Indexed OCR Text
Pages 141-160
يوقت معهم وقتاً . فأما من كان عهده موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله ( إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُ ثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمََّمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّقُواْإِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وقال: (إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْ تُمْ عِندَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِفَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وقال (وَإِمَّاتَّخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ ) فإنما أباح النبذ عند ظهور أمارات الخيانة ؛ لأن المحذور من (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) جهتهم ، وقال تعالی : . الآية: وجاء أيضا فى صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى ((إن فى القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت كبراءة : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة فى أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة)) (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَئِهِمْ وَعَهْدِهِ زَعُونَ ) فى سورتى المؤمنون وقال تعالى : والمعارج. وهذا من صفة المستثنين من الملع المذموم بقوله: (إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوْعًا * إِذَامَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ اْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ * وَالَّذِينَ فِيَّ أَّوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ * لِلِسََّبِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَّوْمِالدِّينِ * وَالَّذِينَهُ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيُّمَأْمُونٍ * وَالَّذِينَهُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْأَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُمَلُومِينَ * ١٤١ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ) وهذا يقتضى وجوب ذلك ؛ لأنه لم يستثن من المذموم إلا من انصف بجميع ذلك ؛ ولهذا لم يذكر فيها إلا ما هو واجب ، وكذلك في سورة المؤمنين، قال فى أولها: (أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ ) فمن لم يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين ؛ لأن ظاهر الآية الحصر ؛ فإن إدخال الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر بالحصر ، ومن لم يكن من وارتى الجنة كان معرضا للعقوبة ؛ إلا أن يعفو اللّه عنه ، وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته: هي الوفاء به . ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبى صلى الله عليه وسلم ضد ذلك صفة المنافق في قوله: (( إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) وعنه ((على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب )) وما زالوا يوصون بصدق الحديث وأداء الأمانة . وهذا عام . وقال تعالى: (وَمَايُضِلُّ بِهِ. إِلَّا الْفَسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ اَللّهُبِهِ» فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته؛ لأن أَنْ يُوصَلَ ) الواجب إما بالشرع وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره . وقال أيضا: ( الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَيَنْقُضُونَ الْمِيثَقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ: ١٤٢ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابٍ * وَاُلَّذِينَ صَبَرُواْأَبْتِغَاءَ وَجْهِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَارَزَقْنَهُمْ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِالسَِّئَةَ أُوْلَكَ لَمْ عُقْبِىَ الذَّارِ * جَنَّثُ عَدٍْ يَدْخُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَّ بِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمِ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْفَنِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُاللَّعْنَةُ وَمُمْ سُوءُ الدَّارِ ) وقال: (أَوَكُلَّمَا عَهَدُ واْ عَهْدًا تَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْتَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وقال ( وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْعِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسّآيِلِينَ وَفِي الْرِقَابٍ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِ هِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) وقال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍإِلَيْكَ إِلَّا مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَامٍمَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْلَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) وقال : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). ١٤٣ وقال تعالى: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ج لَكُمْءَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). والأحاديث فى هذا كثيرة ، مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق . حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر . وإذا خاصم فجر )) وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)). وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة)). وفي رواية: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به بقدر غدرته ، ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة ، وفي صحيح مسلم عن بريدة ابن الحصيب قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ، وفيمن معه من المسلمين خيرا)) ثم قال: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ، ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً . وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ، أو خلال . فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم - الحديث)). ١٤٤ فنهام عن الغدر كما نهام عن الغلول . وفي الصحيحين عن ابن عباس ، عن أبى سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبى صلى الله عليه وسلم: (( هل يغدر ؟ فقال : لا يغدر ، ونحن معه فى مدة لا ندري ما هو صانع فيها . قال: ولم يمكني كلة أدخل فيها شيئاً إلا هذه الكلمة. وقال هرقل في جوابه: سألتك: هل يغدر ؟ فذكرت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر )) فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين . وفى الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج)) فدل على استحقاق الشروط بالوفاء ، وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها . وروى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بى ، ثم غدر . ورجل باع حراً، ثم أكل منه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره )» فذم الغادر . وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر . فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق ١٤٥ والعقود ، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك ، والنهى عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك . ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد ، إلا ما أباحه الشرع: لم يجز أن يؤمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا ، كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه ، لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح ؛ بخلاف ما كان جنسه واجبا ، كالصلاة والزكاة ، فإنه يؤمر به مطلقا . وإن كان لذلك شروط وموانع . فينهى عن الصلاة بغير طهارة ، وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك . وكذلك الصدق فى الحديث مأمور به ، وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض ، ويجب السكوت أو التعريض . وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به : علم أن الأصل صحة العقود والشروط ؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره ، وحصل به مقصوده . ومقصود العقد : هو الوفاء به . فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود ، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة . وقد روى أبو داود والدارقطنى من حديث سليمان بن بلال ، حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح ، عن أبى هريرة ، قال: ١٤٦ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلح جائز بين المسلمين ، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالا ، والمسلمون على شروطهم )) . وكثير بن زيد قال يحيى بن معين فى رواية : هو ثقة. وضعفه فى رواية أخرى . وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف المزنى، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالا، أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما)) قال الترمذى : حديث حسن صحيح ، وروى ابن ماجة منه اللفظ الأول ؛ لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه فى المسند ، فلم يحدث به . فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن ابن السلمانى ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الناس على شروطهم ما وافقت الحق)) وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد منها ضعيفا - فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا . وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة ، وهو حقيقة المذهب ؛ فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ، ولا يحرم ما ١٤٧ أباحه الله. فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله. وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله ؛ وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط مالم يكن واجباً بدونه. فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما . وعدم الإيجاب ليس نفيا للإيجاب. حتى يكون المشترط مناقضاً للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب مالم يكن واجباً ؛ فإن المتبايعين يجب لكل منها على الآخر من الإقباض ما لم يكن واجبا، ويباح أيضا لكل منها مالم يكن مباحا، ويحرم على كل منها مالم يكن حراما . وكذلك كل من المتآجرين والمتناكمين. وكذلك إذا اشترط صفة فى المبيع ، أو رهنا ، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها ؛ فإنه يجب ، ويحرم ويباح بهذا الشرط مالم يكن كذلك . وهذا المعنى هو الذي أوم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط ، قال: لأنها إما أن تبيح حراما ، أو تحرم حلالا، أو توجب ساقطا، أو تسقط واجباً ، وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع . وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توم أن هذا الحديث متناقض ، وليس كذلك ؛ بل كل ما كان حراما بدون الشرط : فالشرط لا يبيحه ، كالربا ، وكالوطء في ملك الغير ، وكثبوت الولاء لغير المعتق ؛ فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح ، أو ملك يمين ، فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك ؛ بخلاف إعارتها للخدمة ، فإنه جائز ، وكذلك الولاء ، ١٤٨ فقد (( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته)) وجعل اللّه الولاء كالنسب، يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد. وقال صلى اللّه عليه وسلم: من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا)) وأبطل اللّه ما كانوا عليه في الجاهلية من تبنى الرجل ابن غيره، أو انتساب المعتق إلى غير مولاه . فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط ، فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما . وأما ما كان مباحا بدون الشرط : فالشرط يوجبه ، كالزيادة فى المهر والثمن والمثمن والرهن ، وتأخير الاستيفاء ؛ فإن الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار ، ونحو ذلك ، فإذا شرطه مار واجباً ، وإذا وجب فقد حرمت المطالبة التى كانت حلالا بدونه ؛ لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط ، فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقاً فالشرط لا بغيره . وأما ما أباحه اللّه فى حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا، فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله ، وكذلك ما حرمه الله فى حال مخصوصة ، ولم يحرمه مطلقاً : لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله ، وإن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة ١٤٩ والتحريم : لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب . وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب . فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب ، لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع. وآثار الصحابة توافق ذلك، كما قال عمر رضي الله عنه مقاطع الحقوق عند الشروط . وأما الاعتبار فمن وجوه : أحدها : أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية . والأصل فيها عدم التحريم ، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى بدل دليل على التحريم. كما أن الأعيان : الأصل فيها عدم التحريم . وقوله تعالى : عام فى الأعيان والأفعال ؛ وإذا لم (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) تكن حراما لم تكن فاسدة ، لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم ، وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة . وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت حله بعينه ، وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة ، وأن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم . فثبت بالاستصحاب العقلى وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم ، فيكون فعلها إما حلالا ، وإما عفواً : كالأعيان التى لم تحرم . ١٥٠ وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة ، والاستصحاب العقلي ، وانتفاء الحكم لانتفاء دليله ، فإنه يستدل أيضاً به على عدم تحريم العقود والشروط فيها ، سواء سمى ذلك حلالا أو عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم؛ فإن ما ذكره الله تعالى فى القرآن من نم الكفار على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان، ومنه ما سببه تحريم الأفعال. كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن أحمسيا ، ويأمرونه بالتعري، إلا أن يعيره أحمسي ثوبه ، ويحرمون عليه الدخول تحت سقف، كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته فى فرجها إذا كانت مجبية ويحرمون الطواف بالصفا والمروة، وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التى عقدوها بلا شرع . فأمريم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم . فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة ، وإن لم يثبت حلها بشرع خاص ، كالعهود التى عقدوها في الجاهلية وأمروا بالوفاء بها، وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم، وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ، ولا يحرم إلا ما حرمه الله؛ لأن الله نم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا مالم يحرمه الله ، فإذا حرمنا العقود والشروط التى تجري بين الناس فى معاملاتهم العادية بغير دليل ١٥١ شرعي ، كنا محرمين مالم يحرمه اللّه ؛ بخلاف العقود التى تتضمن شرع دين لم يأذن به الله؛ فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين مالم يأذن به . فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله، والعقود فى المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر . وإن كان فيها قربة من وجه آخر . فليست من العبادات التى يفتقر فيها إلى شرع . كالعنق والصدقة . فإن قيل : العقود تغير ما كان مشروعا؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتاً على حال ، فعقد عقداً أزاله عن تلك الحال : فقد غير ما كان مشروعا ؛ بخلاف الأعيان التى لم تحرم. فإنه لا تغير فى إباحتها . فيقال : لا فرق بينهما . وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون . فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا يغيرها ، وهو من باب العقود . وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه : هو فعل من الأفعال مغير لحكمها ، بمنزلة العقود . وأيضا فإنها قبل الذكاة محرمة . فالذكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال . فكما أن أفعالنا فى الأعيان من الأخذ والذكاة: الأصل فيها الحل ، وإن غير حكم العين . فكذلك أفعالنا فى الأملاك بالعقود ١٥٢ ونحوها : الأصل فيها الحل . وإن غيرت حكم الملك له . وسبب ذلك : أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح ، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام ، والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا، لم يثبته ابتداء. كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة . فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم، ولم يحرم الشارع علينا رفعه: لم يحرم علينا رفعه ، فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره ؛ لإثباته سبب ذلك ، وهو الملك الثابت بالبيع . وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك ، فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ، مالم يحرمه الشارع عليه . كمن أعطى رجلا مالا : فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه . وإن كان مزيلا للملك الذى أثبته المعطي مالم يمنع منه مانع . وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها ، وهو أن الأحكام الجزئية - من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو - لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا، وإنما شرعها شرعا كليا، مثل قوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْأ ) وقوله: (فَأَنكِحُواْ مَاطَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ بِأَمْوَلِكُم ) وقوله : وَرُبَعَ ) . وهذا الحكم الكلي ثابت ، سواء وجد هذا البيع العين أو لم يوجد. فإذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا . فهذا المعين سبيه ١٥٣ فعل العبد . فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله، لا ما أثبته اللّه من الحكم الكلي إذما أثبته اللّه من الحكم الجزئي، إنما هو تابع لفعل العبد سببه فقط ، لا أن الشارع أثبته ابتداء . وإنما توم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام ؛ وليس كذلك ؛ فإن الحكم المطلق لايزيله إلا الذي أثبته ، وهو الشارع . وأما هذا المعين فإنما ثبت ، لأن العبد أدخله في المطلق ، فإدخاله فى المطلق إليه ، فكذلك إخراجه ؛ إذ الشارع لم يحكم عليه فى المعين بحكم أبداً ، مثل أن يقول : هذا الثوب بعه أو لا تبعه ، أو هبه أو لا تهبه، وإنما حكم على المطلق الذى إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين . فتدبر هذا، وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذى أثبته العبد بإدخاله فى المطلق، وبين تغيير الحكم العام الذى أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد . وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع ، فإنما وجب الوفاء بها الإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا ، إلا ما خصه الدليل ، على أن الوفاء بها من الواجبات التى اتفقت عليها الملل ؛ بل والعقلاء جميعهم . وقد أدخلها فى الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ، ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم الشارع ، والوفاء بها وجب الإيجاب الشارع إذاً، ولإيجاب العقل أيضا . ١٥٤ وأيضا فإن الأصل فى العقود رضا المتعاقدين . وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد ؛ لأن الله قال فى كتابه العزيز: ( إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ ) وقال: (فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْ ءٍمِنْهُ تَفْسَا فَكُوهُ فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق هَنِيَتَمَّرِّيَّا) الجزاء بشرطه . فدل على أنه سبب له ، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب . فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم . وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق ، فكذلك سائر التبرعات : قياساً عليه بالعلة المنصوصة التى دل عليها القرآن. وكذلك قوله: (إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تَاضٍ مِّنْكُمْ ) لم يشترط فى التجارة إلا التراضي ، وذلك يقتضي أن التراضي هو المسيح للتجارة . وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة ، أو طابت نفس المتبرع بتبرع : ثبت حله بدلالة القرآن ؛ إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله ، كالتجارة في الحمر ونحو ذلك . وأيضا فإن العقد له حالان: حال إطلاق ، وحال تقييد . ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود . فإذا قيل : هذا شرط ينافى مقتضى العقد فإن أريد به : ينافى العقد المطلق . فكذلك كل شرط زائد. وهذا لا يضره، وإن أريد بنافى مقتضى العقد المطلق والمقيد : احتاج إلى دليل على ذلك ؛ وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد . ١٥٥ فإن العقد إذا كان له مقصود يراد فى جميع صوره، وشرط فيه ما ينافى ذلك المقصود . فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه ، فلا يحصل شيء . ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق ؛ بل هو مبطل للعقد عندنا . والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع ، مثل اشتراط الولاء لغير المعتق ؛ فإن هذا لا ينافى مقتضى العقد ولا مقصوده، فإن مقصوده الملك ، والعتق قد يكون مقصوداً للعقد . فإن اشتراء العبد لعتقه بقصد كثيرا . فثبوت الولاء لا ينافى مقصود العقد ، وإنما ينافى كتاب الله وشرطه. كما بينه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ((كتاب اللّه أحق، وشرط الله أوثق)) فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغواً . وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفاً لله ورسوله . فأما إذا لم يشتمل على واحد منها ، فلم يكن لغواً، ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله ، فلا وجه لتحريمه ، بل الواجب حله ؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه ، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه ؛ فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه . ولم يثبت تحريمه ، فيباح ؛ لما فى الكتاب والسنة مما يرفع الحرج. وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلو ، إما أن يقال : لا تحل ولا تصح ، إن لم يدل على حلها دليل شرعي خاص ، من نص أو إجماع أو ١٥٦ قياس عند الجمهور . كما ذكرناه من القول الأول ، أو يقال : لا تحل وتصبح حتى بدل على حلها دليل سمعي، وإن كان عاما . أو يقال : نصح ولا يحرم ، إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام . ٠٠ والقول الأول : باطل ؛ لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التى وقعت فى حال الكفر ، وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم . فقال سبحانه فى آية الربا: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ فأمرهم بترك ءَمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ما بقى لهم من الربا فى الذمم ، ولم يأمرم برد ما قبضوه بعقد الربا ؛ بل مفهوم الآية - الذي اتفق العمل عليه - يوجب أنه غير منهي عنه ؛ وكذلك النبى صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي فى الذمم ، ولم يأمرهم برد المقبوض . وقال صلى الله عليه وسلم : أيما قسم قسم فى الجاهلية فهو على ما قسم ، وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام ، وأقر الناس على أنكحتهم التى عقدوها في الجاهلية ، ولم يستفعل أحداً : هل عقد به في عدة أو غير عدة ؟ بولي أو بغير ولي ؟ بشهود أو بغير شهود ؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته ، إلا أن يكون السبب المحرم موجوداً حين الإسلام، كما أمر غيلان بن سلمة الثقفى الذي أسلم وتحته عشر نسوة « أن يمسك أربعاً ويفارق سائرهن)» وكما أمر فيروز الديلمى ١٥٧ الذي أسلم وتحته أختان ((أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى)). وكما أمر الصحابة من أسلم من المجوس ((أن يفارقوا ذوات المحارم». ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التى عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين، وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع . ولو كانت العقود عندهم كالعبادات ، لا تصح إلا بشرع، لحكموا بفسادها ، أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكين فيه بشرع . فإن قيل : فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ، ثم أسلموا بعد زواله : مضت ، ولم يؤمروا باستئنافها ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله ، فليس ما عقدوه بغير شرع بدون ما عقدوه مع بحريم الشرع ، وكلاهما عندكم سواء . قلنا : ليس كذلك ؛ بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض ، وأما إذا أسلموا قبل التقابض فإنه يفسخ ؛ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ ؛ لا قبل القبض ولا بعده ، ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا فى النكاح القبض ، بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده ؛ لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه ، وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها . كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما، وإن كان بغير نكاح . فلما كان كل واحد من العقد والوطء مقصوداً فى نفسه - وإن لم يقترن بالآخر ــ أقرهم ١٥٨ الشارع على ذلك ؛ بخلاف الأموال ؛ فإن المقصود بعقودها هو التقابض فإذا لم يحصل التقابض لم يحصل مقصودها ، فأبطلها الشارع ؛ لعدم حصول المقصود . فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم ؛ لأنه لا يصححه إلا بتحليل . وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقوداً ولم يكونوا يعلمون لا تحريمها ولا تحليلها . فإن الفقهاء جميعهم - فيما أعلمه - يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها ، وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا بتقليد. ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد أن الشارع أحله . فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود : لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه ، كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد ، فإنه آثم ، وإن كان قد صادف الحق . وأما إن قيل : لا بد من دليل شرعي بدل على حلها ، سواء كان عاماً أو خاصاً ، فعنه جوابان : ((أحدهما)) المنع، كما تقدم. ((والثانى)) أن نقول: قد دلت الأدلة الشرعية العامة على حل العقود والشروط جملة ، إلا ما استثناء الشارع . وما عارضوا به سنتكلم عليه إن شاء الله . فلم يبق إلا ١٥٩ القول الثالث وهو المقصود وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)) فالشرط براد به المصدر تارة ، والمفعول أخرى . وكذلك الوعد والخلف . ومنه قولهم : درهم ضرب الأمير ، والمراد به هنا - والله أعلم - المشروط؛ لا نفس المتكلم. ولهذا قال: ((وإن كان مائة شرط)) أي : وإن كان مائة مشروط ، وليس المراد تعديد التكلم بالشرط . وإنما المراد تعديد المشروط . والدليل على ذلك قوله: (( كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)) أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه. وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه ؛ بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى . وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله ، فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: ((كتاب الله أحق، وشرط اللّه أوثق)) فيكون المعنى: من اشترط أمراً ليس فى حكم الله أو فى كتابه، بواسطة أو بغير واسطة : فهو باطل ؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط ، حتى يصح اشتراطه ، ويجب بالشرط ، ولما لم يكن فى كتاب اللّه أن الولاء لغير المعتق أبداً كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطاً ليس في كتاب الله. ١٦٠