Indexed OCR Text
Pages 161-180
كان المؤجر قد ركن إلى شخص ليؤجره لم يجز لغيره الزيادة عليه . فكيف إذا كان ساكنا فى المكان مستمرا، فمن فعل ذلك استحق التعزير، والله أعلم . وسئل عن رجل استأجر داراً بجواره رجل سوء ، فراح المستأجر إلى المؤجر وقال له : ما أرتضى به أن يكون جوارى ، إما أن تنقله أو تعطينى أجرتى . فقال له : أنا أنقله فى هذا النهار ، فحلف المستأجر بالطلاق الثلاث متى لم ينتقل الجار في هذا النهار ، وإلا ما أسكن الدار ، فلم ينقل المستأجر من الدار ، فطلب الإجارة ، فلم يعطه الإجارة ؟ . فأجاب : إذا كان الأمر على ما ذكر فمثل هذا عيب فى العقار ، وإذا لم يعلم به المستأجر حال العقد فله أن يفسخ الإجارة ، ولا أجرة عليه من حين الفسخ . والله أعلم. ١٦١ وسئل رحم الله عن رجل له ملك يستحق كراه خمسة دراهم ، يعطى المكترين درام تقوية ، ويزيدون في الكرى . هل يجوز ذلك ؟ ام لا ؟ . فأجاب : إذا أقرضه عشرة على أن يكترى منه حانوته بأجرة أكثر من المثل . لم يجز هذا باتفاق المسلمين ؛ بل لو قرر بينهما من غير شرط كان ذلك باطلا ، منهياً عنه عند أكثر العلماء . كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان فى بيع، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك)) قال الترمذي : حديث صحيح . فنهى صلى الله عليه وسلم أن يبيعه ويقرضه؛ لأنه يحابيه فى البيع لأجل القرض ، فكيف إذا شارطه مع القرض أن يستأجر ويحابيه ، وليس عنده ؟! وإن كان الغريم معسراً أنظر إلى ميسرة . قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْمَابَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ ١٦٢ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَتَّقُواْيَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِثُمَّ تُوَنَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَهُونَ). وسئل عن جندي له إقطاع ، فألزمه إنسان أن يؤجره ، فآجره على سبيل الغصب بمائتى درم ، ثم أظهر أنه يساوي أربعة آلاف درهم ، فهل يصح هذا الإيجار ؟ أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . إن كان قد أكرهه بغير حق على الإجارة لم يصح، وإن كان قد دلس عليه، فله فسخ الإجارة، والله أعلم . وسئل عمن جى لإنسان حرام كل ألف بستة حرام ، وعرف الناس وعادتهم اثنا عشر درهما ، وقد غرم فيها بجبايتها . وهو مغرور بالشرط ؟ فأجاب : إذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر ، وغره حتى استأجر بدون قيمة المثل، مما لا يتغابن الناس بمثله ، فله أن يطالبه بأجرة المثل . ١٦٣ وسئل عن رجل أجر رجلا عقاراً مدة ، وفى أواخر المدة زاد رجل في أجرتها فأجره، فعارضه المستأجر الأول . وقال : هذه في إجارتى . هل له ذلك ؟ فأجاب : إذا كان قد أجر المدة التى تكون بعد إجارة الأول ، لم يكن للأول اعتراض عليه فى ذلك ، والله أعلم . وسئل رحم الله عن رجل له حوانيت ، وبها أقوام ساكنون من غير إجارة من المالك ، وفى هذا الوقت زاد أقوام على الساكنين بالحوانيت زيادة متضاعفة ، فهل يجوز للمالك إجارتهم ؛ وقبول الزيادة ؟ فأجاب : إن كانوا غاصبين ظالمين قد سكنوا المكان بغير إذن المالك فإخراج مثل هؤلاء لا يحتاج إلى زيادة ؛ بل يجب عليهم أن يخرجوا قبل حصول الزيادة ، وللمالك أن يخرجهم قبل الزيادة . ولا ١٦٤ يحل للمالك أن يطالبهم بأجرة مسماة ؛ بل إنما عليهم أجرة المثل . وإن كان المؤجر ناظر وقف ، أو يتيم : كان بإقراره لهم مع إمكان إخراجهم ظالماً ، معتديا . وذلك يقدح فى عدالته وولايته . وأما إن سكنوا على الوجه الذي جرت به العادة في سكنى المستأجرين، مثل أن يجيء إلى المالك فيقول : أجرنى المكان الفلانى بكذا . فيقول : اذهب فأشهد عليك، ويشهد على نفسه المستأجر ، دون المؤجر ، ويسلم إليه المكان . وإذا أراد الساكن أن يخرج لم يمكنه صاحب المكان ، فهذه إجارة شرعية . ومن قال : إن هذه ليست إجارة شرعية ، وليس للساكن أن يخرج إلا بإذن المالك ، والمالك يخرجه متى شاء ، فقد خالف إجماع المسلمين ؛ فإن الإجارة إن كانت شرعية ، فهي لازمة من الطرفين ، وإن كانت باطلة فهي باطلة من الطرفين ، ومن جعلها لازمة من جانب المستأجر ، جائزة من جانب المؤجر ، فقد خالف إجماع المسلمين . ومتى كان المؤجر ناظر وقف أو مال يتيم يسلمه إلى الساكن ، وأمره أن يكتب عليه إجارة ، وطالبه بمكتوب الإجارة ، والأجرة المسماة ، وقال مع هذا: إنى لم أؤجره إجارة شرعية : كان ذلك قادما فى عدالته ، وولايته فإن الفقهاء لهم فى الإجارة الشرعية قولان : ١٦٥ أحدهما: أنها تنعقد بما يعده الناس إجارة ، حتى لو دفع طعامه إلى طباخ يطبخ بالأجرة ، أو ثيابه إلى غسال يغسل بالأجرة، أو نساج أو خياط أو نحوم من الصناع الذين جرت عادتهم أنهم يصنعون بالأجرة . يستحقون اجرة المثل . وكذلك لو دخل حماما، أو ركب سفينة، أو دابة . كما جرت العادة بالركوب على الدواب، والمراكب المعدة للكرى، فإنه يستحق أجرة المثل. فكيف إذا قال : أجرنى بكذا ؟ فقال : اذهب فاكتب إجارة ، فكتبها وسلم إليه المكان : فهذه إجارة شرعية عند هؤلاء . وهذا قول أكثر الفقهاء كمالك وأبى حنيفة والإمام أحمد وغيرهم . والقول الثانى : أنه لابد من الصفة فى ذلك . كما قيل مثل ذلك في البيع . كما يقول ذلك من بقوله من أصحاب الشافعي ، فمن كان يعتقد هذا فعليه ألا يوجب أجرا إلا على هذا الوجه ، فمن اعتقد أن الأجرة لا تصح إلا على هذا الوجه ، وأجره على الوجه المعتاد ، وسلم المكان ، وطالب بالأجرة المسماة ، ثم عند الزيادة يدعى عدم الإجارة ، لم يقبل منه ، فإن هذا ظلم ، فإنه إذا التزم مذهباً كان عليه أن يلتزمه له وعليه . وأما أن يكون عند الذي له يعتقد محة الإجارة ، وعند الذي عليه يعتقد فسادها ، فهذا غير مقبول ، ولا سائغ ، بإجماع المسلمين . ومن أصر على مثل ذلك فهو ظالم باتفاق المسلمين ؛ بل هو فاسق مردود الشهادة ، والولاية . ١٦٦ وسئل رحمه الله عن رجل مستأجر أرضا بجواره ، فلما سافر اشترى إنسان الدار التى بجوار الأرض الذي هو مستأجرها ، فبناها وأدخلها فى داره . فما يجب ؟ فأجاب: [ ليس](١) له أن يستولى على الأرض المستأجرة مع غيرها، ولا يدخلها فى داره ؛ بل هو بذلك غاصب ظالم . والمستأجر بالخيار بين أن يفسخ الإجارة بهذا السبب؛ وتسقط عنه الأجرة . وبين أن يمضي فى الإجارة ، ويطالب الغاصب بأجرة ما انتفع به من الأرض ، وهو مخير بين أن يبقى بناؤه فيها ، وبين أن ينزله إن كان مما دخل فى عقد إجارته ، فإن لم يدخل فى عقد إجارته لم يتصرف فيها إلا بإذن المالك. والله أعلم. (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٦٧ وسل عن رجل وكل رجلا على أنه يستأجر له ، ويؤجر عنه ، ويبيع عنه، ويبتاع له . فاستأجر لموكله حصة بقرية مدة معلومة إجارة صحيحة لازمة ، فقايله مدة الإيجار من غير أن يكون الموكل وكله فى المقابلة . فهل هذه المقابلة صحيحة ؟ وهل الإيجار باق على أصله الصحيح يستحقه للموكل ؟ ويستحق المؤجر الإجارة والحال هذه ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا تعذر استيفاء المستأجر الأجرة التى يستحقها فله فسخ الإجارة ، كما إذا تعذر استيفاء المشترى الثمن إذا طلب الفسخ والحال هذه ، وإجارة المستأجر للوكيل ، قد كان فعل ما وجب عليه ، وليس هذا من المقابلة الجائزة التى تفتقر إلى إذن الموكل . والله أعلم . ١٦٨ وسئل عن جماعة بيدهم إقطاع ، وفى الإقطاع أرض عاطلة، وأذنوا لشخص أن يؤجرها ؛ فأجرها مدة ثلاثين سنة ، ولم يشاور الوكيل المقطعين على الثلاثين سنة ، فهل يجوز هذه الإجارة ؟ أم لا ؟ فأجاب : لا تصح هذه الإجارة إلا إذا كانت بإذن المقطعين ، أو ما يقتضى الإذن فيها . فأما مجرد الإذن فى الإجارة مطلقا الذي يقتضى فى العرف سنة أو سنتين أو نحو ذلك ، فلا يفهم منه الإذن فى هذه المدة الطويلة، فلا تصح الإجارة بمجرده . وسل عن رجل بيده إقطاع يشهد به منشوره ، وإنه ضمن بعض نواحي الإقطاع لمن يزرعها ، وينتفع بها مدة معينة ، ثم انتقل الإقطاع الذي بيده إلى غيره. فهل يصح الإيجار الأول؟ وهل إذا صح يصح الإيجار على المقطع الثانى أو يفسخ ؟ وهل للمقطع أن يمنع المؤجرين الانتفاع؟ ١٦٩ فأجاب: الحمد لله. نعم يصح الإيجار الأول؛ لكن [إن شاء ] المقطع الثانى أمضاه؛ بل من حين أقطعها صارت له، فإن شاء أجرها لذلك المستأجر، وإن شاء لم يؤجره . فإن كان للمستأجر فيها زرع أبقاء بأجرة المثل إلى حين كماله، وإن لم يكن فيها لا عين، ولا منفعة، فلا شيء له. وسئل رحمه اللّه عن رجل له إقطاع ، فحضر إليه شخص ، وطلب إيجار الطين منه، فأجر طينه للشخص المذكور من غير أن يكشف طينه، وسأل عنه، وكان المستأجر ذكر للآخر إن لم تؤجر طينك وإلا يبور ، تخشي الجندي من بوران الطين ، فأجره من غير أن يكشف ، ثم حضر شخص آخر من أهل الناحية ، وعرف الجندي أن المستأجر استأجر طينك بدون القيمة ، فإن الشركة طينهم مسجل بأكثر من هذه القيمة. فهل يجوز للجندي أن يفسخ الإجارة المكتبية ؟ ويؤجر لغيره بقيمته سنة ؟ أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. إذا كان المستأجر قد دلس على المؤجر: مثل أن يكون قد أخبره عنه بما ينقص قيمته ، ولم يكن الأمر كذلك ، فللمؤجر فسخ الإجارة . ١٧٠ وكذلك إن أخبره بأنه ليس هناك من يستأجره ، وكان له هناك طلاب ، وأمثال ذلك . والله أعلم . وسئل رحم اللّه من جندي استأجر طينا من أمير ، وانتقل عن الإقطاع ، واختار المستأجر الفسخ عن الإجارة ، وجاء الأمير المستجد وطلب منه التحضير . فهل يلزمه ذلك ؟ فأجاب : إذا انتقل الإقطاع إلى آخر انفسخت الإجارة من حين انتقاله ؛ فإن المنفعة الحادثة بعد ذلك لم تكن ملكا للأول، ولا الثانى. والمقطع إن شاء يؤجر، وإن شاء لا يؤجر ، والمستأجر إن شاء استأجر منه، وإن شاء لا يستأجر منه . ليس لواحد منهما إلزام الآخر ، لا بإجارة ولا له إلزامه بتحضير . ١٧١ وسل عن رجل استأجر أرضا ، ثم حدثت مظلمة على البلد ، وطلبوا منه أن يغرم فى المنظمة . فهل يلزم المستأجر شيء ؟ أم لا ؟ فأجاب : المظالم لا تلزم هذا، ولا هذا . لكن إذا وضعت على الزرع أخذت من رب الزرع ، وإن وضعت على العقار أخذت من العقار ، إذا لم يشترط على المستأجر ، فإذا كان ما اشترط لم يدخل فيما اشترط على المستأجر ، وقد وضع على العقار دون الزرع أخذت من رب الأرض ، وإن وضع على الزرع أخذ من المستأجر ؛ وإن وضع مطلقاً رجع في ذلك إلى العادة فى مثله . وسئل رضى اللّه عنـ عن أمير دخل على بلد وهي مستأجرة لشيخها ، وبعض الأرض مشغولة بزراعة أقصاب ، والأقصاب مستمرة فى عقد إيجار المستأجر من قبل دخول الأمير على الإقطاع ، وإلى حين انفصاله . فهل إذا ١٧٢ كانت أرض الأقصاب مستمرة فى عقد إيجار المستأجر قبل الدخول وإلى حين الخروج يبطل حكم الإيجار ؟ أو يستمر حكمه ؟ فأجاب: إيجار المقطع للأرض يصح ، وله أن يؤجرها لمن يزدرعها قصباً، وغير قصب . وكذلك للمستأجر منه أن يؤجرها لغيره بحكم ما استأجرها . وإذا مات ذلك المقطع ، أو أقطع إقطاعه ، فالمقطع الثانى لا يلزمه إجارة الأول ، وليس له أن يقلع ما للمستأجر فيها من الزرع والقصب مجاناً ؛ بل هو خير إن شاء أن يبقى زرعه وقصه بأجرة مستأنفة بمثل الأجرة الأولى ، أو أقل ، أو أكثر ، كما يتراضيان به ؛ لكن ليس له أن يلزم المستأجر بأكثر من أجرة المثل . وإذا استأجرها صاحب القصب والزرع محت الإجارة ؛ فإنه بتمكن من الانتفاع بها ؛ ولو استأجرها غيره جاز على الصحيح ، وقام غيره فيها مقام المؤجر إن شاء أن يبقى زرعه وقصه بأجرة المثل ، وإن شاء أن يؤجره إياها برضاه . والله أعلم . - ١٧٣ وسئل رحم الله عمن له قيراط فى بلد فأجره لشخص بمائة إردب وستين إردباً ؛ بناقص عن الغير بثمانين إردبا ، وذلك قبل أن يشمله الري . فهل نصح الإجارة قبل شمول الري ؟ وهل له أن يطلب القيمة ؟ فأجاب : إذا كانت هذه البلاد مما تروى غالباً محت إجارتها عند عامة الفقهاء قبل أن يروى ؛ وإنما النزاع فى مذهب الشافعي . فظاهر مذهبه جواز إجارة ذلك . كمذهب سائر الأئمة . وما يوجد فى بعض كتبه من إطلاق العقد قد فسره أئمة مذهبه ، رضي الله عنهم . وما زالت أرض مصر تؤجر قبل شمول الري فى أعصار السلف والأئمة ، وليس فيهم من أنكر بسبب تأخره. وإذا طلب الزيادة فليس له إلا الأجرة المسماة، وإن كان غره فذاك شيء آخر ليبينه السائل حتى يجاب عنه . ١٧٤ وسئل عن شخص أجر أرضا جارية فى إقطاعه مدة ، ثم إن المستأجر تسلم الأرض، وتسلم المؤجر بعض الأجرة ، وأخذ ما دفعه من الأجرة إلى المؤجر ، وقطع الإجارة ، ثم إنه ذكر بأنه حرث بعض الأرض فألزم المؤجر بأجرة الحراثة . فهل يستحق المؤجر مثل أجرة الحرث بمجرد قول المستأجر؟ أم لا؟ وهل يفسخ المؤجر بغير مستند شرعي ؟. فأجاب : أما إذا كان المستأجر فسخ الإجارة بعد استيلائه على الأرض فإن كانا قد تقابلا الإجارة ، أو فسخها بحق: فعليه من الأجرة بقدر ما استولى على الأرض ، وله قيمة حرثه بالمعروف . وسئل رحمه الله عن ناظر وقف ، أو مال يتيم : هل يجوز له أن يسلم المكان من الوقف ، أو مال اليتيم ، لمن يسكنه بغير إجارة شرعية ؟ وإذا أُشهد أحد على نفسه أنه استأجر من مباشر الوقف مكانا معينا ، مدة معينة، ١٧٥ بأجرة مسماة ، وسلم الإجارة للمباشر، وتسلم منهم المكان وسكنه مدة ، وطالبوه بالأجرة المسلمة . فهل للناظر أن يجعل هذه الإجارة لازمة من جهة المستأجر ، غير لازمة من جهة نفسه ونوابه؟ يمنع بها المستأجر من الخروج إذا أراد الخروج، ويطالبه بالأجرة المسماة فيها ، وتقبل عليه الزيادة متى حصلت ممن زاد عليه، وإذا لم يكن ذلك جائزا، وأصر الناظر على ذلك : هل يكون ذلك قادحاً في عدالته وولايته ؟ وهل يجب عليه أن يؤجر الوقف ء أو مال اليتيم إجارة صحيحة ؟ أم لا؟ . فأجاب : ليس له تسليم الوقف ولا مال اليتيم ولا غيرهما مما يتصرف [ فيه ] بحكم الولاية إلا بإجارة شرعية، لا يجوز تسليمه إليه بإجارة فاسدة ؛ بل وكذلك الوكيل مع موكله ليس له أن يسلم ما وكل فى إجارته إلا بإجارة شرعية ، وليس للناظر أن يجعل الإجارة لازمة من جهة المستأجر ، جائزة من جهة المؤجر ، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين ، بل إن كان ممن يعتقد صحة الإجارة والبيع ونحوها بما جرت به العادة - كما هو قول الجمهور - جاز له أن يسلمه بما هو إجارة في العرف ، وإن كان لا يرى صحة البيع والإجارة ونحوهما إلا باللفظ كان عليه ألا يسلمها إلا إذا أجرها ، كذلك كان عليه ألا يسلم ما باعه من مال اليتيم وغيره إلا إذا باعه بيعا شرعياً . فمن اعتقد جواز بيع المعاطاة سلمه بهذا البيع . وهذا هو القول ١٧٦ الذي عليه جمهور الأئمة ، وعليه عمل المسلمين من عهد نبيهم وإلى اليوم. ومن كان يعتقد أنه لا يصح بيع ، وأنه لا بد من الصيغة من الجانبين : لم يكن له مع وجود هذا الاعتقاد أن يسلم مال اليتيم إلا بعقد مصحيح، كالإجارة ، والبيع ، ونحوهما من العقود التى يجوزها الجمهور بدون اللفظ، وبعض العلماء لا يجوزها إلا باللفظ : يجب فيها على كل من اعتقد أن يعمل بموجب اعتقاده له وعليه ؛ ليس لأحد أن يعتقد أحد القولين فيها له، والقول الآخر فيها عليه، كمن يعتقد أنه إذا كان جاراً استحق شفعة الجوار ، وإذا كان مشتريا لم يجب عليه شفعة الجار . أو إذا كان من الإخوة للأم - في المسألة المشركة المحمارية - يسقط ولد الأبوين ، وإذا كان هو من الإخوة للأبوين استحق مشاركة ولد الأم ، وإذا كان هو المدعى قضى له برد اليمين ، وإذا كان هو الطالب حكم له بشاهد ويمين ، وأمثال ذلك كثير . فليس لأحد أن يعتقد فى مسألة نزاع مثل هذا باتفاق المسلمين . ء فإن مضمون هذا ان يحلل لنفسه ما يحرمه على مثله ، ويحرم على مثله ما يحلله لنفسه ، ويوجب على غيره - الذي هو مثله - ما لا يوجبه على نفسه ، ويوجب لنفسه على غيره ما لا يوجبه لمثله . ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ؛ بل ومن كل دين ؛ أن هذا لا يجوز ، ومن اعتقد جواز هذا فهو كافر ؛ بل من اعتقد صحة ١٧٧ بيع المعاطاة ونحوه من الإيجارات التى يعدها أهل العرف بيعاً، وإجارة : اعتقد أن هذا العقد صحيح منه ومن غيره. ومن اعتقده باطلا : اعتقده منه ومن غيره . فالمؤجر الناظر إن اعتقد أحد القولين التزمه له وعليه . فإن اعتقد بطلان هذا العقد لم يجز له أن يسلم المؤجر ، ولا يطالب بالأجرة المسماة ، ولا [يمنع](١) المستأجرين من الخروج. وكان بمنزلة من سلم العين إلى الغاصب، فما تلف تحت يد المستولى كان عليه ضمانه ، كما لو سلم ماله بعقد فاسد يعتقد هو فساده ، وإن اعتقد صحة هذا العقد كان له تسليم العين ، والمطالبة بالأجرة المسماة ، ولم يكن له أن يقبل زيادة على المستأجر ، ولا يخرجه قبل انقضاء الأجرة من غير سبب شرعي يوجب الفسخ . ومتى أصر الناظر على أن يجعله فاسداً بالنسبة إلى المستأجر ، صحيحاً بالنسبة إليه ، غير لازم بالنسبة إلى المستأجر ؛ فإنه ظالم جائر ، وذلك قادح فى ولايته وعدالته . وعليه أن يؤجر ما يؤجره إجارة صحيحة ، وليس له باتفاق المسلمين أن يؤجر إجارة يعلم أنها غير صحيحة . والله أعلم . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٧٨ وسئل رحمه الله عن رجل عليه حصة وقف وعليه دين لشخص فأجره الضيعة ، وقاصّه بدينه المذكور عليه ثلاث سنين ، وهو شرط مذهب الواقف، وعليه دين آخر لرجل آخر، فاعتقله فى حبس السياسة مدة إلى أن هلك من السجن ، وحلف أنه ما يخرجه حتى يضمنه الحصة فما وجد من الحبس والتهديد ضمنه الحصة المذكورة ، وهو ضامن حصة أخرى ، فاستولى عليها من أول المدة ، ومدة الإيجار خمس سنين ، ومبلغ الدين واحد. فهل يعمل بالإجارة الأولى التى هي شرط الواقف ، وأغلى قيمة؟ أم بالثانية التى هي كره وإجبار ، ودون القيمة ، وغير شرط الواقف ؟ وإذا كان قد أخذ منها مغلات يرجع على المستأجر الأول، أم لا؟ وإذا كان قد فرغ مدة الأول لمن يكون ولاية الإيجار ؟ . فأجاب : الحمد لله. إذا كان قد أجره إجارة صحيحة كانت إجارته تلك المدة أو بعضها قبل انقضاء مدة هذه الإجارة إجارة باطلة ، سواء كانت باختيار المؤجر أو كان قد أكره عليها ، وكان هذا المستأجر ظالماً بوضع يده عليها ، واستغلالها، وكان للمستأجر الأول الخيار بين أن يفسخ ١٧٩ الإجارة وتسقط عنه الأجرة من حين الفسخ ، وبين ان يضمنها فيؤدى الأجرة ويطالب هذا الظالم بعوض المنفعة . وسل عن دار وقف على صغير ورجل بالغ ، وقد أجرها أبو الواقف بالإ كراه والإجبار من رجل له جاه منذ أربعين سنة . فهل نصح إجارة الأب على ابنه البالغ ؟ وقد رآء مكرها ، وعليه الترسيم ، فاراد الابن خلاصه من يد الظالم الذي أكره على الإيجار، فأشهد على نفسه بإمضاء الإجارة فهل يصح هذا الإشهاد ؟ وهل نصح إجارة أربعين سنة ؟ . فأجاب : إذا أكره على الإيجار بغير حق ، أو أكره بغير حق على تنفيذها : لم يصح ؛ فإن المكره بغير حق لا يلزم بيعه، ولا إجارته ولا إنفاذه ، باتفاق المسلمين . وأما إجارة الوقف هذه المدة ففيها نزاع بين العلماء كما فى مذهب أبى حنيفة ، والشافعي . ١٨٠