Indexed OCR Text

Pages 221-240

وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كان أكثر فهو أحب
إلى الله تعالى)) رواه أبو داود وغيره.
وهذا مع أنه يجوز بناء مسجد آخر إذا كثر الناس وإن كان
قريبا ، مع منعه لبناء مسجد ضراراً . قال أحمد فى رواية صالح : لا يبنى
مسجد يراد به الضرار لمسجد إلى جانبه ؛ فإن كثر الناس فلا بأس أن يبنى
وإن قرب . فمع تجويزه بناء مسجد آخر عند كثرة الناس وإن قرب
أجاز تحويل المسجد إذا ضاق بأهله إلى أوسع منه ؛ لأن ذلك أصلح
وأنفع ؛ لا لأجل الضرورة ؛ ولأن الخلفاء الراشدين : عمر ، وعثمان
- رضى الله عنهما - غيرا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمر عمر بن
الخطاب بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر ، وصار الأول سوق التمارين ،
للمصلحة الراجحة ؛ لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد ؛ فإنه لم يتعطل
نفعها ؛ بل مازال باقياً . وكذلك خلفاء المسلمين بعدم : كالوليد ،
والمنصور ، والمهدي : فعلوا مثل ذلك بمسجدي الحرمين ، وفعل ذلك الوليد
بمسجد دمشق وغيرها ، مع مشورة العلماء فى ذلك وإقرارهم ، حتى أفتى
مالك وغيره بأن يشترى الوقف المجاور للمسجد ويعوض أهله عنه . نجوزوا
بيع الوقف والتعويض عنه لمصلحة المسجد ؛ لا لمصلحة أهله . فإذا بيع وعوض
عنه لمصلحة أهله كان أولى بالجواز .
وقول القائل : لو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه
٢٢١

الحاجة لجاز تخريب المسجد ، وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجد فى
موضع آخر. قيل نقول بموجب ذلك ، وهذا هو الذى ذكره أحمد، ورواه
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وعليه بنى مذهبه . فإن عمر بن الخطاب
خرب المسجد الأول - مسجد الجامع الذى كان لأهل الكوفة - وجعل
بدله مسجداً فى موضع آخر من المدينة ، وصار موضع المسجد الأول سوق
التمارين .
فهذه الصورة التى جعلوها نقضا فى المعارضة وأصلا فى قياسهم هى
الصورة التى نقلها أحمد وغيره عن الصحابة، وبها احتج هو وأصحابه على
من خالفهم ، وقال أصحاب أحمد : هذا يقتضى إجماع الصحابة رضى الله عنهم
عليها . فقالوا - وهذا لفظ ابن عقيل فى المفردات فى مسئلة إبدال المسجد -
وأيضا روى يزيد بن هرون، قال : ثنا المسعودى ، عن القاسم، قال : لما
قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر ،
واتخذ مسجداً عند أصحاب التمر ، فنقب بيت المال ، وأخذ الرجل الذى نقبه ،
فكتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكتب عمر : لا تقطع الرجل ،
وانقل المسجد ، واجعل بيت المال فى قبلة المسجد ؛ فإنه لن يزال فى
المسجد مصل . فنقله عبد الله، خط له هذه الخطة . قال أحمد : يقال إن بيت
المال تقب فى مسجد الكوفة ، فول عبد الله المسجد، وموضع التمارين اليوم
فى موضع المسجد العتيق. قال ابن عقيل : وهذا كان مع توفر الصحابة : فهو
:
٢٢٢

كالإجماع؛ إذ لم ينكر أحد ذلك، مع كونهم لا يسكتون عن إنكار
ما يعدونه خطأ ؛ لأنهم أنكروا على عمر النهي عن المغالاة فى الصدقات ،
حتى ردت عليه امرأة، وردوه عن أن يحد الحامل، فقالوا: إن جعل الله لك
على ظهرها سبيلا فما جعل لك على مافى بطنها سبيلا. وأنكروا على عثمان فى
إتمام الصلاة فى الحج، حتى قال: إنى دخلت بلداً فيه أهلي . وعارضوا عليا حين
رأى بيع أمهات الأولاد. فلو كان نقل المسجد منكراً لكان أحق بالإنكار؛
لأنه أمر ظاهر فيه شناعة .
واحتج أيضاً بما روى أبو حفص فى المناسك عن عائشة - رضى الله
عنها - أنه قيل لها: يا أم المؤمنين! إن كسوة الكعبة قد يداول عليها ؟
فقالت : تباع ، ويجعل ثمنها فى سبيل الخير. فأمرت عائشة يبيع كسوة الكعبة
مع أنها وقف ، وصرف ثمنها فى سبيل الخير . لأن ذلك أصلح للمسلمين :
وهكذا قال من رجح قول ابن حامد فى وقف الاستغلال كأبى محمد : قال :
وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية ؛ لكن قلت ، أو كان غيره أنفع منه
وأكثر رداً على أهل الوقف لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع ؛ وإنما
أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع ، مع إمكان تحصيله ،
ومع الانتفاع به . وإن قلنا يضيع المقصود. اللهم إلا أن يبلغ من قلة النفع
إلى حد لا يعد نفعا ، فيكون وجود ذلك كالعدم .
فيقال : ما ذكروه ممنوع. ولم يذكروا عليه دليلا شرعيا ولا مذهبيا،
٢٢٣

٢
وإن ذكروا شيئا من مفهوم كلام أحمد أو منطوقه : فنايته أن يكون
رواية عنه قد عارضها رواية أخرى عنه هى أشبه بنصوصه وأصوله ، وإذا
ثبت فى نصوصه وأصوله جواز إبدال المسجد للمصلحة الراجحة فغيره أولى .
وقد نص على جواز بيع غيره أيضا للمصلحة ؛ لاللضرورة، كما سنذكره
إن شاء الله تعالى .
وأيضا فيقال لهم: لاضرورة إلى بيع الوقف ؛ وإنما يباع للمصلحة الراجحة
ولحاجة الموقوف عليهم إلى كمال المنفعة ؛ لا لضرورة تبيح المحظورات ؛ فإنه
يجوز بيعه لكمال المنفعة وإن لم يكونوا مضطرين ، ولو كان بيعه لا يجوز -
- لأنه حرام - لم يجز بيعه لضرورة ولا غيرها، كما لم يجزبيع الحر المعتق ولو
اضطر سيده المعتق إلى ثمنه؛ وغايته أن يتعطل نفعه فيكون كما لو كان
حيوانا فمات .
ثم يقال لهم : بيعه فى عامة المواضع لم يكن إلا مع قلة نفعه؛ لا مع تعطل
نفعه بالكلية ؛ فإنه لو تعطل نفعه بالكلية لم ينتفع به أحد؛ لاالمشترى،
ولا غيره. وبيع مالا منفعة فيه لا يجوز أيضا . فغايته أن يخرب ويصير
عرصة، وهذه يمكن الانتفاع بها بالإجارة بأن تكرى لمن يعمرها . وهو
الذى يسميه الناس ((الحكر)) ويمكن أيضا أن يستسلف ما يعمر به ويوفى
من كرى الوقف. وهذا على وجهين .
أحدهما : أن يتبرع متبرع بالقرض؛ ولكن هذا لا يعتمد عليه
٢٢٤

والثانى أن يؤجر إجارة غير موصوفة فى الذمة ، وتؤخذ الأجرة فيعمر
بها؛ ليستوفى المستأجر المقابلة للأجرة. وهذان طريقان يكونان للناس إذا
خرب الوقف: تارة يؤجرون الأرض وتبقى حكرا . وتارة يستسلفون من
الأجرة ما يعمرون به، وتكون تلك الأجرة أقل منها لو لم تكن سلفا . وعامة
ما يخرب من الوقف يمكن فيه هذا .
ومع هذا فقد جوزوا بيعه والتعويض بثمنه ؛ لأن ذلك أصلح لأهل
الوقف ؛ لا للضرورة ، ولا لتعطل الانتفاع بالكلية ؛ فإن هذا لا يكاد ينفع
ومالا ينتفع به لا يشتريه أحد ؛ لكن قد يتعذر ألا يحصل مستأجر، ويحصل
مشتر ؛ ولكن جواز بيع الوقف إذا خرب ليس مشروطا بألا يوجد مستأجر
بل يباع ويعوض عنه إذا كان ذلك أصلح من الإيجار ؛ فإنه إذا أكريت
الأرض مجردة كان كراؤها قليلا. وكذلك إذا استسلفت الأجرة للعمارة قلت
المنفعة ، فإنهم لا ينتفعون بها مدة استيفاء المنفعة المقابلة لما عمر به؛ وإنما ينتفعون
بها بعد ذلك ؛ ولكن الأجرة المسلفة تكون قليلة ، ففى هذا قلت
منفعة الوقف .
فتبين أن المسوغ للبيع والتعويض نقص المنفعة ؛ لكون العوض أصلح
وأنفع ؛ ليس المسوغ تعطيل النفع بالكلية . ولو قدر التعطيل لم يكن ذلك
من الضرورات التى تبيح المحرمات، وكلما جوز للحاجة لا للضرورة كتحلي
النساء بالذهب والحرير ، والتداوى بالذهب والحرير، فإنما أبيح لكمال
٢٢٥

الانتفاع ؛ لا لأجل الضرورة التى تبيح الميتة ونحوها ؛ وإنما الحاجة فى هذا
تكميل الانتفاع ؛ فإن المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها . فهذه
هى الحاجة فى مثل هذا . وأما الضرورة التى يحصل بعدمها حصول موت أو
مرض أو العجز عن الواجبات كالضرورة المعتبرة فى أكل الميتة فتلك
الضرورة المعتبرة فى أكل الميتة لا تعتبر فى مثل هذا . والله أعلم.
ولهذا جوز طائفة من الأصحاب هذا الموضع؛ بينوا أنه عند التعطيل
بالكلية ينتهى الوقف؛ وإنما الكلام إذا بقي منه ما ينتفع به . ومن هؤلاء أبو
عبد الله بن تيمية قال فى ((ترغيب القاصد)): الحكم الخامس إذا تعطل الوقف
فله أحوال
أحدها أن ينعدم بالكلية ؛ كالفرس إذا مات ، فقد انتهت الوقفية .
الثانية : أن يبقى منه بقية متمولة: كالشجرة إذا عطبت ، والفرس إذا
أعجف ، والمسجد إذا خرب ، فإن ذلك يباع ويصرف فى تحصيل مثله ، أو فى
شقيص من مثله .
الثالثة حصر المسجد إذا بليت ، وجذوعه إذا تكسرت وتحطمت ، فإنه
يباع ويصرف فى مصالح المسجد، وكذلك إذا أشرفت جذوعه على التكسير
أو داره على الانهدام، وعلم أنه لو أخر لخرج عن أن ينتفع به فإنه يباع .
٢٢٦

قال أحمد رحمه الله تعالى فى رواية أبى داود: إذا كان فى المسجد خشبات
لها قيمة ، وقد تشعثت جاز بيعها وصرف ثمنها عليه.
الرابعة إذا خرب المسجد، وآلته تصلح لمسجد آخر يحتاج إلى مثلها
فإنها تحول إليه وأما الأرض فتباع ، هذا إذا لم يمكن عمارته بثمن بعض آلته
وإلا بيع ذلك وعمر به. نص عليه .
الخامسة إذا ضاق المسجد بأهله ، أو تفرق الناس عنه ، لخراب المحلة ، فإنه
يباع ويصرف ثمنه فى إنشاء مسجد آخر ؛ أو فى شقص فى مسجد .
فقد بين من قال هذا: أنه لا يمكن بيعه مع تعطل المنفعة بالكلية ؛ بل إذا
أبقى منه ما ينتفع به، وحينئذ فالمقصود التعويض عنه بما هو أنفع لأهل الوقف
منه؛ ولم يشترط أحد من الأصحاب تعذر إجارة العرصة ، مع العلم بأنه فى غالب
الأحوال يمكن إجارة العرصة ؛ لكن يحصل لأهل الوقف منها أقل مما كان
يحصل لو كان معمورا، وإذا بيعت فقد يشترى بثمنها ما تكون أجرته أنفع
لهم ؛ لأن العرصة يشتريها من يعمرها لنفسه فينتفع بها ملكا، ويرغب فيها لذلك
ويشترى بثمنها ما تكون غلته أنفع من غلة العرصة. فهذا محل الجواز الذى اتفق
الأصحاب عليه. وحقيقته تعود إلى أنهم عوضوا أهل الوقف عنه بما هو أنفع
لهم منه
٢٢٧

فإن قيل: فلفظ الخرقي: وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع واشتري
بشمنه ما يرد على أهل الوقف. قيل: هذا اللفظ إما أن يرادبه أنه لم يرد شيئا مما كان
يرده لما كان معمورا : مثل دور، وحوانيت خربت ؛ فإنها لو تشعثت ردت
بعض ما كانت ترده مع كمال العمارة؛ بخلاف ما إذا خربت بالكلية فإنها
لا ترد شيئا من ذلك. وإما أن يراد به: لا ترد شيئا . لتعطيل نفعه من
جميع الوجوه . فإن كان مراده هو الأول وهو الظاهر الذى
يليق أن يحمل عليه كلامه - فهو مطابق لما قلناه ؛ ولهذا قال بيع .
ولو تعطل نفعه من كل الجهات لم يجز بيعه . وإن كان مراده أنه
تعطل على أهل الوقف انتفاعهم به من كل وجه ؛ لتعذر إجارة العرصة مع
إمكان انتفاع غيرهم بها ؛ كما قال أحمد فى العبد ؛ فإن أراد هذه الصورة كان
منطوق كلامه موافقا لما تقدم؛ ولكن مفهومه يقتضي أنه إذا أمكن أهل
الوقف أن يؤجروه بأقل أجرة لم يجز بيعه . وهذا غايته أن يكون قولا فى
المذهب؛ لكن نصوص أحمد تخالف ذلك فى بيع المسجد والفرس الجيس(١)
وغيرهما ؛ كما قد ذكر المسجد. وأما الفرس الجيس (٢) إذا عطب فإن الذى يشتريه
قد يشتريه لير كبه أو يديره فى الرحى، ويمكن أهل الجهاد أن ينتفعوا به فى مثل
ذلك: مثل الحمل عليه ، واستعماله فى الرحى وإجارته وانتفاعهم بأجرته؛ ولكن
المنفعة المقصودة لحبسه وهى الجهاد عليه تعطلت ، ولم يتعطل انتفاعهم به
بكل وجه .
(١) (٢) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب (الحبيس)
٢٢٨

فصل
وإذا كان يجوز فى ظاهر مذهبه فى المسجد الموقوف الذى يوقف للانتفاع
بعينه ، وعينه محترمة شرعاً: يجوز أن يبدل به غيره للمصلحة - لكون
البدل أنفع وأصلح ؛ وإن لم تتعطل منفعته بالكلية ، ويعود الأول طلقا ؛
مع أنه مع تعطل نفعه بالكلية : هل يجوز بيعه؟ عنه فيه روايتان - فلأن
يجوز الإبدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى ؛ فإنه
عنده يجوز بيع ما يوقف للاستغلال للحاجة قولا واحدا ، وفى بيع المسجد
للحاجة روايتان .
فإذا جوز على ظاهر مذهبه أن يجعل المسجد الأول طلقا ، ويوقف مسجد
بدله للمصلحة ، وإن لم تتعطل منفعة الأول : فلأن يجوز أن يجعل الموقوف
للاستغلال طلقا ويوقف بدله أصلح منه وإن لم تتعطل منفعة الأول أحرى ؛
فإن بيع الوقف المستغل أولى من بيع المسجد، وإبداله أولى من إبدال المسجد
لأن المسجد محترم عينه شرعً ويقصد الانتفاع بعينه: فلايجوز إجارته
ولا المعاوضة عن منفعته ؛ بخلاف وقف الاستغلال ؛ فإنه يجوز إجارته
والمعاوضة عن نفعه ؛ وليس المقصود أن يستوفى الموقوف عليه منفعته بنفسه كما
يقصد مثل ذلك فى المسجد، ولا له حرمة شرعية لحق الله تعالى كما للمسجد .
٢٢٩

وأيضا فالوقف لله فيه شبه من التحرير ، وشبه من التمليك ، وهو أشبه
بأم الولد عند من يمنع نقل الملك فيها ؛ فإن الوقف من جهة كونه لا يبيعه
أحد علك ثمنه ، ولايهبه ، ولا يورث عنه : يشبه التحرير ، والإعتاق .
ومن جهة أنه يقبل المعارضة بأن يأخذ عوضه فيشترى به ما يقوم مقامه : يشبه
التمليك ؛ فإنه إذا أتلف ضمن بالبدل واشترى بثمنه ما يقوم مقامه عند عامة العلماء،
بخلاف المعتق ؛ فإِنه صار حراً لا يقبل المعاوضة . فالبيع الثابت فى الطلق
لا يثبت فى الوقف محال، وهو أن يبيعه المالك، أو وليه أو وكيله، ويملك
عوضه: من غير بدل يقوم مقامه . وهذا هو البيع الذى تقرن به الهبة
والإرث، كما قال عمر بن الخطاب فى وقفه : لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث .
ويشبه هذا أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضى الله عنهما -
جعلا الأرض المفتوحة عنوة فيئا للمسلمين : كأرض السواد وغيرها، ولم يقسما
شيئا ممافتح عنوة. و [لما] كانوا يمنعون من شرائها ؛ لئلا يقر المسلم بالصغار -
فإن الخراج كالجزية أو يبطل حق المسلمين - ظن بعض العلماء أنهم منعوا
بيعها لكونها وقفاً ، والوقف لا يباع وزعموا أن ذلك يوجب أن مكة لاتباع
لكونها فتحت عنوة . وهذا غلط ؛ فإن أرض الخراج المفتوحة عنوة المجعولة
فيئاً توهب وتورث ؛ فإنها تنتقل عمن هى بيده إلى وارثه ، ويهها . وهذا
ممتنع فى الوقف. وإذا بيعت لمن يقوم فيها مقام البائع ، ولم يغير شيئا : فهذه
المسألة تعلقت الأحكام الشرعية بأعيانها ، وماسواها تعلقت بجنسه ؛ لا بعينه
فيؤدى خراجها ، فلم يكن فى ذلك ضرر على مستحقها ، ولا زال حقهم عنها
٢٣٠

والوقف إنمامنع بيعه لئلا يبطل حق مستحقيه . وهذه يجوز فها إبدال شخص
بشخص بالاتفاق ، فسواء كان بطريق المعاوضة ، أو غيرها .
والمقصود هنا : أن الوقف فيه شوب التحرير والمليك؛ ولهذا اختلف الفقهاء فى
الوقف على المعين: هل يفتقر إلى قبوله ، كالهبة ؛ أو لا يفتقر إلى قبوله كالعتق ؟
على قولين مشهورين ؛ بخلاف الوقف على جهة عامة كالمساجد . والوقف على
المعين أقرب إلى التمليك من وقف المساجد ونحوها مما يوقف على جهه عامة ؛
ووقف المساجد أشبه بالتحرير من غيرها ؛ فإنها خالصة لله عز وجل ، كما قال
تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقال تعالى: (مَاكَانَ
لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِهُمْ خَلِّدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَاَلْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ
اَلْمُهْتَدِينَ ) والمساجد بيوت الله، كما أن العتيق صار حراً أى خالصاً لله.
((والتحرير)» التخليص من الرق، ومنه الطين الحر، وهو الخالص. فالعتق
تخليص العبد لله .
ولهذا منع الشارع أن يجعل بعض مملو كه حراً وبعضه رقيقاً. وقال: ((ليس
لله شريك)) فإذا أعتق بعضه عتق جميعه ، وفى الصحيحين عن ابن عمر عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق شركا له فى عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد
ء
قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد)) وكذلك
٢٣١

فى الصحيحين مثله من حديث أبى هريرة. فأوجب تكميل عتقه ؛ وإن كان
ملكا لغيره، وألزم المعتق بأن يعطى شركاءه حصصهم من الثمن؛ لتكميل عنق
العبد لئلا يكون لله شريك .
ومذهب الأئمة الأربعة وسائر الأمة وجوب تكميل العتق ؛ لكن
الجمهور يقولون : إذا كان موسرا ألزم بالعوض، كما فى حديث ابن عمر وأبي
هريرة؛ وإن كان معسراً: فمنهم من قال بالسعاية : بأن يستسمى العبد، وهو
مذهب أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين : اختارها أبو الخطاب . ومنهم
من لا يقول بها ، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى،
واختارها أكثر أصحابه .
والمقصود أن المساجدأ بلغ الموقوفات تحريرا وشها بالعتق ، وليس لأحد
أن يعتاض عن منفعتها كما يجوز ذلك فى غيرها ، كما أنه لا يملك أحد أعتق
عبداً منافعه. ومع هذا فأحمد اتبع الصحابة فى جواز إبدال المسجد بمسجد آخر
وجعل المسجد الأول سوقا . وجوز إبدال الهدي والأضحية بخير منها مع أنها
أيضا لله تعالى يجب ذبحها الله : فلأن يجوز الإبدال فى غيرها وهو أقرب إلى
التمليك أولى ؛ فإن حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل مالا يقبلها
حقوق الله تعالى ، ولا تمنع المعاوضة فى حق الآدمى إلا أن يكون فى ذلك
ظلم لغيره، أو يكون فى ذلك حق لله، أو يكون من حقوق الله ؛ فإنه
ـلوات والحج بعمل آخر ؛ ولا القبلة
لا يجوز إبدال الصـ
٢٣٢

بقبلة أخرى ، ولا شهر رمضان بشهر آخر ، ولاوقت الحج ومكانه بوقت
آخر ومكان آخر ؛ بل أهل الجاهلية لما ابتدعوا النسىء الذى يتضمن إبدال
وقت الحج بوقت آخر قال الله تعالى: (إِنَّمَا الشَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ, عَامًا لِيُوَاِتُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ
مَا حَزَّمَ اللَّهُ)
والمساجد الثلاثة التى بنتها الأنبياء - عليهم السلام - وشرع للناس السفر
إليها ، ووجب السفر إليها بالنذر: لا يجوز إبدال عرصتها بغيرها؛ بل يجوز
الزيادة فيها ، وإبدال التأليف والبناء بغيره، كما دلت عليه السنة، وإجماع
الصحابة؛ بخلاف غيرها فإنه لا يتعين للنذر، ولا يسافر إليه: فيجوز إبداله للمصلحة
كما تقدم. والله أعلم .
ومما يبين ذلك أن الوقف على معين قد تنازع العلماء فيه هل هو ملك
للموقوف عليه؟ أو هو باق على ملك الواقف؟ أو هو ملك لله تعالى؟ على ثلاثة
أقوال معروفة فى مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما، وأكثر أصحاب أحمد
يختارون أنه ملك للموقوف عليه كالقاضى، وابن عقيل. وأما المسجد ونحوه
فليس ملكًا لمعين باتفاق المسلمين؛ وإنما يقال : هو ملك لله. وقد يقال : هو
ملك لجماعة المسلمين. لأنهم المستحقون للانتفاع به ، فإذا جاز إبدال هذا بخير
منه للمصلحة فالأول أولى؛ إما بأن يعوض عنها بالبدل؛ وإما أن تباع ويشترى
بثمنها البدل. والإبدال كما تقدم يبدل بجنسه بما هو أنفع للموقوف عليه.
٢٣٣

فصل
قد نص أحمد على أبلغ من ذلك - وهو وقف ما لا ينتفع به إلا مع إبدال
عينه - فقال أبو بكر عبدالعزيز فى ((الشافى)): نقل الميموني عن أحمد : أن
الدراهم إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة ، وإذا كانت على المساكين
فليس فيها صدقة . قلت : رجل وقف ألف درم فى السبيل ؟ قال : إن كانت
للمساكين فليس فيها شىء. قلت: فإن وقفها فى الكراع والسلاح؟ قال: هذه
مسألة لبس واشتباه. قال أبو البركات : وظاهر هذا جواز وقف الأثمان لغرض
القرض ، أو التنمية ، والتصدق بالربح ، كما قد حكينا عن مالك والأنصارى .
قال: ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض. ذكره صاحب ((التهذيب))
وغيره فى الزكاة ، وأوجبوا فيها الزكاة كقولهم فى الماشية الموقوفة على الفقراء.
وقال محمد بن عبدالله الأنصارى: يجوز وقف الدنانير ؛ لأنه لا ينتفع بها
إلا باستهلاك عينها، وتدفع مضاربة، ويصرف ربحها فى مصرف الوقف
ومعلوم أن القرض والقراض يذهب عينه ويقوم بدله مقامه ، وجعل
المبدل به قائماً مقامه لمصلحة الوقف ، وإن لم تكن الحاجة ضرورة الوقف لذلك .
وهذه المسئلة فيها نزاع فى مذهبه، فكثير من أصحابه منعوا وقف الدرام
والدنانير ؛ لما ذكره الحرقى ومن اتبعه، ولم يذكروا عن أحمد نصاً بذلك،
ولم ينقله القاضى وغيره إلا عن الخرقي وغيره .
٢٣٤

وقد تأول القاضى رواية الميمونى ، فقال: ولا يصح وقف الدرام والدنانير
على ما نقل الخرقى. قال : قال أحمد فى رواية : الميمونى إذا وقف ألف درهم فى
سبيل الله وللمسا كين فلاز كاةفيها، وإن وقفها فى الكراع والسلاح فهي مسألة لبس.
قال: ولم يرد بهذا وقف الدراهم ؛ وإنما أراد إذا أوصى بألف تنفق على أفراس فى
سبيل الله، فتوقف فى صحة هذه الوصية . قال أبوبكر : لأن نفقة الكراع
والسلاح على من وقفه ، فكأنه اشتبه عليه إلى أين تصرف هذه الدرام إذا كان
نفقة الكراع والسلاح على أصحابه .
والأول أصح؛ لأن المسئلة صريحة فى أنه وقف الألف ، لم يوص بها بعد
موته ؛ لأنه لووصى أن تنفق على خيل وقفها غيره جاز ذلك بلانزاع ؛ كما
لووصى بما ينفق على مسجد بناه غيره . وقول القائل: إن نفقة الكراع والسلاح
على من وقفه . ليس بمسلم فى ظاهر المذهب؛ بل إن شرط له الواقف نفقة
وإلا كان من بيت المال، كسائر ما يوقف للجهات العامة كالمساجد. وإذا تعذر
من ينفق عليه بيع، ولم يكن على الواقف الإنفاق عليه . وأحمد توقف فى
وجوب الزكاة؛ لا فى وقفها ؛ فإنه إنما سئل عن ذلك ؛ لأن مذهبه أن
الوقف إذا كان على جهة خاصة : كبنى فلان وجبت فيه الزكاة عنده فى عينه .
فلو وقف أربعين شاة على بنى فلان وجبت الزكاة فى عينها فى المنصوص عنه،
وهو مذهب مالك . قال فى رواية مهنا فيمن وقف أرضاً أو غنما فى سبيل الله:
لا زكاة عليه ، ولا عشر: هذا فى السبيل؛ إنما يكون ذلك إذا جعله فى قرابته
٢٣٥

ولهذا قال أصحابه: هذا يدل على ملك الموقوف عليه لرقبة الوقف. وجعلوا ذلك
إحدى الروايتين عنه. وفى مذهبه قول آخر: أنه لا زكاة فى عين الوقف ؛لقصور
ذلك. واختاره القاضى فى ((المجرد)» وابن عقيل، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي.
وأما ماوقفه على جهة عامة: كالجهاد، والفقراء، والمساكين، فلا زكاة فيه
فى مذهبه، ومذهب الشافعى. وأما مالك فيوجب فيه الزكاة . فتوقف أحمد فيما
وقف فى الكراع والسلاح؛ لأنفها اشتباها ؛ لأن الكراع والسلاح قد يعينه
لقوم بعينهم : إما لأولاده، أو غيرهم ؛ بخلاف ماهو عام لا يعتقبه التخصيص .
فصل
وقال فى رواية بكر بن محمد فيمن وصى بفرس وسرج ولجام مفضض: يوقف
فى سبيل الله حبيس، فهو على ماوقف وأوصى ، وإن بيع الفضة من السرج
واللجام وجعل في وقف مثله فهو أحب إلي؛ لأن الفضة لا ينتفع بها، ولعله يشترى
بتلك الفضة سرج ولجام، فيكون أنفع للمسلمين. فقيل له: تباع الفضة، وتصرف
فى نفقة الفرس؟ قال: لا. وهذا مما ذكره الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز
والقاضى وأبو محمد المقدسي وغيرهم. فقد صرح أحمد بأن الفرس واللجام المفضض
هو على ماوقف وأوصى ، وأنه إن بيعت الفضة من السرج واللجام وجعل فى
وقف مثله فهو أحب إليه. قال: لأن الفضة لا ينتفع بها، ولعله يشترى بتلك الفضة
سرج ولجام فيكون أنفع للمسلمين . غير بين إبقاء الحلية الموقوفة وقفا وبين
٢٣٦

أن تباع ويشترى بثمنها ماهو أنفع للمسلمين من سرج ولجام. وهذا يبين
أفضل الأمرين .
وقوله : لأن الفضة لا ينتفع بها . لم يرد به أنه لامنفعة بها بحال؛ فإن التحلى
منفعة مباحة، ويجوز استئجار من يصوغ الحلية المباحة، ولو أتلف متلف الصياغة
المباحة ضمن ذلك ، وقد نص أحمد على ذلك، ولو لم يكن منفعة لم يصح الاستئجار
عليها، ولا ضمنت بالإتلاف ؛ بل أراد نفي كمال المنفعة ، كما يقال هذا لا ينفع. يراد
أنه لا ينفع منفعة تامة . ويدل على ذلك قوله: ويشترى بثمنها ما هو أنفع
للمسلمين. فدل على أن كلاهما سائغ، والثانى أنفع؛ ولأنه لو لم تكن فيه منفعة
بحال لم يصح وقفه؛ فإن وقف مالا ينتفع به لا يجوز، وهذا يبين أن أفضل
الأمرين أن يباع الوقف، ويبدل بما هو أنفع منه للموقوف عليه، وأن ذلك
أفضل من إبقائه وقفا ؛ لأنه أصلح للموقوف عليه، ولم يوجب الإبدال.
وقوله : فهو على ماوقف، وأوصى. يقتضى أن هذا حكم ماوقفه وما وصى
بوقفه ؛ وإن كانت المسئلة التى سئل عنها هى فيمن وصى بوقفه، ومعلوم أنه يجب
اتباع شرطه فيما وصى بوقفه ؛ كما يجب فما وقفه ، كما يجب اتباع كلامه فيما وصى
بعتقه، كما يجب ذلك فما أعتقه ؛ وأنه لا يجوز أن يوقف ويعتق غير ما أوصى
بوقفه وعتقه ؛ كما لا يجوز أن يجعل الموقوف والمعتق غير ماوقفه وأعتقه. جواز
الإبدال فى أحدهما كجوازه فى الآخر . وقد علل استحبابه للإبدال بمجرد كون
البدل أنفع للمسلمين من الزينة.
٢٣٧

ونظير هذا إذا وقف ماهو مزين بنقوش ورخام وخشب وغير ذلك مما
يكون ثمنه من تفعاً لزيقته؛ فإنه يباع، ويشترى بثمنه ما هو أنفع لأهل الوقف.
فالاعتبار بما هو أنفع لأهل الوقف؛ وقد تكون تلك الفضةأنفع لمشتريها ، وهذا
لأن انتفاع المالك غير انتفاع أهل الوقف؛ ولهذا يباع الوقف الحرب لتعطل نفعه؟
ومعلوم أن مالا نفع فيه لا يجوز بيعه ؛ لكن تعطل نفعه على أهل الوقف ، ولم
يتعطل على المالك؛ لأن أهل الوقف مقصودهم الاستغلال أو السكنى . وهذا
يتعذر فى الخراب ، والمالك يشتريه فيعمره ماله .
وقد اختلف مذهب أحمد فى مثل هذه الحلية . على قولين، كلية الخوذة
والجوشن ، وحمائل السيف، ونحو ذلك من لباس الجهاد ؛ فإن لباس خيل الجهاد
كلباس المجاهدين. وهذه الرواية تدل على جواز تحلية لباس الخيل بالفضة: كالسرج
واللجام؛ فإنه جوز وقف ذلك. وجعل بيعه وصرف ثمنه فى وقف مثله أحب إليه؛
ولو لم يبح ذلك لم يخير بين هذا وهذا. وقال القاضى فى ((المجرد)) ظاهر هذا
أنه أبطل الوقف فى الفضة التى على اللجام والسرج ؛ لأن الانتفاع بذلك محرم ؛
وليس كذلك الحلي الذى استعماله مباح، وأجاز صرف ذلك فى جنس ماوقفه من
السروج واللجم ، ومنع من صرفه فى نفقة الفرس؛ لأنه ليس من جنس الوقف.
والقاضى بنى هذا على أن هذه الحلية محرمة. وأنه إذا وقف ما يحرم الانتفاع
به فإنه يباع ويشترى به ما يباح الانتفاع به. فيوقف على تلك الجهة. ومعلوم أنه
لو لا أن مقتضى عقد الوقف جواز الإبدال للمصلحة لم يجز هذا. كما أنه فى البيع
٢٣٨

والنكاح لما لم يكن مقتضى العقد جواز الإبدال لم يصح بيع ما لا يحل الانتفاع به.
ولا نكاح من يحرم وطؤها. وهذا يشبه مالو أهدى ما لا يجوزأن يكون هديا؛
فإنه يشترى بثمنه ما يكون هديا، وكذلك فى الأضحية.
وكلام أحمد يدل على الطريقة الأولى ؛ لاعلى الثانية . وهى طريقة أبى محمد
وغيره من أصحاب أحمد، قال أبو محمد: أباح أحمد أن يشترى بفضة السرج واللجام
سرجا ولجاما ؛ لأنه صرف لهما فى جنس ما كانت عليه ، حيث لم ينتفع بهما فيه.
فأشبه الفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به فى الجهاد جاز بيعه وصرف ثمنه فى
مثله . قال : ولم يجز إنفاقها على الفرس . لأنه صرف لها إلى غير جهتها .
وأبو محمد جعل ذلك منباب تعطل النفع بالكلية، كعطب الفرس، وخراب
الوقف؛ بناء على أصله ؛ فإنه لا يجوز بيعه إلا إذا تعطل نفعه بالكلية ، كما تقدم،
ويدل على أن وقف الحلية صحيح، وهو قول الحرقى والقاضى. وغيرهما. والقاضى
يجعل المذهب قولا واحداً فى صحة وقفه .
وأما أبو الخطاب وغيرهفيجعلون فى المسئلة خلافا ؛ بل ويذكرون النصوص
أنه لا يصح. بحسب ما بلغهم من نصه . قال القاضى : فإن وقف الحلي على الإعارة
واللبس؟ فقال فى رواية الأثرم، وحنبل: لا يصح، وأنكر الحديث الذى
يروى عن أم سلمة فى وقفه . قال القاضى : وظاهر ما نقله الخرقي جواز وقفه ؛
لأنه يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه. وقوله: لا يصح. يعنى لا يصح الحديث
٢٣٩

فيه ؛ ولم يقصد لا يصح الوقف فيه . وقال أبو الخطاب: وأما وقف الحلي على
الإعارة واللبس نجائز على ظاهر ما نقله الخرقي . ونقل عنه الأثرم وحنبل : أنه
لا يصح .
وتجويزه لوقف السرج واللجام المفضض يوافق ما ذكره الخرقي ؛
لكن إبداله بما هو أنفع لأهل الوقف أفضل عنده أن يشترى بالحلية
سرج ولجام .
فصل
ونصوص أحمد فى غير موضع واختيار جمهور أصحابه جواز إبدال
((الهدي، والأضحية)) بخير منها . قال أحمد فى رواية أبى طالب فى الرجل
يشترى الأضحية يسمنها للأضحى ؟ يبدلها بما هو خير منها؛ لا يبدلها بما هو
دونها . فقيل له : فإن أبدلها بما هو خير منها يبيعها ؟ قال نعم . قال القاضى :
وقد أطلق القول فى رواية صالح وابن منصور وعبد الله بجواز أن تبدل الأضحية
بما هو خير منها. قال: ورأيت فى مسائل الفضل بن زياد: إذا سماها لا يبيعها
إلا لمن يريد أن يضحي بها .
وهاتان الروايتان عنه كالروايتين عنه فى المسجد: هل يباع أو تنقل
آلته لخير منه ؟ كذلك هنا : منع فى إحدى الروايتين أن يأخذ عنها بدلا
٢٤٠