Indexed OCR Text

Pages 41-60

أيضا ؛ لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات . فإذا كان فى
وقت قد قال : إن هذا حرام . وقال في وقت آخر فيه أو في مثله :
إنه ليس بحرام ، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام - فقد تناقض
قولاه ، وهو مصيب فى كليها عند من يقول : إن كل مجتهد مصيب ،
وإنه ليس للّه في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده.
وأما الجمهور الذين يقولون : إن الله حكما فى الباطن ، علمه العالم فى
إحدى المقالتين ولم يعلمه فى المقالة التى تناقضها ، وعدم علمه به مع
اجتهاده مغفور له ، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده فى
طلبه . ولهذا يشبه بعضهم تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ
والمنسوخ فى شرائع الأنبياء ، مع الفرق بينها بأن كل واحد من
الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله: باطنا، وظاهرا؛ بخلاف أحد
قولي العالم المتناقضين .
هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله، مع علمه بتقواه ، وسلوكه
الطريق الراشد .
وأما أهل الأهواء والخصومات : فهم مذمومون فى مناقضاتهم ؛
لأنهم يتكلمون بغير علم ، ولا حسن قصد لما يجب قصده .
وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان :
٤١

أحدهما : لازم قوله الحق . فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه ؛ فإن
لازم الحق حق ، ويجوز أن يضاف إليه إذا على من حاله أنه لا يمتنع
من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة :
من هذا الباب .
والثانى : لازم قوله الذي ليس بحق . فهذا لا يجب التزامه ؛ إذ
أكثر ما فيه أنه قد تناقض . وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم
غير النبيين . ثم إن عرف من حاله : أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد
يضاف إليه ؛ وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم
يلتزمه ؛ لكونه قد قال ما يلزمه ، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول
ولا يلزمه .
وهذا التفصيل في اختلاف الناس فى لازم المذهب : هل هو
مذهب أو ليس بمذهب ؟ هو أجود من إطلاق أحدهما ، فما كان من
اللوازم برضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله . وما لا يرضاء فليس
قوله . وإن كان متناقضا . وهو الفرق بين اللازم الذي يجب التزامه
مع ملزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه . فإذا عرف هذا
عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها . وهذا متوجه في
اللوازم التى لم يصرح هو بعدم لزومها .
فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال ؛ وإلا
٤٢

لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله ؛
لكونه ملتزما لرسالته ، فلما لم يضف إليه مانفاه عن الرسول ؛ وإن
كان لازماً له : ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي
نفاه . ولا يلزم من كونه نص على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه ، لأنه
قد يكون عن اجتهادين فى وقتين .
وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء - مع وجود الاختلاف
في قول كل منها : - أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد
والاجتهاد ، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله ، وإن لم
يكن مطابقا ؛ لكن اعتقادا ليس بيقينى ، كما يؤمر الحاكم بتصديق
الشاهدين ذوي العدل، وإن كانا فى الباطن قد أخطآ أو كذبا، وكما
يؤمر المفتى بتصديق المخبر العدل الضابط ، أو باتباع الظاهر. فيعتقد ما دل
عليه ذلك، وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا . فالاعتقاد المطلوب هو الذي
يغلب على الظن مما يؤمر به العباد ، وإن كان قد يكون غير مطابق ، وإن
لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط .
فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين فى قضية أو قضيتين ، مع
قصده للحق ، واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة : عذر بما لم
يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا ؛ بخلاف أصحاب الأهواء ؛ فإنهم ( إِن
يَشَّعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى
٤٣

جزما لا يقبل النقيض ، مع عدم العلم بجزمه . فيعتقدون ما لم يؤمروا
باعتقاده ، لا باطنا ولا ظاهرا. ويقصدون مالم يؤمروا بقصده، ويجتهدون
اجتهادا لم يؤمروا به. فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي
مغفرة ما لم يعلموه ، فكانوا ظالمين ، شبيها بالمغضوب عليهم ، أو
جاهلين ، شبيها بالضالين .
فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق .
وقد سلك طريقه. وأما متبع الهوى المحض : فهو من يعلم الحق
ويعاند عنه .
وثم قسم آخر - وهو غالب الناس - وهو أن يكون
له هوى فيه شبهة ، فتجتمع الشهوة والشبهة ؛ ولهذا جاء في حديث
مرسل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله
يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند
حلول الشهوات )) .
فالمجتهد المحض مغفور له ، ومأجور . وصاحب الهوى المحض
مستوجب للعذاب . وأما المجتهد الاجتهاد المركب من شبهة وهوى :
فهو مسيء. وهم فى ذلك على درجات بحسب ما يغلب ، ويحسب
الحسنات الماحية .
٤٤

وأكثر المتأخرين - من المنتسبين إلى فقه أو تصوف - مبتلون بذلك.
وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك ، وأصول أحمد ، وبعض
أصول غيرهما: هو أصح الأقوال . وعليه يدل غالب معاملات السلف.
ولا يستقيم أمر الناس فى معاشهم إلا به وكل من توسع فى تحريم
ما يعتقده غرراً : فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله.
فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده فى هذه المسألة ، وإما أن يحتال.
وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم ، فما رأينا أحداً التزم مذهبه فى تحريم
هذه المسائل ، ولا يمكنه ذلك . ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم
لا تزول بالحيلة التي يذكرونها . فمن المحال : أن يحرم الشارع علينا
أمرا نحن محتاجون إليه ، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها . وإنما
هي من جنس اللعب .
ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل ، فوجدته أحد شيئين :
إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق فى أمورهم ، فلم يستطيعوا دفع هذا
الضيق إلا بالحيل ، فلم تزدم الحيل إلا بلاء ، كما جرى لأصحاب السبت
من اليهود، كما قال تعالى: ( فَبِظُلْمٍ ◌ِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيْبَتٍ
أُحِلَتْ لَهُمْ )
وهذا الذنب ذنب عملي . وإما مبالغة في التشديد
لما افتقدوه من تحريم الشارع ، فاضطرم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال
بالحيل . وهذا من خطإ الاجتهاد؛ وإلا فمن انقى اللّه وأخذ ما أحل
٤٥

له ، وأدى ما وجب عليه ؛ فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدا.
فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج ، وإنما بعث نبينا
صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة. فالسبب الأول : هو الظلم.
والسبب الثانى: هو عدم العلم . والظلم والجهل هما وصف للإنسان
المذكور في قوله: ( وَحَمَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَا جَهُولًا ).
وأصل هذا : أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان :
كالدم ، والميتة ، ولحم الخنزير ؛ أو من التصرفات : كالميسر، والربا ،
وما يدخل فيها من بيوع الغرر وغيره ؛ لما فى ذلك من المفاسد التى
نبه الله عليها ورسوله بقوله سبحانه :
( إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِوَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْعَن ذِكْرِاللَّهِ
فأخبر سبحانه : أن الميسر يوقع العداوة
وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُمُّنْتَهُونَ )
والبغضاء ، سواء كان ميسرا بالمال أو باللعب ؛ فإن المغالبة بلا فائدة
وأخذ المال بلا حق يوقع فى النفوس ذلك . وكذلك روى فقيه المدينة
من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ((كان الناس على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار . فإذا جد الناس
وحضر تقاضيهم قال المبتاع : إنه أصاب الثمر دمان . أصابه مراض أصابه
قشام: عاهات يحتجون بها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما
كثرت عنده الخصومة فى ذلك - : فأما لا ، فلا تبابعوا حتى يبدو
٤٦

صلاح الثمر ، كالمشورة لهم يشير بها ، لكثرة خصومتهم واختلافهم))
وذكر خارجة بن زيد: (( أن زبدا لم يكن يبيع تمار أرضه حتى تطلع
الثريا ، فيتبين الأحمر من الأصفر)) رواه البخاري تعليقا ، وأبو داود
إلى قوله: (( خصومتهم)). وروى أحمد فى المسند عنه قال: ((قدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونحن نتبايع الثمار قبل
أن يبدو صلاحها . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة.
فقال : ما هذا ؟ فقيل له : إن هؤلاء ابتاعوا الثمار ، يقولون : أصابها
العمان، والقشام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلا تبايعوها
حتى يبدو صلاحها )).
فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك :
ما أفضت إليه من الخصام . وهكذا بيوع الغرر . وقد ثبت نهيه عن
بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فى الصحيحين ، من حديث ابن عمر ، وابن
عباس ، وجابر ، وأنس . وفى مسلم من حديث أبى هريرة ، وفى حديث
أنس تعليله، ففي الصحيحين عن أنس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى؟ قال: حتى تحمر أو تصفر،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إذا منع اللّه الثمرة،
بم بأخذ أحدكم مال أخيه؟)) وفي رواية ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ، فقلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : محمر
٤٧

أو تصفر ، أرأيت إن منح الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك؟))
قال أبو مسعود الدمشقي: جعل مالك والدراوردي قول أنس: ((أرأيت
إن منع الله الثمرة )، من حديث النبى صلى الله عليه وسلم ، أدرباه
فيه : ويرون أنه غلط .
فهذا التعليل ـ سواء كان من كلام النبى صلى الله عليه وسلم،
أو كلام أنس - فيه بيان أن في ذلك أكلا للمال بالباطل، حيث أخذه
في عقد معاوضة بلا عوض مضمون .
وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء
وأكل الأموال بالباطل : فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة
الراجحة قدمت عليها ، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل ، لما كان
فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض ؛ وإن لم يجز غيره بعوض . وكما أن
اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة ، فهو باطل ، وإن
كان فيه منفعة - وهو ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله
((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه.
وملاعبته امرأته ، فإنهن من الحق )) - صار هذا اللهو حقاً .
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم
مما قد يتخوف فيها من تباغض ، وأكل مال بالباطل ؛ لأن الغرر فيها
٤٨

يسير كما تقدم . والحاجة إليها ماسة . والحاجة الشديدة يندفع بها يسير
الغرر . والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا
عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم ؛ فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ؟ !
ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى
كمال الصلاح ، أباح الشرع ذلك، وقاله جمهور العلماء . كما سنقرر قاعدته
إن شاء الله تعالى.
ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث : أنها إذا تلفت بعد
البيع بجائحة كانت من ضمان البائع . كما رواه مسلم فى صحيحه عن جار
ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو بعت
من أخيك تمرا فأصابته جائحة . فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً . م
تأخذ مال أخيك بغير حق ؟)). وفى رواية لمسلم عنه: (( أمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح)).
والشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث - وإنما بلغه
حديث لسفيان بن عيينة فيه اضطراب - أخذ فى ذلك بقول الكوفيين:
إنها تكون من ضمان المشتري ؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض ؛ لأن
التخلية بين المشتري وبينه قبض . وهذا على أصل الكوفيين أمشى ؛
لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر ، وإنما موجب العقد عنده :
القبض الناجز بكل حال . وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه ، مع
٤٩

أن مصلحة بى آهم لا تقوم على ذلك . مع أنى لا أعلم عن النبى صلى
الله عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض
يكون من مال البائع ، وينفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا .
ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار الصحيح يوافقه وهو ما نبه عليه
النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((بم بأخذ أحدكم مال أخيه بغير
حق؟ )) فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند كمالها ونضجها .
لا عند العقد ، كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء المنفعة شيئاً فشيئا.
فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين المؤجرة قبل التمكن من
استيفاء المنفعة ، وفى الإجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق. فكذلك فى البيع.
وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة، وأن المشتري
لم يملك الإبقاء . وهذا الفرق لا يقول به الشافعى، وسنذكر أصله.
فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو
صلاحها . وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه
الآفة)) وفى لفظ لمسلم عنه: ((نهى عن بيع النخل حتى تزهو ، وعن
السقبل حتى يبيض ويأمن العاهة: نهى البائع والمشترى » وفي سنن أبى
داود عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض » .
٥٠

فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما . فإنه بعد بدو صلاحه
وأمنه العاهة يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد ، وليس المقصود
الأمن من العاهات النادرة . فإن هذا لاسبيل إليه ؛ إذ قد يصيبها
ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين (أَقْسَمُواْ لَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ)
وما ذكره فى (( سورة يونس)) فى قوله :
حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيِّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَنْهَا
)
وإنما المقصود
أَمِّرُ نَا لَيْلَا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْتَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ )
ذهاب العامة التى يتكرر وجودها ، وهذه إنما تصيب الزرع قبل اشتداد
الحب ، وقبل ظهور النضج فى الثمر ؛ إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى
ما قبله ، ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز
بيعه إلى حين كمال الصلاح. وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه
متعذر ؛ لأنه لا يكمل جملة واحدة . وإيجاب قطعه على مالكه فيه
ضرر حرب على ضرر الغرر .
فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع
الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير ، كما تقتضيه أصول الحكمة
التى بعث بها صلى الله عليه وسلم وعلمها أمته .
ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه ، غير ناظر إلى ما يعارض
علته من المانع الراجح : أفسد كثيراً من أمر الدين ، وضاق عليه
عقله ودينه .
٥١

وأيضا : ففي صحيح مسلم عن أبى رافع: (( أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل
الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع،
فقال : لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال النى صلى الله عليه
وسلم: أعطه إياه ، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء )). ففي هذا دليل
على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه،
كما عليه فقهاء الحجاز والحديث ، خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز
ذلك ، لأن القرض موجبه رد المثل، والحيوان ليس بمثلي ، وبناء على
أن ما سوى المكيل والموزون لا يثبت فى الذمة عوضا عن مال . وفيه
دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريباً فى الذمة ، كما هو المشهور من
مذاهبهم ؛ خلافا للكوفيين ووجه فى مذهب أحمد أنه يثبت بالقيمة .
وهذا دليل على أن المعتبر فى معرفة المعقود عليه : هو التقريب ،
وإلا فيعز وجود حيوان مثل ذلك الحيوان ؛ لاسيما عند
القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي ، وأنه مضمون في الغصب
والإتلاف بالقيمة .
وأيضا : فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ،
وفيه روايتان عن أحمد . إحداهما : يجوز كقول مالك . وحديث جابر
الذي فى الصحيح بدل عليه .
٥٢

وأيضا: فقد دل الكتاب فى قوله تعالى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْإِن طَلَّقْتُمُ
اٌلْنِسَآءَ مَالَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْتَفْرِضُوْ لَهُنَّ فَرِيضَةً )
والسنة فی حدیث
بروع بنت واشق ، وإجماع العلماء : على جواز عقد النكاح بدون
فرض الصداق . وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم ، وإذا مات
عند فقهاء الحديث ، وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت واشق،
وهو أحد قولي الشافعي . ومعلوم أن مهر المثل متقارب لامحدود ،
فلو كان التحديد معتبراً فى المهر ما جاز النكاح بدونه ، وكما رواه أحمد
فى المسند عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ، وعن بيع
اللمس ، والنجش، وإلقاء الحجر )) فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل
فرض المهر ، وأن الإجارة لا تجوز إلا مع تبين الأجر، فدل على
الفرق بينها .
وسبيه : أن المعقود عليه في النكاح - وهو منافع البضع - غير
محدودة ؛ بل المرجع فيها إلى العرف ؛ فكذلك عوضه الآخر ، لأن المهر
ليس هو المقصود، وإنما هو نحلة تابعة . فأشبه الثمر التابع للشجر فى
البيع قبل بدو صلاحه . وكذلك لما قدم وفد هوازن على النبى صلى
الله عليه وسلم، وغيرم بين السبي وبين المال، فاختاروا السبي، وقال
لهم: (( إنى قائم مخاطب الناس، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى
٥٣

الله عليه وسلم على المسلمين، ونستشفع بالمسلمين على رسول الله.
وقام خطب الناس ، فقال : إنى قد رددت على هؤلاء سبيهم ، فمن
شاء طيب ذلك ، ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص
من أول ما يفيء الله علينا)) فهذا معاوضة من الإعتاق ، كعوض
الكتابة بإبل مطلقة فى الذمة ، إلى أجل متفاوت غير محدود .
وقد روى البخاري عن ابن عمر فى حديث غيير (( أن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قاتلهم حتى ألجأم إلى قصرم ، وغلبهم على الأرض
والزرع والنخل ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، ولهم ما حملت ركابهم ،
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة وهي
السلاح ، ويخرجون منها . واشترط عليهم أن لا يكتموا ، ولا يغيبوا
شيئا . فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد)) فهذا مصالحة على مال متميز
غير معلوم.
وعن ابن عباس قال: (( صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم
أهل نجران على ألفي حلة : النصف فى صفر ، والبقية في رجب ،
يؤدونها إلى المسلمين ، وعارية ثلاثين درعا ، وثلاثين فرساً ، وثلاثين
بعيراً ، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ،
والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم ، إن كان باليمن كيد أو
غارة)) رواه أبو داود . فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة
٥٤

الجنس ، غير موصوفة بصفات السلم . وكذلك كل عارية خيل وإبل
وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة عند شرط ، قد يكون
وقد لا يكون .
فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال ـ كالصداق
والكتابة والفدية في الخلع والصلح من القصاص والجزية والصلح مع
أهل الحرب - ليس بواجب أن يعلم الثمن والأجرة . ولا يقاس على
بيع الغرر كل عقد على غرر ؛ لأن الأموال إما أنها لا تجب فى هذه
العقود ، أو ليست هي المقصود الأعظم منها ، وما ليس هو المقصود إذا
وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة فى البيع ، بل يكون
إيجاب التحديد فى ذلك فيه من العسر والحرج المنفى شرعا ما يزيد على
ضرر ترك تحديده .
فصل
ومما تمس الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة ، ومن مسائل بيع
الثمر قبل بدو صلاحه : ما قد عمت به البلوى فى كثير من بلاد الإسلام
أو أكثرها، لاسيما دمشق. وذلك أن الأرض تكون مشتملة على
غراس ، وأرض تصلح للزرع ، وربما اشتملت مع ذلك على مساكن،
٥٥

فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزرعها ، أو يسكنها مع ذلك .
فهذا - إذا كان فيها أرض وغراس - مما اختلف الفقهاء فيه على
ثلاثة أقوال :
أحدها : أن ذلك لا يجوز بحال ، وهو قول الكوفيين والشافعي،
وهو المشهور من مذهب أحمد عند أكثر أصحابه .
والقول الثانى : يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين
أو أكثر ؛ وكذلك إذا استكرى داراً فيها نخلات قليلة ، أو شجرات
عنب ونحو ذلك. وهذا قول مالك، وعن أحمد كالقولين . قال
الكرمانى : قيل لأحمد: الرجل يستأجر الأرض فيها نخلات ؟ قال :
أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر، وكأنه لم يعجبه ، أظنه : إذا
أراد الشجر ، فلم أفهم من أحمد أكثر من هذا .
وقد تقدم عنه فيما إذا باع ربوياً بجنسه معه من غير جنسه إذا
كان المقصود الأكبر هو غير الجنس ، كشاة ذات صوف أو لبن
بصوف أو لبن ، روايتان . وأكثر أصوله على الجواز . كقول مالك ؛ فإنه
يقول : إذا ابتاع عبدا وله مال ، وكان مقصوده العبد : جاز ؛ وإن
كان المال مجهولا ، أو من جنس الثمن . ولأنه يقول : إذا ابتاع
أرضا أو شجراً فيها تمر ، أو زرع لم يدرك : يجوز إذا كان مقصوده
٥٦

الأرض والشجر .
وهذا فى البيع نظير مسألتنا فى الإمارة ، فإن ابتياع الأرض بمنزلة
اشترائها . واشتراء النخل ، ودخول الثمرة التى لم تأمن العاهة فى البيع
تبعا للأصل : بمنزلة دخول تمر النخلات والعنب فى الإجارة تبعا .
وحجة الفريقين فى المنع : ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم
من نهيه عن بيع السنين ، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه . كما أخرجاه
فى الصحيحين عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع». وفيها
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((نهى النبي صلى الله عليه
وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح . قيل: وما تشقح؟ قال : تحار أو
تصفار، ويؤكل منها)). وفى رواية لمسلم : أن هذا التفسير من كلام
سعيد بن المثنى المحدث عن جابر .
وفى الصحيحين عن جابر قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة)). وفى رواية لهما: ((وعن بيع
السنين)) بدل ((المعاومة )) وفيها أيضا عن زيد بن أبى أنيسة ، عن
عطاء، عن جابر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وأن يشتري النخل حتى بشقه، والإشقاه:
٥٧

أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شىء . والمحاقلة : أن يباع الحقل بكيل
من الطعام معلوم . والمزابنة : أن يباع النخل بأوساق من التمر .
والمخابرة: الثلث أو الربح، وأشباه ذلك . قال زيد: قلت لعطاء :
أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قال :
نعم)) وفيها عن أبى البختري . قال : سألت ابن عباس عن بيع النخل.
فقال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى
بأكل منه ، أو يؤكل ، وحتى يوزن . فقلت : ما يوزن ؟ فقال رجل
عنده: حتى يحرز)) وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه ،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تتبابعوا الثمار حتى
يبدو صلاحها ، ولا تتابعوا التمر بالتمر))(١).
وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن بيع تمر النخل سنين
لا يجوز . قالوا : فإذا أ كراه الأرض والشجر فقد باعه الثمر قبل أن
يخلق . وباعه سنة أو سنتين . وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله
عليه وسلم، ثم من منع منه مطلقا طرد العموم والقياس . ومن جوزه إذا
كان قليلا قال : الغرر اليسير يحتمل فى العقود ، كما لو ابتاع النخل
وعليها تمر لم يؤبر، أو أبر ولم يبد صلاحه. فإنه يجوز، وإن لم يجز
إفراده بالعقد .
وهذا متوجه جداً على أصل الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء
(١) الحديث في صحيح مسلم مجلد ٣ ص ١١٦٨ بلفظ مختلف .
٥٨

الحديث ، ولكن لا يتوجه على أصل أبى حنيفة ؛ لأنه لا يجوز ابتياع
الثمر بشرط البقاء ، ويجوز ابتياعه قبل بدو صلاحه . وموجب العقد :
القطع فى الحال ، فإذا ابتاعه مع الأصل . فإنما استحق إبقاءه ؛ لأن
الأصل ملكه . وسنتكلم إن شاء الله على هذا الأصل.
وذكر أبو عبيد: إن المنع من إجارة الأرض التى فيها شجر
كثير : إجماع .
والقول الثالث : أنه يجوز استئجار الأرض التى فيها شجر ،
ودخول الشجر فى الإجارة مطلقا . وهذا قول ابن عقيل ، وإليه مال
حرب الكرمانى ، وهذا القول كالإجماع من السلف، وإن كان المشهور
عن الأئمة المتبوعين خلافه . فقد روى سعيد بن منصور - ورواه عنه
حرب الكرمانى فى مسائله - قال حدثنا عباد بن عباد ، عن
هشام بن عروة، عن أبيه: ((أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة
آلاف درهم فدعا عمر غرماءه ، فقبلهم أرضه سنين ، وفيها
النخل والشجر)).
وأيضا : فإن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد
وغيرها . فأقر الأرض التى فيها النخل والعنب في أيدى أهل الأرض،
وجعل على كل جريب من أجربة الأرض السوداء والبيضاء خراجا
٥٩

مقدراً. والمشهور : أنه جعل على جريب العنب : عشرة درام .
وعلى جريب النخل : ثمانية درام ، وعلى جريب الرطبة : ستة درام ،
وعلى جريب الزرع : درهما وقفيزا من طعام .
والمشهور عند مالك والشافعي وأحمد : أن هذه المخارجة تجرى
مجرى المؤاجرة. وإنما لم يؤقته لعموم المصلحة. وأن الخراج أجرة
الأرض . فهذا بعينه إجارة الأرض السوداء التى فيها شجر ، وهو مما
أجمع عليه عمر والمسلمون فى زمانه وبعده ، ولهذا تعجب أبو عبيد
فى ((كتاب الأموال)) من هذا . فرأى أن هذه المعاملة تخالف ما
علمه من مذاهب الفقهاء .
وحجة ابن عقيل : أن إجارة الأرض جائزة . والحاجة إليها داعية ،
ولا يمكن إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر ، وما لا يتم
الجائز إلا به فهو جائز . لأن المستأجر لا يتبرع بسقى الشجر، وقد
لا يساقى عليها .
وهذا كما أن مالكا والشافعي كان القياس عندها أنه لا تجوز
المزارعة . فإذا ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا المزارعة فى ذلك
البياض ، تبعاً للمساقاة فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث ، كما قال فى
بيع الشجر تبعاً للأرض ، وكذلك الشافعي يجوز. إذا كان البياض قليلا
٦٠