Indexed OCR Text
Pages 101-120
الوجه الثانى : أن هذه من جنس المضاربة . فإنها عين تنمو بالعمل عليها ، فجاز العمل عليها ببعض نمائها ، كالدراهم والدنانير ، والمضاربة جوزها الفقهاء كلهم ، اتباعا لما جاء فيها عن الصحابة رضي الله عنهم ، مع أنه لا يحفظ فيها بعينها سنة عن النبى صلى الله عليه وسلم . ولقد كان أحمد يرى أن يقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة، لثبوتها بالنص ، فتجعل أصلا يقاس عليه ، وإن خالف فيها من خالف . وقياس كل منهما على الآخر صحيح . فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما . فإن قيل : الريح في المضاربة ليس من عين الأصل ؛ بل الأصل يذهب ويجيء بدله . فالمال المقسم حصل بنفس العمل ؛ بخلاف الثمر والزرع فإنه من نفس الأصل . قيل : هذا الفرق فرق في الصورة ، وليس له تأثير شرعي . فإنا تعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ، ومنفعة رأس المال ؛ ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح ، كما أن العامل يبقى بنفسه التى هى نظير الدرام . وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا . ولهذا فالمضاربة التى تروونها عن عمر : إنما حصلت بغير عقد لما ١٠١ أقرض أبو موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فحملاه إلى أبيها . فطلب عمر جميع الريح ، لأنه رأى ذلك كالغصب، حيث أقرضها ولم يقرض غيرهما من المسلمين والمال مشترك ، وأحد الشركاء إذا أتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر فهو كالغاصب في نصيب الشريك ، وقال له ابنه عبد الله: ((الضمان كان علينا، فيكون الربح لنا)، فأشار عليه بعض الصحابة بأن يجعله مضاربة . وهذه الأقوال الثلاثة فى مثل هذه المسألة موجودة بين الفقهاء - وهى ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره - هل يكون ربح من اتجر بمال غيره بغير إذنه لرب المال أو للعامل ، أو لهما ؟ على ثلاثة أقوال. وأحسنها وأقيسها : أن يكون مشتركا بينها ؛ كما قضى به عمر؛ لأن الماء متولد عن الأصلين . وإذا كان أصل المضاربة الذي قد اعتمدوا عليه ، راعوا فيه ما ذكرناه من الشركة . فأخذ مثل الدرام يجري مجرى عينها ؛ ولهذا سمى النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده القرض منيحة؛ يقال: منيحة ورق . وبقول الناس : أعرفى دراهمك. يجعلون رد مثل الدرام مثل رد عين العارية، والمفترض انتفع بها وردها . وسموا المضاربة قراضا ؛ لأنها فى المقابلات نظير القرض فى التبرعات. ويقال أيضا : لو كان ما ذكروه من الفرق مؤثراً لكان اقتضاؤه ١٠٢ لتجويز المزارعة دون المضاربة أولى من العكس ؛ لأن الماء إذا حصل مع بقاء الأصلين كان أولى بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما . وإن قيل : الزرع نماء الأرض دون البدن . فقد يقال: والربح نماء العامل، دون الدرام أو بالعكس . وكل هذا باطل ؛ بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد . ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقا ، فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة ؛ لأن المؤاجرة المقصود فيها هو العمل ، ويشترط أن يكون معلوماً ، والأجرة مضمونة فى الذمة أو عين معينة . وهنا ليس المقصود إلا التماء ، ولا يشترط معرفة العمل ، والأجرة ليست عيناً ولا شيئاً فى الذمة، وإنما هي بعض ما يحصل من الماء ؛ ولهذا متى عين فيها شيء معين فسد العقد ، كما تفسد المضاربة إذا شرطا لأحدهما ربحا معينا ، أو أجرة معلومة فى الذمة. وهذا بين فى الغاية . فإذا كانت بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة جداً ، والفرق الذي بينها وبين المضاربة ضعيف ، والذي بينها وبين المؤاجرة فروق غير مؤثرة فى الشرع والعقل، وكان لابد من إلحاقها بأحد الأصلين ، فإلحاقها بما هي به أشبه أولى. وهذا أجلى من أن يحتاج فيه إلى إطناب . الوجه الثالث : أن نقول : لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص . ١٠٣ فإنها على ثلاث مراتب . ((أحدها)): أن يقال: لكل من بذل نفعا بعوض . فيدخل فى ذلك المهر . كما فى قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْثُمَ بِهِ، مِنْهُنَّ فَشَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَ) وسواء كان العمل هنا معلوماً أو مجهولا، وكان الآخر معلوماً أو مجهولا ، لازما أو غير لازم . (( المرتبة الثانية)»: الإجارة التى هي جعالة، وهو أن يكون النفع غير معلوم ، لكن العوض مضموناً ، فيكون عقداً جائزاً غير لازم ، مثل أن يقول : من رد علي عبدي فله كذا . فقد يرده من بعيد أو قريب . ((الثالثة)): الإجارة الخاصة. وهي أن يستأجر عينا، أو يستأجر. على عمل فى الذمة ؛ بحيث تكون المنفعة معلومة . فيكون الأجر معلوماً والإجارة لازمة . وهذه الإجارة التى تشبه البيع فى عامة أحكامه . والفقهاء المتأخرون إذا أطلقوا الإجارة، أو قالوا ((باب الإجارة)) أرادوا هذا المعنى . فيقال : المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من المشاركات على نماء يحصل ، من قال : هي إجارة بالمعنى الأمم أو العام ، فقد صدق . ومن قال : هي إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ . وإذا كانت إجارة ١٠٤ بلغنى العام التى هي الجعالة . فهنالك إن كان العوض شيئا مضموناً من عين أو دين ، فلا بد أن يكون معلوما ، وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن يكون جزءاً شائعا فيه . كما لو قال الأمير فى الغزو: من دلنا على حصن كذا فله منه كذا ، فصول الجمل هناك مشروط بحصول المال ، مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه . فالشركة أولى وأحرى . وبسلك فى هذا طريقة أخرى . فيقال : الذي دل عليه قياس الأصول : أن الإجارة الخاصة يشترط فيها أن لا يكون العوض غرراً ، قياساً على الثمن . فأما الإجارة العامة التى لا يشترط فيها العلم بالمنفعة: فلا تشبه هذه الإجارة ؛ لما تقدم . فلا يجوز إلحاقها بها. فتبقى على الأصل المبيح . فتحرير المسألة : أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالإجارة . فإن أراد الخاصة : لم يصح. وإن أراد العامة : فأين الدليل على تحريمها إلا بعوض معلوم ؟ فإن ذكر قياساً بين له الفرق الذي لا يخفى على غير فقيه ، فضلا عن الفقيه، ولن يجد إلى أمر يشمل مثل هذه الإجارة سبيلا. فإذا انتفت أدلة التحريم ثبت الحل . وبسلك فى هذا طريقة أخرى . وهو قياس العكس . وهو أن ١٠٥ يثبت فى الفرع نقيض حكم الأصل، لانتفاء العلمة المقتضية لحكم الأصل. فيقال : المعنى الموجب لكون الأجرة يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة ونحوها ؛ لأن المقتضى لذلك أن المجهول غرر . فيكون فى معنى بيع الغرر المقتضى أكل المال بالباطل ، أو ما يذكر من هذا الجنس . وهذه المعاني منتفية في الفرع . فإذا لم يكن للتحريم موجب إلا كذا - وهو منتف - فلا محريم. وأما الأحاديث - حديث رافع بن خديج وغيره - : فقد جاءت مفسرة مبينة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن نهيا عما فعل هو والصحابة فى عهده وبعده ، بل الذي رخص فيه غير الذي نهى عنه. فعن رافع بن خديج قال: ((كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض . قال : مما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، ومما أصاب الأرض ويسلم ذلك ؟ فنهينا. فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ)). رواه البخاري. وفي رواية له. قال: ((كنا أكثر أهل المدينة حقلا . وكان أحدنا بكري أرضه . فيقول: هذه القطعة لي . وهذه لك، فربما أخرجت ذه ، ولم تخرج ذه. فنهام النبى صلى الله عليه وسلم)). وفى رواية له: (( فربما أخرجت هذه كذا ، ولم تخرج ذه ، فنهينا عن ذلك. ولم نته عن الورق)). وفى صحيح مسلم عن رافع قال: ((كنا أكثر أهل ١٠٦ الأنصار حقلا . وكنا نكرى الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه . فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك . وأما الورق فلم بنهنا)) وفي مسلم أيضا عن حنظلة بن قيس قال: ((سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق ؟ فقال : لا بأس به ، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول ، وأشياء من الزرع ، فيهلك هذا ويسلم هذا ، ويهلك هذا، ويسلم هذا . فلم يكن للناس كراء إلا هذا . فلذلك زجر الناس عنه. فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به)). فهذا رافع بن خديج - الذى عليه مدار الحديث - بذكر أنه لم يكن لهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كراء إلا بزوع مكان معين من الحقل . وهذا النوع حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة ، وحرموا نظيره فى المضاربة . فلو اشترط ربح ثوب بعينه لم يجز. وهذا الغرر فى المشاركات نظير الغرر فى المعاوضات . وذلك أن الأصل فى هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين . فإن اشتمل أحدهما على غرر أوربا دخلها الظلم، فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه ، وجعله محرما على عباده . فإذا كان أحد المتبايعين إذا ملك الثمن وبقي الآخر تحت الخطر : لم يجز - ولذلك حرم النبى صلى الله عليه وسلم بيع الثمر قبل بدو صلاحه - ١٠٧ فكذلك هذا إذا اشترطا لأحد الشريكين مكانا معينا خرجا عن موجب الشركة ؛ فإن الشركة تقتضي الاشتراك في النماء . فإذا انفرد أحدهما بالعين لم يبق للآخر فيه نصيب، ودخله الخطر ومعنى القمار ، كما ذكره رافع فى قوله: (( فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ، فيفوز أحدهما ويخيب الآخر. وهذا معنى القار. وأخبر رافع (( أنه لم يكن لهم كرا. على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا )، وأنه إنما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة ومعنى القمار . وأن النهي إنما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود ؛ لا إلى ما تكون فيه الأجرة مضمونة فى الذمة. وسأشير إن شاء الله إلى مثل ذلك فى نهيه عن بيع التمار حتى يبدو صلاحها ، ورافع أعلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم: عن أى شيء وقع؟ وهذا - والله أعلم - هو الذى انتهى عنه عبد الله بن عمر، فإنه قال: لما حدثه رافع: «قد علمت أنا كنا نكرى مزارعنا بما على الأربعاء وبشيء من التبن )) فبين أنهم كانوا بكرون بزرع مكان معين ، وكان ابن عمر يفعله ؛ لأنهم كانوا يفعلونه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغه النهي . يدل على ذلك : أن ابن عمر كان يروى حديث معاملة خيبر دائماً ويفتى به ، ويفتى بالمزارعة على الأرض البيضاء ، وأهل بيته أيضا بعد حديث رافع . فروى حرب الكرمانى قال : حدثنا إسحق بن إبراهيم ١٠٨ ابن راهويه ، حدثنا معتمر بن سليمان ، سمعت كليب بن وائل قال : أتيت ابن عمر ، فقلت : أتانى رجل له أرض وماء ، وليس له بذر ولا بقر ، فأخذتها بالنصف ، فبذرت فيها بذرى ، وعملت فيها ببقرى فناصفته ؟ قال : حسن . وقال : حدثنا ابن أخي حزم ، حدثنا يحيى ابن سعيد ، حدثنا سعيد بن عبيد. سمعت سالم بن عبد الله - وأنا. وجل - فقال : الرجل منا ينطلق إلى الرجل فيقول: أجيء ببذرى وبقرى وأعمل أرضك ، فما أخرج اللّه منه فلك منه كذا ، ولي منه كذا ؟ قال : لابأس به ، ونحن نصنعه. وهكذا أخبر أقارب رافع . ففي البخارى عن رافع قال : حدثنى عمومتى أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء أو بشيء يستئنيه صاحب الأرض . فنهانا النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فقيل لرافع: فكيف بالدينار والدرهم؟ فقال: ليس به بأس بالدينار والدرهم. وكان الذى نهى عنه من ذلك مالو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجزه، لما فيه من المخاطرة. ومن أسيد بن ظهير قال: (( كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث والربع والنصف . ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما سقى الربيع . وكان العيش إذ ذاك شديداً ، وكان يعمل فيها بالحديد وما شاء الله ، ويصيب منها منفعة . فأتانا رافع بن خديج فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ١٠٩ ينهاكم عن الحقل ، ويقول : من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو ليدع)، رواه أحمد وابن ماجة. وروى أبو داود قول النبى صلى الله عليه وسلم، زاد أحمد ((وينهاكم عن المزابنة، والمزابنة: أن يكون الرجل له المال العظيم من النخل ، فيأتيه الرجل فيقول : أخذته بكذا وكذا وسقاً من تمر. والقصارة ما سقط من السنبل». وهكذا أخبر سعد بن أبى وقاص، وجابر. فأخبر سعد: (( أن أصحاب المزارع فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي من الزرع ، وما سعد بالماء مما حول البثر. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختصموا فى ذلك، فنهام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكروا بذلك، وقال: اكروا بالذهب والفضة)) رواه أحمد وأبو داود والنسائى. فهذا صريح فى الإذن بالكراء بالذهب والفضة ، وإن النهي إنما كان عن اشتراط زرع مكان معين. وعن جابر رضي الله عنه قال ((كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصيب من القصرى ومن كذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه أو فليدعها )) رواه مسلم . فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رووا عنه النهي قد أخبروا بالصورة التي نهى عنها ، والعلة التى نهي من أجلها . وإذا ١١٠ كان قد جاء فى بعض طرق الحديث: (( أنه نهى عن كراء المزارع)) مطلقا ، فالتعريف للكراء المعهود بينهم . وإذا قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تكروا المزارع)) فإنما أراد الكراء الذى يعرفونه كما فهموه من كلامه، وهم أعلم بمقصوده. وكما جاء مفسرا عنه: ((أنه رخص في غير ذلك الكراء )) ومما يشبه ذلك ما قرن به النهي من المزابنة ونحوها . واللفظ - وإن كان فى نفسه مطلقاً - فإنه إذا كان خطابا لعين فى مثل الجواب عن سؤال ، أو عقب حكاية حال ونحو ذلك : فإنه كثيراً ما يكون مقيداً بمثل حال المخاطب . كما لو قال المريض للطبيب : إن به حرارة . فقال له: لا تأكل الدسم . فإنه يعلم أن النهي مقيد بتلك الحال . وذلك : أن اللفظ المطلق إذا كان له مسمى معهود ، أو حال يقتضيه : انصرف إليه . وإن كان نكرة ، كالمتبايعين إذا قال أحدهما : بعتك بعشرة درامٍ ، فإنها مطلقة فى اللفظ ، ثم لا ينصرف إلا إلى المعهود من الدرام . فإذا كان المخاطبون لا يتعارفون بينهم لفظ ((الكراء)) إلا لذلك الذى كانوا يفعلونه ، ثم خوطبوا به: لم ينصرف إلا إلى ما يعرفونه. وكان ذلك من باب التخصيص العرفي، كلفظ ((الدابة )) إذا كان معروفا بينهم أنه الفرس ، أو ذوات الحافر . فقال : لا تأتى بدابة : لم ينصرف هذا المطلق إلا إلى ذلك . ونهي النبى صلى الله عليه وسلم لهم كان مقيدا ١١١ بالعرف والسؤال وقد تقدم ما فى الصحيحين عن رافع بن خديج وعن ظهير بن رافع قال: ((دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعون بمحاقلكم ؟ قلت نؤاجرها بما على الربيع ، وعلى الأوسق من التمر والشعير قال : لا تفعلوا . ازرعوها أو أزرعوها ، أو أمسكوها )). فقد صرح بأن النهي وقع عما كانوا يفعلونه ، وأما المزارعة المحضة: فلم يتناولها النهي ، ولا ذكرها رافع وغيره فيما يجوز من الكراء ؛ لأنها - والله أعلم - عندهم جنس آخر غير الكراء المعتاد ؛ فإن الكراء اسم لما وجب فيه أجرة معلومة، إما عين وإما دين . فإن كان دينا فى الذمة مضموناً فهو جائز . وكذلك إن كان عينا من غير الزرع، وأما إن كان عينا من الزرع لم يجز . فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق ؛ بل هو شركة محضة ؛ إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض يجزء من الزرع بأولى من جعل المالك مكتريا للعامل بالجزء الآخر ؛ وإن كان من الناس من يسمى هذا كراء أيضا . فإنما هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم بيانه . فأما الكراء الخاص الذى تكلم به رافع وغيره فلا ، ولهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء الجائز ، وبين النوع الآخر الذى نهوا عنه، ولم يتعرض للشركة ، لأنها جنس آخر . ١١٢ بقي أن يقال : فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، وإلا فليمسكها)، أمر - إذا لم يفعل واحداً من الزرع والمنيحة . أن يمسكها . وذلك يقتضى المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما تقدم . فيقال: الأمر بهذا أمر ندب واستحباب؛ لا أمر إيجاب ، أو كان أمر إيجاب في الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد . وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم لما نهام عن لحوم الحمر الأهلية ، قال فى الآنية التى كانوا يطبخونها فيها: ((أهريقوا ما فيها، واكسروها)). وقال صلى الله عليه وسلم فى آنية أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني: ((إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم يجدوا غيرها فارحضوها بالماء )) وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا بترك ما يقاربها من المباح. كما قيل: ((لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال )) كما أنها أحياناً لا تترك المعصية إلا بتدريج ؛ لا تتركها جملة . فهذا يقع تارة ، وهذا يقع تارة . ولهذا يوجد فى سنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة : الرخصة له فى أشياء يستغنى بها عن المحرم ، ولمن وثق إيمانه وصبره : النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في فعل الأفضل . ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه ١١٣ وصبره - من فعل المستحبات البدنية والمالية ، كالخروج عن جميع ماله ، مثل أبى بكر الصديق - مالا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك ، كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب ، فحذفه بها ، فلو أصابته لأوجعته. ثم قال: (( يذهب أحدكم فيخرج ماله. ثم يجلس كلا على الناس » . يدل على ذلك : ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ثابت بن الضحاك: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة. وأمر بالمؤاجرة . وقال : لا بأس بها)) وما ذكرناه من رواية سعد بن أبى وقاص: (( أنه نهام أن يكروا بزرع موضع معين، وقال : أكروا بالذهب والفضة )) وكذلك فهمته الصحابة . فإن رافع بن خديج قد روى ذلك وأخبر أنه : لا بأس بكرائها بالذهب والفضة . وكذلك فقهاء الصحابة : كزيد بن ثابت ، وابن عباس . ففي الصحيحين عن عمرو بن دينار. قال: قلت. لطاوس: ((لو تركت المخابرة ؟ فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها . قال : أي عمرو ، إني أعطيهم وأعينهم . وإن أعلمهم أخبرنى - يعنى ابن عباس - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه؛ ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما )) وعن ابن عباس أيضا: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم المزارعة؛ ١١٤ ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض)). رواه مسلم مجملا والترمذى. وقال : حديث حسن صحيح . وقد أخبر طاوس عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دعاهم إلى الأفضل ، وهو التبرع ، قال: (( وأنا أمنهم وأعطيهم)) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق الذي منه واجب ، وهو ترك الربا والغرر . ومنه مستحب ، كالعارية والقرض . ولهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب الإحسان كان المسلم أحق به، فقال: ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما)) وقال: ((من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليمنحها أخاه ، أو ليمسكها ، فكان الأخ هو الممنوح . ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الإخوان عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنحهم؛ لا سيما والتبرع إنما يكون عن فضل غنى . فمن كان محتاجا إلى منفعة أرضه لم يستحب له المنيحة ، كما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة أرض خيبر ، وكما كان الأنصار محتاجين فى أول الإسلام إلى أرضهم ، حيث عاملوا عليها المهاجرين . وقد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة ، كما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التى دفَّت ؛ ليطعموا الجياع ؛ لأن إطعامهم واجب. فلما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة الأرض وأصحابها أغنياء عنها نهام عن المعاوضة ١١٥ ليجودوا بالتبرع، ولم يأمرهم بالتبرع عينا، كما نهام عن الادخار . فإن من نهى عن الانتفاع بماله جاد ببذله ؛ إذ لا بترك بطالا ، وقد ينهى النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل الأثمة عن بعض أنواع المباح فى بعض الأحوال ؛ لما في ذلك من منفعة المنهي ؛ كما نهام فى بعض المغازي (١) وأما ما رواه جابر من نهيه صلى الله عليه وسلم عن المخابرة: فهذه هى المخابرة التى نهى عنها . واللام لتعريف العهد . ولم تكن المخابرة عندهم إلا ذلك . يبين ذلك ما فى الصحيح عن ابن عمر قال: ((كنا لانرى بالخبر بأساً حتى كان عام أول . فزعم رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فتركناه من أجله )) فأخبر ابن عمر أن رافعاً روى النهي عن الخبر . وقد تقدم معنى حديث رافع . قال أبو عبيد : الخبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة . والمخابرة: المزارعة بالنصف والثلث والربع ، وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول : لهذا سمي الأكار خيراً؛ لأنه يخابر على الأرض ، والمخابرة : هي المؤاكرة . وقد قال بعضهم : أصل هذا من خير ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها فى أيديهم على النصف ، فقيل : خبرم ، أي عاملهم فى خيبر. وليس هذا بشيء ؛ فإن معاملته بخيير لم ينه عنها قط، (١) بياض بالأصلين قدر كلمتين أو ثلاث. ١١٦ بل فعلها الصحابة فى حياته وبعد موته . وإنما روى حديث المخابرة رافع ابن خديج، وجابر. وقد فسرا ما كانوا يفعلونه. والخبير: هو الفلاح. سمي بذلك لأنه يخبر الأرض . وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة . فقالوا: ((المخابرة)) هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل ، و ((المزارعة)) على أن يكون البذر من المالك . قالوا : والنبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ؛ لا المزارعة. وهذا أيضا ضعيف فإنا قد ذكرنا عن التى صلى الله عليه وسلم ما فى الصحيح من أنه ((نهى عن المزارعة)) كما ((نهى عن المخابرة)) وكما (( نهى عن كراء الأرض)) وهذه الألفاظ فى أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه ، وانما اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفى لفظاً وفعلا، ولأجل القرينة اللفظية ، وهي لام العهد وسؤال السائل ؛ وإلا فقد نقل أهل اللغة: أن المخابرة هي المزارعة ، والاشتقاق يدل على ذلك . فصل والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك . وقالوا : هذه هي المزارعة . فأما إن كان البذر من العامل لم ١١٧ يجز . وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي ، حيث يجوزون المزارعة . وحجة هؤلاء : قياسها على المضاربة ، وبذلك احتج أحمد أيضا . قال الكرمانى : قيل لأبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: رجل دفع أرضه إلى الأكار على الثلث أو الربح ؟ قال: لا بأس بذلك ، إذا كان البذر من رب الأرض والبقر والحديد والعمل من الأكار ، يذهب فيه مذهب المضاربة . ووجه ذلك : أن البذر هو أصل الزرع ، كما أن المال هو أصل الريح . فلا بد أن يكون البذر ممن له الأصل، ليكون من أحدهما العمل، ومن الآخر الأصل . والرواية الثانية عنه : لا يشترط ذلك ؛ بل يجوز أن يكون البذر من العامل ، وقد نقل عنه جماهير أصحابه - أكثر من عشرين نفسا - أنه يجوز أن يكري أرضه بالثلث أو الربع ، كما عامل النبى صلى الله عليه وسلم أهل خيبر . فقالت طائفة من أصحابه - كالقاضي أبي يعلى - إذا دفع أرضه لمن يعمل عليها بيذره بجزء من الزرع للمالك ، فإن كان على وجه الإجارة جاز ، وإن كان على وجه المزارعة لم يجز ، وجعلوا هذا التفريق تقريراً ١١٨ لنصوصه ؛ لأنهم رأوا فى عامة نصوصه صرائح كثيرة جدا فى جواز كراء الأرض بجزء من الخارج منها ، ورأوا أن هذا هو ظاهر مذهبه عندهم ، من أنه لا يجوز فى المزارعة أن يكون البذر من المالك كالمضاربة. ففرقوا بين باب المزارعة والمضاربة ، وباب الإجارة . وقال آخرون - منهم أبو الخطاب - معنى قوله فى رواية الجماعة: يجوز كراء الأرض ببعض الخارج منها . أراد به : المزارعة والعمل من الأكار . قال أبو الخطاب ومتبعوه : فعلى هذه الرواية : إذا كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج منها ، وإن كان من صاحب الأرض : فهو مستأجر العامل بما شرط له . قال : فعلى هذا ما يأخذه صاحب البذر يستحقه بيذره، وما يأخذه من الأجرة يأخذه بالشرط . وما قاله هؤلاء من أن نصه على المكارى ببعض الخارج هو المزارعة ، على أن يبذر الأكار : هو الصحيح ، ولا يحتمل الفقه إلا هذا ، أو أن يكون نصه على جواز المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز المزارعة بطريق الأولى . وجواز هذه المعاملة مطلقا هو الصواب الذي لا يتوجه غيره أثراً ونظرا . وهو ظاهر نصوص أحمد المتواترة عنه ، واختيار طائفة من أصحابه . والقول الأول - قول من اشترط أن يبذر رب الأرض، وقول ١١٩ من فرق بين أن يكون إجارة أو مزارعة - هو فى الضعف نظير من سوى بين الإجارة الخاصة والمزارعة ، أو أضعف . أما بيان نص أحمد : فهو أنه إنما جوز المؤاجرة ببعض الزرع ، استدلالا بقصة معاملة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر ، ومعاملته لهم إنما كانت مزارعة ؛ لم تكن بلفظ الإجارة . فمن الممتنع أن أحمد لا يجوز ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا بلفظ إجارة ، ويمع فعله باللفظ المشهور . وأيضا فقد ثبت فى الصحيح (( أن النبى صلى الله عليه وسلم شارط أهل خيبر على أن يعملوها من أموالهم)» كما تقدم ، ولم يدفع إليهم النبى صلى الله عليه وسلم بذرا، فإذا كانت المعاملة التى فعلها النبى صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يبذرون فيها من أموالهم، فكيف يحتج بها أحمد على المزارعة ، ثم يقيس عليها إذا كانت بلفظ الإجارة . ثم يمنع الأصل الذي احتج به من المزارعة التى بذر فيها العامل ؟! والنى صلى الله عليه وسلم قد قال لليهود: ((نقركم فيها ما أفركم الله)) لم يشترط مدة معلومة ، حتى يقال : كانت إجارة لازمة ؛ لكن أحمد حيث قال : - فى إحدى الروايتين - إنه يشترط كون البذر من المالك . فإنما قاله متابعة لمن أوجبه قياساً على المضاربة ، وإذا أفتى العالم بقول لحجة ولها معارض راجح لم يستحضر حينئذ ذلك المعارض ١٢٠