Indexed OCR Text

Pages 61-80

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة أولاً مبنية على عزل
الوكيل : هل ينعزل قبل بلوغ العزل له؟ على قولين مشهورين للعلماء .
أحدهما : لا ينعزل حتى يعلم . وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى
إحدى الروايتين ، وقول الشافعي ، وأحد القولين في مذهب مالك بل
أرجحها . فعلى هذا تصرف الوكيل قبل العلم صحيح نافذ . وثبوت عزله
قبل التصرف لا يقدح فى تصرفه قبل العلم ، فيصح البيع والوقف الواقع
على الوجه المشروع ، ولا يبطل ذلك ، ولوحكم الحاكم به .
والقول الثانى: أنه ينعزل قبل العلم، وهو المشهور فى مذهب الشافعي
وأحمد فى إحدى الروايتين ، وهو مذهب مالك فى إحدى الروايتين .
فعلى هذا لا تقبل مجرد دعواه العزل بعد التصرف ، وإذا أقام بذلك
بيئة ببلد آخر ، وحكم به حاكم ، كان ذلك حكماً على الغائب، والحكم
على الغائب إذا قيل بصحته فهو يصح مع بقاء كل ذي حجة على حجته،
وللمحكوم عليه أن يقدح فى الحكم والشهادة بما يسوغ قبوله : إما
الطعن فى الشهود ، أو الحكم ، أو غير ذلك : مثل أن يكون الحاكم
الذي حكم بالعزل لا يرى العزل قبل العلم . ولكن ليس عليه أن يقبل
البيئة الشاهدة بالعزل فاسقة أو متهمة بشيء يمنع قبول الشهادة .
ثم الحاكم الذي حكم بصحة البيع والوقف إن كان ممن لا يرى
عزل الوكيل قبل العلم ، وقد بلغه ذلك ، كان حكمه نافذا ، لا يجوز
٦١

نقضه بحال ؛ بل الحكم الناقض له مردود . وإن كان لم يعلم ذلك . أو
مذهبه عدم الحكم بالصحة ، إذا ثبت كان وجود حكمه كعدمه .
والحاكم الثانى إذا لم يعلم بأن العزل قبل العلم ، أو علم بذلك وهو
لا يراه ، أو رآء وهو لا يرى نقض الحكم المتقدم. وما ذكر من علم
موكل الوكيل البائع بما جرى وسكوته : كان وجود حكمه كعدمه ،
واستيثاق الحكم في القصة وقبض الثمن من الوكيل دليل فى العادة على
الإذن فى البيع والشراء ، وبقاء الوكالة ، إذا لم يعارض ذلك
معارض راجح .
وأكثر العلماء يقبلون مثل هذه الحجة ويدفعون بها دعوى الموكل
للغزل ؛ ليبطل البيع ؛ لا سيما مع كثرة شهود الزور. ولو حكم ببطلان
الوقف لم يجب على الوكيل ولا على المشتري ضمان ما استوفاه من المنفعة ؛
فإن كان الوكيل والمشتري مغرورين غرهما الموكل لعدم إعلامه بالعزل ،
فالتفريط جاء من جهته فلا يضمن له المنفعة .
وإذا أنكر الموكل قبض الثمن ولم يقم عليه بينة به ، فإن كان
الوكيل بلا جعل قبل قوله على الموكل ؛ لأنه أمينه ، كما يقبل قول
المودع في رد الوديعة إلى مالكها . وإن كان يجعل ففيه قولان مشهوران
للعلماء ، ولكن لا يقبل قول الوكيل على المشتري . فإن كان البيع باقياً
٦٢

فلا كلام ، وإن كان البيع مفسوخاً فلهم أن يطالبوا الوكيل بالثمن ،
والوكيل يرجع على الموكل .
وسئل الشيخ رحمه الله
عن رجل وكيل باع لموكله حصته من حانوت ، ثم إن المشتري
وقف تلك الحصة ، وثبت البيع والوقف ، وحكم بصحة الوقف ، وبعد
ذلك ثبت أن الوكيل كان معزولا بتاريخ متقدم على بيعه ، محكوم
بصحة عزله. فهل يتبين بطلان البيع والوقف ؟ أم هما صحيحان ؟ وإذا
بان البطلان . فهل للموكل الرجوع بأجرة تلك الحصة مدة مقامها فى يد
المشتري الواقف لها ؟ أم لا ؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . هذه المسألة فيها نزاع مشهور ،
وهو : أن الوكيل إذا مات موكله ، أو عزله ، ولم يعلم بذلك حتى تصرف
فهل ينعزل قبل العلم ؟ على ثلاثة أقوال لأهل العلم فى مذهب الشافعي ،
والإمام أحمد ، وغيرها :
أحدها : أنه ينعزل قبل العلم، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي
وأحمد وغيرهما، وقول فى مذهب مالك . فعلى هذا بتبين بطلان البيع ؛
لكن على هذا لاضمان على الوكيل ؛ لأنه لم يفرط ، وأما المشتري فهو
٦٣

مغرور أيضا إذا لم يعلم . وفي تضمينه نزاع فى مذهب أحمد وغيره ،
وأحد قولي الشافعي . وهذا الغار لا ضمان عليه، ولا يضمن واحد منهما،
ولم يرجع على الغار فى أشهر قولي الشافعي ، والإمام أحمد فى رواية .
فعلى هذا يضمن المشتري ، ولا يرجع على أحد .
والقول الثانى : أنه ينعزل بالموت ، ولا ينعزل بالعزل حتى يعلم، وهذا
مذهب أبى حنيفة ، والمشهور فى مذهب مالك ، وأحد الأقوال في
مذهب الشافعي ، والإمام أحمد . فعلى هذا تصرفه قبل العلم صحيح .
فيصح البيع إذا لم يكن الرجل عالما بالعزل . فأما إن تصرف بعد علمه
بالعزل لم يكن تصرفه لازماً باتفاق المسلمين ؛ بل يكون بمنزلة تصرف
الفضولي، وهو مردود فى مذهب الشافعي والإمام أحمد فى المشهور عنه .
وموقوف على الإجازة فى مذهب أبى حنيفة ، والرواية الأخرى عن الإمام
أحمد ، وحكى عن مالك . فمتى لم يجزه المستحق بطل بالإجماع .
والقول الثالث : أنه لا ينعزل فى الموضعين ، قبل العلم ، كقول
الشافعي، والإمام أحمد رضي الله عنها. والحكم فيه كما تقدم. والله
سبحانه وتعالى أعلم .
٦٤

وسئل شيخ الإسلام
عمن وكل رجلا في بيع سلعة ، فباعها إلى أجل ، ونوى بعض
الثمن . فهل يطالب المالك بقيمتها حالة ، أو بمثل الثمن المؤجل .
وهو أكثر ؟.
فأجاب : إذا لم يكن قد أذن له فى البيع إلى أجل ، فالمالك مخير بين
أن يطالب البائع بقيمتها بنقد ، وبين أن يطالب بالثمن المؤجل جميعه ،
ويحسب المنكسر على صاحب السلعة ؛ لأن تصرفه بدون إذن كتصرف
غاصب . والغاصب إذا تلفت العين عنده إلى بدل كان للمالك الخيرة بين
المطالبة ، وبين البدل المطلق ، وهو المثل أو القيمة ، وبين البدل
المعين . وهذا يكون حيث لم يعرف المشتري بالغصب ، فلا يثبت عليه
إلا الثمن المسمى
وإذا قلنا بوقف العقود على الإجازة : إذا لم يثبت الإجازة واصطلحا
١٧
على الثمن ، وتراضيا به صح الصلح عن بدل المتلف بأكثر من قيمته
من ضمانه . كما لو اتفقا على فرض المهر فى مسألة التفويض .
٦٥

وسئل رحمه الله تعالى
عن الأمراء الذين يطلبون ما يحتاجون إليه من القماش وغيره من
الأسواق ، فيأخذون ما أعجبهم من ذلك ، ويكتب الأمير لصاحبه خطا
بذلك ، أو ينزله ونوابه فى دفتره ، ويقترضون من أصحابهم درام ، وكل
ذلك بغير حجج تكتب ، ولا إشهاد ، وهذه عادتهم.
وإذا توفى الأمير وعلم ديوانه واستاداره بحقوق الناس. فهل يحل
لهم منعهم؟ أو مطلهم ، أم يلزمهم دفع حقوقهم التى علموها من التركة .
والحالة هذه ؟ .
فأجاب: بل كل ما وجد بخط الأمير ، أو أخبر به كاتبه ، أو لفظ
وكيله فى ذلك ، مثل كاتبه ، واستاداره ، فإنه يجب العمل بذلك . فإن
إقرار الوكيل على موكله فيما وكله فيه مقبول ؛ لأنه أمينه ، وخط الميت
كلفظه فى الوصية والإقرار ونحوهما .
ومع ذلك لا يحتاج أصحاب الحقوق إلى بينة . وتكليفهم البينة إضاعة
للحقوق ، وتعذيب للأموات ببقائهم مر تهنين بالذنوب، ففيه ظلم للأموات،
77

والأحياء : لاسيما فى المعاملات التى لم تجر العادة فيها بالإشهاد ، فتكليف
البينة فى ذلك خروج عن العدل المعروف . والله أعلم
٠
وسئل
عن رجل متحدث لأمير فى تحميل أمواله . فهل يكون له العشر
فيما حصله المقرر عن الوكالة عن كل ألف درهم مائة درهم ؟ وهل له أن
يتناول ذلك فى حال حياته ومماته ، وبإذنه أو غير إذنه ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إن كان الأمير قد وكله بالعشر، أو
وكله توكيلا مطلقا على الوجه المعتاد الذي يقتضى فى العرف أن له العشر
فله ذلك ؛ فإنه يستحق العشر بشرط لفظي ، أو عر فى .
والاستئجار : كاستئجار الأرض للزراعة بجزء من زرعها ، وهي
مسألة (( قفيز الطحان)). ومن نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم:
((أنه نهى عن قفيز الطحان )) فقد غلط .
واستيفاء المال بجزء مشاع منه جائز، فى أظهر قولي العلماء ، وإن
كان قد عمل له على أن يعطيه عوضاً ؛ ولم يبين له ذلك ، فله أيضا
أجرة المثل الذي جرت به العادة ، فإن استحق عليه شيئاً فله أن
٦٧

يستوفيه مطلقاً من تركته، وبدون إذنه ، وإن لم يستحقه عليه لم يجز
أن يأخذ شيئاً إلا بإذنه. والله أعلم .
وسل
عن رجل وكل رجلا وكالة مطلقة ؛ بناء على أنه لا يتصرف
إلا بالمصلحة والغبطة ، فأجر له أرضا تساوي إجارتها عشرة آلاف
بخمسة آلاف . فهل تصح هذه الإجارة ؟ أم لا ؟ وإذا صحت هل يلزم
الوكيل التفاوت ؟
فأجاب: الحمد لله. ليس له أن يؤجرها بمثل هذا الغبن ، وله
أن يضمن الوكيل المفرط ما فوته عليه .
وأما صحة الإجارة : فأكثر الفقهاء يقولون: إجارة باطلة ، كما هو
مذهب الشافعى ، وأحمد فى أحد القولين ، لكن إذا كان المستأجر
مغروراً لم يعلم بحال الوكيل ، مثل أن يظن أنه مالك عالم بالقيمة ، فله
أن يرجع على من غره بما يلزمه فى أصح قولي العلماء . وزرعه زرع
محترم ، لا يجوز قطعه مجاناً ؛ بل ينزل بأجرة المثل ، بما لا يتغابن
الناس به . فهنا هو ظالم ، وزرعه زرع غاصب .
وهل للمالك قلعه مجاناً ؟ على قولين مشهورين للعلماء . وهل يملكه
٦٨

بنفقته ؟ على قولين أيضا .
وظاهر مذهب أحمد أن له تملكه بنفقته . وأما إبقاؤه بأجرة المثل
فيملكه بالاتفاق . وإذا ادعى على المستأجر أنه عالم بالحال فأنكر ،
فالقول قوله مع يمينه .
وسئل رحمه الله
عن رجل وكل غلامه فى إيجار حانوت لشخص ، ثم إن المستأجر
أجره لشخص ، فهل للوكيل أن يقبل الزيادة فى أجرة الحانوت ؟ أم لا؟
وهل له مطالبة المستأجر الثانى ؟ أم لا ؟ وإذا غصب المستأجر الثانى
وأخذ منه الأجرة ، فهل للمستأجر أن يستعيد منه ؟ أم لا؟ وإذا كان
هذا الغلام يتصرف لهذا الموكل بإيجار حوانيته ، وقبض الأجرة، ويدعى
بذلك عند القضاة لموكله ، وسيده يعلم بذلك كله ، ويقره عليه : فهل
يقبل قوله إنه لم يوكله ؟ وإذا أكره الموكل المستأجر الثانى على غير
الإجارة الأولى . فهل تصح هذه الإجارة الثانية أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. ليس للموكل - والحالة هذه -
أن يؤجر الحانوت لأحد لا بزيادة ، ولا غير زيادة ، ولا للمستأجر الأول
ذلك ، وليس للموكل مطالبة المستأجر الثانى، وإذا أخذ منه الأجرة
٦٩

غصباً فله استرجاع ذلك منه ، ولا يقبل قوله فى إنكار الوكالة مع كونه
يتصرف له تصرف الوكلاء ، مع علمه بذلك ، وكونه معروفاً بأنه وكيله
بين الناس ، حتى لو قدر أنه لم يوكله - والحالة هذه - فتفريطه
وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان . والإِجارة الثانية التى أكره الموكل
عليها للمستأجر الثانى باطلة . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن قوم أرسلوا قوماً في مصالح لهم ويعطونهم نفقة . فهل يحل
لهم أكل ذلك ؟ واستدانة تمام نفقتهم ومخالطتهم ؟ .
فأجاب : إذا أعطاهم الذين بعثوج ما ينفقونه جاز ذلك ، وعليهم
تمام نفقتهم ما داموا فى حوائجهم ، ويجوز مخالطتهم .
٧٠

وسئل رحم اللّه
عن نوبة الوكلاء لحفظ الغلال على الفلاحين . هل هي حلال ؟
فأجاب : إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح فله
أجرته عليها ، فإذا كانت المؤنة التى يأخذها من الفلاح بقدر حقه
عليه فلا بأس بذلك . والله أعلم .
وسئل
عن رجل وكل رجلا فى شراء ، ولم يوكله فى الإقالة ، فأقال .
هل تصح ؟ .
فأجاب : إذا وكل الإنسان وكيلا فى شراء شيء ولم يوكله فى
الإقالة ؛ لم يكن للوكيل الإقالة ، ولا تنفذ إقالته بدون إذن الموكل ،
باتفاق العلماء . والله أعلم .
٧١

وسئل رحمه اللّه
عن وكيل فى مبلغ لوالده يجبى الديون التى له على الناس ، فإذا
جاء إلى أحد قال: إنى وقعته لأبيك ، ثم قال: إن أبريتنى وصالحتى
على شيء وقع الاتفاق بينى وبينك ، ثم صالحه من جملة ألف بثلاثمائة
درهم. ثم أقر بالدين بعد الصلح، وأخذ بيده الإبراء . فهل تجوز
دعواه عليه بعد إقراره ، والشهود على رب الدين بالإبراء ؟ أم لا ؟
فأجاب: الوكيل فى الاستيفاء لا يصح إبراؤه، ولا مصالحته على
بعض الحق ، ولو كان وكيلا فى ذلك .
ثم إن الغريم إذا جحد الحق حتى صولح كان الصلح فى حقه باطلا.
ولم تبرأ ذمته ، وإذا كان المدعى إنما صالحه خوفاً من ذهاب جميع
الحق فهو مكره على ذلك ، فلا يصح صلحه ، وله أن يطالبه بالحق بعد
ذلك ، إذا أقربه ، أو قامت به بينة ؟
٧٢

باب الشركة
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية
عن جماعة اشتركوا شركة الأبدان بغير رضا بعضهم ، وعملوا عملا
مجتمعين فيه ، وعملا متفرقين فيه . فهل تصح هذه الشركة ؟ وما
يستحق كل منهم من أجرة ما عمل ؟ وهل يجوز لمن لا عمل له أن
بأخذ أجرة عن عمل غيره بغير رضا من عمل ؟
فأجاب : - رضي الله عنه - شركة الأبدان التى تنازع الفقهاء
فيها نوعان :
أحدهما : أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل فى ذمتهما ، كأهل
الصناعات من الخياطة والنجارة والحياكة ، ونحو ذلك ، الذين تقدر
أجرتهم بالعمل ، لا بالزمان - ويسمى الأجير المشترك - ويكون
العمل فى ذمة أحدهم بحيث بسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك
العمل والعمل دين في ذمته ، كديون الأعيان ؛ ليس واجباً على عينه
٧٣

فهؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم ، كأبى حنيفة ، ومالك ،
وأحمد. وذلك عندم بمنزلة ((شركة الوجوه ))، وهو أن يشترى أحد
الشريكين بجاهه شيئاً له ولشريكه ، كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه.
قالوا : وهذه الشركة مبناها على الوكالة ، فكل من الشريكين يتصرف
لنفسه بالملك ، ولشريكه بالوكالة .
ولم يجوزها الشافعي بناء على أصله ، وهو أن مذهبه أن الشركة
لا تثبت بالعقد ، وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة ، فإذا كانا
شريكين فى مال كان لهما نماؤه ، وعليها غرمه ، ولهذا لا يجوز
شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ، ولا يجوزها إلا مع خلط
المالين ، ولا يجعل الريح إلا على قدر المالين .
والجمهور يخالفونه فى هذا، ويقولون: الشركة نوعان: ((شركة
أملاك)، و ((شركة عقود)). وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة
الأملاك ، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود ، وإن كانا
قد يجتمعان . والمضاربة شركة عقود بالإجماع ، ليست شركة أملاك ؛
إذ المال لأحدهما والعمل للآخر ، وكذلك المساقاة والمزارعة ، وإن كان
من الفقهاء من يزعم أنها من باب الإجارة ؛ وأنها خلاف القياس .
٧٤

فالصواب أنها أصل مستقل ، وهي من باب المشاركة لا من باب الإجارة
الخاصة ، وهي على وفق قياس المشاركات .
ولما كان مبنى الشركة على هذا الأصل تنازعوا في الشركة فى اكتساب
المباحات ؛ بناء على جواز التوكل فيها ، فجوز ذلك أحمد ، ومنعه أبو
حنيفة . واحتج أحمد بحديث سعد ، وعمار ، وابن مسعود .
وقد يقال : هذه من النوع الثانى إذا تشاركا فيا يؤجران فيه
أبدانهما ، ودابتيهما : إجارة خاصة . ففي هذه الإجارة قولان مرويان ،
والبطلان مذهب أبى حنيفة ، وطائفة من أصحاب أحمد : كأبي الخطاب،
والقاضي فى أحد قوليه . وقال : هو قياس المذهب ؛ بناء على أن
شركة الأبدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك على كسب المباح :
كالاصطياد ، والاحتطاب؛ لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي
وجب على الآخر شىء، وإنما كان ذلك بمنزلة اشتراكها فى نتاج
ما شيتها ، وتراث بساتينهما ، ونحو ذلك .
ومن جوزه قال : هو مثل الاشتراك فى اكتساب المباحات ؛ لأنه
لم يثبت هناك فى ذمة أحدهما عمل ؛ ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما
عن نفسه ، وعن شريكه . كذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة ،
أو شرط له من الجعل : هو له ولشريكه . والعمل الذي يعمل عن
٧٥

نفسه وعن شريكه . وهذا القول أصح ، لاسيما على قول من يجوز
شركة العنان ، مع عدم اختلاط المالين ، ومع اختلاف الجنسين .
وقد قال تعالى: (أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) وقال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراماً أو حرم
حلالا )) وأظن هذا قول مالك .
وأما اشتراك الشهود فقد يقال: من مسألة ((شركة الأبدان ))
التى تنازع الفقهاء فيها ؛ فإن الشهادة لا تثبت في الذمة ، ولا يصح
التوكل فيها حتى يكون أحد الشريكين متصرفا لنفسه بحكم الملك ،
ولشريكه بحكم الوكالة . والعوض فى الشهادة من باب الجعالة ؛ لا من
باب الإجارة اللازمة ؛ فإنما هي اشتراك في العقد؛ لا عقد الشركة ؛ بمنزلة
من يقول لجماعة : ابنوا لي هذا الحائط ، ولكم عشرة ، أو إن بليتموه
فلكم عشرة ، أو إن خطتم هذا الثوب فلكم عشرة . أو إن رددتم
عبدي الآبق فلكم عشرة .
وإن لم يقدر الجمل - وقد علم أنهم يعملون بالجعل : مثل حمالين
يحملون مال تاجر متعاونين على ذلك - فهم يستحقون جعل مثلهم
عند جمهور العلماء : أبى حنيفة، ومالك، وأحمد ، وغيرهم ، كما يستحقه
الطباخ الذي يطبخ بالأجرة ، والخباز الذى يخبز بالأجرة ، والنساج
الذي ينسج بالأجرة ، والقصار الذي يقصر بالأجرة ، وصاحب الحمام
٧٦

والسفينة ، والعرف الذي جرت عادته بأن يستوفى منفعته بالأجر . فهؤلاء
يستحقون عوض المثل عند الإطلاق .
فكذلك إذا استعمل جماعة فى أن يشهدوا عليه ، ويكتبوا خطوطهم
بالشهادة ، يستحقون الجعل ، فهو بمنزلة استعماله إيام في نحو ذلك من
الأعمال ، إذا قيل : إنهم يستحقون الجعل فيستحقون جعل مثلهم على
قدر أعمالهم ، فإن كانت أعمالهم ومنافعهم متساوية استحقوا الجعل
بالسواء والصواب أن هذا الذي قاله هذا القائل صحيح إذا لم يتقدم
منهم شركة . فأما إذا اشتركوا فيما يكتسبونه بالشهادة فهو كاشتراكهم
فيما يكتسبونه بسائر الجعالات ، والإجارات .
ثم الجعل فى الشهادة قد يكون على عمل فى الذمة ، وللشاهد أن
يقيم مقامه من يشهد للجاعل .
فهنا تكون شركة صحيحة عند كل من يقول بشركة الأبدان ، وم
الجمهور: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم . وهو الصحيح الذي
يدل عليه الكتاب والسنة ، والاعتبار .
إلا أن يكون الجعل على أن يشهد الشاهد بعينه ، فيكون فيها
القولان المتقدمان . والصحيح أيضا جواز الاشتراك في ذلك ، كما هو
قول مالك فى أصح القولين ؛ لكن ليس لأحد الشريكين أن يدع
٧٧

العمل ، ويطلب مقاسمة الآخر ؛ بل عليه أن يعمل ما أوجبه العقد
لفظاً ، أو عرفاً .
وأما إذا أكرههم القضاة على هذه الشركة بغير اختيارهم ، فهذا
ليس من باب الإكراه على العقود بغير حق ؛ لأن القضاة م الذين
يأذنون لهم فى الارتزاق بالشهادة ، وذلك موقوف على تعديلهم ؛ ليس
بمنزلة الصناع الذين يكتسبون بدون إذن ولي الأمر ، وإذا كان للقضاة
أمر فى ذلك جاز أن يكون لهم فى التشريك بينهم ، فإنه لابد من
قعود اثنين فصاعداً ، ولا بد من اشتراكها فى الشهادة ؛ إذ شهادة
واحد لا تحصل مقصود الشهادة .
وإذا كان كذلك فالواجب أن يراعى فى ذلك موجب العدل بينهم،
فلا يمتنع أحدهم عن عمل هو عليه ، ولا يختص أحدم بشىء من
الرزق الذي وقعت الشركة عليه ، سواء كانوا مجتمعين ، أو متفرقين .
والله سبحانه أعلم .
٧٨

وسئل رحمه اللّه
عمن ولي أمراً من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز ((شركة الأبدان))
فهل يجوز له منع الناس ؟ .
فأجاب : ليس له منع الناس من مثل ذلك ، ولا من نظائره مما
يسوغ فيه الاجتهاد ، وليس معه بالمنع نص من كتاب ، ولا سنة، ولا
إجماع ، ولا ما هو فى معنى ذلك ؛ لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل
ذلك ، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار .
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره فى مثل هذه
المسائل ، ولا للعالم والمفتى أن يلزم الناس باتباعه فى مثل هذه المسائل ؛
ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على ((موطئه»
فى مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال : إن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم تفرقوا فى الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم
ما بلغهم . وصنف رجل كتاباً فى الاختلاف ، فقال أحمد : لا تسمه
((كتاب الاختلاف)) ولكن سمه ((كتاب السنة)).
٧٩

ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجة قاطعة ، واختلافهم
رحمة واسعة . وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما يسرنى أن أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول
فخالفهم رجل كان ضالا ، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ، ورجل
بقول هذا كان فى الأمر سعة . وكذلك قال غير مالك من الأئمة : ليس
للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه .
ولهذا قال العلماء المصنفون فى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من
أصحاب الشافعى وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد،
وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ؛ ولكن يتكلم فيها بالحجيع العلمية،
فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ، ومن قاد أهل القول الآخر فلا
إنكار عليه . ونظائر هذه المسائل كثيرة : مثل تنازع الناس فى بيع
الباقلا الأخضر فى قشربه ، وفى بيع المقانى جملة واحدة ، وبيع المعاطاة
والسلم الحال ، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم
تغيره ، والتوضؤ من مس الذكر ، والنساء ، وخروج النجاسات من
غير السبيلين ، والقهقهة ، وترك الوضوء من ذلك، والقراءة بالبسملة
سراً، أو جهراً، وترك ذلك. وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه، أو
القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة . وترك ذلك، والتيمم
بضربة أو ضربتين إلى الكوعين ، أو المرفقين ، والتيمم لكل صلاة ، أو
٨٠