Indexed OCR Text

Pages 81-100

لوقت كل صلاة ، أو الاكتفاء بتيمم واحد ، وقبول شهادة أهل الذمة
بعضهم على بعض ، أو المنع من قبول شهادتهم .
ومن هذا الباب الشركة بالعروض ، وشركة الوجوه ، والمساقاة على
جميع أنواع الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء ؛ فإن هذه المسائل من
جنس شركة الأبدان ؛ بل المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين
من مشاركة الأبدان ، ومع هذا فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى
اليوم فى جميع الأعصار والأمصار يتعاملون بالمزارعة ، والمساقاة، ولم ينكره
عليهم أحد ، ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم
التى لا يتم دينهم ، ولا دنيام إلا بها .
ولهذا كان أبو حنيفة يفتى بأن المزارعة لا تجوز ، ثم يفرع على
القول بجوازها ، ويقول : إن الناس لا يأخذون بقولي فى المنع ؛ ولهذا
صار صاحباه إلى القول بجوازها ، كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب
الشافعي ، وغيره .
٨١

وسئل رحمه الله
عن رجل شارك قوماً في متجر بغير رأس مال ، وقد ذكر بعض
الشركاء أن المال غرم . فهل يلزم المذكور غرامة ؟ أم لا؟ .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إذا اشتركوا على أن بعضهم يعمل
ببدنه كالمضارب ، وبعضهم بماله، أو بماله وبدنه ، وتلف المال أو بعضه
من غير عدوان ، ولا تفريط من العامل ببدنه ، لم يكن عليه ضمان
شيء من المال ، سواء كانت المضاربة صحيحة ، أو فاسدة ، باتفاق
العلماء . والله أعلم .
وسئل
عن رجل عنده قماش كثير ، فطلب رجل تاجر سفار أن يأخذ
ذلك القماش ، على أن يشتري النصف مشاعاً، ويبقى النصف الآخر
لصاحبه ، يشتركان فيه شركة عنان ، ويكون لهذا نصف الريح ، ولهذا
نصف الربح ، وأخبره برأس المال ، وزاد عليه من الجانبين زيادة انفقا
٨٢

عليها ، واتفقا على أن يسافر إلى الديار المصرية ، ثم يعود إلى دمشق ،
وإذا لم يصلح له البيع بدمشق بسافر إلى العراق ، والعجم ، وكتب
وثيقة بالشركة : أن المال جميعه بيد هذا المشتري ، يبيع ويشتري ،
ويأخذ ويعطى. وكتبا أن الشركة كانت بدرام، ولا يمكن إلا بما ذكر،
ثم لما قدما إلى الاسكندرية فتشاجرا فطلب صاحب القماش منه الثمن ،
وألزمه بأن بقسم القماش ويبيعه هنا بخسارة، ويوفيه الثمن . فهل
هذا البيع الذي اتفقا عليه بشرط الشركة صحيح ؟ أم هو بيع فاسد ؟
وهل له إذا كان شريكا أن يجعله هو الذي يقبض المال ، ويبيع ويشتري
ويأخذ ويعطى . فإذا كان البيع فاسداً فليس له إلا عين ماله ، وقد
عمل هذا العامل فيه على أن له نصف الريح. فهل له المطالبة بنصف الريح
أم لا؟ وهل له بعد عمل هذا العامل ، وانتقال القماش من الشام إلى
الإسكندرية أن يأخذ القماش ، ويذهب عمله وسعيه فيه ؟ أم له
المطالبة بأجرة عمله ؟ أم بربح مثله ؟ أفتونا .
فأجاب - رحمه الله - الحمد لله. هذه المعاملة فاسدة من وجوه :
منها الجمع بين البيع والشركة ؛ فإن ذلك لا يجوز . وقد انفق
الفقهاء على أنه لا يجوز أن بشرط مع البيع عقدا مثل هذا . فلا يجوز
أن يبيعه على أن يقرضه ، وكذلك لا يجوز أن يؤجره على أن يساقيه،
أو يشاركه على أن يقترض منه، ولا أن يبيعه على أن يبتاع منه ، ومحو
٨٣

ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل
سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ريح ما لم يضمن ، ولا بيع ما
ليس عندك)) كذلك ((نهى عن بيعتين فى بيعة ، وذلك أنه إذا باعه أو
أجره مع القرض فإنه يحابيه فى ذلك ؛ لأجل القرض ، والقرض موجبه
رد المثل فقط ، فمتى اشترط زيادة لم يجز بالاتفاق .
وكذلك المبايعة والمشاركة مبناها على العدالة من الجانبين .
ولهذا لا يجوز أن يشترط اختصاص أحدهما بريج سلعة معين ، ولا
بمقدار من الريح ، ولا تخصيص أحدهما بالضمان ، ومتى بايعه على أن
يشاركه فإنه يحابيه: إما فى الشركة بأن يختص بالعمل ، وإما فى
البيع بزيادة الثمن ، ونحو ذلك ، فتخرج العقود عن العدل الذي
مبناها عليه .
وأيضا ففى اشتراط المشاركة إلزام المشتري بتصرف خاص ، ومنعه
بما يوجبه العقد المطلق . ومثل هذا ممنوع على الإطلاق ، عند بعض
الفقهاء ، وعند بعضهم إنما يسوغه في مثل اشتراط عتق المبيع ، أو
وقفه عند من يقول به أو غير ذلك مما فيه مصلحة خالية عن مفسدة
راجحة ؛ بخلاف ما إذا تضمن ترك العدل ؛ فإنه لا يجوز وفاقاً .
ومن وجه آخر : أن مثل هذه المعاملة إنما مقصودهما فى العادة
٨٤

المضاربة بالمال على أن يكون الريح بينها ، لكن قد يريد رب المال أن
يجعل نصف المال فى ضمان العامل ، وهذا لا يجوز وفاقا ، لأن الخراج
بالضمان ، وإذا اجتمع [البيع والشركة ] بطلت الشركة وفاقا ، فيحتال
على ذلك بأن يبيع العامل نصف المال ؛ ولهذا يجعل المال كله في يده،
ولو كان المقصود محض الشركة لصنعا كما يصنع شريكا العنان ، مع كون
المال فى أيديهما. وهذا ((وجه ثالث)) فتبطل الشركة ، وهو اتفاقها
على أن يكون المال بيد أحد الشريكين فقط .
وأما كون هذه شركة عرض فهذا فيه نزاع؛ لكن الإقرار المكذب
المخالف للواقع حرام قادح فى الدين . وإذا كان كذلك فالمال باق على
ملك صاحبه ، ولو كان شريكا لم يكن له أن يجعل الشريك الآخر هو
الذي يتولى العقود والقبوض دونه ، فإن هذا إنما يكون فى المضاربة ؛
لا في شركة العنان . وإذا كان البيع فاسداً لم يكن له المطالبة بالثمن
المسمى ، لكن إن تعذر رد العين رد القيمة ، وإن كان قد عمل فيها
المشتري الشريك فله ريح مثله فى نصيب الشريك ؛ فإن الفقهاء متنازعون
فيما فسد من المشاركة ، والمضاربة ، والمساقاة ، والمزارعة ، إذا عمل فيها
العامل هل يستحق أجرة المثل ؟ أو يستحق قسط مثله من الريح ؟ على
قولين : أظهرهما الثانى . وهو قول ابن القاسم ، والعوض في العقود
الفاسدة هو نظير ما يجب فى الصحيح عرفاً ، وعادة ، كما يجب فى
٨٥

البيع والإجارة الفاسدة ثمن المثل، وأجرة المثل ، وفى الجعالة الفاسدة
جعل المثل .
ومعلوم أن الصحيح من هذه المشاركات إنما يجب فيه قسطه من
الريح ، إن كان لا أجرة مقدرة ، وكذلك النصيب الذي اشتراه إن
قيل : يجب رد عينه مع ارتفاع قيمته ، كما يقوله من يقوله من أصحاب
الشافعى، والإمام أحمد . وللعامل المشتري أن يطلب إما أجرة عمله .
وإما قسط مثله من الربح . على اختلاف القولين .
وأما إن قيل : إنه بعد قبضه والتصرف فيه ، ليس عليه إلا رد
القيمة - كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، ومالك - فالحكم
فيه ظاهر . وبكل حال لا يجب عليه رد الزيادة التى زيدت على قيمة
المثل - والحالة هذه - بالاتفاق، والله أعلم.
وسئل رحم الله
عن رجل دفع مالا مضاربة ، ومات ، فعمل فيه العامل بعد
موته بغير إذن الورثة . فهل تنفسخ المضاربة ؟ وما حكم الربح بعد
موت المالك ؟
٨٦

فأجاب : نعم تنفسخ المضاربة بموت المالك ، ثم إذا علم العامل بمونه
وتصرف بلا إذن المالك لفظاً أو عرفا ، ولا ولاية شرعية، فهو غاصب.
وقد اختلف العلماء في الربح الحاصل فى هذا : هل هو للمالك فقط ،
كنماء الأعيان ؟ أو للعامل فقط ؟ لأن عليه الضمان ، أو بتصدقان به،
لأنه ريح خبيث ؟ أو يكون بينهما ؟ على أربعة أقوال :
أصحها الرابع . وهو أن الريح بينهما كما يجرى به العرف فى مثل
ذلك، وبهذا حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
فيما أخذه بنوه من مال بيت المال فانجروا فيه بغير استحقاق ، فجعله
مضاربة، وعليه اعتمد الفقهاء فى ((باب المضاربة)) ؛ لأن الريح نماء
حاصل من منفعة بدن هذا ، ومال هذا : فكان بينهما ، كسائر الماء
الحادث من أصلين، والحق لما لا يعدوهما، ولا وجه لتحريمه عليها ،
ولا لتخصيص أحدهما به . وإيجاب قسط مثله من الريح أصح من
قول من يوجب أجرة المثل ؛ فإن المال قد لا يكون له ربح ، وقد
تكون أجرته أضعاف ربحه ، وبالعكس . وليس المقصود من هذه
المشاركات العمل حتى يستحق عليه أجرة ، ولا هي عقد إجارة ؛ وإنما
هي أصل مستقل وهي نوع من المشاركات لا من المؤاجرات حتى يبطل
فيها ما يبطل فيها، فمن أوجب فيها مالا يجب فيها : فقد غلط .
وان كان جرى بين العامل والورثة من الكلام ما يقتضى في
٨٧

العرف أن يكون إبقاء لعقد المضاربة ، استحق المسمى له من الريح ،
وكان ذلك مضاربة مستحقة . وإذا أقر بالريح لزمه ما أقر به . فإن ادعى
بعد ذلك غلطاً لا يعذر في مثله لم يقبل قوله . وإن كان يعذر فى مثله
ففي قبوله خلاف مشهور ، وليس له ان بدفع المال إلى غيره إلا بإذن
المالك ، أو الشارع. ومتى فعل كان ضامنا للمال؛ سواء كان دفعه بعقد
صحيح؛ أو فاسد . فما ضمن بالعقد الصحيح ضمن بالفاسد. وما لم
يضمن بالصحيح لم يضمن بالفاسد .
وأما إن كان المال غصباً فهو ضامن بكل حال ، ومتى فرط العامل
في المال ، أو اعتدى فعليه ضمانه . وكذلك العامل الثانى إذا جحد الحق،
أو كتم المال الواجب عليه ، أو طلب التزامهم إجارة لغير مسوغ
شرعي أثم بذلك. وعلى ولي الأمر إيصال الحقوق إلى مستحقيها . والله أعلم.
وسئل رحمه الله
عن رجل دفع لرجل مالا على سبيل القراض ، ثم ظهر بعد ذلك
على المدفوع له المال دين بتاريخ متقدم على القراض . فهل يجوز له
أن يعطي لأرباب الدين شيئاً من هذا المال ؟ أم لا ؟ وإذا ادعى أنه
لم يقبض من مال القراض شيئاً أو عدم ، أو وقع فيه تفريط بغير سبب
٨٨

ظاهر ، يقبل هذا القول ؟ أم لا ؟
فأجاب : لا يجوز أن يوفي من مال هذا القراض شيئاً من الدين
الذي يكون على العامل ؛ إلا أن يختار رب المال ؛ فإن ادعى ما يخالف
العادة لم يقبل بمجرد قوله .
وسل
عن مضارب رفعه صاحب المال إلى الحاكم ، وطلب منه جميع المال ،
وحكم عليه الحاكم بذلك ، فدفع إليه البعض ، وطلب منه الإنظار
بالباقي ، فأنظره ، وضمن على وجهه ، فسافر المضارب عن البلدمدة .
فهل تبطل الشركة برفعه إلى الحاكم، وحكم الحاكم عليه بدفع المبلغ ،
وإنظاره ؟ وهل يضمن فى ذمته ؟
فأجاب : تنفسخ الشركة بمطالبته المذكورة، ويضمن المال فى ذمته
بالسفر المذكور ؛ بتأخير التسليم مع الإمكان عن وقت وجوبه .
٨٩

وسئل رحمه الله
هل يجوز للعامل فى القراض أن ينفق على نفسه من مال المقارض
حضرا أو سفرا؟ وإذا جاز . هل يجوز أن يبسط لذيذ الأكل .
والتنعمات منه ؟ أم يقتصر على كفايته المعتادة ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . إن كان بينهما شرط فى النفقة
جاز ذلك . وكذلك إن كان هناك عرف وعادة معروفة بينهم ، وأطلق
العقد ، فإنه يحمل على تلك العادة . وأما بدون ذلك فإنه لا يجوز.
ومن العلماء من يقول: له النفقة مطلقا وإن لم يشترط ، كما يقوله
أبو حنيفة ومالك والشافعى فى قول . والمشهور أن لا نفقة بحال ولو شرطها .
وحيث كانت له النفقة فليس له النفقة إلا بالمعروف ، وأما البسط الخارج
من المعروف فيكون محسوبا عليه .
٩٠

وسئل رحمه الله
عن اثنين اشتركا : من أحدهما دابة ، ومن الآخر درام ، جعلا
ذلك بينهما على ما قسم الله تعالى من ريج كان بينهما ، ثم ريحا .
فما الحكم؟
فأجاب : ينظر قيمة البهيمة فتكون هي والدرام رأس المال، وذلك
مشترك بينهما ؛ لأن عندنا أن الشركة والقسمة نصح بالأقوال ، لا تفتقر
إلى خلط المالين ، ولا إلى تمييزهما ، ويثبت الملك مشتركاً بعقد الشركة،
كما يتميز بعقد القسمة والمحاسبة ، فما ربحا كان بينهما ، وإذا تقاسما
بيعت الدابة ، واقتسما تمنها مع جملة المال .
وهذا إذا محعنا الشركة بالعروض ظاهر ، وأما إذا أبطلناها فحكم
الفاسد حكم الصحيح فى الضمان وعدمه ، وصحة التصرف وفساده ، وإنما
يفترقان فى الحل ، وفي مقدار الربح على أحد القولين .
فظاهر مذهب أحمد على ما اشترطا ، وعلى القول الآخر يكون
الريح تبعا للمال ، ويكون للآخر أجرة المثل ، والأصح في هذا أن له
رج المثل ، والأقوال ثلاثة .
٩١

وسل
عن شريكين فى فرس . لا يتبايعان ، ولا يشتريان ، ولا يكون
عند أحدهما مشاهرة ، والفرس تضيع بينهما ، وإن أحدهما أعارها
بغير إذن شريكه فهلكت . هل تلزم الشريك الذي أعار نصيب
شريكه ؟ أم لا ؟
فأجاب : إذا لم يتفقا أن تكون عند أحدهما ، ولا عند ثالث يختارانه
لها ، ولا طلب أحدهما مفاضلة الآخر فيها : تباع جميع الفرس، ويقسم
ثمنها بينهما . والله أعلم.
وسئل
عن رجلين بينهما شركة فى فرس . فأذن أحدهما للآخر فى سيره ؛
لئلا يضربه الوقوف، ولم يأذن له فى سوقه، وأركب غيره ، فحصل
له بذلك مرض . فهل يلزمه إن مات ؟ أو يلزمه أرشه بالنقص ؟ وهل
يلزمه ما يحتاج إليه من دواء ؟ والشريك محجور عليه من جهة الحاكم،
٩٢

وهو رشيد في تصرفه ؛ غير أن المانع من ذلك بينة تشهد له ، وإذا
كان الأمر كذلك : فهل لشريكه أن يأخذ من ماله قيمته ؟
فأجاب : إذا كان الشريك قد اعتدى ففعل مالم تأذن به الشريعة ،
ولا المالك ؛ لا لفظاً ولا عرفاً ، فهو ضامن لما تلف بجنايته ، وإن كان
محجوراً عليه ، فإن كانت الجناية نقصت الفرس ضمن النقص ، وإن
وجب بتلف الفرس ضمنه جميعه .
وسئل
عن زيد وعمرو مشتركان فى فرس ، وأخذ زيد الفرس وساقها
غير العادة بغير إذن عمرو ، ثم بعد ذلك حصل للفرس ضعف فماتت
محت يد زيد ؟
فأجاب : نعم ! إذا اعتدى الشريك عليها فتلفت بسبب عدوانه
ضمن نصيب شريكه . والله أعلم .
٩٣

وسئل رحمه الله
عن رجل شارك شخصا في بقرة ، وكانت عند أحدهما ، يستعملها
ويعلفها، وطلبها شريكه يفاضله فيها فأبى ، فادعى ثلثي البقرة .
ومنع المفاضلة ؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. عليه أن يفاضله فيها ، وإذا طلب
أحد الشريكين بيعها بيعت عليها ، واقتسما الثمن ، وهذا مذهب أبى
حنيفة ومالك والإمام أحمد وغيرهم .
وإذا كان الشريك يأخذ اللبن ، وكان اللبن بقدر العلف سواء فلا
شيء عليه، وإن كان انتفاعه بها أكثر من العلف أعطى شريكه نصيبه
من الفضل . والله أعلم
٩٤

وسئل
عن راع كان معه غنم خلطا ، واحتاجت إلى نفقة ، فباع بعضها
وأنفقه على الباقى . وكان المبيع مال بعضهم . فمنهم من لم يبق من غنمه
شيء . ومنهم من بقي له قليل . ومنهم كثير . فهل يقتسمون على قدر
رؤوس الأموال ؟ أم كل من بقي له شيء يأخذه ؟
فأحاب رحمه الله : بل يقتسمون الباقي على قدر رؤوس الأموال ،
أو يغرم أرباب الباقي ما أنفق عنهم ، وهو قيمة ما باعه .
وسئل رحمه اللّه
عن شريكين بينهما خيل ، وكان عند أحدها فرس فمانت بقضاء
الله وقدره ، وعمل بموتها محضرا؟
فأجاب : إذا كان أحد الشريكين قد سلمها إلى الآخر ، وتلفت
تحت يده من غير تفريط منه ، ولا عدوان ، فلا ضمان عليه .
٩٥

وسئل
عن رجل له شريك في فرس ، وهي تحت يد الشريك برضاه ،
فوقع على البلد أمر من السلطنة ، وأخذت الفرس مع غيل أخر
وقماش ، وقد قصد الشريك أن يضمن شريكه. فهل له ذلك ؟
فأجاب: الحمد لله. إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان فلا
ضمان عليه بما ذكر . والقول قوله مع يمينه فى نفي التفريط
والعدوان والحالة هذه .
وسئل
عن رجل بينه وبين رجل شركة في بستان ، وأنه استأجر منه
نصيبه بإجارة شرعية ، وأن الشريك الذي استأجر تعدى وقطع من أخشاب
البستان شيئاً له تمر يغل بغير إذن المالك، وهو حاضر، واستعمل منها بواقى
وأحطاباً لغرضه . فهل عليه الرجوع بما تعدى عليه ؟ وهل المالك أن
يمسك أعوانه الذين تولوا قطع الخشب أم لا ؟
فأجاب : ليس له أن يأخذ نصيب شريكه مالم يستحقه بعقد
٩٦

الإجارة ، وما أخذه بذلك فعليه ضمانه لشريكه ، يضمن له نصيبه .
وللمالك أن يطالب بالضمان من باشر الأخذ ، وله أن يطالب الشريك
الآمر لهم ، فيأخذ حقه من أيهم شاء . والله أعلم.
وسل
عن جماعة شهود اشتركوا ، فعمل بعضهم أكثر من بعض . فهل
يستحق الجماعة الجعالة بالسوية ، أو يستحقونها على قدر أعمالهم ؟
فأجاب : موجب عقد الشركة المطلقة التساوي فى العمل والأجر.
فإن عمل بعضهم أكثر تبرعا بالزيادة ساوره فى الأجر، وإن لم يكن
متبرعا طالبهم ؛ إما بما زاد في العمل ، وإما بإعطائه زيادة فى الأجرة
بقدر عمله . وإن اتفقوا على أن يشترطوا له زيادة باز . والله أعلم .
رحم الله:
وسئل .
عن جماعة دلالين مشتركين فى بيع السلع . هل يقدح ذلك فى
دينهم ؟ وهل لولي الأمر - أعزه الله - منعهم من غير أن يظهر
عليهم غش ، أو تدليس ؟
٩٧

فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما إذا كان التاجر الذي يسلم
ماله إلى الدلال قد علم أنه بسله إلى غيره من الدلالين ، ورضي بذلك،
لم يكن بذلك بأس بلا ريب ؛ فإن الدلال وكيل التاجر . والوكيل له
أن يوكل غيره ، كالموكل باتفاق العلماء .
وإنما تنازعوا فى جواز توكيله بلا إذن الموكل . على قولين مشهورين
للعلماء . وعلى هذا تنازعوا فى شركة الدلالين : لكونهم وكلاء . فبنوا
ذلك على جواز توكيل الوكيل .
وإذا كان هناك عرف معروف أن الدلال يسلم السلعة إلى من يأمه
كان العرف المعروف كالشرط المشروط ، ولهذا ذهب جمهور أمة
المسلمين: كمالك وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم إلى جواز ((شركة الأبدان))
كما قال ابن مسعود: اشتركت أنا ، وسعد بن أبى وقاص ، وعمار
يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء .
و «شركة الأبدان)» في مصالح المسلمين في عامة الأمصار، وكثير
من مصالح المسلمين لا ينتظم بدونها . كالصناع المشتركين في الحوانيت؛
من الدلالين وغيرهم ؛ فإن أحدم لا يستقل بأعمال الناس ، فيحتاج إلى
معاون ، والمعاون لا يمكن أن تقدر أجرته وعمله ، كما لا يمكن مثل ذلك
في المضاربة ؛ ونحوها ، فيحتاجون إلى الاشتراك .
٩٨

وجمهور العلماء يجعلون الشركة عقداً قائما بنفسه فى الشريعة ،
يوجب لكل من الشريكين بالعقد مالا يستحقه بدون العقد ، كما فى
المضاربة ، ومنهم من لا يجعل شركة إلا شركة الأملاك فقط ، وما
يتبعها من العقود ، فيمنع عامة المشاركات التى يحتاج الناس إليها ،
كالتفاضل فى الربح مع التساوي فى المال ، وشركة الوجوه ، والأبدان،
وغير ذلك ؛ ولكن قول الجمهور أصح .
وإذا اشترك اثنان كان كل منهما يتصرف لنفسه بحكم الملك ،
ولشريكه بحكم الوكالة . فما عقده من العقود عقده لنفسه ولشريكه .
وما قبضه قبضه لنفسه ولشريكه . وإذا على الناس أنهم شركاء ويسلمون
إليهم أموالهم جعلوا ذلك إذناً لأحدهم أن يأذن لشريكه ، وليس
لولي الأمر المنح في مثل العقود ، والقبوض التى يجوزها جمهور العلماء،
ومصالح الناس وقف عليها ، مع أن المنع من جميعها لا يمكن في الشرع،
وتخصيص بعضها بالمنح تحكم . والله أعلم .
وسئل
عن خبير الشراء مرابحة ، ولم يبين للمشتري انه بالنسيئة ، فهل
يحل ذلك ؟ أم يحرم ؟ (١) .
ء
(١) محل هذه الرسائل الخيار .
٩٩

فأجاب : أما البيع بتخبير الثمن فهو جائز، سواء كان مرابحة ،
أو مواضعة، أو تولية ، أو شركة ؛ لكن لا بد أن يستوي على البائع
والمشترى فى الثمن. فإذا كان البائع قد اشتراه إلى أجل ، فلا بد أن
يعلم المشترى ذلك ، فإن أخبره بثمن مطلق، ولم يبين له أنه اشتراه
إلى أجل ، فهذا جائر ظالم . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيعان بالخيار ، مالم يتفرقا ،
فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعها، وإن كذبا وكنتما محقت بركة بيعها)).
وسئل رحم الله
عن رجل تاجر فى حانوت ، اشترى قطعة قماش بأحد عشر وربع،
وبعد ما اشتراها جاءه رجل وأخبره أنه اشتراها بأحد عشر وربع ،
وكسب نصفاً فأخذها المشتري وتفارقا بالأبدان، وبعد ساعة جاء المشتري
وغصبه بردها وامتنع التاجر ولم يبين الفائدة ، فأبى المشتري ، فتنازعا
على الفائدة . فقال المشتري : خذ منى ربعاً وثمناً ، فقال التاجر
للمشتري : ابتعنى بأحد عشر ونصف ، فقال : عبارة نعم . فهل يجوز
أن يخبر بهذا الربع الزائد على المشتري الأول ؟ ويحل له ذلك فى
وجه من الوجوه ؟ .
فأجاب : ليس لصاحب السلعة أن يخبر بأنه اشتراها بذلك من غير
١٠٠