Indexed OCR Text
Pages 161-180
٠٠ فإن قال : قد ثبت العموم فى الجمل المتقدمة فلا يجوز تخصيصه بمحتمل متردد - وليس غرضنا هنا إفساد هذا الدليل - بل نقول موجب هذا الدليل اختصاص التوابع بالجملة الأخيرة مطلقاً . أما التفريق بين عاطف وعاطف فليس فى هذا الدليل ما يقتضيه أصلا . وأي فرق عند العقلاء بين أن يقول : وقفت على أولادى ، وعلى المساكين ؛ إلا أن يكونوا فساقا؟! نعم ! صاحب هذا القول ربما قوي عنده اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة، وهاب مخالفة الشافعي ففاظ ما عنده من الرجحان ، مع أنا قد بينا أن مسئلتنا ليست من موارد الخلاف ؛ وإنما الخلاف فى الاستثناء أو الصفة الإعرابية . فأما الشرط والصفة الشرطية فلا خلاف فيهما بين الفقهاء . وبالجملة من سلم أن الجمل المعطوفة بالواو يعود الاستثناء إلى جميعها كان ذكره لهذا الدليل مبطلا لما سلمه ، فلا يقبل منه ؛ فإن تسليم الحكم مستلزم تسليم بطلان ما يدل على نقيضه ، فلا يقبل منه دليل يدل على عدم عود الاستثناء إلى الجميع . الوجه الثانى : أن قوله : انصراف الاستثناء إلى الذين يليهم الاستثناء مقطوع به . فممنوع ؛ بل يجوز أن يعود الاستثناء إلى الجملة الأولى فقط ، إذا دل على ذلك دليل . ويجوز للمتكلم أن ينوي ذلك ويقصده ، وإن ٠ ١٦١ كان حالفا مظلوما ؛ فإنه لو قال : قاتل أهل الكتاب وعادهم وابغضهم إلا أن يعطوا الجزية . كان الاستثناء عائدا إلى الجملة الأولى فقط ، وقد قال سبحانه: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ وهذا الاستثناء فى الظاهر فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةً ) (بَرَآءَةٌ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عائد إلى الجملة الأولى . وقال سبحانه : عَهَدُ ثُمَمِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْفِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ - إلى قوله - إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّلَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْعَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّمُوّا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْإِلَى مُدَّتِهِمْ ) وليس هذا مستثنى مما يليه ؛ بل من أول الكلام . وقد قال جماعة من أهل العلم فى قوله : (لَأَتََّعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا) (وَإِذَاجَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أن ( قَلِيلًا ) عائد إلى قوله : أَذَاعُواْبِهِ ) (إلا قليلا) وهذا الاستثناء عائد إلى جملة بينها وبين الاستثناء جمل أخرى. ((والمقدم فى القرآن، والمؤخر)) باب من العلم، وقد صنف فيه العلماء : منهم الإمام أحمد وغيره ، وهو متضمن هذا . وشبهه أن يكون الاستثناء مؤخرا فى اللفظ مقدما فى النية . ثم التقديم والتأخير فى لغة العرب ، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة معترضة وبين غيرهما : لا ينكره إلا من لم يعرف اللغة ، وقد قال سبحانه: ( وَقَالَت طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِءَامِنُواْ بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ١٦٢ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْءَاخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُواْإِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْقُلْ إِنَّ اٌلْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْنَى أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ) فقوله: ( أَنْ يُؤْثَ ) من تمام قول أهل الكتاب . أي: كراهة أن يؤتى فهو مفعول تؤمنوا، وقد فصل بينهما بقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) وهى جملة أجنبية ؛ ليست من كلام أهل الكتاب؛ فأيما أبلغ الفصل بين الفعل والمفعول أو بين المستثنى والمستثنى منه؟! وإذا لم يكن عود الاستثناء إلى الأخيرة مقطوعا به لم يجب عود الاستثناء إليها ؛ بل ربما كان فى سياقه ما يقتضى أن عوده إلى الأولى أوكد . ومسئلتنا من هذا الباب ، كما تقدم. الثالث قوله : إذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف نصاً ولم يثبت ما يغيره وجب تقرير الاستحقاق . قلنا أولا : مسئلتنا ليست من هذا الباب ؛ فإن قوله : على أولاده، ثم على أولادهم ليس نصا فى ترتيب الطبقة على الطبقة؛ فإنه صالح لترتيب الأفراد على الأفراد ؛ لكن هذا يجب فى خصوص مسئلتنا مع من يريد أن يدخلها تحت عموم هذا الكلام، ثم من يقول من راس: لا نسلم ثبوت الاستحقاق بلفظ الواقف نصا فى شىء من الصور التي يعقبها استثناء أو شرط ؛ فإن اللفظ إنما يكون نصا إذا لم يتصل بما يغيره، والتغيير محتمل ، فشرط كونه نصا مشكوك فيه، ومتى كان شرط ١٦٣ الحكم مشكوكا فيه لم يثبت ؛ فإنه لا نص مع احتمال التغيير ؛ لا سيما مثل هذا الاحتمال القوي الذي هو عندا كثر العلماء راجح . فإن قال : المقتضى لدخولهم قائم ، والمانع من خروجهم مشكوك فيه . قلت على قول من يمنع تخصيص العلة لا أسلم قيام المقتضى لدخولهم فإن المقتضى لدخولهم هو اللفظ الذي لم يوصل به ما يخرجهم، فلا أعلم أن هذا اللفظ لم يوصل به ما يخرجهم حتى أعلم أن هذا الاستثناء لا يخرجهم ، وهذا الشرط مشكوك فيه. وأما على قول من يقول بتخصيصها فأسلم قيام المقتضى ؛ لكن شرط اقتضائه عدم المانع المعارض . وهنا ما يصلح أن يكون ما نعا معارضا ، فما لم يقم دليل يبقى صلاحه للمعارضة وإلا لم يعمل المقتضى عمله ، والصلاح للمعارضة لا مرية فيه . وهذا البحث بعينه - وهو بحث القائلين بعود الاستثناء إلى جميع الجمل مع القاصرين على الجملة الأخيرة . ثم يقول من راس : إذا قال مثلا وقفت على أولادي ، ثم على الفقراء إلا الفساق - المنازع يقول: ولدي نص فى أولاده، والفساق يجوز أن يختص بالفقراء . فنقول له : هذا معارض بمثله ؛ فإن الفساق نص فى جميع الفساق ، فإنه اسم جمع معرف باللام ، وإذا كان عاما وجب شموله لكل فاسق ؛ فدعوى اختصاصه بفساق الفقراء دون الأولاد يحتاج إلى مخصص . ١٦٤ فليست المحافظة على عموم الأولاد لعدم العلم بالتخصيص بأولى من المحافظة على عموم الفساق لعدم العلم بالمخصص ؛ بل الراجح إخراجهم لأسباب أحدها : أن الأصل عدم دخولهم فى الوقف ، وقد تعارض عمومان فى دخولهم وخروجهم ، فيسلم النافى لدخولهم عن معارض راجح . الثانى : أنا قد تيقنا خروجهم من إحدى الجملتين ، فكان أحد العمومين المعطوفين مخصوصا ، فإلحاق شريكه فى التخصيص أولى من إدخال التخصيص على ما ليس بشريكه . الثالث : أن المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الجملة الواحدة ، فإذا ورد التخصيص عليها ضعفت ؛ بخلاف عموم المستثنى فإنه لم يرد عليه تخصيص. الرابع : كون الفسق مانعا يقتضى رجحانه عند الواقف على المقتضى للإعطاء ، فإذا تيقنا رجحانه فى موضع كان ترجيحه فى موضع آخر أولى من ترجيح مالم يعرف رجحانه بحال . الخامس أن قوله : نص الواقف . إن عنى به ظاهر لفظه فعود الاستثناء إلى جميع الجمل ظاهر لفظه أيضا عند هذا القول ، فلا فرق بينهما . وإن عنى به النص الذى لا يحتمل إلا معنى واحداً فمعلوم أن ١٦٥ كل لفظ يقبل الاستثناء فلا بد أن يكون إما عدداً أو عموماً ، والعمومات ظواهر ليست نصوصا . السادس قوله : لا يجوز تغييره بمحتمل متردد . نقول بموجبه ؛ فإن عود الاستثناء عندنا إلى جميع الجمل ليس بمحتمل متردد ، بل هو نص أيضا بالتفسير الأول . والدليل على ذلك غلبته على الاستعمال ، قال تعالى : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ - إلى قوله - وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِيهِ، مُهَانًا * إِلََّ مَن تَابَ ) وهو عائد إلى قوله : ( يَلْقَ ) و(يُضَعَفْ) و (يَخْلُدْ) . وقال سبحانه: ( أُوْلَئِكَ يَلْعَهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ ) وقال تعالى: (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنَظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُوَّأْ - إلى قوله - ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَتِهِمْ) فهذا استثناء قد تعقب عدة جمل. * فإن معنى الجملة فى هذا الباب هو اللفظ الذى يصح إخراج بعضه ، وهو الاسم العام . أو اسم العدد ؛ ليس معناه الجملة التى هى الكلام ١٦٦ ء المركب من اسمين أو اسم وفعل أو اسم وحرف . وقد ثبت بما روي عن الصحابة أن قوله: (إِلَّا الَّيْنَ تَبُواْ) فى آية القذف عائد إلى الجملتين ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن الرجل الرجل فى سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه )) وقال النبى صلى الله عليه وسلم : ((لا فضل لعربى على عجمي ، ولا لعجمى على عربى ، ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)). وهذا كثير فى الكتاب والسنة؛ بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة فى الكتاب والسنة التى تعقبت جملا وجدها عائدة إلى الجميع . هذا فى الاستثناء. فأما فى الشروط والصفات فلا يكاد بحصبها إلا الله . وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ؛ لأن الاستثناء إما أن يكون موضوعا لهما حقيقة ، فالأصل عدم الاشتراك ، أو يكون موضوعا للأقل فقط ، فيلزم أن يكون استعماله فى الباقى مجازاً ، والمجاز على خلاف الأصل ؛ فكثرته على خلاف الأصل ، فإذا جعل حقيقة فيما غلب على استعماله فيه ، مجازاً فيما قل استعماله فيه : كنا قد عملنا بالأصل النافى للاشتراك ، وبالأصل النافى للمجاز فى صور التفاوت . وهو أولى من تركه مطلقا . ١٦٧ وإذا ثبت أن عود الاستثناء إلى جميع الجمل نص بمعنى أنه ظاهر اللفظ فهو المطلوب . وليس الغرض هنا تقرير هذه المسئلة ، وإنما الغرض التنبيه على مواضع المنع . وهذا البحث الذى ذكره وارد فى كل تخصيص متصل ؛ فإنه ليس المحافظة على عموم المخصوص بأولى من المحافظة على عموم المخصص ؛ بل هذا أولى ؛ لأنه عام باق على عمومه ؛ ولأن ذكر التخصيص عقب كل جملة مستقبح . فلو قال : وقفت على أولادى على أنه من مات منهم عن ولد أو عن غير ولد كان نصيبه لولده أو لذوى طبقته ، ثم على ولد ولدى على هذا الشرط ، ثم على ولد ولد ولدي على هذا الشرط . لعد هذا من الكلام الذى غيره أفصح منه وأحسن . ثم يقال لمن نازعنا : ومعلوم قطعا أن عامة الواقفين يقصدون الاشتراط فى جميع الطبقات ؛ ولا يعبرون بهذه العبارة المستغربة ؛ بل يقتصرون على ما ذكره أولاً . فلولا أن ذلك كاف فى تبليغ ما فى نفوسهم لما اقتصروا عليه . والله يشهد - وكفى بالله شهيداً - أنا نتيقن أن الكلام فى مسئلتنا يقينى ، وأنه ليس من مسالك المظنون ؛ لكن فى قدرة الله سبحانه أن يجعل اليقين عند قوم جهلا عندآخرين . ويعد الكلام على هذا تكلفا . ولولا أن الحاجة مست إلى ذلك بظن من يظن أن لمن ينازع فى هذه المسئلة متعلقا، أو أنها مسئلة من مسائل الاجتهاد [ لما أطلنا هذه الإطالة] ١٦٨ فإن قيل : الذي يرجح عود الضمير إلى الجملة الأخيرة هنا : أن الجملة الأخيرة عطفت بالواو ، وعطف عليها بالواو ، فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الأولى فى الترتيب ؛ إذ الوقف ههنا مشترك بين البطون ، فلم يبق بينها وبين الأولى من الأحكام إلا مسمى الوقفية على الجميع ، والكيفية مختلفة ، فاقتضى ذلك استقلالها بنفسها ، واختصاصها بما يعقبها: فإنه إذا تخلل الجمل الفصل بشرط كل جملة أوجب ذلك اختصاص الشرط الأخير ، وماذاك إلا لاختلاف الأحكام حينئذ . والاختلاف موجود ههنا . قيل عنه وجوه : أحدها أن قوله : عطفت بالواو ، وعطف عليها بالواو . يقتضى أنها هى لفظ النسل . فإن كان لفظ النسل والعقب بمعنى واحد فلم يعطف عليها فى المعنى شىء . وإن كانا بمعنيين فيجب أن يكون الضمير عائداً إلى الجملة المعطوفة ؛ لا المعطوف علها . الثانى قوله : فاقتضى ذلك مخالفتها للأولى فى حكم الترتيب . قد تقدم منع ذلك . وذكرنا أن من الفقهاء من يجعل هذا الوقف مرتباً إلى يوم القيامة فإن قوله : ثم على أولاد أولاده ، ونسله وعقبه . لم يتعرض فيه للترتيب بتفى ولا إثبات ؛ لكن لما كان الأصل عدم الترتيب نفيناه عند الانطلاق . ١٦٩ فلما رتب هنا فى كلامه الأول - مع العلم بأن العاقل لا يفرق فى مثل هذا ، بل يكتفى بما ذكره أولا - كان إعادة الشرط تسمح ؛ ولكن غرضنا هنا تقرير هذا . الثالث: [ لو] سلمنا أنه يوجب الاشتراك بين المعطوف ، فلا يوجب ذلك اختلافهما فى الحكم الذى اشتر كا فيه بحرف العطف ؛ فإن غاية ما فى هذا أنه جعل البطن الرابع وما بعده طبقة واحدة ، كما جعل فى البطن الأول ولد الكبير والصغير . والولد الكبير والصغير طبقة واحدة، ولم يرتب بعضهم على بعض باعتبار الأسنان . فقوله . فاقتضى ذلك مخالفتها لحكم الأولى فى الترتيب . فيه إبهام ؛ فإنه إن عنى به أن هذه الجملة بالنسبة إلى أفرادها مخالفة لتلك الجمل : فليس كذلك ؛ بل جملة. فإنها حاوية لأفرادها على سبيل الاشتراك ، لاعلى سبيل الترتيب . وإن عنى به أن هذه الجملة لم يرتب عليها غيرها فالجملة الأولى لم تترتب على غيرها . وهذا إنما جاء من ضرورة كونها آخر الجمل ، وليس ذلك بفرق مؤثر. كما لم يكن كون الأولى غير مرتبة فرقا مؤثرا . وإن عنى به أن هذه الجملة مشتملة على طبقات متفاوتة بخلاف الجمل الأولى فذلك فرق لا يعود إلى دلالة اللفظ ولا إلى الحكم المدلول عليه باللفظ ، مع أن الجمل الأولى قد يحصل فيها من التفاوت أكثر من ذلك ، فقد يكون أولاد الأولاد عشرين بين الأول والآخر سبعون سنة، ويكون للأول ١٧٠ أولاد قبل وجود إخوته فيموت أولاده، وأولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده قبل انقراض إخوته . وربما لم يكن قد بقى من النسل والعقب إلا نفر يسير، فينقرضون. ثم هذه فروق عادت إلى الموجود؛ لا إلى دلالة اللفظ. الرابع قوله : فلم يبق بينها وبين الأولى من الأحكام إلا مسمى الوقفية . قيل : ليس بينهما فرق أصلا ؛ بل تناول الجملة الأولى لأفرادها كتناول الثانية لأفرادها ؛ لكن الجملة الثانية أكثر فى الغالب . وهذا غير مؤثر . وقوله : الكيفية مختلفة . ممنوع ؛ فإن كيفية الوقف على الأولاد مثل كيفية الوقف على النسل والعقب: يشترك هؤلاء فيه، وهؤلاء فيه . الخامس: لو سلم أن بينهما فرقا خارجا عن دلالة اللفظ فذلك لا يقدح فى اشتراكهما فى العطف ؛ فإن هذا الاختلاف فى الكيفية لو كان صحيحا كان بمنزلة قوله: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ أَوِّتِ ) ؛ فإن ذوق الميت يختلف اختلافا متباينا ؛ لكن هذا الاختلاف لادلالة للفظ عليه ، فلم يمنع من الاشتراك الذى دل عليه العموم . السادس : أن الكيفية المختلفة مدلول علها بالعطف ، وذلك لا يوجب الاستقلال والاختصاص بما يعقبها ، كما لو قال: وقفت على أولادى الذكور والإناث ، وأولاد بني، وأولاد أولاد أولادى : على أنه من توفى منهم ١٧١ وإنما الفصل الذى يقطع الثانية عن الأولى أن يفصل بين الجملتين بشرط : مثل أن يقول: وقفت على أولادى ، على أن يكونوا فقراء ، ثم على أولاد أولادى على أن يكونوا عدولا . فإن الشرط الثانى مختص عما قبله ؛ لكون الأول قد عقب بشرطه . والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بشرط يفصله عن مشاركة الثانى فى جميع أحكامه؛ بخلاف ما إذا كان الاختلاف من غير فصل لفظي . السابع قوله: وماذاك إلا لاختلاف الأحكام. قلنا لا نسلم ؛ بل إنماذاك لأجل الفصول اللفظية المانعة من الاشتراك فيما ذكر من الأحكام للفظ . أما إذا كان الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه لمعنى يرجع إلى لفظ المعطوف : فهذا شأن كل معطوف ومعطوف عليه من جنسين . وفرق بين أن يفصل بين الجملتين بشرط مذ كور ، وبين أن يكون مفهوم لفظ إحدى الجملتين غير مفهوم الأخرى. وهذا بین لمن تدبره . فإن قيل : هنا مرجح ثان ، وهو أن جعله مختص بالجملة الأخيرة يفيد مالم يدل اللفظ عليه ، وهو منع اشتراك النسل فى نصيب من مات عن غير ولد ؛ فإنه لولا هذا الشرط لاشتر كوا فى جميع حقهم المتلقى عمن فوقهم ، وعمن مات عن ولد أو غير ولد؛ بخلاف ما إذا عاد إلى جميــ ١٧٢ الجمل ؛ فإنه يكون مؤكداً فقط ؛ فإنا كنا نجعل نصيب الميت عن غير ولد لطبقته . قیل عنه وجوه : أحدها : أنا قدمنا أن هذه الفائدة باطلة ؛ فإن العاقل لا يقول : هؤلاء أعلام وأسفلهم مشتر كون فى الوقف، فمن مات عن غير ولد اختص بنصيبه إخوته ؛ دون آبائه وأعمامه . ومن مات عن ولد لم يختص بنصيبه أحد ، لا ولده ولا غيره ؛ فإن هذا لم يفعله احد ، ولا يفعله من يستحضره فإنه بمنزلة [من يقول:] أعطوا البعيد منى ومن الميت، واحرموا القريب منى ومن الميت . وقول القائل : يقصد مثل هذا فى العادات . فما علمنا أحداً قصد هذا . الثانى : أنا قد منعنا كون هذا مقتضاه القشريك ، فتبطل الفائدة . الثالث : أن فى عوده إلى جميع الجمل فوائد. أحدها : أنه يدل بنطقه على نقل نصيب الميت عن غير ولد إلى ذوى طبقته، وتنبيهه الذى هو أقوى من النطق على نقل نصيب المتوفى عن ولد إلى ولده، كما تقدم ذكره. ١٧٣ الفائدة الثانية: أن قوله : على أولاده ، ثم أولاد أولاده - إلى قوله دأما ماتناسلوا ، وأبداً ما تعاقبوا . يقتضى استحقاق ذريته للوقف ، فإذا مات الميت وليس له إلا ذووا طبقته، وأولاد أولاده: أفاد الشرط إخراج الطبقة ؛ فيبقى الأولاد داخلين فى اللفظ الأول مع الثانى . فمجموع قوله : على أولادى ثم أولاد أولادى . مع قوله : على أن نصيب الميت عن غير ولد ينتقل إلى إخوته . دلنا على أن نصيب الميت عن ولد ينتقل إلى ولده ؛ لأنهم فى عموم قوله: أولاد أولادى ، ودخلت الطبقة فى العموم ، فلما خرجت الطبقة بالشرط بقي ولد الولد . وهكذا كل لفظ عام لنوعين أخرج أحدهما فإنه يتعين الآخر . وهذه دلالة ثانية على انتقال نصيب الميت عن ولد ــام الذى لم يبق فيه إلا م، وهي غير إلى ولده من جهة اللفظ العـ دلالة التنبيه ٠ وإن شئت عبرت عن ذلك بأن تقول: نصيب الميت إما للأولاد، أو لأولاد الأولاد ، كما دل على انحصار الوقف فيهما قوله: على أولادى ، ثم على أولادهم . فكما منع الأولاد أن ينتقل إليهم نصيب الميت عن ولد: تعين أن يكون للنوع الآخر . يبقى أن يقال : فقد يكون هناك من ليس من الطبقة ؛ ولامن الولد . قلنا : إذا ظهرت الفائدة فى بعض الصور حصل المقصود ، وهى صورة مسئلتنا ، فإنا لم نتكلم إلا فى نصيب الميت: هل يصرف إلى إخوته أو ولده؟ ١٧٤ أما لو كان للميت عم - مثلا - فنقول: حرمان طبقة الميت تنبيه على حرمان من م أبعد عنه ؛ فإن طبقته لم يحرمهم لبعدهم من الوقف ؛ فإن الولد أبعد منهم . وقد بينا أن ذلك يقتضى إعطاء الولد فى أكثر الصور ، فعلم أنه حرمهم لبعدهم عن الميت . وهذا المعنى فى أعمام الميت أقوى ، فيكونون بالمنع مع الولد أخرى. الفائدة الثالثة : أنه دليل على أنه قصد ترتيب الأفراد على الأفراد؛ لا ترتيب المجموع على المجموع، كما لو قال: على أنه من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده . فإن قيل : هذا حمل اللفظ الواحد على مفهومين مختلفين ؛ فإن فائدته فى الأول بيان ترتيب الأفراد على الأفراد ، وفى الثانى بيان اختصاص الطبقة بنصيب المتوفى. فمن منع من أن يراد باللفظ الواحد حقيقتان . أو مجازان أو حقيقة ومجاز : يمنع منه . ومن جوزه . قلنا : على هذا التقدير : إذا ثبت أمر بلفظ الواقف نصا لم يجز تغييره بمحتمل متردد. قيل هذا السؤال ضعيف جداً لوجوه : أحدها : أن مورده جعله مقررا لوجه ثان فى بيان عود الضمير إلى الجملة الأخيرة ؛ غير ماذكر أولا من عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة . ثم إنه فى آخر الأمر - على قول المجوزين لأن يراد باللفظ الواحد معنياه - اعتمد على ذلك الجواب ، فما صاروجها آخر . ١٧٥ الثانى : أنا نقول : هذا مبني على أن الشرط أفاد فى الطبقة الأخيرة عدد نصيب المتوفى عن غير ولد إلى ذوى طبقته . والمتوفى عن ولد يشترك فيه جميع الطبقة . وهذا ممنوع من وجهين تقدما . الثالث : لو سلمنا ذلك فليس هذا من باب استعمال اللفظ فى معنيين مختلفين؛ إنما هو من باب استعمال اللفظ الواحد فى معنى واحد ، وذلك معدود من الألفاظ المتواطئة . وذلك أن فائدة اللفظ بمنطوقه نقل نصيب المتوفى عن غير ولد إلى طبقته . وهذه فائدة متجددة فى جميع الجمل . ثم إن تقيد الانتقال إلى الطبقة بوجود الولد دليل على أنه عنى ترتيب الأفراد . وهذه دلالة لزومية . واللفظ إذا دل بالمطابقة على معنى وبالالتزام على معنى آخر لم يكن هذا من القسم المختلف فيه ، كعامة الألفاظ ، فإن كونه دليلا على ترتيب الأفراد إنما جاء من جهة أنه شرط فى استحقاق الطبقة نصيب المتوفى عدم ولده. ثم علم بالعقل أنه لو قصد ترتيب المجموع لم يشرطه بهذا الشرط؛ فإن ترتيب المجموع واشتراط هذا الشرط متنافيان ، وكون هذين المعنيين يتنافيان قضية عقلية فهمت بعد تصور كل واحد من المعنيين؛ لأن أحد اللفظين دل عليهما بالوضع. وهذا كما فهموا من قوله (وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا) مع قوله تعالى: ( يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) أن أقل الحمل ستة أشهر. ونظائره كثيرة. ١٧٦ الرابع: لو فرض أن هذا من ((باب استعمال اللفظ الواحد فى معنيه)) فلا نسلم أن منع ذلك هو الحق ؛ بل ليس ذلك مذهب أحد من الأئمة المعتبرين ؛ وإنما هو قول طائفة من المتكلمين . والذى يدل عليه كلام عامة الصحابة والتابعين وعامة الفقهاء وعامة أهل اللغة وأكثر المتكلمين جواز ذلك ، فلم لا يجوز أن يحمل كلامه على ما يعتقد هو صحته ويناظر عليه ؟ ! . الخامس : أن ما ادعوه من أن النص لا يدفع بمحتمل . تقدم جوابه ، وبينا أنه لا نص هنا ؛ بل يدفع المحتمل بالنص . وذكرنا أن هذا البحث هو المنصوص عن الأئمة الكبار . الفائدة الرابعة : أنه قصد بهذا الشرط نفى انقطاع الوقف، ونفى اشتراك جميع أهل الوقف فى نصيب المتوفى عن غير ولد ، ونبه بذلك على أنه عنى بقوله عن: ولده . ترتيب الأفراد. فإن قيل : عوده إلى جميع الجمل يوجب انقطاع الوقف فى الوسط فحمل اللفظ على ما ينفى الانقطاع أولى ؛ لأن من مات عن ولد لا يصرف نصيبه إلى الطبقة عملا بموجب الشرط ، ولا إلى الولد عملا بموجب الترتيب المطلق . فإن قلتم : إذا جعلناه مبنياً لترتيب الأفراد لم يكن موجبا للانقطاع ١٧٧ فنجيب عنه بالبحث المتقدم ، وهو أن استحقاق الطبقة مستحق لظاهر اللفظ ، فلا يترك بمتردد محتمل . قيل : أولا هذا الوجه لا يتم إلا بهذا البحث ، وهو إنما ذكر ليكون مؤيداً له ، والمؤيد للشيء يجب أن يكون غيره ، ولا يكون معتمداً عليه . فإذا كان الوجه لا يتم إلا بذلك البحث كانت صحته موقوفة على صحته ، والفرع لا يكون أقوى من أصله ، ولا يكسبه قوة ؛ بل يكون تقوية ذلك الوجه به تقوية الشيء بنفسه . وهذا نوع من المصادرة . وإذا كان هذا مبنيا على ذلك الوجه ، وقد أجبنا عنه فيما مضى : فقد حصل الجواب عن هذا . ثم نقول : الانتفاع ينتفى من ثلاثة أوجه: أحدها : أن الوقف محصور فى الأولاد ، ثم أولاده . فإذا مات الميت عن ولد فنصيبه إما لإخوته ، أو لبنيهم ، أو لبنيه ، أو لعمومته ؛ لأن الشرط يقتضى انحصار الوقف فى الأولاد ، ثم أولاد الأولاد. وم إما ذو طبقته ، أو من هو أعلى منه : عمومته وتحوم ؛ فإنه لا يستحق شيئًاً مع وجود أبيه ، ومن هو أسفل منه : ولده وولد إخوته ، وطبقتهم . فأما طبقته فانتفوا بالقيد المذكور فى استحقاقهم . وأما بنوم فانتفوا لثلاثة أسباب ١٧٨ أحدها : بطريق التنبيه ؛ فإن أيام أقرب إلى الميت ، وإلى الواقف. فإذا لم ينقل إلى الأقرب فإلى الأ بعد أولى . والثانى: أنه سواء عنى بالترتيب ترتيب المجموع ، أو ترتيب الأفراد ، لا يستحقون فى هذه الحال؛ فإن الطبقة العليا لم تنقرض ، وآباؤهم لم يموتوا . الثالث أنهم فى هذه الحال ليسوا من أهل الوقف ، ولم ينتقل إليهم مام أصل فيه ، فلا ينتقل إليهم مام فروع فيه. وأما العمومة فإنه لا يتصور أن يستحق الميت شيئًاً مع وجود عمومته إلا على قولنا ففرض هذه الصورة على رأي المنازع محال. وإذا كان وجود العمومة مستلزما لصحة هذا القول : فحال أنه يستلزم ذلك ما يفسده ؛ فإن الشيء الواحد لا يستلزم صحة الشيء وفساده؛ لكن يقال : قد كان الميت أولا لم يخلف إلا إخوة وولداً ، ثم مات ولده عن ولد وأعمامه . فنقول : حرمان الاخوة مع الولد تنبيه على حرمان العمومة . وهذا حقيقة الجواب : أن نفي إخو ته تنبيه على نفي عمومته، كما تقدم. الوجه الثانى : - النافى للانقطاع - أن إعطاء الإخوة نصيب الميت دون سائر أهل الوقف تنبيه على إعطاء الولد، كما تقدم. ١٧٩ الثالث : أن ذلك دليل على أن الترتيب المتقدم : ترتيب الافراد على الأفراد. وقد قدمنا تقرير هذا . والله سبحانه يوفقنا لما يحبه ويرضاه. والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله وصحبه وسلم تسليما . وسئل رحمه اللّه عن وقف على أربعة أنفس : عمرو ، وياقوتة ، وجهمة ، وعائشة : يجرى عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين . فمن توفى منهم عن ولد، أو ولد ولد، أو عن نسل وعقب ، وإن سفل : عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على ولده ، ثم على ولد ولده ، ثم على نسله وعقبه ، ثم من بعده وإن سفل ، بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين . ومن توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب عاد نصيبه وقفً على إخوته الباقين ، ثم على أنسالهم وأعقابهم، بينهم ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، على الشرط والترتيب المقدم ذكرهما . فإذا لم يبق لهؤلاء الإخوة الموقوف عليهم نسل ولا عقب ، أو توفوا بأجمعهم ولم يعقبوا ولا واحد منهم عاد ذلك وقفا على الأسارى، ثم على الفقراء. ثم توفى عمر عن فاطمة، وتوفيت فاطمة عن عيناشى ابنة إسماعيل بن أبي يعلى ، ثم توفيت عيناشى عن غير نسل ولا عقب ، ولم يبق من ١٨٠