Indexed OCR Text

Pages 181-200

ذرية هؤلاء الأربعة إلا بنت إسماعيل بن أبى يعلى، وكلاهما من ذرية جهمة .
فهاتان الجهتان اللتان تليهما عيناشى بعد موت أبيها هل ينتقل إلى أختها رقية ؟
أو إليها ، أو إلى ابنة عمها صفية ؟
فأجاب : هذا النصيب الذى كان لعيناشى من أمها ينتقل إلى ابنتي العم
المذكورتين . ولا يجوز أن تخص به أختها لأبيها ، لأن الواقف ذكر :
أن من توفى من هؤلاء الإخوة الموقوف عليهم عن غير ولد ولا ولد ولد
ولا نسل ولا عقب عاد نصيبه وقفاً على إخوته ، ثم على أنسالهم وأعقابهم،
على الشرط والترتيب المقدم ذكرهما. وهذه العبارة تعم من انقطع نسله أولاً
وآخراً . فكل من انقطع نسله من هؤلاء الإخوة كان نصيبه لإخوته ،
ثم لأولادهم ؛ لأن الواقف لو لم يرد هذا لكان قد سكت عن بيان حكم
من أعقب أولاً ثم انقطع عقبه ولم يبين مصرف نصيبه . وذلك غير جائز ؛
لأنه إنما نقل الوقف إلى الأسرى والفقراء إذا لم يبق له ولا لموقوف عليهم
نسل ولا عقب . فتى أعقبوا - ولو واحداً منهم -- لم ينتقل إلى الأسرى
شيء ، ولا إلى الفقراء . وذلك يوجب أن ينتقل نصيب من انقطع نسله منهم
إلى الأخوة الباقين ، وهو المطلوب .
وأيضاً فإنه قسم حال المتوفى من الأربعة الموقوف عليهم إلى حالين :
إما أن يكون له ولد، أو نسل ، وعقب ، أولا يكون . فإن كان له
١٨١

انتقل نصيبه إلى الولد ، ثم إلى ولد الولد ، ثم إلى النسل والعقب ؛ وإن
لم يكن انتقل إلى الإخوة ، ثم إلى أولادهم . فينبغى أن يم هذا القسم
ما لم يدخل فى القسم الأول ليعم البيان جميع الأحوال ؛ لأنه هو الظاهر
من حال المتكلم ؛ ولأنه لو لم يكن كذلك لزم الإهمال والإلغاء
وإبطال الوقف على قول . ودلالة الحال تنفى هذا الاحتمال. وإذا عم ما لم
ء
يدخل فى القسم الأول دخل فيه من لا ولد له ومن لا ولد لولده ومن
لا عقب له . وإذا كان كذلك فأي هؤلاء الأربعة لم يكن له عقب كان
نصيبه لإخوته ثم لعقبه .
وأيضا فإن الواقف قدصرح بأن من مات منهم عن غير عقب
انتقل نصيبه إلى إخوته ، ثم إلى أولادهم . وهذا المقصود لا يختلف بين
أن لا يخلف ولداً أو يخلف ولداً ثم يخلف ولده ولداً ؛ فإن العاقل لا يقصد
الفرق بين هاتين الحالتين ؛ لأن التفريق بين المتماثلين قد علم بمطرد العادة
أن العاقل لا يقصده ، فيجب أن لا يحمل كلامه عليه ؛ بل يحمل كلامه
على ما دل عليه دلالة الحال والعرف المطرد إذا لم يكن فى اللفظ ما هو أولى
منه. وإذا كان انقطاع النسل أولاً وآخراً سواء بالنسبة إلى الانتقال إلى
الإخوة وجب حمل الكلام عليه .
واعلم أن من أمعن النظر علم قطعا أن الواقف إنما قصد هذا بدلالة الحال
١٨٢

واللفظ سائغ له ، وليس فى الكلام وجه ممكن هو أولى منه . فيجب
الحمل عليه قطعا .
وأيضاً فإن الوقف يراد للتأييد، فيجب بيان حال المتوفى فى جميع
الطبقات ، فيكون قوله : ومن توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد، ولا نسل
ولاعقب فى قوة قوله : ومن كان منهم ميتا ولا عقب له . لأن عدم
نسله بعد موته بمنزلة كونهم معدومين حال موته ، فلا فرق فى قوله هذا
وقوله : ومن مات منهم ولا ولد له . وقوله : ومن مات منهم ولم يكن
له ولد . وهذه العبارة وإن كان قد لا يفهم منها إلا عدم الذرية حين الموت
فى بعض الأوقات ؛ لكن اللفظ سائغ ؛ لعدم الذرية مطلقاً؛ بحيث
لو كان المتكلم قال: قد أردت هذا لم يكن خارجا عن حد الإفهام . وإذا
كان اللفظ سائغا له ، ولم يتناول صورة الحادثة إلا هذا اللفظ : وجب
إدراجها تحته ؛ لأن الأمر إذا دار بين صورة يحكم فيها بما يصلح له لفظ
ء
الواقف ودلالة حاله وعرف الناس كان الأول هو الواجب بلا تردد .
إذا تقرر هذا : فعم جد عيناشى هو الآن متوفى عن غير ولد
ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب فيكون نصيبه لإخوته الثلاثة على
أنسالهم وأعقابهم . والحال التى انقطع فيها نسله لم يكن من ذريته إلا
هاتان المرأتان ، فيجب أن تستويا فى نصيب عيناشى . وهكذا القول
فى كل واحد انقطع نسله ؛ فإن نصيبه ينتقل إلى ذرية إخوته ؛ إلا أن
١٨٣

يبقى أحد من ذرية أبيهم الذى انتقل إليه الوقف منه ، أو من ذرية
أمه التى انتقل إليه الوقف منها : فيكون باقى الذرية م المستحقين النصيب
أهم أو أبيهم ؛ لدخولهم فى قوله : فمن توفى منهم عن ولد أو ولد ولد .
واعلم أن الكلام إن لم يحمل على هذا كان نصيب هذا وقفا منقطع
الانتهاء ؛ لأنه قال : فمن توفى منهم عن ولد كان نصيبه لولده ، ثم لولد
ولده ، ثم لنسله وعقبه . ولم يبين بعد انقراض النسل إلى من يصير ؛ لكن
بين فى آخر الشرط أنه لا ينتقل إلى الأسرى والفقراء حتى تنقرض ذرية
الأربعة ، فيكون مفهوم هذا الكلام صرفه إلى الذرية . وهاتان من
الذرية ، وهما سواء فى الدرجة ، ولم يبق غيرهما : فيجب أن يشتركا فيه.
وليس بعد هذين الاحتمالين إلا أن يكون قوله: ومن توفى منهم. عائداً إلى
الأربعة وذريتهم .
فيقال حينئذ : عيناشى قد توفيت عن أخت من أبيها ، وابنة عم :
فيكون نصيبها لأختها . وهذا الحمل باطل قطعا ، لا ينفذ حكم حاكم إن
حكم بموجبه ؛ لأن الضمير أولاً فى قوله: فمن توفى منهم. عائد إلى
الأربعة. فالضمير فى قوله: ومن توفى منهم. عائد ثانيا إلى هؤلاء الأربعة؛
لأن الرجل إذا قال : هؤلاء الأربعة من فعل منهم كذا فافعل به كذا
وكذا ، ومن فعل منهم كذا فافعل لولده كذا : علم بالاضطرار أن الضمير
الثانى هو الضمير الأول. ولأنه قال: ومن توفى منهم عن غير ولد عاد نصيبه
١٨٤

إلى إخوته الباقين . وهذا لا يقال إلافيمن له إخوة تبقى بعد موته، وإنا نعلم
هذا فى هؤلاء الأربعة ؛ لأن الواحد من ذريتهم قد لا يكون له إخوة باقون
فلو أريد ذلك المعنى لقيل : على إخوته إن كان له إخوة . أو قيل :
ومن مات منهم عن إخوة . كما قيل فى الولد : ومن مات منهم عن ولد .
وهذاظاهر لا خفاء به .
وأيضا فلو فرض أن من مات من أهل الوقف عن إخوة كان نصيبه
لإخوته فإنما ذلك فى الإخوة الذين شركوه فى نصيب أبيه وأمه ؛ لا فى
الإخوة الذين هم أجانب عن النصيب الذى خلفه ـ على ما هو مقرر فى
موضعه من كتب الفقه على المذاهب المشهورة - وهذا النصيب إنما
تلقته عيناشى من أمها . وأختها رقية أجنبية من أمها ؛ لأنها أختها من
أبيها فقط. فنسبة أختها لأبيها وابنة عمها إلى نصيب الأم سواء . وهذا
بين لمن تأمله ، والله أعلم .
وسئل
عن واقف وقف وقفً على ولديه : عمر ، وعبد الله ، بينهما بالسوية
نصفين: أيام حياتهما، أبداً ما عاشا، دائما ما بقيا، ثم على أولادهما
من بعدهما ، وأولاد أولادهما ، ونسلهما ، وعقبهما ، أبداً ما تناسلوا ،
١٨٥

بطنا بعد بطن. فتوفى عبد الله المذكور وخلف أولاداً فرفع عمر ولد عبد الله
إلى حاكم يرى الحكم بالترتيب ، وسأله رفع يد ولد عبد الله عن الوقف،
وتسليمه إليه، فرفع يد ولد عبدالله، وسلمه إلى عمر بحكم أنه من البطن
الأول فهل يكون ذلك الحكم جاريا فى جميع البطون أم لا ؟ ثم إن عمر
توفى وخلف أولاداً ، فوضعوا أيديهم على الوقف بغير حكم حاكم، فطلب
ولد عبد الله من حاكم يرى الحكم بالقشريك بينهم فى الوقف تشريكهم؛ لأن
الواقف جمع بين الأولاد والنسل والعقب فى الاستحقاق بعد عبد الله وعمر
بالواو الذى يقتضى التشريك ؛ دون الترتيب . وأن قوله : بطنا بعد بطن
لا يقتضى الترتيب فهل الحكم لهم بالمشاركة صحيح أم لا؟ وهل حكم الأول
لعمر متقدم على ولد عبد الله مناقضا للحكم بالتشريك بين أولاد عمر وأولاد
عبدالله ؟ وهل لحاكم ثالث أن يبطل هذا الحكم والتنفيذ ؟
فأجاب: مجرد الحكم لأحد الأخوين الأولين بجميع الوقف بعد
موت أخيه المتوفى لا يكون جاريا فى جميع البطون ، ولا يكون حكماً
لأ ولاده بما حكم له به ؛ فإن قوله : ثم على أولادهما: هل هو لترتيب
المجموع على المجموع، أو لترتيب الأفراد على الأفراد، بحيث ينتقل نصيب
ء
كل ميت إلى ولده ؟ فيه قولان للفقهاء . وكذلك قوله : وأولادهما من
بعدهما بطنا بعد بطن . هل هو للترتيب أو للتشريك ؟ فيه قولان . فإذا
حكم الحاكم باستحقاق عمر الجميع بعد موت عبد الله كان هذا لاعتقاده
١٨٦

لترتيب المجموع على المجموع . فإذا مات عمر فقديرى ذلك الحاكم
الترتيب فى الطبقة الأولى ، فقط كما قد يشعر به ظاهر اللفظ. وقد يكون
يرى أن الترتيب فى جميع البطون ؛ لكن ترتيب الجميع على الجميع ،
ويشترك كل طبقة من الطبقتين فى الوقف دون من هو أسفل منها . وقد
يرى غيره وأنه بعد ذلك لترتيب الأفراد على الأفراد ؛ فإذا حكم حاكم
ثان فما لم يحكم فيه الأول بما لا يناقض حكمه لم يكن نقضًاً لحكمه ، فلا
ينقض هذا الثانى إلا بمخالفة نص أو إجماع. والله أعلم .
وسئل رضى اللّه عن
عمن وقف وقفا على ابن ابنه فلان ، ثم على أولاده : واحداً كان
أم أكثر ، ، ثم على أولاد أولاده ، ثم نسله، وعقبه. فمن توفى منهم
عن ولد أو ولد ولد أو عن نسل وعقب عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على
من معه فى درجته . فتوفي الأول عن أولاد ، توفي أحدم فى حياته عن
أولاد ، ثم مات الأول وخلف بنته وولدي ابنه . فهل تأخذ البنت الجميع ؟
أو ينتقل إلى ولدي الابن ما كان يستحقه أبوهما لو كان حيا ؟
فأجاب : بل النصيب الذى كان يستحقه محمد الميت فى حياة أبيه
لو عاش ينتقل إلى ولديه دون أخته؛ فإن الواقف قد ذكر أن قوله : على
١٨٧

أولاده، ثم على أولاد أولاده؛ إنما أراد به ترتيب الأفراد على الأفراد
لا ترتيب الجملة على الجملة بما بينه . وإن كان ذلك هو مدلول اللفظ عند
الإطلاق على أحد القولين .
والحقوق المرتب أهلها شرعا أو شرطا إنما يشترط انتقالها إلى الطبقة الثانية
عند عدم الأولى، أو عدم استحقاقها؛ لاستحقاق الأولى أولاً ، كما يقول
الفقهاء فى العصب بالميراث أو النكاح: الابن، ثم ابنه، ثم الأب، ثم أبوه.
فاستحقاق ابن الابن مشروط بعدم أبيه ؛ لعدم استحقاقه - لمانع يقوم
به من كفر وغيره - لا يشترط أن أباه يستحق شيئاً لم ينتقل
إليه ، كذلك فى الأم : النكاح ، والحضانة ، وولاية غسل الميت،
والصلاة عليه .
وإنما يتوهم من يتوهم اشتراط استحقاق الطبقة الأولى ؛ لتوهمه أن
الوقف ينتقل من الأولى إليها ، وتتلقاه الثانية عن الأولى ؛ كالميراث ،
وليس كذلك ؛ بل هى تتلقى الوقف عن الواقف ، كما تلقته الأولى ،
وكما تتلقى الأقارب حقوقهم عن الشارع؛ لكن يرجع فى الاستحقاق إلى
ما شرطه الشارع والواقف من الترتيب .
١٨٨

وسئل رحمه اللّه
عن وقف إنسان شيئا على زيد ، ثم على أولاد زيد الثمانية ، فمات
واحد من أولاد زيد الثمانية المعينين في حال حياة زيد، وترك ولداً ، ثم مات
زيد . فهل ينتقل إلى ولد ولد زيد ما استحقه ولد زيد لو كان حيا ؟ أم يختص
الجميع بأولاد زيد؟
فأجاب : نعم يستحق ولد الولد ما كان يستحقه والده ، ولا ينتقل
ذلك إلى أهل طبقة الميت ما بقي من ولده وولد ولده أحد ، وذلك لأن
قول الواقف : على زيد، ثم على أولاده ثم أولاد أولاده . فيه للفقهاء
من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم عند الإطلاق قولان .
أحدهما : أنه لترتيب الجملة على الجملة ، كالمشهور فى قوله : على زيد
وعمرو ، ثم على المساكين .
والثانى : أنه لترتيب الأفراد على الأفراد ، كما فى قوله تعالى: (وَلَكُمْ
نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ) أى لكل واحد نصف ما تركته زوجته. وكذلك
قوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ) أى حرمت على كل واحد أمه ؛ إذ
١٨٩

مقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع الأفراد على الأفراد ، كما فى قوله : لبس
الناس ثيابهم ، وركب الناس دوابهم .
وهذا المعنى هو المراد فى صورة السؤال قطعا ؛ إذ قد صرح الواقف
بأن من مات من هؤلاء عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ، فصار المراد ترتيب
الأفراد على الأفراد فى هذه الصورة المقيدة بلا خلاف ؛ إذ الخلاف إنما هو
مع الإطلاق .
وإذا كان كذلك فاستحقاق المرتب فى الشرع والشرط فى الوصية
والوقف وغير ذلك إنما يشترط فى انتقاله إلى الثانى عدم استحقاق الأول ،
سواء كان قد وجد واستحق ، أو وجد ولم يستحق ، أو لم يوجد بحال ، كما
فى قول الفقهاء فى ترتيب العصبات ، وأولياء النكاح ، والحضانة ، وغيرهم
فيستحق ذلك الابن ، ثم ابته وإن سفل ، ثم الأب ثم أبوه وإن علا ،
فإن الأقرب إذا عدم أو كان ممنوعا لكفر أو رق انتقل الحق إلى من يليه .
ولا يشترط فى انتقال الحق إلى من يليه أن يكون الأول قد استحق .
وكذلك لو قال : النظر فى هذا لفلان ، ثم لفلان ، أو لابنه . فتى انتفى
النظر عن الأول لعدمه أو جنونه أو كفره انتقل إلى الثانى ، سواء كان
ولدا أو غير ولد. وكذلك ترتيب العصبة فى الميراث، وفي الإرث بالولاء ،
وفى الحضانة ، وغير ذلك .
١٩٠

وكذلك فى الوقف : لو وقف على أولاده طبقة بعد طبقة عصبهم ،
وشرط أن يكونوا عدولا ؛ أو فقراء أو غير ذلك، وانتفى شرط الاستحقاق
فى واحد من الطبقة الأولى ، أو كلهم . انتقل الحق عند عدم استحقاق
الأول إلى الطبقة الثانية إذا كانوا متصفين بالاستحقاق .
وسر ذلك أن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف ؛ لا من الطبقة
الأولى ؛ لكن تلقيهم ذلك مشروط بعدم الأولى ، كما أن العصبة البعيدة
تتلقى الإرث من الميت ؛ لا من العاصب القريب ؛ لكن شرط استحقاقه
عدم العاصب القريب . وكذلك الولاء - فى القول المشهور عند الأئمة -
يرث به أقرب عصبة الميت يوم موت المعتق ؛ لأنه يورث كما يورث المال .
وإنما يغلط ذهن بعض الناس فى مثل هذا حيث يظن أن الولد يأخذ
هذا الحق إرثا عن أبيه أو كالإرث ؛ فيظن أن الانتقال إلى الثانية مشروط
باستحقاق الأولى ، كما ظن ذلك بعض الفقهاء . فيقول : إذا لم يكن الأب
قد ترك شيئا لم يرثه الابن . وهذا غلط ؛ فإن الابن لا يأخذ ما يأخذ الأب
بحال ، ولا يأخذ عن الأب شيئاً ؛ إذلو كان الأب موجوداً لكان يأخذ
الريع مدة حياته ، ثم ينتقل إلى ابنه الريع الحادث بعد موت الأب؛ لا الريع
الذى يستحقه ؛ وأما رقبة الوقف فهى باقية على حالها : حق الثانى فيها فى
وقته نظير حق الأول فى وقته ، لم ينتقل إليهم إرثا .
١٩١

ولهذا اتفق المسلمون فى طبقات الوقف أنه لو انتفت الشروط فى
الطبقة الأولى أو بعضهم لم يلزم حرمان الطبقة الثانية إذا كانت الشروط
موجودة فيهم ؛ وإنما نازع بعضهم فيما إذا عدموا قبل زمن الاستحقاق .
ولا فرق بين الصورتين .
ويبين هذا أنه لو قيل بانتقال نصيب الميت إلى إخوته لكونه من
الطبقة كان ذلك مستلزما لترتيب جملة الطبقة على الطبقة ؛ أو أن بعض الطبقة
الثانية أو كلهم لا يستحق إلا مع عدم جميع الطبقة الأولى . ونص الواقف
يبين أنه أراد ترتيب الأفراد على الأفراد ؛ مع أنا نذكر فى الإطلاق قولين:
الأقوى ترتيب الأفراد مطلقا ؛ إذ هذا هو المقصود من هذه العبارة ؛ وهم
يختارون تقديم ولد الميت على أخيه فيما يرثه أبوه ؛ فإنه يقدم الولد على
الأخ . وإن قيل بأن الوقف فى هذا منقطع فقد صرح هذا الواقف بالألفاظ
الدالة على الاتصال ، فتعين أن ينتقل نصيبه إلى ولده .
وفى الجملة فهذا مقطوع به ؛ لا يقبل نزاعا فقهيا ؛ وإنما يقبل نزاما
غلطا . وقول الواقف : فمن مات من أولاد زيد، أو أولاد أولاده وترك
ولداً ، أو ولد ولد وإن سفل : كان نصيبه إلى ولد ولده ، أو ولد ولد
ولده . يقال فيه : إما أن يكون قوله : نصيبه . يعم النصيب الذى يستحقه
إذا كان متصفا بصفة الاستحقاق ، سواء استحقه أو لم يستحقه ، ولا يتناول
إلا ما استحقه. فإن كان الأول فلا كلام وهو الأرجح ؛ لأنّه بعد
موته ليس هو فى هذه الحال مستحقا له ؛ ولأنه لو كان الأب ممنوعا لانتفاء
١٩٢

صفة مشروطة فيه مثلا : مثل أن يشترط فيهم الإسلام أو العدالة أو الفقر
كان ينتقل مع وجود المانع إلى ولده ، كما ينتقل مع عدمه؛ ولأن الشىء
يضاف إلى الشىء بأدبى ملابسة ، فيصدق أن يقال : نصيبه بهذا الاعتبار ؛
ولأن حمل اللفظ على ذلك يقتضى أن يكون كلام الواقف متناولا لجميع الصور
الواقعة ، فهو أولى من حمله على الإخلال بذكر البعض ؛ ولأنه يكون
مطابقً للترتيب الكلامي ؛ وليس ذلك هو المفهوم من ذلك عند العامة
الشارطين مثل هذا .
وهذا أيضًاً موجب الاعتبار والقياس النظري عند الناس فى شروطهم إلى
استحقاق ولد الولد الذى يكون يتما لم يرث هو وأبوه من الجد شيئاً ، فيرى
الواقف أن يجبره بالاستحقاق حينئذ ؛ فإنه يكون لاحقاً فما ورث أبوه من
التركة وانتقل إليه الإرث . وهذا الذى يقصده الناس موافق لمقصود الشارع
أيضاً ؛ ولهذا يوصون كثيراً بمثل هذا الولد.
وإن قيل : إن هذا اللفظ لا يتناول إلا ما استحقه كان هذا مفهوم
منطوق خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، وإذا لم يكن له مفهوم كان
مسكوتا عنه فى هذا الموضع ؛ ولكن قد يتناوله فى قوله : على زيد ، ثم
على أولاده ، ثم على أولاد أولاده . فإنا ذكرنا أن موجب هذا اللفظ مع
ما ذكر بعده من أن الميت ينتقل نصيبه إلى ولده صريح فى أن المراد ترتيب
الأفراد على الأفراد. والتقدير على زيد، ثم على أولاده، ثم على ولد كل واحد
١٩٣

بعد والده ، وهذا اللفظ يوجب أن يستحق كل واحد ما كان أبوه مستحقه
لو كان متصفاً بصفة الاستحقاق، كما يستحق ذلك أهل طبقاته . وهذا
متفق عليه بين علماء المسلمين فى أمثال ذلك شرعاً وشرطًاً ؛ وإذا كان
هذا موجب استحقاق الولد ؛ وذلك التفصيل إما أن يوجب استحقاق الولد
أيضاً . وهو الأظهر . أو لا يوجب حرمانه فيقر العمل بالدليل السالم عن
المعارض المقاوم . والله أعلم.
وسئل رحمه الله
عمن وقف وقفاً على أولاده : فلان وفلان وفلان . وعلى ابن ابنه
فلان : على أنه من توفى منهم عن ولد ذكر انتقل نصيبه إلى ولده ، ومن
مات عن بنت انتقل نصيبه إليها ؛ ثم إلى أعمامها؛ ثم بنى أعمامها الأقرب
فالأقرب منهم . فمات ابن ابن عن غير ولد، وترك أخته من أبويه ، وأعمامه
فأيهم أحق؟.
فأجاب : ينتقل نصيبه إلى أخته لا بوبه ؛ فإنه قد ظهر من قصد الواقف
تخصيص ما كان ينبغي أن يستحقه أصله ؛ وتخصيص نصيب الميت عن غير
ولد بالأً قرب إليه ، وأنه أقام موسى ابن الابن مقام ابنه ؛ لأن أباه كان ميتاً
وقت الوقف . والله أعلم
١٩٤

وسئل رحمه الله
عن قرية وقفها السلطان صلاح الدين ؛ فجعل ريعها وقفاً على
شخص معين ؛ ثم على أولاده من بعده ؛ والنصف والربع على الفقراء .
واستمر الأمر على هذه الصورة ، والقرية عامرة ؛ فلما كان سنة دخول
قازان خربت هذه القرية واستمرت دائرة مدة ثمان سنين ، جاء رجل من
المشايخ وأخذ توقيعا سلطانيا بتمكينه من أن يعمر هذه القرية، فعمرها
وتوفي إلى رحمة الله، وخلف أيتاما صغارا فقراء لا مال لهم ، جاءت امرأة من
ذرية الموقوف عليه صاحب الريع فأثبتت نسبها ، وتسلمت ربع هذه القرية،
واستمر النصف والربع على الفقراء بحكم شرط الواقف، وبقي أولاد الذى عمر
القرية فقراء. فهل يجوز لهم أن يقبضوا كفا يتهم فى جملة الفقراء؟ أم لهم
ما غرمه والدهم على تعميرها ما لم يستوف عوضه قبل وفاته ؟
فأجاب : إن كانوا داخلين فى شروط الواقف فإنهم يستحقون ما يقتضيه
الشرط، وإن قدر تعذر الصرف إلى الموصوفين لتعذر بعض الأوصاف. فكان
هؤلاء الأطفال مشاركين فى الاستحقاق لمن يصرف إليه المال - فينبغي
١٩٥

أن يصرف إليهم أيضا ماغرمه والدم من القرية بالمعروف من ماله؛ ليستوفي
عوضه، فإنهم يستوفونه من مغل الوقف .
وسئل رحمه الله
عن قسمة الوقف ومنافعه
فأجاب: ما كان وقفاً على جهة واحدة لم يجز قسمة عينه؛ وإنما يجوز
قسمة منافعه بالمهايأة . وإذا تهايؤوا ثم أرادوا نقضها فلهم ذلك ، وإذا لم يقع
من المستحق أو وكيله فعى باطلة . والله أعلم.
وسئل
عن وقف على جهة واحدة ، فقسمه قاسم حنبلي، معتقدا جواز ذلك :
حيث وجد فى المختصرات: إنا إذا قلنا القسمة إقرار جاز قسمة الوقف ، ثم تناقل
الشريكان بعض الأعيان ، ثم طلب بعضهم نصيبه الأول من المقاسمة ؟
فأجاب : إذا كان الوقف على جهة واحدة فإن عينه لا تقسم قسمة
١٩٦

لازمة؛ لا فى مذهب أحمد ولا غيره؛ وإنما فى المختصرات لما أرادوا بيان
فروع قولنا : القسمة إقرار أو بيع. فإذا قلنا : هى بيع لم يجز، لأن الوقف لا
يباع . وإذا قلنا : هى إقرار جاز قسمته فى الجملة . ولم يذكروا شروط القسمة
كما جرت به العادة فى أمثال ذلك. وقدذكر طائفة منهم فى قسمة الوقف
وجهين، وصرح الأصحاب بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين
فأما الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينه اتفاقاً : فالتعليق حق الطبقة الثانية
والثالثة ؛ لكن تجوز المهايأة على منافعه. و ((المهايأة)) قسمة المنافع . ولا فرق
فى ذلك بين مناقلة المنافع وبين تركها على المهايأة بلا مناقلة، فإن تراضوا بذلك
أعيد المكان شائعاً كما كان فى العين والمنفعة . والله أعلم.
وسئل
عن وقف على جماعة ، وأن بعض الشركة قد دفع فى الفا كمة مبلغاً،
وأن بعض الشركة امتنع من التضمين والضمان ، وطلب أن يأخذ ممن
ـن
يشتريه قدر حصته من الثمرة. فهل يحكم عليه الحاكم بالبيع مع
الشركة أم لا؟
فأجاب : إذا لم تمكن قسمة ذلك قبل البيع بلا ضرر فعليه أن يبيع
مع شركائه ويقاسمهم الثمن .
١٩٧

وسئل
عن وقف لمصالح الحرم وعمارته، ثم بعد ذلك يصرف فى وجوه البر
والصدقات ، وعلى الفقراء والمسا كين المقيمين بالحرم فهل يجوز أن يصرف
ء
من ذلك على القوام والفراشين القائمين بالوظائف ؟
فأجاب: نعم القائمون بالوظائف مما يحتاج إليه المسجد: من تنظيف
وحفظ، وفرش ، وتنويره، وفتح الأبواب؛ وإغلاقها ، ونحو ذلك : هم
من مصالحه : يستحقون من الوقف على مصالحه
وسئل رحمه الله
عن رجل اشترى داراً، ولم يكن فى كتبه غير ثلاث حدود ، والحد
الرابع لدار وقف. ثم إن الذى اشترى هدم الدار وعمرها ، ثم إنه فتح الطاقة
فى دار الوقف يخرج النور منها إلى مخزن، وجعل إلى جنب الجدار سقاية
مجاورة للوقف ، محدثة، تضر حائط الوقف، وبرز بروزاً على دور قاعة
الوقف . فإذا بنى على دور القاعة ؛ وجعل أخشاب سقف على الجدار الذي
١٩٨

للوقف ، وفعل هذا بغير إذن ولي الأمر، وذكر أنه استأجره كل سنة بثلاثة
درامٍ ، وولى الأمر لم يؤجره إلى الآن ، ولا المباشرون. ثم إن رجلاحلف بالله أنه
يستأجر هذا الجدار، وهو بين الدور، وأزيل مافعله من البروز والسقاية، ولم
أحدث فيه عمارة إلا احتسابا لله تعالى، واستأجره كل سنة بعشرين درهما ، مدة
عشرين سنة حتى تبقى دورقاعة الوقف نيرة ، ولم تتضرر الجيرة بالعلو . فهل يجوز
الإيجار للذى تعدى ؟ أم للذى قصد المثوبة وزيادة للوقف بالأجرة إن أجره
ولي الأمر المنفعة بالزيادة ، ولا زالة الضرر عن الوقف ؟
فأجاب : ليس له أن يبنى على جدار الوقف ما يضربه باتفاق الناس؛
بل وكذلك إذا لم يضربه عند جمهور العلماء، ودعواه الاستئجار غير مقبولة
بغير حجة. ولو آجر إجارة فيها ضرر على الوقف لم تكن إجارة شرعية .
ومن طلب استئجاره بعد هذا وكان ذلك مصلحة للوقف فإنه يجوز ؛ بل
يجب أن يؤجر ، وإذا كان له نية حسنة حصل له من الأجر والثواب
بحسب ذلك . والله أعلم.
١٩٩

وسئل رحم الله
عن رجل ساكن فى خان وقف، وله مباشر لرسم عمارته وإصلاحه ،
وأن الساكن أخبر المباشر أن مسكنه يخشى سقوطه، وهو يدافعه، ثم إن
المباشر صعد إلى المسكن المذكور، ورآه بعينه ، وركضه برجله ، وقال :
ليس بهذا سقوط، ولا عليك منه ضرر؛ وتركه ونزل ، فبعد نزوله سقط
المسكن المذكور على زوجة الساكن وأولاده، فمات ثلاثة ، وعدم جميع
ماله : فهل يلزم المباشر من مات ، ويغرم المال الذى عدم أم لا؟.
فأجاب: على هذا المباشر المذكور الذى تقدم إليه وأخر الاستهدام
ضمان ما تلف بسقوطه ؛ بل يضمن ، ولو كان مالك المكان : إذا خيف
السقوط وأعلم بذلك، وإن لم يكن المعلم له مستأجراً منه عند جماهير العلماء
كأبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد فى المشهور ، وطائفة من أصحاب الشافعى
وغيرهم؛ لكن بعضهم يشترط الإشهاد عليه ، وأكثرهم لا يشترط ذلك؛
فإنه مفرط بترك نقضه وإصلاحه، ولو ظن أنه لا يسقط . فإنه كان
عليه أن يرى ذلك لأرباب الخبرة بالبناء، فإذا ترك ذلك كان مفرطاً ضامناً
لما تلف بتفريطه؛ لا سيما مع قوله للمستأجر: إن شئت فاسكن ، وإن
شئت فلا تسكن ؛ فإن هذا عدوان منه .
٢٠٠