Indexed OCR Text
Pages 181-200
وسئل رحم الله عن أيتام لهم نصيب فى ملك، فأجره الوصي للشركة مدة ثلاث سنين بدون قيمة المثل . فما الحكم؟. فأجاب : الحمد لله. متى أجره الوصي بدون أجرة المثل، كان ضامناً لما فوته على اليتيم ، ولم تكن الإجارة لازمة لليتيم بعد رشده : بل هي باطلة منفسخه فى أحد قولي العلماء . وفى الآخر له أن يفسخها . ثم إن كان المستأجر لم يعلم تحريم ما فعله الوصي ، كان له أن يضمنه ما لم يلتزم ضمانه ، وإن علم استقر الضمان عليه ؛ بل لو أجره بأجرة المثل. مثل هذه المدة التى يعلم الوصي أنه يبلغ فى أثنائها ؛ فأكثر العلماء يجوزون لليتيم الفسخ . والله أعلم . ١٨١ وسئل عن رجل استأجر ، ثم أحدث بعد حماما بجانب الدار ، يحصل من الماء الناموس ، وزوجته أسقطت من رائحة الدخان . فهل يفسخ الإجارة ؟ . فأجاب : إذا لم يكن المستأجر يعلم بأن هذا الحمام إذا أدير يحصل من إدارته الضرر الذي ينقص قيمة المنفعة فى العادة ، فله فسخ الإجارة . والقول قوله فى عدم العلم مع يمينه . والله أعلم . وسئل عن إقطاع مسجل تقاوى على المقطع ، كل فدان بثلاثة أرادب ، وثلاثة دراهم. والبقر من المستأجرين . هل يجوز ذلك ؟ أم لا؟ . فأجاب : إذا كانت الضريبة ومؤجرها يؤجرها بها، سواء كان الفلاح بقترض ، أو لم يكن . ولم يرد الضريبة لأجل القوة فهذا جائز ؛ فإن القرض لم يجر به منفعة، وإن كان بعض العلماء كره ذلك ، وجعله من القرض الذى يجر منفعة؛ إذ بالقوة يستأجرها الفلاح ، لكن هذه منفعة ١٨٢ للاثنين ، وإذا لم يزد الأجرة لأجل القوة فقد أحسن . ولا فرق بين أن يسمى إجارة، أو مسجلا ، فالجميع سواء . وسل عمن استأجر أجيراً يعمل فى بستان ، فترك العمل حتى فسد بعض البستان . فهل يستحق الأجرة ؟ أو يضمن ؟ أم لا؟ . فأجاب : لا ريب أنه إذا ترك العمل المشروط عليه لم يستحق الأجرة ، وإن عمل بعضه أعطى من الأجرة بقدر ما عمل ، وإذا تلف شيء من المال بسبب تفريطه كان عليه ضمان ما تلف بتفريطه . والتفريط هو ترك ما يجب عليه من غير عذر . وسل عن دابة: ايما أفضل بنقل الناس بلا أجرة ، أو بأخذ الأجرة ، ويتصدق بها ؟ . فأجاب : إن كانوا فقراء فتركه لهم أفضل ، وإن كانوا أغنياء وهنالك محتاج فأخذه لأجل المحتاج أفضل . ١٨٣ وسئل رحمه اللّه عمن أجر أراضى بيت المال لأقوام معينين فى إيجار ، كل واحد فى إجارة قدر معلوم ، بدرهم معلوم، وزرعت الأراضى أنشاباً ، وأن الأراضي المستأجرة فيها زائد مع المستأجر، بخارج عما يشهد به الإيجار. فهل يجوز اعتبار الأراضي ، وإخراج الزائد لبيت المال ؟ . فأجاب : ما زرعوه زائداً عما يستحقونه بالإجارة ، فزرعهم بأجرة المثل ، فمتى استعملوا الزائد كان عليهم أجرة المثل باتفاق المسلمين . وإن لم يستعملوه : فهل لرب الأرض قلعه بما أنفقوه ؟ على قولين مشهورين للعلماء. وإن اختار إبقاءه ، والمطالبة بأجرة المثل : فله ذلك بالاتفاق . ١٨٤ وسئل رحمه الله عمن استأجر مكاناً من مباشريه مدة معينة ، بأجرة معينة ، ولو أراد الإقالة ما أقالوه إلا بانقضاء المدة . فهل لهم أن يقبلوا عليه زيادة قبل أن تنقضي مدة الإجارة ؟ . فأجاب : إن كانت صحيحة فهي لازمة من الطرفين باتفاق المسلمين، وليس للمؤجر أن يخرج المستأجر ؛ لأجل زيادة حصلت عليه ، والحال هذه. ولا يقبل عليه زيادة والحال هذه ، باتفاق الأثمة . وإن كانت الإجارة فاسدة لم يجز لناظر الوقف أن يمكن المستأجر من تسلم المكان بمثل هذه الإجارة ، ولا له أن يمنعه من الخروج إذا أراد ، ولا يملك أن يطالبه بالأجرة المسماة فى العقد ، وكان دخول الناظر فى مثل ذلك قادحاً في عدالته وولايته ؛ فإنه يجب عليه باتفاق الأئمّة أن لا يؤجر المكان إلا إجارة صحيحة فى الشرع، ويجب عليه باتفاق الأئمة إذا أجره كذلك أن لا يقبل الزيادة على المستأجر . ولا يخرجه لأجلها . وأما الذي زاد على المستأجر . فلو زاد عليه بعد ركون المؤجر ١٨٥ إلى إجارته ، لكان قد سام على سوم أخيه ، ولو زاد عليه بعد العقد وإمكان الفسخ ، فهو مثل الذى يبيع على بيع أخيه ، وكلاهما حرام بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب الأئمة الأربعة فكيف إذا زاد عليه مع وجود الإجارة الشرعية؟! فإن هذا الزائد عاص آثم ظالم ، مستحق للتعزير والعقوبة ، ومن أعانه على ذلك فقد أعانه على الإثم والعدوان ، وإشهاد المستأجر على نفسه دون إشهاد المؤجر لا أثر له فى ذلك ، فإن العقد لا يفتقر إلى إشهاد ؛ بل يصح بدون الشهادة. وقول الناظر له : أشهد على نفسك مع إشهاد المستأجر ، هو إجارة شرعية ؛ بل بعد قول الناظر له : أشهد على نفسك ، ليس لأحد أن يزيد عليه ، وعلى الناظر ألا يؤجرها حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد عليه ، وعليه أن يشهر المكان عند أهل الرغبات الذين جرت العادة باستئجارهم مثل ذلك المكان ، فإذا فعل ذلك فقد آجره المثل ، وهي الإجارة الشرعية . فإن حاباه بعض أصدقائه أو بعض من له عنده يد ، أو غيرم : فأجره بدون أجرة المثل ، كان ظالماً ضامنا لما نقص أهل الوقف من أجرة المثل . ولو تغيرت أسعار العقار بعد الإجارة الشرعية لم يملك الفسخ بذلك ، فإن هذا لا ينضبط ، ولا يدخل في التكليف . والمنفعة بالنسبة إلى الزمان قد تكون مختلفة ، لا مماثلة . فتكون قيمتها في الشتاء ١٨٦ أكثر من قيمتها فى الصيف ، وبالعكس . ومن استأجره حولا فإنه يحتمل الزيادة فى زمان بعض الكرى ٥ لأجل ما يحصل من ارتفاعه في الزمان الآخر ، فليس لأحد ان يزيد عليه من ارتفاع سعر ذلك المكان ، ولو قدر أن الإجارة انفسخت فى بعض الأزمنة لبسطت القيمة فى مثل ذلك بالقيمة ، لا بأجزاء الزمان . فيقال : كم قيمته في وقت الصيف ؟ ويقسم الأجرة على وقت القيمة ، ويحسب لكل زمان من الأجرة بقدر قيمته . والواجب على الناظر أن يفعل مصلحة الوقف في إجارة المكان مسانهة ، أو مشاهرة ، أو موايمة . فإن كانت المصلحة أن يؤجره يوماً فيوما ، وكلما مضى يوم تمكن المستأجر من الإخلاء ، والمؤجر من أمره به فعل ذلك. وإن كانت المصلحة أن يؤجره مشاهرة وعند رأس الشهر يتمكن المستأجر من الإخلاء ، والمؤجر من أمره به . فعل ذلك . وأما إن كانت المصلحة مسانهة ، فقد فعل ما عليه ، وليس له أن يخرجه قبل انقضاء مدة الإجارة ؛ لأجل الزيادة . وما ذكره بعض متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي والإمام [أحمد ] من التفريق بين أن تكون الزيادة بقدر الثلث ، أو أقل ، فهو قول مبتدع لا أصل له عن أحد من الآثمة ؛ لا الشافعي ، ولا أحمد، ولا غيرها؛ لا فى الوقف ولا فى غيره . ١٨٧ وسئل رحمه اللّه عمن استأجر حانوناً من مباشري الأوقاف مدة معينة ، بأجرة معينة، وتسلم الحانوت ، وانتفع به ، وقبضوا منه ما استحق لهم من الأجرة، ولو أراد الإقالة ما أقالوه إلا بانقضاء المدة . فهل لهم أن يقبلوا عليه زيادة ممن زاد عليه قبل أن تنقضى مدة إجارته ؟ أم لا ؟ فأجاب : ليس لهم أن يقبلوا الزيادة عليه - والحال هذه - سواء كان هذا وقفاً ، أو ملك يتيم ، أو غير ذلك . ومن استجاز أن يقبل الزيادة ، ولا يمكن المستأجر الخروج إذا أراد : فقد خالف إجماع المسلمين ؛ فإن الإجارة إن كانت فاسدة ، أو غير جائزة : كان لكل من المؤجر والمستأجر تركها . وإن كانت صحيحة لازمة لم يكن لواحد منهما فسخها بغير سبب يوجب ذلك ، لأجل الزيادة ونحوها . فأما أن تجعل جائزة من جانب المؤجر ؛ لازمة من جانب المستأجر : فهذا خلاف إجماع المسلمين . وأيضا فإن زعم الناظر أنه لم يؤجر هذا المكان، أو أجره إجارة فاسدة : كان ذلك قادها فى نظره ، وعدالته ؛ لأنه إقرار منه بأنه يسلم ١٨٨ العين الموقوفة إلى من لا يجوز تسليمها إليه ، وتمكينه بغير أجرة مسماة ؛ ولا نزاع أن الناظر ليس له ذلك . وأيضا فإن هذا إقرار منه بأن المستأجر لا تجب عليه الأجرة المسماة؛ وإنما يجب عليه أجرة المثل. وأجرة المثل كثيراً ما تكون دون المسماة، فيكون ذلك إقراراً على نفسه بأنه ضامن لما فوته على أهل الوقف . ولو ادعى الناظر أن الإجارة كانت فاسدة ، وادعى المستأجر أنها صحيحة لكان القول قول من يدعى الصحة ؛ إذ الأصل فى عقود المسلمين الصحة ؛ والله أعلم . وسئل رضى اللّه عنـ عن رجل وزان بالقبان ، ويأخذ أجرته ممن يزن له . فهل يجوز له ذلك ؟ وهل الأجرة حلال ؟ أم حرام ؟ فأجاب: الحمد لله . الوزن بالقبان الصحيح كالوزن بسائر الموازين، إذا وزن الوازن بهذه الآلات الصحيحة بالقسط جاز وزنه . وإن كانت الآلة فاسدة ، والوازن باخساً كان من الظالمين المعتدين . وإذا وزن بالعدل ، وأخذ أجرته ممن عليه الوزن : جاز ذلك . ١٨٩ وسل عن رجل يختم القماش ، وهو ساكن عنده رجل ، فإذا ادعى الرجل أن الأجرة من غير كسبه . هل يجوز أن يأخذها ؟ فأجاب : أما إذا كان له جهة أخرى حلال ، وذكر أنه يعطى الأجرة منها؟ وغلب على الظن صدقه [جاز](١) أن يأخذ، وإن لم يغلب على الظن كذبه جاز تصديقه فى ذلك ، إذا لم يعرف كذبه . وسئل رحم الله عن أجرة الحجام . هل هي حرام ؟ وهل ينجس ما يصنعه بيده للمأكل؟ وهل النبى صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام أجره؟ وما جاء فيه من التحريم ؟ وهل ورد في الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((شفاء أمتى فى ثلاث: آية من كتاب الله، أو لعقة من عسل ، أو كأس من حجام)، فكيف حرم هذا ، ووصف بالتداوى هنا ، وجعله شفاء ؟! (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٩٠ فأجاب: الحمد لله . أما يده إذا لم يكن فيها نجاسة ، فهي كسائر أيدي المسلمين، ولا يضرها تلويثها بالدم إذا غسلها ، كما لا يضرها تلوثها بالخبث حال الاستنجاء إذا غسلها بعد ذلك . وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: ((احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره )) ولو كان سحناً لم بعطه إياه . وفى الصحيحين عن أنس ـ وسئل عن كسب الحجام - قال: ((احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام ، وكلم أهله خففوا عنه ، ولا ريب أن الحجام إذا حجم يستحق أجرة حجمه ، عند جماهير العلماء ، وإن كان فيه قول ضعيف بخلاف ذلك . وقد أرخص النبى صلى الله عليه وسلم له أن يعلفه ناضحه ، ويطعمه رقيقه ، كما فى حديث محصن أن أباء استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خراج الحجام ، فأبى أن يأذن له ، فلم يزل به حتى قال: ((اطعمه رقيقك، واعلفه ناضحك)) رواه أبو حاتم . وابن حبان فى صحيحه ، وغيره . واحتج بهذا أكثر العلماء أنه لا يحرم . وإنما يكره للحر تنزيها . قالوا : لو كان حراماً لما أمره أن يطعمه رقيقه ؛ لأنهم متعبدون ، ١٩١ ومن المحال أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن بطعم رقيقه حراماً . ومنهم من قال : بل يحرم ؛ لما روى مسلم فى صحيحه عن رافع ابن خديج - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كسب الحجام خبيث ، وتمن الكلب خبيث ، ومهر البغي خبيث)) وفى الصحيحين عن ابن أبى جحيفة قال: ((رأيت أبى اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت ، فسألته عن ذلك ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم)). قال هؤلاء: فتسميته خبيناً يقتضى تحريمه ، كتحريم مهر البغى ، وحلوان الكاهن. قال الأولون : قد ثبت عنه أنه قال: (( من أكل من هذين الشجرتين الخبيثتين ، فلا يقربن مسجدنا )) فسماهما خبيتين ، بحيث ريحها، وليستا حراماً. وقال: ((لا يصلين أحدكم، وهو يدافع الأخبئين)) أي : البول ، والغائط . فيكون تسميته خبيئاً لملاقاة صاحبه النجاسة ؛ لا لتحريمه ؛ بدليل أنه أعطى الحجام أجره ، وأذن له أن يطعمه الرقيق ، والبهائم . ومهر البغى ، وحلوان الكاهن ، لا يستحقه ، ولا يطعم منه رقيق، ولا بهيمة . وبكل حال فحال المحتاج إليه ليست كمال المستغنى عنه ، كما قال السلف: كسب فيه بعض الدناءة خير من مسألة الناس . ولهذا لما تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، ونحو . : ١٩٢ كان فيه ثلاثة أقوال فى مذهب الإمام أحمد ، وغيره : أعدلها أنه يباح للمحتاج قال أحمد : أجرة التعليم خير من جوائز السلطان ، وجوائز السلطان خير من صلة الإخوان . وأصول الشريعة كلها مبنية على هذا الأصل ، أنه يفرق في المنهيات بين المحتاج وغيره ، كما فى المأمورات . ولهذا أبيحت المحرمات عند الضرورة ، لا سيما إذا قدر أنه يعدل عن ذلك إلى سؤال الناس . فالمسألة أشد تحريماً ؛ ولهذا قال العلماء : يجب أداء الواجبات ، وإن لم تحصل إلا بالشبهات ، كما ذكر أبو طالب ، وأبو حامد : أن الإمام أحمد سأله رجل ، قال : إن ابناً لي مات ، وعليه دين ، وله ديون أكره تقاضيها . فقال له الإمام أحمد : أندع ذمة ابنك مرتهنة ؟ يقول: قضاء الدين واجب ، وترك الشبهة لأداء الواجب هو المأمور . ولهذا انفق العلماء على أنه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة ، وتنازعوا فى الرزق عند عدم الحاجة ، وأصل ذلك في كتاب الله في قوله فى ولي اليتيم: (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفٍ) فهكذا بقال فى نظائر هذا ؛ إذ الشريعة مبناها على محصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها . والورع ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ودفع شر الشرين وإن حصل أدناها . وقد جاء فى الحجامة أحاديث كثيرة . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ١٩٣ أنه قال: ((شفاء أمتى فى ثلاث: شربة عسل ، أو شرطة محجم . أو كية نار ، وما أحب أن أكتوي)، والتداوى بالحجامة جائز بالسنة المتواترة وباتفاق العلماء . وسئل عن امرأة منقطعة أرملة . ولها مصاغ قليل تكريه، وتأ كل كراه. فهل هو حلال ؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . هذا جائز عند أبى حنيفة، والشافعي ، وغيرهما من أهل العلم. وقد كرهه مالك وأحمد ، وأصحاب مالك ، وكثير من أصحاب أحمد . وهذه كراهة تنزيه، لا كراهة تحريم. وهذا إذا كان يجنسه، وأما بغير جفسه فلا بأس . فهذه المرأة إذا أكرته وأكلت كراه لحاجتها لم تنه عن ذلك؛ لكن عليها الزكاة عند أكثر العلماء . كأبى حنيفة ، ومالك، والإمام أحمد . وهذا إن أكرته لمن تزين لزوجها ، أو سيدها ، أو لمن يحضر به حضوراً مباحا ، مثل أن يحضر عرساً يجوز حضوره . فأما إن أكرته لمن تزين به للرجال الأجانب ، فهذا لا يجوز . ١٩٤ وأما إن أكرته لمن تزين به لفعل الفاحشة ، فهذا أعظم من أن تسأل عنه . قال الله تعالى : (وَتَعَاوَنُواْعَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ ). ولا يجوز أن يعان أحد على الفاحشة ، ولا غيرها من المعاصي ؛ لا بحلية ، ولا لباس ، ولا مسكن، ولا دابة، ولا غير ذلك؛ لا بكرى، ولا بغيره . والله أعلم . وسئل رحمه الله عن الشماعين الذين يكرون الشمع . ثم إنهم يزنونه . أولاً ، فإذا رجع وزنوه ثانيا ، وأخذوا نقصه . فهل يكره ذلك ؟ وإذا كسر الشمع ، فهل يلزم الذي اكتراه ؟ أم لا ؟ فأجاب : أما الشمع إذا أعطاء لمن يوقده ، وقال : كلما نقص منه أوقية بكذا ، فإن هذا جائز . وليس هذا من باب الإجارات ، ولا باب البيع اللازم ؛ فإن البيع اللازم لا بد أن يكون المبيع فيه معلوماً ؛ بل هذا معاوضة جائزة ، لا لازمة . كما لو قال : اسكن في هذه الدار كل يوم بدرهم ، ولم يوقت أجلا ، فإن هذا جائز فى أظهر قولي العلماء. فمسألة الأعيان نظير هذه المسألة فى المنافع ، وهو إذن فى الإتلاف ١٩٥ على وجه الانتفاع بعوض ، كما لو قال : ألق متاعك فى البحر وعلي تمنه ؛ فإن هذا جائز بلا ريب ؛ لأن ذلك مما ينتفع به ملتزم الثمن للتخفيف ، كما ينتفع بلزوم الثمن هنا، فإيقاد الشمع [ بالكراء جائز إذا على ] توقيده؛ لكن لا بد أن يكون الإيقاد في أمر مباح ، لا محظور. وسئل رحمه الله عن زركشي استعمل عنده منديل ، فلما فرغ أذنوا له فى غسله ، فعدت عليه أمة الصانع فى صقل الذهب ، فتقرض المنديل . فهل يجب عليه غرامة المنديل ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا كانت الأمة قد جنت على المنديل ، فالجناية تتعلق برقبتها، فعلى مالكها إما أرش الجناية، وإما تسليمها لتستوفى الجنابة من رقبتها ، وسواء كانت الجناية منها ، أو من سيدها ، أو غيرهما ، فليس على الجانى ما أنفقوا على المنديل ، وليس به هذا القرض، ويقوم به بعد حصوله ، فيضمنون ما نقصت القيمة ، وإن تراضوا بأن يأخذ الصانع المنديل، ويعطيهم قيمته التى تساوى فى السوق قبل القرض باز ذلك ، وليس عليه أن يعطيهم جديداً خيراً منه . ١٩٦ وسئل رحم اللّه عن إجارة الجواميس ، يستأجرها عاما واحدا مطلقا ، وغرضه لبنها، ويستعملها لذلك. وإنما جعلوه مطلقا أنه يستعملها والقصد اللبن. والغنم أيضا هل تجوز إجارتها للبن ؟ وهل يجوز أن تعطى لمن يرعاها بصوفها ولبنها ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والعلماء، وكذلك فى اشتراء اللبن مدة ، مقدارا معينا من ذلك اللبن ، يأخذ. أقساطا من هذه الماشية . والمنع من ذلك هو المعروف فى مذهب أبى حنيفة ، والشافعي ، وأحمد . قال هؤلاء : هذا بيع ما لم ير، ولم يوصف ، بل بيع معدوم لم يوجد . والإجارة إنما تكون على المنافع دون الأميان وهذه أعيان . وقال هؤلاء : إجارة الظئر للرضاع على خلاف القياس ، جازت للحاجة . وتنازع هؤلاء فى هذه الإجارة . فقيل : إن المعقود عليه هو الخدمة ، والرضاع تابع ، وهذا قول ابن عقيل وغيره . وقيل : بل ١٩٧ المعقود عليه هو المقصود بالعقد ، وهو اللبن . وهو قول القاضي أبي يعلى، وغيره . وأما الرخصة فى ذلك فى الجملة : فهو مذهب مالك ، وغيره . وهؤلاء قد بسمون إجارة الظئر للرضاع تبعا للبن ؛ لأن الظئر تبع اللبن الذي لم يخلق بعد : بناء على أنه عقد على الأعيان ، والعقد على العين هو من باب البيوع [ والنزاع ] فى ذلك لفظي ؛ فإنها داخلة فى مسمى البيع العام ، المتناول للأعيان والمنافع ، والموجود والمعدوم ، وليست داخلة فى مسمى البيع الخاص، الذي يختص بالموجود من الأعيان . وكذلك السلف تنازعوا : هل هو من البيع ؟ على القولين . وهل يكون بلفظ البيع سلفا ؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره . حتى قال من لم يجعله بيعا : إن السلف الحال يجوز بلفظ البيع ؛ دون لفظ السلم. والصحيح أن العقود إنما يعتبر فيها معانيها لا بمجرد اللفظ . والصواب: أن الإجارة المسؤول عنها جائزة ؛ فإن الأدلة الشرعية الدالة على الجواز بعوضها ومقايستها تتناول هذه الإجارة ، وليس من الأدلة ما ينفى ذلك ؛ فإن قول القائل : إن إجارة الظئر على خلاف القياس ؛ كلام فاسد . فإنه ليس فى كتاب الله إجارة منصوص عليها فى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَانُوُهُنَّ شريعتنا إلا هذه الإجارة ، كما قال تعالى : ١٩٨ أُجُورَهُنَّ ) وقال: (وَعَلَى الْمَلُودِلَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ ) . والسنة وإجماع الأمة دلا على جوازها وإنما تكون مخالفة للقياس لو عارضها قياس نص آخر ، وليس فى سائر النصوص وأقيستها ما یناقض هذه . وقول القائل : الإجارة إنما تكون على المنافع دون الأعيان : ليس هو قولا لله، ولا لرسوله ، ولا الصحابة، ولا الأئمة ؛ وإنما هو قول قالته طائفة من الناس . فيقال لهؤلاء : لا نسلم أن الإجارة لا تكون إلا على المنافع فقط ؛ بل الإجارة تكون على ما يتجدد ويحدث ويستخلف بدله ، مع بقاء العين ، كمياه البشر، وغير ذلك ، سواء كان عينا أو منفعة ، كما أن الموقوف يكون ما يتجدد ، وما تحدث فائدته شيئا بعد شيء ، سواء كانت الفائدة منفعة، أو عينا، كالتمر واللبن ، والماء النابع . وكذلك العارية . وهو عما يكون الانتفاع بما يحدث ، ويستخلف بدله . يقال : أفقر الظهر ، وأعرى النخلة ، ومنح الناقة ، فإذا منحه الناقة بشرب لبنها ثم يردها ، أو أعراء نخلة بأ كل ثمرها ، ثم يردها، وهو مثل أن يفقره ظهرا يركبه ، ثم يرده. وكذلك إكرام المرأة أو طير ، أو ناقة ، أو بقرة ، أو شاة يشرب ١٩٩ لبنها مدة معلومة ، فهو مثل أن يكون دابة يركب ظهرها مدة معلومة . وإذا تغيرت العادة في ذلك كان تغير العادة فى المنفعة يملك المستأجر ؛ إما الفسخ، وإما الأرش . وكذلك إذا أكراء حديقة يستعملها حولا، أو حولين، كما فعل عمر بن الخطاب لما قبل حديقة أسيد بن الحضير ثلاث سنين ، وأخذ المال وقضى به دينا كان عليه . وإذا كان المستأجر هو الذي يقوم على هذه الدواب فهو إجارة ، وهو أولى بالجواز من إجارة الظئر . وأما إذا كان صاحب الماشية هو الذي يعلفها ويسقيها ويؤويها ، وطالب اللبن لا يعرف إلا لبنها ، وقد استأجرها ترضع سخالا له ، فهو مثل إجارة الظئر . وإذا كان ليأخذ اللبن هو فهو يشبه إجارة الظئر ، للرضاع المطلق ؛ لا لإرضاع طفل معين . وهذا قد يسمى بيعا ، ويسمى إجارة . وهو نزاع لفظي . وإذا قيل : هو بيع معدوم . قيل : نعم ! وليس فى أصول الشرع ما ينهى عن بيع كل معدوم ؛ بل المعدوم الذي يحتاج إلى بيعه ، وهو معروف في العادة : يجوز بيعه ، كما يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها ؛ فإن ذلك يصح عند جمهور العلماء . كما دلت عليه السنة . مع أن الأجزاء التى تخلق بعد معدومة ، وقد دخلت في العقد . وكذلك ٢٠٠