Indexed OCR Text
Pages 21-40
وسئل رحمه اللّه عن رجل أوقف وقفاً على مدرسة ، وشرط فيها أن ريع الوقف للعمارة ؛ والثلثين يكون للفقهاء؛ وللمدرسة ؛ وأرباب الوظائف . وشرط أن الناظر يرى بالمصلحة ؛ والحال جاريا كذلك مدة ثلاثين سنة؛ وإن حصر المدرسة وملء الصهريج يكون من جامكية الفقهاء ؛ لأن لهم غيبة ؛ وأماكن غيرها ؛ وأن معلوم الإمام فى كل شهر من الدرام عشرون درهما؛ وكذلك المؤذن ؛ فطلب الفقهاء بعد هذه المسألة أرباب الوظائف أن يشاركوم فيما يؤخذ من جوامكهم ؛ لأجل الحصر؛ وملء الصهريج؛ وأن أرباب الوظائف قائمون بهذه الوظيفة . ولو لم يكن لهم غيرها هل يجب للناظر موافقة الفقهاء على ما طلبوه . ونقص هؤلاء المسا كين عن معلومهم اليسير؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . إذا رأى الناظر تقديم أرباب الوظائف الذين يأخذون على عمل معلوم - كالإمام ؛ والمؤذن - فقد أصاب فى ذلك ؛ إذا كان الذى يأخذونه لا يزيد على جعل مثلهم فى العادة ؛ كما أنه يجب [ أن يقدم ] الجابى والعامل والصانع والبناء ونحوهم ممن يأخذ على عمل يعمله فى تحصيل المال ؛ أو عمارة المكان؛ يقدمون بأخذ الأجرة. ٢١ والإمامة والأذان شعائر لا يمكن إبطالها؛ ولا تنقيصها بحال؛ فالجاعل جعل مثل ذلك لأصحابها يقدم على ما يأخذه الفقهاء؛ وهذا بخلاف المدرس والمفيد والفقهاء ؛ فإنهم من جنس واحد . وإن أمكن صرف ثمن الحصر؛ وملء الصهريج من ثلث العمارة؛ أو غيره ؛ يجعل ذلك ؛ ويوفر الثلثان على مستحقيه؛ فإنه إذا شرط أن الثلث للعمارة؛ والثلثين لأرباب الوظائف ؛ لم يكن أخذ من الحصر ونحوها من هذا أولى من صرفها من هذا ؛ إلا أن يكون للوقف شرط شرعي بخلاف هذا . وسئل عمن وقف تربة وشرط المقرى عزباً ؛ فهل محل التنزل مع التزوج ؟ فأجاب : هذا شرط باطل؛ والمتأهل أحق بمثل هذا من المتعزب؛ إذا استويا فى سائر الصفات ؛ إذ ليس فى التعزب هنا مقصود شرعي . ٢٢ وسئل رحمه اللّه عن رجل وقف وقفً على عدد معلوم من النساء والأرامل والأيتام: وشرط النظر لنفسه فى حياته ؛ ثم الصالح من ولده بعد وفاته ذكراً كان أو أنثى؛ وللواقف أقارب من أولاد أولاده ممن هو محتاج؛ وقصد الناظر أن يميزهم على غيرم فى الصرف . هل يجوز أن يميزم؟ فأجاب : إذا استوواهم وغيرم فى الحاجة ؛ فأقارب الواقف يقدمون على نظرائهم الأجانب ؛ كما يقدمون لصلته فى حياته . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقتك على المسلمين صدقة ؛ وعلى ذوى الرحم صدقة وصلة )) . ولهذا يؤمر أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون ؛ إما أمر إيجاب على قول بعض العلماء ؛ وإما أمر استحباب كقول الأكثرين ؛ وهما روايتان عن أحمد؛ والله أعلم . ٢٣ وسئل قدس الله روجـ عن رجل وقف وقفاً على جهة معينة ؛ وشرط شروطا ؛ ومات الواقف؛ ولم يثبت الوقف على حاكم، وعدم الكتاب قبل ذلك ، ثم عمل محضراً مجرداً يخالف الشروط والأحكام المذكورة فى كتاب الوقف، وأثبت على حاكم بعد تاريخ الوقف المتقدم ذكره سنتين، ثم ظهر كتاب الوقف، وفيه شروط لم يتضمن المحضر شيئاً منها، وتوجه الكتاب للثبوت، فهل يجوز منع ثبوته ، والعمل المذكور، أم لا؟ فأجاب : الحمد لله. لا يجوز منع ثبوته بحال من الأحوال، بل إذا أمكن ثبوته وجب ثبوته والعمل به ، وإن خالفه المحضر المثبت بعده. وإن حكم بذلك المحضر حاكم، فالحاكم به معذور بكونه لم يثبت عنده ما يخالفه . ولكن إذا ظهر ما يقال: إنه كتاب الوقف ، وجب التمكن من إثباته بالطريق الشرعي ، فإن ثبت وجب العمل به. والله أعلم. ٢٤ وسل عن رجل أوقف وقفاً، وشرط فى بعض شروطه أنهم يقرأون ما تيسر ، ويسبحون ويهللون ويكبرون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر إلى طلوع الشمس. فهل الأفضل السر أو الجهر؟ وإن شرط الواقف فما يكون ؟ فأجاب: الحمد لله. بل الإسرار بالذكر والدماء - كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها - أفضل ؛ ولا هو الأفضل مطلقا، إلا لعارض راجح ، وهو فى هذا الوقت أفضل خصوصاً : فإن الله يقول : وفى الصحيح عن (وَأَذْكُرُرَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) النبى صلى الله عليه وسلم أنه لما رأى الصحابة - رضي الله عنهم - يرفعون أصواتهم بالذكر قال: ((أيها الناس! اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لاتدعون أصم ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا : إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) وفى الحديث: ((خير الذكر الخفى؛ وخير الرزق ماكفى )) . والله أعلم. ٢٥ وسئل رحمه اللّه عن رجل وقف وقفاً وشرط فيه شروطا على جماعة قراء ، وأنهم يحضرون كل يوم بعد صلاة الصبح يقرأون ما تيسر من القرآن إلى طلوع الشمس، ثم يتداولون النهار بينهم يوما ، مثنى، مثنى ، ويجتمعون أيضا بعد صلاة العصر يقرأ كل منهم حزبين ، ويجتمعون أيضا فى كل ليلة جمعة . جملة اجتماعهم فى الشهر سبعة وسبعون مرة على هذا النحو عند قبره بالتربة ؛ وشرط عليهم أيضا أن يبيتوا كل ليلة بالتربة المذكورة، وجعل لكل منهم سكناً يليق به، وشرط لهم جاريا من ريع الوقف يتناولون فى كل يوم، وفى كل شهر. فهل يلزمهم الحضور على شرطه عليهم؟ أم يلزمهم أن يتصفوا بتلك الصفات فى أي مكان أمكن إقامتهم بوظيفة القراءة، أولا يتعين المكان ولا الزمان ؟ وهل يلزمهم أيضا أن يبيتوا بالمكان المذكور، أم لا؟ وإن قيل باللزوم فاستخلف أحدهم من يقرأ عنه وظيفته فى الوقف ، والمكان، والواقف شرط فى كتاب الوقف أن يستنيبوا فى أوقات الضرورات، فما هي الضرورة التى تبيح النيابة ؟ ٢٦ وأيضا إن نقصهم الناظر من معلومهم الشاهد به كتاب الوقف : فهل يجوز أن ينقصوا مما شرط عليهم؟ وسواء كان النقص بسبب ضرورة . أو من اجتهاد الناظر ، أو من غير اجتهاده ، وليشف سيدنا بالجواب مستوعباً بالأدلة ، ويحلى به عن القلوب كل عسر مثابا فى ذلك . فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أصل هذه المسألة - وهو على أهل الأعمال التى يتقرب بها إلى الله تعالى، والوصية لأهلها والنذر لهم - أن تلك الأعمال لا بد أن تكون من الطاعات التى يحبها الله ورسوله، فإذا كانت منهياً عنها لم يجز الوقف عليها . ولا اشتراطها فى الوقف باتفاق المسلمين ، وكذلك فى النذر ونحوه، وهذا متفق عليه بين المسلمين فى الوقف والنذر ، ونحو ذلك ، ليس فيه نزاع بين العلماء أصلا. ومن أصول ذلك ما أخرجه البخاري فى صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)). ومن أصوله ما أخرجه البخارى ومسلم فى الصحيحين عن عائشة أيضا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على المنبر لما أراد أهل بريرة أن ٢٧ يشترطوا الولاء لغير المعتق. فقال: (( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست فی کتاب الله ؟ من اشترط شرطا ليس فی کتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)). وهذا الحديث الشريف المستفيض الذى اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على أنه عام فى الشروط فى جميع العقود، ليس ذلك مخصوصاً عند أحد منهم بالشروط فى البيع، بل من اشترط فى الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نعى الله عنه، أو النعي عما أمر به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين فى جميع العقود : الوقف وغيره . وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًاً، أو حرم حلالا)). وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب، وهذا وإن كان أكثر العلماء يقولون: إنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ ، ولا يقتصر على سببه، فلا نزاع بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها كالآيات النازلة بسبب معين: مثل آيات المواريث ؛ والجهاد والظهار؛ ٢٨ واللعان، والقذف، والمحاربة، والقضاء، والفيء، والربا، والصدقات ؛ وغير ذلك . فعامتها نزلت على أسباب معينة مشهورة فى كتب الحديث، والتفسير ، والفقه، والمغازي ، مع اتفاق الأمة على أن حكمها عام فى حق غير أولئك المعينين ، وغير ذلك مما يماثل قضايام من كل وجه . وكذلك الأحاديث، وحديث عائشة مما اتفقوا على عمومه، وأنه من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، وبعث بها حيث قال : ((من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)). ولكن تنازعوا فى العقود المباحات ، كالبيع ، والإجارة ، والنكاح : هل معنى الحديث من اشترط شرطا لم يثبت أنه خالف فيه شرعا، أو من اشترط شرطا يعلم أنه مخالف لما شرعه الله؟ هذا فيه تنازع ؛ لأن قوله فى آخر الحديث: ((كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)) يدل على أن الشرط الباطل ما خالف ذلك، وقوله: (( من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل )) قد يفهم منه ما ليس بمشروع . وصاحب القول الأول يقول : ما لم ينه عنه من المباحات ؛ فهو مما أذن فيه فيكون مشروعا بكتاب الله، وأما ما كان فى العقود التى يقصد بها ٢٩ الطاعات كالنذر فلا بد أن يكون المنذور طاعة، فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء به ؛ لكن فى وجوب الكفارة به نزاع مشهور بين العلماء ، كالنزاع فى الكفارة بنذر المعصية؛ لكن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، ونذر المباح مخير بين الأمرين ، وكذلك الوقف أيضاً . وحكم الشروط فيه يعرف بذكر أصلين : أن الواقف إنما وقف الوقوف بعد موته لينتفع بثوابه، وأجره عند الله لا ينتفع به فى الدنيا ، فإنه بعد الموت لا ينتفع الميت إلا بالأجر والثواب. ولهذا فرق بين ماقد يقصد به منفعة الدنيا ، وبين ما لا يقصد به إلا الأجر والثواب. فالأول: كالبيع ، والإجارة، والنكاح ، فهذا يجوز للإنسان أن يبذل ماله فيها ليحصل أغراضا مباحة دنيوية ، ومستحبة ، ودينية، بخلاف الأغراض المحرمة. وأما الوقف فليس له أن يبذل ملكه إلا فما ينفعه فى دينه؛ فإنه إذا بذله فما لا ينفعه فى الدين ، والوقف لا ينتفع به بعد مو ته فى الدنيا ، صار بذل المال لغیر فائدة تعود إليه ؛ لا فی دینه ، ولا فى دنياه وهذا لا يجوز . ولهذا فرق العلماء بين الوقف على معين وعلى جهة . فلو وقف أو وصی لمعین جاز ، وإن كان كافراً ذميا لأن صلته مشروعة . کما دل على ذلك الکتاب والسنة فى مثل قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) ومثل حديث ٣٠ أسماء بنت أبى بكر لما قدمت أمها وكانت مشركة، فقالت: يارسول الله: إن أمي قدمت ، وهى راغبة أفأصلها؟ قال: ((صلي أمك)) والحديث فى الصحيحين. وفى ذلك نزل قوله تعالى: (لَّا يَنْهَذَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْيُخْرِجُوكُم مِّن دِيَزِّكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوْاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلََّ آَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَقَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ). فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله ، وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فى كل ذات كبد رطبة أجر)) فإذا أوصى أو وقف على معين، وكان كافرا، أو فاسقا، لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق ، ولا شرطا فيه ، بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلما عدلا فكانت المعصية عديمة التأثير ، بخلاف ما لوجعلها شرطا فى ذلك على جهة الكفار ، والفساق، أو على الطائفة الفلانية ، بشرط أن يكونوا كفارا، أو فساقا، فهذا الذى لا ريب فى بطلانه عند العلماء. ولكن تنازعوا فى الوقف على جهة مباحة ، كالوقف على الأغنياء؟ على قولين مشهورين، والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة ، والأصول أنه (كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ باطل أيضا ، لأن الله سبحانه قال فى مال الفيء : ٣١ اٌلْأَغْنِيَاءِمِنَكُمْ ) فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره، لئلا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء؛ دون الفقراء، فعلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه، فمن جعل الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دولة بين الأغنياء، فيتداولونه بطنا بعد بطن دون الفقراء، وهذا مضاد لله فى أمره ودينه ، فلا يجوز ذلك . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لاسبق إلا فى خف ، أو حافر أو نصل)» فإذا كان قد نهى عن بذل السبق إلا فما يعين على الطاعة والجهاد، مع أنه بذل لذلك فى الحياة وهو منقطع غير مؤبد، فكيف يكون الأمر فى الوقف . وهذا بين فى أصول الشريعة من وجهين : أحدهما : أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة فى الدين ، أو الدنيا . وهذا أصل متفق عليه بين العلماء ، ومن خرج عن ذلك كان سفيها ، وحجر عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السفيه، وكان مبذرا لماله ، وقد نهى الله فى كتابه عن تبذير المال: (وَلَ نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) وهو إنفاقه فى غير مصلحة وكان مضيعا لماله ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فى الحديث المتفق عليه عن المغيرة ٣٢ ابن شعبة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال)). (وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَ لَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ وقد قال الله تعالى فى كتابه : لَكُمْ قِيَمًا). وقد قال كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم : هذا مثل توكيل السفيه، وهو أن يدفع الرجل ماله إلى ولده السفيه أو امرأته السفيهة ، فينفقان عليه، ويكون تحت أمرهما. وقال آخرون: ذلك أن يسلم إلى السفيه مال نفسه ، فإن الله نهى عن تسليم مال نفسه إليه ، إلا إذا أونس منه الرشد. والآية تدل على النوعين كليهما : فقد نهى الله أن يجعل السفيه متصرفا لنفسه أو لغيره: بالوكالة ، أو الولاية . وصرف المال فيما لا ينفع فى الدين ولا الدنيا من أعظم السفه ، فيكون ذلك منهيا عنه فى الشرع . إذا عرف هذا : فمن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه فى الدنيا ، كما ينتفع بما يبذله فى البيع والإجارة والنكاح، وهذا أيضا لا ينتفع به فى الدين ، إن لم ينفقه فى سبيل الله، وسبيل الله طاعته، وطاعة رسوله ، فإن الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوه فما يحبه ، وأما مالا يحبه فلا ثواب فى النفقة عليه . ونفقة ٣٣ الإنسان على نفسه وولده وزوجته واجبة ؛ فلهذا كان الثواب عليها أعظم من الثواب على التطوعات على الأجانب. وإذا كان كذلك فالمباحات التى لا يثيب الشارع عليها لا يثيب على الإنفاق فيها ، والوقف عليها . ولا يكون فى الوقف عليها منفعة ، وثواب فى الدين ، ولا منفعة فى الوقف عليها فى الدنيا . فالوقف عليها خال من انتفاع الواقف فى الدين والدنيا ، فيكون باطلا . وهذا ظاهر فى الأغنياء وإن كان قد يكون مستحبا ، بل واجبا ، فإنما ذلك إذا أعطوا بسبب غير الغنى: من القرابة، والجهاد ، والدين ونحو ذلك . فأما إن جعل سبب الاستحقاق هو الغنى ، وتخصيص الغني بالإعطاء مع مشاركة الفقير له فى أسباب الاستحقاق سوى الغنى ، مع زيادة استحقاق الفقير عليه فهذا مما يعلم بالاضطرار فى كل ملة إن الله لا يحبه ، ولا يرضاه ، فلا يجوز اشتراط ذلك فى الوقف . الوجه الثاني : أن الوقف يكون فما يؤيد على الكفار وبحوم . وفيما يمنع منه التوارث ، وهذا لو أن فيه منفعة راجحة ، وإلا كان يمنع منه الواقف، لأنه فيه حبس المال عن أهل المواريث، ومن ينتقل إليهم. وهذا مأخذ من قال : لاحبس عن فرائض الله، لكن هذا القول ترك لقول عمر وغيره، وما فى ذلك من المصلحة الراجحة. فأما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة ، بل قد حبس المال ٣٤ فمنعه الوارث وسائر الناس أن ينتفع به، وهو لم ينتفع به ، فهذا لا يجوز تنفيذه بلا ريب . ثم هذه المسئلة المتنازع فيها هي فى الوقف على الصفات المباحة الدنيوية كالغنى بالمال . وأما الوقف على الأعمال الدينية كالقرآن، والحديث ، والفقه ، والصلاة والأذان، والإمامة، والجهاد، ونحو ذلك. والكلام فى ذلك هو الأصل الثانى. وذلك لا يمكن أن يكون فى ذلك نزاع بين العلماء، في أنه لا يجوز أن يوقف إلا على ما شرعه الله وأحبه من هذه الأعمال . فأما من ابتدع عملا لم يشرعه الله، وجعله دينا ، فهذا ينهى عن عمل هذا العمل ، فكيف يشرع له أن يقف عليه الأموال ، بل هذا من جنس الوقف على ما يعتقده اليهود والنصارى عبادات، وذلك من الدين المبدل ، أو المنسوخ. ولهذا جعلنا هذا أحد الأصلين فى الوقف . وذلك أن باب العبادات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله ، فليس لأحد أن يجعل شيئاً عبادة أو قربة إلا بدليل شرعي. قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُاْ شَرَعُوْ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ ) وقال تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) وقال تعالى : (الَّصَ * كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) ٣٥ ونظائر ذلك فى الكتاب كثير، يأمر الله فيه بطاعة رسوله، واتباع كتابه, وينهى عن اتباع ما ليس من ذلك . والبدع جميعها كذلك ، فإن البدعة الشرعية - أى المذمومة فى الشرع هى مالم يشرعه الله فى الدين ، أي مالم يدخل فى أمر الله ورسوله ، وطاعة الله ورسوله . فأما إن دخل فى ذلك فإنه من الشرعة لا من البدعة الشرعية . وإن كان قد فعل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بما عرف من أمره: كإخراج اليهود والنصارى بعد موته ، وجمع المصحف ، وجمع الناس على قارئ واحد فى قيام رمضان ، ونحو ذلك . وعمر بن الخطاب الذى أمر بذلك وإن سماء بدعة ، فإنما ذلك لأنه بدعة فى اللغة، إذكل أمر فعل على غير مثال متقدم يسمى فى اللغة بدعة ، وليس مما تسميه الشريعة بدعة ، وينهى عنه، فلا يدخل فيما رواه مسلم من صحيحه عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى خطبته: ((إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة)) فإن قوله صلى الله عليه وسلم ((كل بدعة ضلالة)) حق، وليس فيما دلت عليه الأدلة الشرعية على الاستحباب بدعة ، كما قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه أهل السنن، وصححه الترمذى عن العرباض بن سارية عن ٣٦ النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب ، فقلنا: يارسول الله ! كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهدإلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله، وعليكم بالسمع والطاعة ، وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ وإيا كم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة )) وفى رواية : ((فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) وفى رواية: ((وكل ضلالة فى النار)) ففى هذا الحديث أمر المسلمين باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين، وبين أن المحدثات التى هى البدع التى نعى عنها ما خالف ذلك. فالتراويح ونحو ذلك لو لم تعلم دلالة نصوصه ، وأفعاله عليها ، لكان أدنى أمرها أن تكون من سنة الخلفاء الراشدين ، فلا تكون من البدع الشرعية التى سماها النبى صلى الله عليه وسلم بدعة ، ونعى عنها . وبالجملة لا خلاف بين العلماء أن من وقف على صلاة أو صيام أو قراءة أو جهاد غير شرعى ونحو ذلك لم يصح وقفه: بل هو ينهى عن ذلك العمل ، وعن البذل فيه، والخلاف الذى بينهم فى المباحات لا يخرج مثله هنا ، لأن اتخاذ الشيء عبادة، واعتقاد كونه عبادة، وعمله، لأنه عبادة: لا يخلو من أن يكون مأمورا به، أو منهيا عنه ، فإن كان مأمورا به - واجبا ٣٧ أو مستحبا فى الشريعة - كان اعتقاد كونه عبادة، والرغبة فيه لأجل العبادة، ومحبته وعمله مشروعا . وإن لم يكن الله يحبه ولا يرضاه فليس بواجب، ولا مستحب، لم يجز لأحد أن يعتقد أنه مستحب، ولا أنه قر بة وطاعة ، ولا يتخذه دينا ، ولا يرغب فيه لأجل كونه عبادة . وهذا أصل عظيم من أصول الديانات، وهو التفريق بين المباح الذى يفعل لأنه مباح ، وبين ما يتخذ دينا وعبادة، وطاعة وقربة واعتقادا ورغبة وعملا . فمن جعل ماليس مشروعا ، ولا هو دينا ولا طاعة ولا قربة جعله دينا وطاعة وقربة : كان ذلك حراما ، باتفاق المسلمين . لكن قد يتنازع العلماء فى بعض الأمور: هل هو من باب القرب والعبادات؟ أم لا؟ سواء كان من باب الاعتقادات القولية ، أو من باب الإرادات العملية حتى قد يرى أحدم واجبا ما يراه الآخر حراما؛ كما يرى بعضهم وجوب قتل المرتد ؛ ويرى آخر تحريم ذلك؛ ويرى أحدم وجوب التفريق بين السكران وامرأته إذا طلقها فى سكره، ويرى الآخر تحريم التفريق بينهما؛ وكما يرى أحدم وجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم ويرى الآخر كراهة قراءته: إما مطلقا ؛ وإما إذا سمع جهر الإمام، ونحو ذلك من موارد النزاع . كما أن اعتقادها وعملها من موارد النزاع ، فبذل المال عليها هو من موارد النزاع أيضا ، وهو الاجتهادية . ٣٨ وأما كل عمل يعلم المسلم أنه بدعة منهي عنها ؛ فإن العالم بذلك لا يجوز الوقف باتفاق المسلمين ؛ وإن كان قد يشرط بعضهم بعض هذه الأعمال من لم يعلم الشريعة، أو من هو يقلد فى ذلك لمن لا يجوز تقليده فى ذلك، فإن هذا باطل ، كما قال عمر بن الخطاب : ردوا الجهالات إلى السنة . ولما فى الصحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)). ولهذا اتفق العلماء أن حكم الحاكم العادل إذا خالف نصا أو إجماعا لم يعلمه فهو منقوض ، فكيف بتصرف من ليس يعلم هذا الباب من واقف لا يعلم حكم الشريعة ؛ ومن يتولى ذلك له من وكلائه. وإن قدر أن حا كما حكم بصورة ذلك ولزومه فنايته أن يكون عالما عادلا ، فلا ينفذ ما خالف فيه نصا أو إجماعاً باتفاق المسلمين . ء والشروط المتضمنة للأمر بما نهى الله عنه، والنهي عن ما أمر الله به مخالفة للنص والإجماع ، وكل ما أمر الله به أو نهى عنه ، فإن طاعتهفیه حسب الإمكان. كما قال تعالى: (فَنَّقُوا اللهَمَا اسْتَطَعْتُمْ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). ٣٩ فهذه القواعد هى الكلمات الجامعة ؛ والأصول الكلية التى تنبنى عليها هذه المسائل؛ ونحوها . وقد ذكرنا منها نكتا جامعة بحسب ما تحتمله الورقة يعرفها المتدرب فى فقه الدين . وبعد هذا ينظر فى تحقيق مناط الحكم فى صورة السؤال وغيرها بنظره. فما تبين أنه من الشروط الفاسدة ألغى؛ وما تبين أنه شرط موافق لكتاب الله عمل به؛ وما اشتبه أمره أو كان فيه نزاع فله حكم نظائره. ومن هذه الشروط الباطلة ما يحتاج تغييره إلى همة قوية ؛ وقدرة نافذة. ويؤيدها الله بالعلم والدين . وإلا فجرد قيام الشخص فى هوى نفسه لجلب دنيا، أو دفع مضرة دنيوية، إذا أخرج ذلك مخرج الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لا يكاد ينجح سعيه. وإن كان متظلما طالبا من يعينه ، فإن أعانه الله بمن هو متصف بذلك، أو بما يقدره له من جهة تعينه حصل مقصوده . ولا حول ولا قوة إلا بالله . وما ذكره السائلون فرض تمام الوجود. والله يسهل لهم ولسائر المسلمين من يعينهم على خير الدين والدنيا ، إنه على كل شيء قدير . فمما لا نزاع فيه بين العلماء أن مبيت الشخص فى مكان معين دائما ليس قربة ولا طاعة باتفاق العلماء . ولا يكون ذلك إلا في بعض الأوقات إذا كان فى التعيين مصلحة شرعية: مثل المبيت فى ليالي منى؛ ومثل ٤٠