Indexed OCR Text

Pages 441-460

وقيل لابن عباس : رجل باع حريرة إلى أجل، ثم ابتاعها بأقل
من ذلك ؟ فقال : درام ، بدرام ، دخلت بينهما حريرة . وسئل أنس
ابن مالك عن نحو ذلك ، فقال : هذا مما حرمه الله ورسوله . وفي
السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من باع بيعتين
في بيعة فله أوكسها، أو الربا )، وهؤلاء قد باعوا بيعتين فى بيعة .
وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ، ثم أتيا إلى صاحب حانوت
يطلبان منه متاعا بقدر المال ، فاشتراء المعطي ، ثم باعه الآخذ إلى
أجل ، ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك . فيكون صاحب
الحانوت واسطة بينهما يجعل ، فهذا أيضاً من الربا الذي لا ريب فيه .
وكذلك إذا ضمها إلى القرض محاباة فى بيع أو إجارة أو غير ذلك،
مثل أن يقرضه مائة ، ويبيعه سلعة تساوي خمسمائة ، أو يؤجره انوثاً
يساوي كراه مائة بخمسين ، فهذا أيضا من الربا، ومن رواية الترمذي
وغيره عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان فى بيع، ولا ريح مالم يضمن ، ولا
بيع ماليس عندك)) قال الترمذى : حديث صحيح . فقد حرم النبي صلى
الله عليه وسلم السلف - وهو القرض - مع البيع .
والأصل فى هذا الباب أن الشراء على ثلاثة أنواع :
٤٤١

أحدها : أن يشترى السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل
والشرب واللباس والركوب والسكنى ، ونحو ذلك ، فهذا هو البيع
الذي أحله الله.
والثانى : أن يشتريها من يقصد أن يتجر فيها ، إما فى ذلك البلد،
وإما فى غيره ، فهذه هي التجارة التى أباحها الله .
والثالث : أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا ؛ بل مقصوده
حرام لحاجته إليها . وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضاً ، أو سلما فيشتري
سلعة ليبيعها ، ويأخذ ثمنها، فهذا هو ((التورق)) وهو مكروه فى أظهر
قولي العلماء ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ، كما قال عمر بن عبد
العزيز : التورق أخية الربا . وقال ابن عباس : إذا استقمت بنقد ، ثم
بعت بنقد ، فلا بأس به ، وإذا استقمت بنقد ، ثم بعت بنسيئة ،
فتلك درام بدرام .
ومعنى كلامه إذا استقمت ؛ إذا قومت . يعنى : إذا قومت السلعة
بنقد، وابتعتها إلى أجل، فإنما مقصودك دراج بدرام، هكذا ((التورق))
يقوم السلعة فى الحال ، ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك . وقد
يقول لصاحبه : أريد أن تعطينى ألف درهم، فكم تريح ؟ فيقول :
ماتتين ، أو نحو ذلك . أو يقول : عندي هذا المال يساوي ألف
٤٤٢

درهم ، أو يحضران من يقومه بألف درهم ، ثم يبيعه بأكثر منه إلى
أجل ، فهذا مما نهي عنه فى الصحيح .
وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التى اختلفت فيها الأمة،
كهذه المعاملات المسئول عنها ، وغيرها ، وكان متأولا في ذلك ،
ومعتقداً جوازه لاجتهاد ، أو تقليد، أو تشبه ببعض أهل العلم ، أو
لأنه أفتاء بذلك بعضهم ، ونحو ذلك . فهذه الأموال التى كسبوها وقبضوها
ليس عليهم إخراجها ، وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين فى
ذلك ، وأن الذي أفتام أخطأ . فإنهم قبضوها بتأويل ، فليسوا أسوأ
حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل .
فإن الكفار إذا تبايعوا ينهم خمراً أو خنزيراً. وم يعتقدون جواز
ذلك ، وتقابضوا من الطرفين ، أو تعاملوا بربا صريح ، يعتقدون جوازه
وتقابضوا من الطرفين ، ثم أسلموا ، ثم تحاكموا إلينا : أقررنام على
ما بأيديهم ، وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك . كما قال تعالى :
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
فأمرهم بترك ما بقى لهم فى الذمم ، ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه.
وكان بعض نواب عمر بالعراق بأخذ من أهل الذمة الجزية خمراً ،
ثم يبيعها لهم، فكتب إليه عمر بنهاه عن ذلك . وقال : إن رسول
٤٤٣

الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم
الشحوم فباعوها ، وأكلوا أثمانها)) ولكن ولوم بيعها، وخذوا أتمانها .
فنهام عمر عن بيع الخمر ، وقال ولو أبيعها الكفار . فإذا باعوها هم لأهل
دينهم ، وقبضوا أتمانها جاز للمسلمين أن يأخذوا ذلك الثمن منهم ؛
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أيما قسم قسم فى الجاهلية
فهو على ما قسم ، وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام )).
بل أكثر العلماء كمالك وأحمد وأبى حنيفة يقولون بما دلت عليه
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين ، وهو:
أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين بالمحاربة ، ثم أسلموا
بعد ذلك ، أو عاهدوا فإنها تقر بأيديهم، كما أقر النبى صلى الله عليه
وسلم بيد المشركين ما كانوا أخذوه من أموال المسلمين حال الكفر ؛
لأنهم لم يعتقدوا تحريم ذلك وقد أسلموا ، والإسلام يجب ما قبله ،
فإنما غفر لهم بالإسلام ما تقدم من الكفر ، والأعمال صاروا مكتسبين
لما بما لا يأتمون به.
وإذا كان الأمر كذلك : فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله
من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التى يفتى فيها بعض العلماء ، إذا
أقبض بها أموال، وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك:
لم يحرم عليهم ما قبضوه بالتأويل، كما لم يحرم على الكفار بعد الإسلام
٤٤٤

ما اكتسبوه في حال الكفر بالتأويل ، ويجوز لغيرهم من المسلمين الذين
يعتقدون تحريم ذلك أن يعاملوهم فيه ؛ كما يجوز للمسلم أن يعامل
الذمي فيما في يده من ثمن الخمر ، وغيره ؛ لكن عليهم إذا سمعوا العلم أن
يتوبوا من هذه المعاملات الربوية ، ولا يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن
يفتى بالجواز تقليداً لبعض العلماء ؛ فإن تحريم هذه المعاملات ثابت بالنصوص
والآثار، ولم يختلف الصحابة في تحريمها. وأصول الشريعة شاهدة بتحريمها .
والمفاسد التى لأجلها حرم الله الربا موجودة في هذه المعاملات ،
مع زيادة مكر وخداع ، وتعب وعذاب . فإنهم يكلفون من الرؤية
والصفة والقبض وغير ذلك من أمور يحتاج إليها فى البيع المقصود ،
وهذا البيع ليس مقصوداً لهم، وإنما المقصود أخذ دراهم بدراهم ،
فيطول عليهم الطريق التى يؤمرون بها ، فيحصل لهم الربا ، فهم من
أهل الربا المعذبين فى الدنيا قبل الآخرة ، وقلوبهم تشهد بأن هذا
الذي يفعلونه مكر وخداع وتلبيس ؛ ولهذا قال أيوب السختياني :
يخادعون الله، كما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر على وجهه
لكان أهون علي .
والكلام على هذا مبسوط فى غير هذا الموضع ، وقد صنفت
كتاباً كبيراً فى هذا . والله أعلم .
٤٤٥

وسئل
عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ، ثم يشتريها من ذلك الرجل
بأقل من ذلك الثمن حالا . هل يجوز؟ أم لا ؟ .
فأجاب : أما إذا باع السلعة إلى أجل ، واشتراها من المشتري بأقل
من ذلك حالا، فهذه تسمى (( مسألة العينة )) وهي غير جائزة عند
أكثر العلماء ، كأبى حنيفة ومالك ، وأحمد ، وغيرهم . وهو المأثور
عن الصحابة كعائشة وابن عباس ، وأنس بن مالك . فإن ابن عباس
سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ، ثم اشتريت بأقل . فقال : دراهم
بدراهم ، دخلت بينهما حريرة .
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال : إذا استقمت بنقد ، ثم بعت
بنسيئة ، فتلك دراهم بدراهم . فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ، ثم
باعها إلى أجل ، فيكون مقصوده دراهم بدراهم ، والأعمال بالنيات .
وهذه تسمى « التورق)).
فإن المشتري تارة بشتري السلعة لينتفع بها . وتارة يشتريها
٤٤٦

ليتجر بها ، فهذان جائزان باتفاق المسلمين . وتارة لا يكون مقصوده
إلا أخذ دراهم ، فينظركم تساوي نقداً ، فيشتري بها إلى أجل ، ثم
يبيعها فى السوق بنقد ، فمقصوده الورق ، فهذا مكروه فى أظهر قولي
العلماء ، كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، وهو إحدى الروايتين
عن أحمد .
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: إنى
ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة ، وبعته منه بستمائة .
فقالت عائشة : بئس ما بعت ، وبئس ما اشتريت . أخبري زيداً أن
جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل ، إلا أن يتوب .
قالت : يا أم المؤمنين! أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ، فقالت لها
عائشة: (فَمَنْ جَآءُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانْتَهَى فَلَهُ مَاسَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اللَّهِ).
وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : لمن باع
بيعتين فى بيعة ((فله أوكسهما، أو الربا)) وهذا إن تواطآً على أن يبيع،
ثم يبتاع ، فماله إلا الأوكس ، وهو الثمن الأقل ، أو الربا .
وأصل هذا الباب : أن الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما
نوى . فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم
الله، وتوصل إليه بحيلة ، فإن له ما نوى . والشرط بين الناس
٤٤٧

ما عدوه شرطاً ، كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعا ، والإجارة بينهم ما
عدوه إجارة ، وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكانا ؛ فإن اللّه ذكر
البيع والنكاح ، وغيرهما فى كتابه ، ولم يرد لذلك حد فى الشرع ، ولا
له حد فى الفقه .
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، كالصلاة والزكاة والصيام
والحج ، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر ، وتارة بالعرف
كالقبض والتفريق .
وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة ، وغير ذلك ، فما
تواطأ الناس على شرط، وتعاقدوا ، فهذا شرط عند أهل العرف .
وسئل رحم الله
عن رجل دين رجلا شعيرا بستين درهم - الغرارة - إلى وقت
معلوم ، فلما جاء وقت الأجل طالبه ، فقال المديون : ما أعطيك غير
شعير ، وكان الشعير يساوي ثلاثين درهما - الغرارة - فهل له أن
بأخذ شعيرا ؟ أم لا ؟ .
فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء ، فمذهب الفقهاء السبعة
...-
٤٤٨

ومالك وأحمد فى المنصوص عنه ؛ أن ذلك لا يجوز. فمن باع مالا
ربويا كالحنطة والشعير وغيرهما إلى أجل ، لم يجز أن يعتاض عن ثمنه
محنطة أو شعير ، أو غير ذلك مما لا يباع به نسيئة ؛ لأن الثمن لم
يقبض ، فكأنه قد باع حنطة أو شعيرا بحنطة أو شعير إلى أجل متفاضلا،
وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين .
وقال أبو حنيفة والشافعي : هذا يجوز ، وهو اختيار أبى محمد
المقدسي من أصحاب أحمد ؛ لأن البائع إنما يستحق الثمن فى ذمة
المشتري ، وبه اشترى ، فأشبه ما لو قبضه ثم اشترى من غيره ، وأما
إن باع ما عند المشتري من حنطة أو شعير ، واستوفى حقه من الثمن .
فذلك جائز بلا ريب ، وإذا كان البائع قد أخذ الخطة أو الشعير
بدون قيمته ، فذلك أخف ، والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عن رجل اشترى أربع أرادب قمح بمائة درهم إلى أجل معلوم،
فعند استحقاق المائة وجده يبيع القمح بعشرة دراهم ، كل إردب .
فهل يجوز أن يأخذ بالمائة عشرة أرادب قمح ؟ أو فول ؟ أو شعير ؟
من الحبوب ؟ .
٤٤٩

فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع مشهور ؛ إذا باعه حنطة أو شعيرا
أو نحوهما من الربويات إلى أجل ، واعتاض عن ثمن ذلك حنطة أو شعيرا
أو نحوها مما لا يباع بالأول نسأ . فعند مالك وأحمد وغيرهما أن ذلك
لا يجوز ، وعند أبى حنيفة والشافعي أنه يجوز . وهو قول بعض
أصحاب أحمد .
وسل
عمن يبيع فضة خالصة بفضة مغشوشة : الدرهم بدرهم ونصف ؟ .
فأجاب : لا يجوز بيع الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل . وإذا كان الغش
الذي فى الفضة لا يقصد بالفضة جاز .
وأما إن كانت الفضة أكثر من الفضة لم يجز ، لا سيما إن كانت
الفضة التى فى المغشوش أكثر من الخالصة ، فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ،
والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل .
٤٥٠

وسل
عن بيع الفضة بالفضة المغشوشة متفاضلا ؟ :
فأجاب : إذا كانت الفضة الخالصة فى أحدهما، بقدر الفضة الخالصة
فى الأخرى ، وهي المقصودة ، والنحاس يذهب . وقد علم قدر ذلك
بالتحري ، والاجتهاد . فهذا يجوز في أحد قولي العلماء . وكذلك إذا
كانت الفضة المفردة أكثر من الفضة المغشوشة بشيء يسير بقدر النحاس:
فهذا يجوز فى أظهر قولي العلماء .
وأما إذا كانت الفضة المغشوشة أكثر من المفردة ، فإنه لا
يجوز. والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى:
من بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية ، مع العلم بأن
التفاوت بينها يسير لا يقوم بمؤنة الضرب ؛ بل فضة هذه الدراهم أكثر.
هل تجوز المقابضة بينهما ؟ أم لا؟ .
٤٥١

فأجاب : هذه المقابضة تجوز في أظهر قولي العلماء ، والجواز فيه
له مأخذان ؛ بل ثلاثة :
أحدها : أن هذه الفضة معها نحاس ، وتلك فضة خالصة ، والفضة
المقرونة بالنحاس أقل . فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من
الدراهم الخالصة ، فالفضة التى في المائة أقل من سبعين . فإذا جعل
زيادة الفضة بإزاء النحاس جاز ، على أحد قولي العلماء الذين يجوزون
مسألة ((مد عجوة)) كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد فى إحدى الروايتين.
وهو أيضا مذهب مالك ، وأحمد فى المشهور عنه، إذا كان الربوى
تبعا لغيره ، كما إذا باع شاة ذات لبن بلبن ، ودارا مموهة بالذهب
يذهب ، والسيف المحلى بفضة بفضة أو ذهب ونحو ذلك .
والذين منعوا من مسألة ((مد عجوة)) - وهو بيع الربوى بجنسه .
إذا كان معها أو مع أحدهما من غير جنسه - قد علله طائفة منهم
- من أصحاب الشافعي وأحمد - بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين
مختلفين انقسم الثمن عليها بالقيمة ، وهذه علة ضعيفة ؛ فإن الانقسام:
إذا باع شقصا مشفوعا ، وما ليس بمشفوع - كالعبد والسيف
والثوب - إذا كان لا يحل: عاد الشريك إلى الآخذ بالشفعة . فأما
انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه .
٤٥٢

والصحيح عند أكثرم كون ذلك ذريعة إلى الربا، بأن يبيح ألف
حرم في كيس بألفي درم ، ويجعل الألف الزائدة فى مقابلة الكيس ،
كما يجوز ذلك من يجوزه من أصحاب أبي حنيفة . .
والصواب فى مثل هذا أنه لا يجوز ؛ لأن المقصود بيع درام بدرام
متفاضلة ، فمتى كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق ، فإنما
الأعمال بالنيات .
وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي ؛ بل يخرص خرصا ؛ مثل
القلادة التى بيعت يوم حنين وفيها خرز معلق بذهب ، فقال النبى صلى
الله عليه وسلم: ((لا تباع حتى نفصل)) فإن تلك القلادة لما فصلت
كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد ، فنهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل ؛ لأن الذهب المفرد يجوز
أن يكون أنقص من الذهب المقرون ، فيكون قد باع ذهباً بذهب
مثله ، وزيادة خرز ، وهذا لا يجوز .
وإذا على المأخذ . فإذا كان المقصود بيع درام بدرام مثلها ، وكان
المفرد أكثر من المخلوط ، كما فى الدرام الخالصة بالمغشوشة ؛ بحيث
تكون الزيادة فى مقابلة الخلط ؛ لم يكن في هذا من مفسدة الرباشيء؛
إذ ليس المقصود بيع درام بدراهم أكثر منها . ولا هو بما يحتمل أن
٤٥٣

يكون فيه ذلك ، فيجوز التفاوت .
المأخذ الثانى: مأخذ من يقول : يجوز بيع الربوي بالربوى على سبيل
التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك ، إذا تعذر الكيل أو الوزن ،
كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد فى بيع العرايا بخرصها، كما
مضت به السنة فى جواز بيع الرطب بالتمر خرصا ؛ لأجل الحاجة .
ويجوز ذلك فى كل الثمار فى أحد الأقوال في مذهب أحمد ، وغيره .
وفى الثانى لا يجوز ، وفى الثالث يجوز فى العنب والرطب خاصة ، كما
يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي . وكما يقول نظير ذلك مالك وأصحابه
فى بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة ، كما يجوز بيع الخبز
بالخبز على وجه التحري ، وجوزوا بيع اللحم باللحم على وجه
التحري في السفر .
قالوا : لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ، ولا ميزان عندهم ، فيجوز ،
كما جازت العرايا . وفرقوا بين ذلك ، وبين الكيل ؛ فإن الكيل
ممكن ، ولو بالكف .
وإذا كانت السنة قد مضت بإقامة التحري والاجتهاد مقام العلم
بالكيل أو الوزن عند الحاجة . فمعلوم أن الناس يحتاجون إلى بيع هذه
الدرام المغشوشة بهذه الخالصة ، وقد عرفوا مقدار ما فيها من الفضة
٤٥٤

بأخبار أهل الضرب ، وأخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه الدرام،
وعرف قدر ما فيها من الفضة ، فلم يبق فى ذلك جهل مؤثر ؛ بل العلم
بذلك أظهر من العلم بالخرص ، أو نحو ذلك ، وم إنما مقصودهم درام
بدرام بقدر نصيبهم ؛ ليس مقصودم أخذ فضة زائدة . ولو وجدوا من
يضرب لهم هذه الدرام فضة خالصة من غير اختيارهم ، بحيث تبقى فى
بلادهم لفعلوا ذلك، وأعطوه أجرته . فهم ينتفعون بما بأخذونه من
الدرام الخالصة، ولا يتضررون بذلك . وكذلك أرباب الخالصة إذا
أخذوا هذه الدرام : فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون .
وهذا ((مأخذ ثالث )) يبين الجواز، وهو: أن الربا إنما حرم لما
فيه من أخذ الفضل ، وذلك ظلم بضر المعطي ، فحرم لما فيه من الضرر.
وإذا كان كل من المنقابضين مقابضة أنفع له من كسر دراهمه ، وهو
إلى ما يأخذه محتاج ؛ كان ذلك مصلحة لهما ، هما يحتاجان إليها ، والمنع
من ذلك مضرة عليها . والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ، ويوجب
المضرة المرجوحة ، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع .
وهذا كما أن من أخذ («السفتجة)) من المقرض، وهو أن يقرضه
درام يستوفيها منه في بلد آخر ، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل
درام إلى بلد آخر . والمقترض له درام فى ذلك البلد ، وهو محتاج
إلى درام فى بلد المقرض ، فيقترض منه فى بلد درام المقرض ، ويكتب
٤٥٥

له سفتجة - أي ورقة - إلى بلد درام المقترض ، فهذا يجوز فى
أصح قولي العلماء .
وقيل : ينهى عنه ، لأنه قرض جر منفعة ، والقرض إذا جر منفعة
كان ربا، والصحيح الجواز ، لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر
الطريق ، إلى نقل دراهمه إلى بلد درام المقترض ، فكلاهما منتفع بهذا
الاقتراض . والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ، ويصلحهم ، ويحتاجون
إليه؛ وإنما ينهى عما يضرهم، ويفسدم، وقد أغنام اللّه عنه. والله أعلم.
وسئل
عمن اشترى الفلوس : أربعة عشر قرطاساً بدرهم ، ويصرفها ثلاثة
عشر بدرهم ، هل يجوز ؟
فأجاب : إذا كان يصرفها للناس بالسعر العام جاز ذلك ، وإن
اشتراها رخيصة .
وأما من باع سلعة بدراهم ، فإنه لا يجب عليه أن يقتضى عن شيء
منها فلوساً ، إلا باختياره. وكذلك من اشتراها بدراهم فعليه أن
يوفيها دراهم ، فإن تراضيا على التعويض عن الثمن ؛ أو بعضه بفلوس
بالسعر الواقع باز . والله أعلم .
٤٥٦

وسئل
عن الفلوس ، وبيع بعضها ببعض متفاضلا ، وصرفها بالدراهم من
غير تقابض فى الحال ، ودافع الدرهم يأخذ ببعضه فلوساً ، وببعضه
قطعة من فضة .
فأجاب : إذا دفع الدرهم فقال : أعطنى بنصفه فضة ، وبنصفه
فلوساً . وكذلك لو قال : أعطنى بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافا ،
أو دراهم خفافاً ؛ فإنه يجوز ، سواء كانت مغشوشة ، أو خالصة .
ومن الفقهاء من يكره ذلك، ويجعله من باب ((مد عجوة )) لكونه
باع فضة ونحاساً بفضة ونحاس .
وأصل مسألة ((مدعجوة)» أن يبيع مالا ربويا بجنسه ، ومعها أو
مع أحدهما من غير جنسها ، فإن العلماء فى ذلك ثلاثة أقوال :
أحدها : المنح مطلقاً ، كما هو مذهب الشافعي ، ورواية عن أحمد .
والثانى : الجواز مطلقاً ، كقول أبى حنيفة ، ويذكر رواية عن أحمد .
٤٥٧

والثالث : الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا،
أولا يكون ، وهذا مذهب مالك وأحمد فى المشهور عنه . فإذا باع تمراً
فى نواء بنوى ، أو تمراً منزوع النوى . أو شاة فيها لبن ، بشاة ليس
فيها لبن ، أو بلبن ، ونحو ذلك . فإنه يجوز عندهما ؛ بخلاف ما إذا
باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل؛ فإن هذا لا يجوز .
فن كان قصده بيع الربوي بجنسه متفاضلا لم يجز، وإن كان تبعاً
غير مقصود جاز . ومالك رحمه الله يقدر ذلك بالثلث.
وهكذا إذا باع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها شعير يسير ،
فإن ذلك يجوز عند الجمهور . وكذلك إذا باع الدراهم التى فيها غش
يجنسها ؛ فإن الغش غير مقصود ، والمقصود بيع الفضة بالفضة ،
وهما متماثلان .
وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة ، يقول من يكرهه :
إنه بيع فضة ونحاس ، بنحاس . والصحيح الذي عليه الجمهور أن
هذا كله جائز .
٤٥٨

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة : هل يشترط فيها الحلول والتقابض،
كصرف الدراهم بالدنانير ؟ فيه قولان ، مما روايتان عن أحمد :
إحداهما لابد من الحلول والتقابض ؛ فإن هذا من جنس الصرف؛
فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان ، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفاً .
والثانية لا يشترط الحلول والتقابض ؛ فإن ذلك معتبر فى جنس
الذهب والفضة ، سواء كان ثمناً أو كان صرفاً ، أو كان مكسوراً ؛
بخلاف الفلوس. ولأن الفلوس هي فى الأصل من («باب العروض))
والتمنية عارضة لها .
وأيضا هذا مبني على الأصل الآخر ، وهو أن بيع النحاس متفاضلا
هل يجوز ؟ على قولين معروفين فيه ، وفى سائر الموزونات : كالحديد
بالحديد ، والرصاص بالرصاص ، والقطن بالقطن ، والكتان بالكتان ،
٤٥٩
؟

والحرير بالحرير:
أحدهما : لا يجوز بيع الجنس بجنسه متفاضلا ، وهو مذهب أبى حنيفة
وأصحابه ، وأحمد فى أشهر الروايتين عنه .
والثانى : أن ذلك جائز ، وهو مذهب مالك ، والشافعى ، وأحمد
فى الرواية الأخرى ، اختارها طائفة من أصحابه .
ومن قال بالتحريم اختلفوا فى المعمول من ذلك : كثياب القطن ،
والكتان ، والأسطال ، وقدور النحاس ، وغير ذلك . هل يجري فيه
الربا ؟ على ثلاثة أقوال :
أمحها الفرق بين ما يقصد وزنه بعد الصنعة - كثياب الحرير ،
والأسطال ، ونحوهما - وبين ما لا يقصد وزنه : كثياب القطن ،
والكتان ، والإبر وغيرها .
وعلى هذا فالفلوس يجري فيها الربا عند من يقول أن معمول
النحاس يجري فيه ، ومن اعتبر قصد الوزن لم يجر الربا فيها عنده ؛
لأنه لا يقصد وزنها فى العادة ، وإنما تنفق عددا .
لكن من قال هي أثمان . فهل يجري فيها الربا من هذه الجهة ؟
على وجهين لهم . وكذلك فيها وجهان في وجوب الزكاة فيها ، وفى
إخراجها من الزكاة ، وغير ذلك . والوجهان فى مذهب أحمد ، وغيره.
٤٦٠