Indexed OCR Text
Pages 1-20
جموع فتَاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمْعْوَتَرَتِبُ عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم (رَحَمَهُ الّه)) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَّمَّدَ ((وَفْقَهُ اللَّه)) المجلّد الواحد والثلاثون طُبعَ بِأمْر خَادِمْ الجُرَيْنُ الشَِّ فَيْ لِمَلِ فَهْدِرْ عَبْدِ العزيز السُعُودِ أَجْزَلِ اللَّهَ مَثُوُبتَه طبعَت هذه الفتَاوى في مُجَعَ الَلِكِ فَهَدِ لُطبَاعَةِ المُصِّحِ الشّريف في المدينة المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّجُومِ وَالأَرْشَادِ بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُودِيّةِ عام ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٤١٦ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ (مجموعة) ٦-٥١-٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ٣١) أ - العنوان ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي ١٥/٢٠٠٩ دیوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ٦-٥١-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٣١ ) كتاب الوقف إلى النكاح ٤ 3 الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبي بعده سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه اللّه تعالى عن رجل احتكر من رجل قطعة أرض بستان، ثم إن المحتكر عمر فى أرض البستان صورة مسجد، وبنى فيها محرابا، وقال لمالك الأرض : هذا عمرته مسجداً فلا تأخذ منى حكره، فأجابه إلى ذلك، ثم إن مالك الأرض باع البستان ، ولم يستثن منه شيئاً . فهل يصير هذا المكان مسجداً بذلك ، أم لا ؟ وإذا لم يصر مسجداً بذلك: فهل يكون عدم أخذ مالك الأرض الحكر يصير مسجداً؟ وإذا لم يصر بيع البستان جميعه : هل يجوز لبانى صورة المسجد أن يضع ما بناه؟ فأجاب : إذا لم يسبل للناس كما تسبل المساجد ؛ بحيث تصلى فيه الصلوات الخمس التى تصلى فى المساجد، لم يصر مسجداً بمجرد الإذن فى العمارة المذكورة وإذا لم يكن قربة يقتضى خروجه من المبيع دخل فى المبيع ؛ فإن الشروع فى تصيره مسجداً لا يجعله مسجداً. ٥ وكذلك القول فى العمارة، لكن ينبنى لمن أخرج ثمن ذلك أن لا يعود إلى ملكه، كمن أخرج من ماله مالا ليتصدق به ، فلم يجد السائل ينبغي له أن يمضى ذلك، ويتصدق به على سائل آخر ، ولا يعبده إلى ملكه، وإن لم يجب. وإذا صرف مثل هذا المكان فى مصالح مسجد آخر جاز ذلك ، بل إذا صار مسجدا ، وكان بحيث لا يصلى فيه أحد جاز أن ينقل إلى مسجد ينتفع به، بل إذًا جاز أن يباع ويصرف ثمنه فى مسجد آخر ، بل يجوز أن يعمر عمارة ينتفع بها المسجد آخر . وسئل رحم الله عمن بنى مسجداً، وأوقف حانوتا على مؤذن وقيم معين، ولم يتسلم من ريع الحانوت شيئاً فى حياته . فهل يجوز تناوله بعد وفاته ؟. فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إذا وقف وقفا، ولم يخرج من يده ففيه قولان مشهوران لأهل العلم : أحدهما : يبطل وهو مذهب مالك ، والإمام أحمد فى إحدى الروايتين وقول أبى حنيفة ، وصاحبه محمد . ٦ والثانى : يلزم وهو مذهب الشافعى ، والإمام أحمد فى إحدى الروايتين عن أحمد . والقول الثانى فى مذهب أبى حنيفة . وقول أبى يوسف . والله أعلم . وسئل عن حقوق زاوية وهو بظاهرها ، وقد أقيم فيه محراب منذسنين ، فرأى من له النظر على المكان المذكور المصلحة فى بناء طبقة على ذلك المحراب : إما لسكن الإمام، أو لمن يخدم المكان من غير ضرورة تعود على المكان المذكور ، ولا على أهله. فهل يجوز ذلك ؟ . فأجاب : إذا لم يكن ذلك مسجداً معداً للصلوات الخمس ، بل هو من حقوق المكان : جاز أن يبنى فيه ما يكون من مصلحة المكان ، ومجرد تصوير محراب لا يجعله مسجداً ، لاسيما إذا كان المسجد المعد للصلوات ففى البناء عليه نزاع بين العلماء . ٧ وسئل رحمه الله عمن استأجر أرضا، وبنى فيها دارا ، ودكانا أو شيئا يستحق له كرى عشرين درهما كل شهر ، إذا يعمر ، وعليه حكر فى كل شهر درهم ونصف ؟ توقف قديما: فهل يجوز للمستأجر أن يعمر مع ماقد عمره من الملك مسجداً لله، ء ويوقف الملك على المسجد ؟ فأجاب : يجوز أن يقف البناء الذى بناه فى الأرض المستأجرة. سواء وقفه مسجدا أو غير مسجد ، ولا يسقط ذلك حق أهل الأرض ، فإنه متى انقضت مدة الإجارة ، وانهدم البناء زال حكم الوقف، سواء كان مسجدا أو غير مسجد، وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها ، وما دام البناء قائما فيها فعليه أجرة المثل، ولو وقف على ربع، أودار مسجداً ، ثم انهدمت الدار، أو الربع، فإن وقف العلو لا يسقط حق ملاك السفل، كذلك وقف البناء لا يسقط على ملاك الأرض . ٨ وسئل رحمه اللّه عمن وصى ، أو وقف على جيرانه فما الحكم ؟ فأجاب : إذا لم يعرف مقصود الواقف والوصي، لا بقرينة لفظية ولا عرفية ، ولا كان له عرف فى مسمى الجيران: رجع فى ذلك إلى المسمى الشرعى وهو أربعون دارا من كل جانب ؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهقال: ((الجيران أربعون من ههنا، وههنا، والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)). والله أعلم وسئل عن رجل معرف على المراكب، وبنى مسجداً، وجعل للإمام فى كل المراكب شهر أجرة من عنده : فهل هو حلال؟ أم حرام؟ وهل يجوز الصلاة فى المسجد ؟ أم لا؟ فأجاب : إن كان يعطى هذه الدرام من أجرة المرا كب التى له جاز أخذها ، وإن كان يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا . والله أعلم. ٩ وسئل رحمه اللّه عن قوم بيده وقف من جدم من أكثر من مائة وخمسين سنة على مشهد مضاف إلى شيث ، وعلى ذرية الواقف والفقراء، ونظره لهم ، والوقف معروف بذلك من الزمان القديم. وقد ثبت ذلك فى مجلس الحكم الشريف، وبيدهم مراسم الملوك من زمان نور الدين، وصلاح الدين ، تشهد بذلك ، وتأمر بإعفاء هذا الوقف ، ورعاية حرمته ، وقد قام نظار هذا الوقف فى هذا الوقت طلبوا أن يفرقوا نصف المغل فى عمارة المشهد، والنصف الذى يبقى لذريته يأخذونه لا يعطونهم إياه، ولا يصرفونه فى مصارف الوقف ؟ . فأجاب : لا يجوز هذا الناظر، ولا يجوز تمكينهم من أن يصرفوا الوقف فى غير مصارفه الشرعية ولا حرمان ورثة الواقف والفقراء الداخلين فى شرط الواقف ؛ بل ذريته والفقراء أحق بأن يصرف إليهم ما شرطلهم من المشهد المذكور؛ فكيف يحرمون - والحال هذه - بل لو كان الوقف على المشهد وحده لكان صرف ما يفضل إليهم مع حاجتهم أولى من صرفه إلى غيرم . ١٠ فمن صرف بعض الوقف على المشهد ؛ وأخذ بعضه يصرفه فيما لم يقتضه الشرط ؛ وحرم الذرية الداخلين فى الشرط ؛ فقد عصى الله ورسوله؛ وتعدى حدوده من وجوب أداء الوقف على ذرية الواقف ؛ جائر باتفاق أئمة المسلمين المجوزين للوقف ؛ وهو أمر قديم من زمن الصحابة والتابعين . وأما بناء المشاهد على القبور والوقف عليها فبدعة؛ لم يكن على عهد الصحابة ؛ ولا التابعين؛ ولا تابعيهم ؛ بل ولا على عهد الأربعة . وقد اتفق الأمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور؛ ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره ؛ ولا النذر لها ؛ ولا العكوف عليها؛ ولا فضيلة للصلاة والدعاء ( فيها على) المساجد الحالية عن القبور ؛ فإنه يعرف أن هذا خلاف دين الإسلام المعلوم بالاضطرار المتفق عليه بين الأمة ؛ فإنه إن لم يرجع فإنه يستتاب ؛ بل قد نص الأمة المعتبرون على أن بناء المساجد على القبور مثل هذا المشهد ونحوه حرام ؛ لما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا؛ قالت عائشة رضى الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره إن يتخذ مسجداً . وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : قبل أن يموت بخمس: ((أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ألا فلا ١١ تتخذوا القبور مساجد؛ فإنى أنها كم عن ذلك )) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله زوارات القبور؛ والمتخذين عليها المساجد والسرج)) فقد لعن من يبنى مسجداً على قبر ؛ ويوقد فيه سراجاً : مثل قنديل ؛ وشمعة ؛ ونحو ذلك فكيف يصرف مال أحدم إلى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ويترك صرف ماشرط لهم؛ مع استحقاقهم ذلك فى دين الله؟! نعم ! لو كان هذا مسجداً لله خاليا عن قبر لكانوا هم وهو فى تناول شرط الواقف لهما سواء . أما ما يصرف لبناء المشهد فمعصية لله. والصرف إليهم واجب. وإن كان المسجد منفصلا عن القبر فحكمه حكم سائر مساجد المسلمين؛ ولكن لا فضيلة له على غيره. والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل وقف وقفا على مدرسة . وشرط فى كتاب الوقف أنه لا ينزل بالمدرسة المذكورة إلا من لم يكن له وظيفة بجامكية؛ ولا مرتب. وأنه لا يصرف ريعها لمن له مرتب فى جهة أخرى ؛ وشرط لكل طالب جامكية معلومة : فهل يصح هذا الشرط والحالة هذه؛ وإذا صح فنقص ريع الوقف ؛ ولم يصل كل طالب إلى الجامكية المقررة له : فهل يجوز ١٢ للطالب أن يتناول جامكية فى مكان آخر؟ وإذا نقص ريع الوقف ولم يصل كل طالب إلى تمام حقه . فهل يجوز للناظر أن يبطل الشرط المذكور أم لا؟ وإذا حكم بصحة الوقف المذكور حاكم : هل يبطل الشرط والحالة هذه ؟ . فأجاب : أصل هذه المسائل أن شرط الواقف إن كان قربة وطاعة الله ورسوله كان صحيحا ؛ وإن لم يكن شرطا لازما . وإن كان مباحا، كما لم يسوغ النبى صلى الله عليه وسلم السبق إلا فى خف أو حافر أو نصل؛ وإن كانت المسابقة بلا عوض قد جوزها بالأقدام وغيرها ؛ ولأن الله تعالى قال فى مال فعلم أن الله يكره أن (كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) الفيء : يكون المال دولة بين الأغنياء . وإن كان الننى وصفا مباحا فلا يجوز الوقف على الأغنياء؛ وعلى قياسه سائر الصفات المباحة ؛ ولأن العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابا على بذل المال فيه؛ فيكون قد صرف المال فيما لا ينفعه ؛ لا فى حياته ولا فى مماته ٠۵ ثم إذا لم يكن للعامل فيه منفعة فى الدنيا ؛ كان تعذيبا له بلا فائدة تصل إليه؛ ولا إلى الواقف ؛ ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها فى سورة الأنعام؛ والمائدة . وإذا خلا العمل المشروط فى العقود كلها عن منفعة فى الدين ؛ أو فى الدنيا ١٣ كان باطلا بالاتفاق فى أصول كثيرة؛ لأنه شرط ليس فى كتاب الله تعالى ؛ فيكون باطلا ؛ ولو كان مائة شرط . مثال ذلك أن يشرط عليه التزام نوع من المطعم ؛ أو الملبس؛ أو المسكن الذى لم تستحبه الشريعة ؛ أو ترك بعض الأعمال التى تستحب الشريعة عملها ونحو ذلك . يبقى الكلام فى تحقيق هذا المناط فى اعتبار المسائل ؛ فإنه قد يكون متفقا عليه وقد يكون مختلفا فيه؛ لاختلاف الاجتهاد فى بعض الأعمال؛ فينظر فى شرط ترك من جهة أخرى ؛ فما لم يكن فيه مقصود شرعى - خالص أو راجح - كان باطلا؛ وإن كان صحيحا ؛ ثم (إذا) نقص الريع عما شرطه الواقف جاز للمطالب أن يرتزق تمام كفايته من جهة أخرى ؛ لأن رزق الكفاية لطلبة العلم من الواجبات الشرعية ؛ بل هو من المصالح الكلية التى لا قيام للخلق بدونها ؛ فليس لأحد أن يشرط ما ينافيها ؛ فكيف إذا لم يعلم أنه قصد ذلك ؟ . ويجوز للناظر مع هذه الحالة أن يوصل إلى المرتزقة بالعلم ما جعل لهم [و](١) أن لا يمنعهم من تناول تمام كفايتهم من جهة أخرى يرتبون فيها؛ وليس هذا إبطالا للشرط ؛ لكنه ترك العمل به عند تعذره؛ وشروط الله حكمها كذلك وحكم الحاكم لا يمنع ما ذكر. (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٤ وهذه الأرزاق المأخوذة على الأعمال الدينية إنما هى أرزاق ومعاون على الدين ؛ بمنزلة ما يرتزقه المقاتلة؛ والعلماء من الفيء. والواجبات الشرعية تسقط بالعذر؛ وليست كالجعالات على عمل دنيوى ؛ ولا بمنزلة الإجارة عليها ، فهذه حقيقة حال هذه الأموال. والله أعلم . دبل عن رجل وقف مدرسة ، وشرط من يكون له بها وظيفة أن لا يشتغل بوظيفة أخرى بغير مدرسته، وشرط له فيها متبا معلوما. وقال فى كتاب الوقف : وإذا حصل فى ريع هذه المدرسة نقص بسبب محل أو غيره كان ما بقى من ريع هذا الوقف مصروفا فى أرباب الوظائف بها، لكل منهم بالنسبة إلى معلومه بالمحاصصة . وقال فى كتاب الوقف : وإذا حصل فى السعر غلاء فللناظر أن يرتب لهم زيادة على ما قرر لهم بحسب كفايتهم فى ذلك الوقت . ثم إذا حصل فى ربع الوقف نقص من جهة نقص وقفها بحيث أنه إذا ألفي هذا الشرط من عدم الجمع بينها وبين غيرها، يؤدي إلى تعطيل المدرسة : فهل يجوز لمن يكون بها أن يجمع بينها وبين غيرها ليحصل له قدر كفايته والحالة هذه ؟ حيث راعى الواقف الكفاية لمن يكون بها ، أو كما تقدم فى فصل غلاء السعر أم لا ؟ ١٥ فأجاب : الحمد لله . هذه الشروط المشروطة على من فيها كعدم الجمع إنما يلزم الوفاء بها إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعى : الذى هو يكون اسمك إما واجب ، وإما مستحب. فأما المحافظة على بعض الشروط مع فوات المقصود بالشروط فلا يجوز . فاشتراط عدم الجمع باطل مع ذهاب بعض أصل الوقف، وعدم حصول الكفاية للمرتب بها لا يجب التزامه ، ولا يجوز الالزام به لوجهين : (أحدهما) : أن ذلك إنما شرط عليهم مع وجود ريع الموقوف عليهم، سواء كان كاملا أو ناقصا ، فإذا ذهب بعض أصل الوقف لم تكن الشروط مشروطة فى هذه الحال ، وفرق بين نقص ريع الوقف مع وجود ٠ أصله، وبين ذهاب بعض أصله . ( الوجه الثانى) : أن حصول الكفاية المرتب بها أمر لا بدمنه، حتى لو قدر أن الواقف صرح بخلاف ذلك كان شرطا باطلا. مثل أن يقول : إن المرتب بها لا يرتزق من غيرها ولو لم يحصل له كفايته، فلو صرح بهذا لم يصح؛ لأن هذا شرط يخالف كتاب الله، فإن حصول الكفاية لا بدمنها، ويحصيلها للمسلم واجب، إما عليه؛ وإما على المسلمين، فلا يصح شرط يخالف ذلك . وقد ظهر أن الواقف لم يقصد ذلك؛ لأنه شرط لهم الكفاية، ولكن ذهاب بعض أموال الوقف بمنزلة تلف العين الموقوفة ، ونحو ذلك . ١٦ والوقف سواء شبه بالجعل أو بالأجرة أو بالرزق، فإن ما على العامل أن يعمل إذا وفى له بما شرط له . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجل وقف وقفا على مسجد ، وأكفان المونى، وشرط فيه الأرشد فالأرشد من ورثته، ثم للحاكم، وشرط لإمام المسجد ستة درام، والمؤذن والقيم بالتربة ستة درام، وشرط لهما دارين لسكناهما، ثم إن ريع الوقف زاد خمسة أمثاله ، بحيث لا يحتاج الأكفان إلى زيادة، فجعل لهما الحاكم كل شهر ثلاثين درهما، ثم اطلع بعد ذلك على شرط الواقف فتوقف فى أن يصرف عليهم ما زاد على شرط الواقف . فهل يجوز له ذلك؟ وهل يجوز لهما تناوله ؟ وأيضًا الدار المذكورة انهدمت، فأحكرها ناظر الوقف كل سنة بدر همين، فعمرها المستأجر، وأجرها فى السنة بخمسين درهما. فهل يصح هذا الإحكار ؟ فأجاب : نعم يجوز أن يعطى الإمام والمؤذن من مثل هذا الوقف الفائض رزق مثلهما وإن کان زائداً على ثلثین ، بل إذا كانا فقیرین، وليس لما زاد مصرف معروف : جاز أن يصرف إليهما منه تمام كفايتهما . وذلك لوجهين : ١٧ أحدهما : أن تقدير الواقف درام مقدرة فى وقف مقدار ريع ، قد مراد به النسبة : مثل أن يشرط له عشرة، والمغل مائة ، ويراد به العشر، فإن كان هناك قرينة تدل على إرادة هذا عمل به . ومن المعلوم فى العرف أن الوقف إذا كان مغله مائة درهم، وشرط له ستة ثم صار خمسمائة، فإن العادة فى مثل هذا أن يشرط له أضعاف ذلك، مثل خمسة أمثاله، ولم تجر عادة من شرط ستة من مائة أن يشترط ستة من خمسمائة ، فيحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم فى خطابهم . الثانى : أن الواقف لو لم يشترط هذا فزائد الوقف يصرف فى المصالح التي هى نظير مصالحه ، وما يشبهها : مثل صرفه فى مساجد أخر ، وفى فقراء الجيران، ونحو ذلك: لأن الأمر دائر بين أن يصرف فى مثل ذلك، أو يرصد لما يحدث من عمارة ، ونحوه. ورصده دائما مع زيادة الريع لافائدة فيه: بل فيه مضرة ، وهو حبسه لمن يتولى عليهم من الظالمين المباشرين ء والمتولين الذين يأخذونه بغير حق. وقدروى عن على بن أبى طالب: أنه حض الناس على مكاتب يجمعون له ، ففضلت فضلة ، فأمر بصرفها فى المكاتبين، والسبب فيه أنه إذا تعذر المعين، صار الصرف إلى نوعه . ولهذا كان الصحيح فى الوقف هو هذا القول ، وأن يتصدق بما فضل من كسوته ، كما كان عمر بن الخطاب يتصدق كل عام بكسوة الكعبة يقسمها بين الحجاج . ١٨ وإذا كان كذلك ؛ فمن المعلوم أن صرف الفاضل إلى إمامه ومؤذنه مع الاستحقاق أولى من الصرف إلى غيرهما، وتقدير الواقف لا يمنع استحقاق الزيادة بسبب آخر ، كما لا يمنع استحقاق غير مسجده. وإذا كان كذلك ، وقدر الأكفان التي هى المصروفة ببعض الريع ، صرف ما يفضل إلى الإمام والمؤذن ما ذكر . والله أعلم. وسئل رحم الله عن رجل أوقف وقفا ، وشرط التنزيل فيه للشيخ ، وشرط أن لا ینزل فيه شریر ولا متجوه، وأنه نزل فيه شخص بالجاه ، ثم بدا منه أمر يدل على أنه شرير ، فرأى الشيخ المصلحة فى صرفه اعتماداً على شرط الواقف، ونزل الشيخ شخصاً آخر بطريق شرط الواقف ، ومرسوم ألفاظه، فهل يجوز صرف من نزل بشرط الواقف بغير مستند شرعي، وإعادة المتجوه الشرير المخالف لشرط الواقف. وهل يحرم على الناظر والشيخ ذلك ، ويقدح ذلك فى ولايتهما ؟ وهل يحرم على الساعي فى ذلك المساعد له ؟ فأجاب : إذا علم شرط الواقف، عدل عنه إلى شرط الله قبل شرط الواقف [ إذا كان مخالفا لشرط الله ]. ١٩ فإن الجهات الدينية مثل الخوانك ، والمدارس وغيرها لا يجوز أن ينزل فيها فاسق ، سواء كان فسقه بظلمه للخلق ، وتعديه عليهم بقوله وفعله . أو فسقه بتعدیه حقوق الله ، التي بينه وبين الله. فإن كلا من هذين الضربين يجب الإنكار عليه وعقوبته ، فكيف يجوز أن يقرر فى الجهات الدينية ونحوها، فكيف إذا شرط الواقف ذلك ، فإنه يصير وجوبه مؤكداً. ومن نزل من أهل الاستحقاق تنزيلا شرعيا لم يجز صرفه لأجل هذا الظلم، ولالغيره، فكيف يجوز أن يستبدل الظالم بالعادل ، والفاجر بالبر . ومن أعان على ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان ، سواء علم شرط الواقف، أو لم يعلم. ٢٠