتمارين .
وسئل
عن حوض سبيل، وعليه وقف اسطبل ، وقد باعه الناظر ، ولم يشتر بثمنه
شيئاً من مدة ست سنين . فهل يجوز ذلك ؟
فأجاب: الحمد لله . أمابيعه بغير استبدال لما يقوم مقامه فلاريب أنه لا يجوز.
وأما إذا باعه لتعطل نفعه واشترى بالثمن ما يقوم مقامه فهذا يجوز على الصحيح
فى قولي العلماء، وإن استبدل به خيراً منه مع وجود نفعه ففيه نزاع. والله أعلم.
٢٥٤

وسئل رحمه اللّه
عن قرية بها عدة مساجد ، بعضها قد خرب لاتقام الصلاة إلا فى واحد
منها ، ولها وقف عليها كلها : فهل تجب عمارة الحرب، وإقامة الجماعة فى مسجد
ثان؟ وهل يحل إغلاقها ؟
فأجاب: نعم! تجب عمارة المسجد إلى إقامة الصلاة فيه . وكذلك ترتيب
إمام فى مسجدآخر يجب أن يفعل عند المصلحة والحاجة ؛ ولا يحل إغلاق
المساجد عما شرعت له . وأما عند قلة أهل البقعة واكتفائهم بمسجد واحد مثل
أن يكونوا حوله فلا يجب تفريق شملهم فى غير مسجدم .
وسئل أيضاً
عن وقف على جماعة توفي بعضهم ، وله شقيق ، وولد، وللعلماء فى ذلك
خلاف مستفيض فى مثله : هل يخص الولد أم الأخ؟ فشهد قوم أنه يخص الولد
دون الأخ بمقتضى شرط الواقف ، مع عدم تحقيقهم الحد الموقوف ؛ بحيث إنهم
غيروا بعض الحدود عما هى عليه: فهل يجوز لهم ذلك؟ وهل للحاكم أن يحكم
٢٥٥

بشهادتهم هذه من غير استفصال؟ وما الحكم فى مجموع السؤال؟ أفتونا مفصلا
مأجورين . إن شاء الله تعالى
فأجاب الحمد لله . الشهادة فى الوقف بالاستحقاق غير مقبولة ، وكذلك فى
الإرث من الأمور الاجتهادية، كطهارة الماء ونجاسته، ولكن الشاهد يشهد
بما يعلمه من الشروط ؛ ثم الحاكم يحكم فى الشرط بموجب اجتهاده. والله أعلم.
عن وقف على رجل ؛ ثم على أولاده فاقتسمه الفلاحون ، ثم تناقل
بعضهم حصته إلى جانب حصة شريكه فهل تنفسخ القسمة والمناقلة ؟
فأجاب : لا تصح قسمة رقبة الوقف الموقوف على جهة واحدة ؛ لكن
تصح قسمة المنافع، وهى ((المهاياة)). وإذا كانت مطلقة لم تكن لازمة؛ لاسما
إذا تغير الموقوف فتجوز بغير هذه المهايأة .
وسئل
عن بيعة بقرية ، ولها وقف ، وانقرض النصارى بتلك القرية، وأسلم من
بقي منهم . فهل يجوز أن يتخذ مسجداً ؟
فأجاب: نعم ! إذا لم يبق من أهل الذمة الذين استحقوا تلك أحد جاز أن
يتخذ مسجداً ؛ لاسما إن كانت بير الشام، فإنه فتح عنوة
٢٥٦

وسئل رحمه اللّه
عن مسجد مجاور كنيسة مغلقة خراب ، سقط بعض جدرانها على باب
المسجد، وعلى رحابه التى يتوصل منها ، وزال بعض الجدار الذى انهدم ، وسقط
على جدار المسجد ، ويخاف على المسلمين من وقعها ، ومن يصلي بالمسجد ؟ وإذا
آلت كلها للخراب هل تهدم؟
فأجاب: نعم إذا خيف تضرر المسجد وإيذاء المصلين فيه وجب إزالة
ما يخاف من الضرر على المسجد وأهله . وإذا لم يزل إلا بالهدم هدمت ؛ بل قد
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لاقبلتان بأرض، ولا جزية على
مسلم)) وإذا كانت هذه فى أرض فتحت عنوة وجب أن تزال، ولا تترك
مجاورة . والله أعلم.
وسئل رحمه الله
عن مسجد ليس له وقف ، وبجواره ساحة : هل يجوز أن تعمل سكناً
للإمام ؟ أفتونا ؟
فأجاب : يجوز ذلك والحالة هذه ؛ فإن الساحة ليست من المسجد ؛
كما ذكر . والله أعلم .
٢٥٧

وسئل رحمه اللّه
عمن هو فى مسجد ياكل وقفه. ولا يقوم بمصالحه. وللواقف أولاد
ء
محتاجون: فهل لهم تغييره، وإقامة غيره ، وأخذ الفائض عن مصلحة المسجد ؟
فأجاب : الحمد لله . إذا لم يقم بالواجب فإنه يغيره من له ولاية ذلك لمن
يقوم بالواجب إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب. وأما الفاضل عن مصلحة
المسجد فيجوز صرفه فى مساجد أخر ، وفى المستحقين للصدقة من أقارب
الواقف وجيران المسجد .
وسئل رحمه الله
هل يجوز أن يبنى خارج المسجد من ريع الوقف مسكنا ليأوي فيه أهل
المسجد الذين يقومون بمصالحه ؟
فأجاب : نعم . يجوز لهم أن يبنوا خارج المسجد من المساكن ما كان
مصلحة لأهل الاستحقاق لربع الوقف القائمين بمصلحته .
٢٥٨

وسئل رحمه اللّه
عن مسجد أعلاه طبقة ، وهو عتيق البناء ، وأن الطبقة لم يسكنها أحد
ولم ينتفع بها لكونها ساقطة ، وأنها ضرر على المسجد لثقلها عليه تخربه،
ولا له شيء يعمر منه : فهل يجوز نقض الطبقة التى أعلاه ، أو يغلق ذلك
المسجد ؟
فأجاب : إذا كان نقض الطبقة مصلحة للمسجد فتنقض ، وتصرف
الأنقاض فى مصالح المسجد ، وإن أمكن أن يشترى بها ما يوقف عليه
أو يصرف فى عمارته أو عمارة وقفه : فعل ذلك .
وسئل
عن رجل استأجر أرضا موقوفة ، وبنى عليها ما أراد ؛ ثم أوقف ذلك البناء
وشرط أن يعطى الأجرة الموقوفة من ربع وقفه عليها ، وحكم الحاكم بصحة
الوقف على الشروط المذكورة فى الوقف . فهل يجوز نقض ذلك أم لا ؟ وإذا
أراد الواقف نقض الوقف بعد ثبوته ليدخل فيه عدداً آخر بوقف ثان : هل
يجوز ذلك ؟
فأجاب: إذا حكم الحاكم بصحة الوقف لم يجز فيه تغييره ولا تبديل شروطه .
٢٥٩

وسئل
عن وقف على الفقراء والمسا كين، وفيه أشجار زيتون وغيره يحمل
بعض السنين بشر قليل ؛ فإذا قطعت وبيعت يشترى بثمنها ملك يغل بأ كثر
منها : فهل للناظر ذلك ؟ وهل إذا طالبه بعض المستحقين للوقف يقطع الشجر
ويبيعه ويقسم منه عليهم فهل لهم ذلك؟ أم شراءالملك ؟ وإذا تولى شخص فوجد
من تقدمه غير شرط الواقف ، فجهد فى عمل شرط الواقف : فهل له أن يأخذماجرت
به العادة من الجامكية ؛ بكونه لم يقدر أن يعمل بما شرطه الواقف، وهذا
الناظر فقير لامال له : فهل له أن يأخذ من نسبة الفقراء، ويكون نظره تبرعا
بينوالنا ذلك؟
فأجاب الحمد لله . نعم. يجوز بيع تلك الأشجار، وأن يشترى بها
ما يكون مغله أكثر ؛ فإن الشجر كالبناء ، والناظر أن يغير صورة الوقف من
صورة إلى صورة أصلح منها ، كما غير الخلفاء الراشدون صورة المسجدين اللذين
بالحرمين الشريفين ، وكما نقل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة من موضع
إلى موضع ، وأمثال ذلك . ولا يقسم ثمن الشجر بين الموجودين ؛ لأن الشجر
كالبناء لا يختص بثمنه الموجودون ؛ وليس هو بمنزلة الشجر والزرع والمنافع
التى يختص كل أهل طبقة بما يؤخذ فى زمنها منها
٢٦٠