Indexed OCR Text
Pages 201-220
يجوز بيع المقائى وغيرها على هذا القول. والله أعلم. والحمد لله. وسئل عن مريض طلب من رجل أن يطيبه ، وينفق عليه ففعل . فهل للمنفق أن يطالب المريض بالنفقة ؟ . فأجاب : إن كان ينفق طالبا للعوض لفظاً ، أو عرفا ، فله المطالبة بالعوض. والله أعلم . ء وسئل عن رجل ضرير كتبت عليه إجارة . فهل تصح إجارته ؟. فأجاب : يصح استئجار الأعمى، واشتراؤه عند جمهور العلماء : كمالك، وأبى حنيفة، والإمام أحمد فى المشهور عنه. ولا بد أن يوصف له المبيع ، والمستأجر . فإن وجده بخلاف الصفة ، فله الفسخ . ٢٠١ وسئل رحمه اللّه عن رجل ليس له ما يكفيه . وهو يصلي بالأجرة . فهل يجوز ذلك ؟ أم لا ؟ . فأجاب : الاستئجار على الإمامة لا يجوز فى المشهور من مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، والإمام أحمد . وقيل : يجوز ، وهو مذهب الشافعي ، ورواية عن الإمام أحمد ، وقول فى مذهب مالك. والخلاف في الأذان أيضا : لكن المشهور من مذهب مالك أن الاستئجار يجوز على الأذان وعلى الإمامة معه . لا منفردة . وفى الاستئجار على هذا ونحوه كالتعليم ، قول ثالث فى مذهب أحمد ، وغيره : أنه يجوز مع الحاجة ، ولا يجوز بدون الحاجة . والله أعلم. ٢٠٢ وسئل رحمه الله عن رجل توفى وأوصى أن يصلى عنه بدرام ؟ . فأجاب : صلاة الفرض لا يفعلها أحد من أحد لا بأجرة ، ولا بغير أجرة ، باتفاق الآثمة ؛ بل لا يجوز أن يستأجر أحدا ليصلي عنه نافلة باتفاق الأمة ؛ لا فى حياته ، ولا فى مماته . فكيف من يستأجر ليعلى عنه فريضة . وإنما تنازع العلماء فيما إذا صلى نافلة بلا أجرة ، وأهدى ثوابها إلى الميت . هل ينفعه ذلك؟ فيه قولان للعلماء. ولو نذر الميت أن يعلي فمات . فهل تفعل عنه الصلاة المنذورة ؟ على قولين ، مما روايتان من الإمام أحمد . لكن هذه الدرام التى أوصى بها بتصدق بها عنه ، ويخص بالصدقة أهل الصلاة ، فيكون للميت أجر . وكل صلاة يصلونها ، ويستعينون عليها بصدقته، يكون له منها نصيب من غير أن ينقص من أجر المصلي شيء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من فطر صائما فله مثل أجره)) وقال: ((من جهز غازيا فقد غزا)). ٢٠٣ وسئل رحمه اللّه عن رجل من أهل العلم قصد لأن يقرأ عليه شيء من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرها من العلوم الشرعية، فامتنع من إقرائها إلا بأجرة . فقيل له : قد روي من هدى السلف وأئمة الهدى تعليم العلم ابتغاء لوجه الله الكريم ما لا خفاء به على عاقل ، وهذا مما لا ينبغى . فقال : أقرئ العلم بغير أجرة؟! يحرم على ذلك ، فكلامه صحيح ؟ أم باطل ؟ وهل هو باهل بقوله إنه معذور . وهل يجوز له أخذ الأجرة على تعليم العلم النافع ؟ أم يكره له ذلك ؟ . فأجاب: الحمد لله. أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة، فهو أفضل الأعمال ، وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هذا مما يخفى على أحد ممن نشأ بديار الإسلام . والصحابة والتابعون وتابعو التابعين، وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه ، إنما كانوا يعلمون بغير أجرة . ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أملا . فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما. ٢٠٤ وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر . والأنبياء صلوات الله عليهم إنما كانوا يعلمون العلم بغير أجرة . كما قال نوح عليه السلام: (وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ) وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم . وكذلك قال خاتم الرسل : (قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنْ مِن ◌ُّْكَلِفِينَ) وقال: (قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ إِلَّ مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِهِ سَبِيلاً ). وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنه عمل صالح، فضلا عن أن يكون جائزاً ؛ بل هو من فروض الكفاية ؛ فإن تعليم العلم الذي بينه فرض على الكفاية ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((بلغوا عنى ولو آية)) وقال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)). وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن ، والحديث والفقه . على قولين مشهورين ، هما روايتان عن أحمد . إحداهما - وهو مذهب أبى حنيفة وغيره - أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك . والثانية - وهو قول الشافعي - أنه يجوز الاستئجار. وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة ؛ دون الغنى ، كما قال تعالى في ولي اليتيم: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ ٢٠٥ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ ). ويجوز أن يعطى هؤلاء من مال المسلمين على التعليم ، كما يعطى الأئمة والمؤذنون والقضاة ، وذلك جائز مع الحاجة . وهل يجوز الارتزاق مع الغنى ؟ على قولين للعلماء . فلم يقل أحد من المسلمين أن عمل هذه الأعمال بغير أجر لا يجوز . ومن قال: إن ذلك لا يجوز ؛ فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ؛ لكن إن أراد أنه فقير متى علم بغير أجر عجز عن الكسب لعياله ، والكسب لعياله واجب عليه ، متعين ، فلا يجوز له ترك الواجب المتعين . لغير متعين ، واعتقد مع ذلك جواز التعليم بالأجرة مع الحاجة ، أو مطلقا ؛ فهذا متأول فى قوله ، لا يكفر بذلك ، ولا يفسق باتفاق الأمة ؛ بل إما أن يكون معيباً أو مخطئاً . ومأخذ العلماء في (عدم) جواز الاستئجار على هذا النفع: أن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن ، والحديث ، والفقه ، والإمامة ، والأذان ؛ لا يجوز أن يفعله كافر : ولا يفعله إلا مسلم ؛ بخلاف النفع الذي يفعله المسلم والكافر: كالبناء ، والخياطة، والنسج ، ونحو ذلك . وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله ، فإنه يبقى مستحقا بالعوض ، معمولا لأجله . والعمل إذا عمل للعوض لم يبق ٢٠٦ عبادة : كالصناعات التى تعمل بالأجرة . فمن قال : لا يجوز الاستئجار على هذه الأعمال ، قال : إنه لا يجوز إيقاعها على غير وجه العبادة لله. كما لا يجوز إيقاع الصلاة والصوم والقراءة على غير وجه العبادة لله، والاستئجار يخرجها عن ذلك . ومن جوز ذلك قال: إنه نفع يصل إلى المستأجر ، فجاز أخذ الأجرة عليه : كسائر المنافع . قال: وإذا كانت لا عبادة في هذه الحال، لا تقع على وجه العبادة ، فيجوز إيقاعها على وجه العبادة ، وغير وجه العبادة ؛ لما فيها من النفع . ومن فرق بين المحتاج وغيره - وهو أقرب - قال: المحتاج إذا اكتسب بها أمكنه أن ينوي عملها للّه، ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة ؛ فإن الكسب على العيال واجب أيضا ، فيؤدى الواجبات بهذا ؛ بخلاف الغنى لأنه لا يحتاج إلى الكسب ، فلا حاجة ندعوه أن يعملها لغير الله؛ بل إذا كان الله قد أغناه ، وهذا فرض على الكفاية : كان هو مخاطبا به ، وإذا لم يقم إلا به كان ذلك واجبا عليه عينا . والله أعلم . ٢٠٧ ومثل رحمه اللّه عمن اكترى داراً لمرضاة نفسه. هل يجوز له أن يكرى ؟ . فأجاب : إن اكترى منفعة لفعل محرم : مثل الغناء والزنا وشهادة الزور ، وقتل المعصوم : كان كراء محرما . وكذلك إن أكراها لفعل ما وجب عليه : مثل أن يتعين عليه شهادة بحق ، أو فتيا في مسألة ، أو قضاء فى حكومة ، أو جهاد متعين ؛ فإن هذا الكرى لا يجوز . وإن كان لفعل يختص بأهل القربات ، كالكرى لإ قراء القرآن ، والعلم ، والإمامة ، والأذان ، والحج عن غيره والجهاد الذي لم يتعين : فهذا فيه خلاف بين العلماء. وإن كان الكرى لعمل . كالخياطة ، والنجارة ، والبناء ، جاز بالاتفاق . ٢٠٨ وقال رحمه الله فصل الاستئجار على منفعة محرمة : كالزنا ، واللواط ، والغناء ، وحمل الخمر ، وغير ذلك : باطل ؛ لكن إذا استوفى تلك المنفعة ومنع العامل أجرته كان غدرا وظلما أيضا . وقد استوفيت مسألة الاستئجار لحمل الخمر فى كتاب «الصراط المستقيم )) بينت أن الصواب منصوص أحمد : أنه يقضى له بالأجرة ، وأنها لا تطيب له. إما كراهة تنزيه، أو تحريم ، لكن هذه المسألة فيما كان جنسه مباحا ، ڪالحمل ، بخلاف الزنا . ولا ريب أن مهر البغي خبيث ، وحلوان الكاهن خبيث ، والحاكم يقضى بعقوبة المستأجر المستوفى للمنفعة المحرمة فتكون عقوبته له عوضا عن الأجر . فأما فيما بينه وبين الله. فهل ينبغى له أن يعطيه ذلك؟ وإن كان لا يحل الأخذ لحق الله. فهذا متقوم. وإن لم يجب عليه ذلك كان فى ذلك درك لحاجته ؛ أنه يفعل المحرم ، ويعذر، ولا يعاقبه فى الآخرة إلا ٢٠٩ على فعل المحرم، لا على الغدر والظلم . وهذا البحث يتصل بالبحث فى أحكام سائر العقود الفاسدة ، وقبوضها . وسئل رحم اللّه عمن استعمل كتاباً مذهباً مكتوباً ، وأعطى أجرته ، وتسلمه الذي استعمله وجلده . وغاب به أربعين يوماً، ثم أتى به إلى الصانع الذي تولى كتابته وتذهيبه ، وقال له : أعطنى ما تسلمته من من الأجرة ، فإني واسطة . فهل يجوز له أن يكرهه على رده ؟ وإعادة ما أعطاه من الأجرة ؟ . فأجاب : إذا استأجره لعمل من الأعمال التى تجوز الإجارة عليها ، وأعطاء أجرته ، مع توفية المستأجر عمله ، لم يجب عليه أن يرد عليه الأجرة ؛ بل إن لم يسم موكله فى عقد الإجارة كان ضامنا للأجرة بلا ريب . وإن سماه : فهل يكون ضامنا للأجرة ؟ على قولين ، هما روايتان عن الإمام أحمد . فلو لم يعطه الأجرة كان للأجير أن يطالبه بها ، فكيف إذا أعطاه إياها ؟ بل إن كان أعطى الأجرة من مال موكله ، وإلا فللوكيل مطالبة الموكل بالأجرة التى أداها عنه . والله أعلم . ٢١٠ وسئل رحمه اللّه عن إنسان جاءه سائل فى صورة مشبب . فشبب ، فأعطاء شيئاً ، فكان إنسان حاضراً فقال للمعطى: تحرم عليه هذه العطية على هذه الصورة ؛ لكون الشبابة وسيلة . فقال: ما أعطيته إلا لكونه فقيراً . وبعد هذا لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان جائزا ؛ فإنه قد أباح بعضهم سماع الشبابة ، واستدل على ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم عبر على راع ، ومعه ابن عباس ، أو غيره . وكان الراعي يشبب ، فسد النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه بإصبعيه، وصار يسأل الذي كان معه: ((هل تسمع صوت الشبابة ؟ فما زال كذلك، حتى أخبره أنه لم يسمعها ، ففتح أذنيه )). وقال: لو كان سماع الشيابة حراماً؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان معه بسد أذنيه ، كما فعل ، أو نهى الراعي عن التشبيب ، وهذا دليل الإباحة فى حق غير الأنبياء . فهل هذا الخبر صحيح ؟ وهل هذا الدليل موافق للسنة ؟ أم لا ؟ فأجاب : أما نقل هذا الخبر عن ابن عباس فباطل ؛ لكن قد رواه أبو داود فى السنن أنه كان مع ابن عمر ــ فمر براع معه زمارة ، ٢١١ فجعل يقول: ((أنسمع يا نافع؟ فلما أخبره أنه لا يسمح رفع إصبعيه من اذنيه )) وأخبره أنه كان مع النبى صلى الله عليه وسلم ، ففعل مثل ذلك ، وقال أبو داود لما روى هذا الحديث : هذا حديث منكر . وقد رواه أبو بكر الخلال من وجوه متعددة ، يصدق بعضها بعضا . فإن كان ثابتاً فلا حجة فيه لمن أباح الشبابة ، لا سيما ومذهب الأئمة الأربعة أن الشبابة حرام . ولم يتنازع فيها من أهل المذاهب الأربعة إلا متأخري الخراسانيين من أصحاب الشافعي ؛ فإنهم ذكروا فيها وجهين . وأما العراقيون - وم أعلم بمذهبه ــ فقطعوا بالتحريم. كما قطع به سائر المذاهب . وبكل حال فهذا وجه ضعيف فى مذهبه . وقد قال الشافعي : الغناء مكروه ، يشبه الباطل ، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته . وقال أيضا: خلفت في بغداد شيئاً أحدثه الزنادقة بسمونه ((التغبير)) بصدون به الناس عن القرآن. وآلات الملاهي لا يجوز اتخاذها ، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة . فهذا الحديث إن كان ثابتاً فلا حجة فيه على إباحة الشبابة ؛ بل هو على النهي عنها أولى من وجوه : أحدها: أن المحرم هو الاستماع لا السماع ، فالرجل لو يسمح الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه؛ بل كان مجتازا ٢١٢ بطريق ، فسمع ذلك لم يأثم بذلك ، باتفاق المسلمين . ولو جلس واستمع إلى ذلك ، ولم ينكره لا بقلبه، ولا بلسانه، ولا يده : كان آثما باتفاق المسلمين ، كما قال تعالى : (وَإِذَارَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ◌َايَغِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ) وقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعُهُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُ ◌ِهَا فَلَ نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ هِمِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمٌّ) فجعل القاعد المستمع من غير إنكار بمنزلة الفاعل . ولهذا يقال : المستمع شريك المغتاب . وفى الأثر : من شهد المعصية وكرهها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهدها . فإذا شهدها لحاجة أو لإكراه أنكرها بقلبه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » . فلو كان الرجل ماراً فسمع القرآن من غير أن يستمع إليه لم يؤجر على ذلك ؛ وإنما يؤجر على الاستماع الذي يقصد ، كما قال تعالى: ( وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقال لموسى: (فَأُسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىّ ). ٢١٣ فإذا عرف أن الأمر والنهي والوعد والوعيد يتعلق بالاستماع ؛ لا بالسماع ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر كان ماراً مجتازاً لم يكن مستمعاً ، وكذلك كان ابن عمر مع النبى صلى الله عليه وسلم ، ونافع مع ابن عمر : كان سامعا لا مستمعا . فلم يكن عليه سد أذنه . الوجه الثاني: أنه إنما سد النبى صلى الله عليه وسلم أذنيه مبالغة في التحفظ ، حتى لا يسمع أصلا . فتبين بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك غير من السماع ، وإن لم يكن فى السماع إثم ، ولو كان الصوت مباحا لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح ؛ بل سد أذنيه لئلا يسمعه ، وإن لم يكن السماع محرماً دل على أن الامتناع من الاستماع أولى . فيكون على المنع من الاستماع أدل منه على الإذن فيه . الوجه الثالث : أنه لو قدر أن الاستماع لا يجوز ، فلو سد هو ورفيقه آذانهما لم يعرفا متى ينقطع الصوت . فيترك المتبوع سد أذنيه . الرابع : أنه لم يعلم أن الرفيق كان بالغا ؛ أو كان صغيرا دون البلوغ. والصبيان يرخص لهم فى اللعب ، مالا يرخص فيه للبالغ . الخامس : أن زمارة الراعي ليست مطربة ، كالشبابة التى يصنع غير الراعي ، فلو قدر الإذن فيها لم يلزم الإذن في الموصوف ، وما يتبعه من الأصوات التى تفعل فى النفوس فعل حميا الكؤوس . ٢١٤ السادس : أنه قد ذكر ابن المنذر اتفاق العلماء على المنع من إجازة الغناء ، والنوح ، فقال : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال النائحة ، والمغنية ، كره ذلك الشعبى، والنخعي ، ومالك . وقال أبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد : لا يجوز الإجارة على شئ من الغناء والنوح ، وبه نقول . فإذا كان قد ذكر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة ، والمغنية . والغناء للنساء فى العرس والفرح جائز . وهو للرجل إما محرم ؛ وإما مكروه . وقد رخص فيه بعضهم ، فكيف بالشبابة التى لم يبحها أحد من العلماء ؛ لا للرجال ، ولا للنساء ؛ لا فى العرس ولا فى غيره ؟! وإنما يبيحها من ليس من الأئمة المتبوعين المشهورين بالإمامة فى الدين . فقول القائل : لو أعطيته لأجل تشبيبه لكان بائزا . قول باطل ، مخالف لمذاهب أئمة المسلمين ، لو كان التشبيب من الباطل المباح ، فكيف وهو من الباطل المنهى عنه، وهذا يظهر «بالوجه السابع)): وهو أنه ليس كل ما جاز فعله جاز إعطاء العوض عليه . ألا ترى أن في الحديث المشهور عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا سبق إلا فى خف ، أو حافر، أو نعل)) فقد نهى عن السبق فى غير هذه ٢١٥ الثلاثة . ومع هذا فالمصارعة قد تجوز . كما صارع النبى صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد . وتجوز المسابقة بالأقدام ، كما سابق النبى صلى الله عليه وسلم عائشة ، وكما أذن لسلمة بن الأكوع فى المسابقة في غزوة الغابة ، وذى قرد . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبة امرأته، فإنهن من الحق )) وهذا اللهو الباطل من أ كل المال به كان أكلاً بالباطل ، ومع هذا فيرخص فيه كما يرخص للصغار في اللعب، وكما كانت صغيرتان من الأنصار تغنيان أيام العيد فى بيت عائشة، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يستمع إليهن، ولا ينهاهن. ولما قال أبو بكر: أمزمار الشيطان فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((دعهما يا أبا بكر ، فإن لكل قوم عيدا . وإن هذا عيدنا )) فدل بذلك على أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب فى الأعياد ، وإن كان الرجال لا يفعلون ذلك . ولا يبذل المال فى الباطل . فقد تبين أن المستدل بهذا الحديث على جواز ذلك ، وجواز إعطاء الأجرة عليه : مخطئ من هذه الوجوه ، لو كان الحديث صحيحاً ، فكيف وفيه ما فيه ؟ ! . ٢١٦ وقال شيخ الإسلام قدس الأروهم فصل وإذا آجر الأرض أو الرباع ، كالدور ، والحوانيت ، والفنادق، وغيرها . إجارة كانت لازمة من الطرفين ، لا تكون لازمة من أحد الطرفين ، جائزة من الطرف الآخر ؛ بل إما أن تكون لازمة منهما ، أو تكون جائزة غير لازمة منهما ، عند كثير من العلماء . كما لو استكراء كل يوم بدرهم ، ولم يوقت أجلا ، فهذه الإجارة جائزة غير لازمة ، فى أحد قولي العلماء . فكلما سكن يوماً لزمته أجرته ، وله أن يسكن اليوم الثاني ، وللمؤجر أن يمنعه سكنى اليوم الثانى . وكذلك إذا كان أجل الشهر بكذا ، أو كل سنة بكذا ، ولم يؤجلا أجلا . وأما إذا كانت لازمة من الطرفين ، فإذا كان المستأجر لا يمكنه ٢١٧ الخروج قبل انقضاء المدة ، لم يكن للمؤجر أن يخرجه قبل انقضاء المدة ، لا لأجل زيادة حصلت عليه في أثناء المدة ، ولا لغير زيادة ، سواء كانت العين وقفاً ، أو طلقاً . وسواء كانت ليقيم أو لغير يقيم . وهذا مذهب الأئمة الأربعة ، وغيرهم من أئمة المسلمين . لم يقل أحد من الأئمة أن الإجارة المطلقة تكون لازمة من جانب المستأجر ، غير لازمة من جانب المؤجر ؛ فى وقف ، أو مال يتيم ، ولا غيرها . وإن شذ بعض المتأخرين فحكى نزاعا فى بعض ذلك ، فذلك مسبوق باتفاق الآثمة قبله. والله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود، وأمر بالوفاء بالعهد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته)) وقال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق ، حتى بدعها : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر )). وإذا قال الناظر للطالب : أكتب عليك إجارة ، واسكن ، فقد أجره ، فإن لم يكن أجره لم يحل له أن يسلم إليه العين ، فإنه يكون قد سلم الوقف ومال اليتيم إلى مالا يجوز تسليمه ، فيكون ظالماً ضامناً . ولو لم يستأجر لكان له أن يخرج إذا شاء ، ولكان غاصبا لا تجب عليه الأجرة المسماة؛ بل أجرة المثل لما انتفع به فى أحد قولي العلماء . وعلى قول من لا يضمن منافع الغصب لا يجب ٢١٨ عليه شيء . وغاية ما يقال : إنه قبضها بإجارة فاسدة ، ولو كان كذلك لكان له أن يخرج إذا شاء ؛ بل كان يجب عليه أن يرد العين على المؤجر ، كالمقبوض بالعقد الفاسد ؛ بل يجب عليه المسمى ، أو أجرة المثل ، فى أحد قولي العلماء . وفى الآخر يجب أقل الأمرين من المسمى أو أجرة المثل . فلا يجوز قبول الزيادة ، لا فى وقف ، أو مال يتيم ، وغيرهما . إلا حيث لا تكون الإجارة لازمة، وذلك حيث يكون المستأجر متمكنا من الخروج ، ورد العقار إليهم إذا شاء ، وهو الذي يسميه العامة الإخلاء ، والإغلاق . فإذا كان متمكنا من الإخلاء والإغلاق ، كان المؤجر أيضا متمكناً من أن يخرجه ، ويؤجره لغيره ، وإن لم يقع عليه زيادة ، ويجب أن يعمل ما يراه من المصلحة . ٠٢١٩ وسئل رحمه الله عن ضمان البساتين والأرض التى فيها النخل ، أو الشجر غير النخل ، قبل أن يبدو صلاحه . هل يجوز ضمان السنة ، أو السنتين ؟ أم لا؟ فأجاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن ذلك لا يجوز بحال ؛ بناء على أن هذا داخل فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. من بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها ، فلا يجوز كما لا يجوز فى غير الضمان ؛ مثل أن يشترى ثمرة مجردة بعد ظهورها ، وقبل بدو صلاحها ؛ بحيث يكون على البائع مؤنة سقيها وخدمتها إلى كمال الصلاح . وهذا القول هو المعروف فى مذهب الشافعي ، وأحمد ، وهو منقول عن نصه . ومذهب أبى حنيفة في ذلك أشد منعا . وتنازع أصحاب هذا القول . هل يجوز الاحتيال على ذلك بأن يؤجر الأرض ، ويساقى على الشجر بجزء يسير ؟ على قولين . فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز. وذكر القاضي أبو يعلى فى كتاب ((إبطال الحيل)): ٢٢٠