Indexed OCR Text

Pages 561-580

بمقتضاه أم لا ؟ وإذا عجز عن ثبوت ذلك هل يكون قادما فى عدالته ،
وجرحه: ينعزل بها عن المناصب الدينية أم لا ؟
ومن كانت هذه صفته لهذه الطائفة ، وثم له فى غاية الكراهة ،
هل يجوز أن يؤم بهم، وقد جاء: (( لا يؤم الرجل قوما أكثرم
له كارهون)»؟؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . هذه المسائل محتاج إلى تقرير
أصل جامع فى أموال بيت المال ، مبني على الكتاب والسنة التى سنها
رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ، كما قال عمر بن عبد
العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده
أشياء: الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على
طاعة الله، ليس لأحد تغييرها، ولا النظر فى رأي من خالفها؛ من
اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن خالفها واتبع
غير سبيل المؤمنين ولاء الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من
يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ .
وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل بدعة ضلالة)).
والواجب على ولاة الأمور وغيرم من المسلمين العمل من ذلك
٥٦١

وقال النبي صلى
بما عليهم، كما قال تعالى: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
اللّه عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم
عن شيء فاجتنبوه)).
ونحن نذكر ذلك مختصراً فنقول :
الأموال التى لها أصل في كتاب الله التى يتولى قسمها ولاة
الأمر ثلاثة :
(( مال المغانم)). وهذا لمن شهد الوقعة؛ إلا الخمس فإن مصرفه
ما ذكره الله في قوله :
(وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ
ءَامَنتُم بِاللَّهِ) و((المغانم)) ما أخذ من الكفار بالقتال . فهذه
المغانم وخمسها .
و ((الثانى الفيء)). وهو الذي ذكره الله تعالى فى ((سورة
الحشر)، حيث قال: ( وَمَآ أَفَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
ومعنى قوله : ( ما أوجفتم ) أي ما حركتم ،
وَلَارِكَابٍ )
ولا أعملتم، ولا سقتم . يقال وجف البعير، يجف، وجوفا، وأوجفته:
إذا سار نوعا من السير . فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله ،
وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيل ولا ركاب ، وذلك عبارة عن
٥٦٢

القتال ، أي ما قاتلتم عليه . فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة ، وما لم يقاتلوا
عليه فهو فيء ؛ لأن الله أفاءه على المسلمين ؛ فإنه خلق الخلق لعبادته ،
وأحل لهم الطيبات ، ليأكلوا طيبا ، ويعملوا صالحا . والكفار عبدوا
غيره ، فصاروا غير مستحقين للمال . فأباح للمؤمنين أن يعبدوه ، وأن
يسترقوا أنفسهم، وأن يسترجعوا الأموال منهم . فإذا أعادها اللّه إلى
المؤمنين منهم فقد فات ، أي رجعت إلى مستحقيها .
وهذا الفيء يدخل فيه جزية الرؤوس التى تؤخذ من أهل الذمة،
ويدخل فيه ما يؤخذ منهم من العشور ، وأنصاف العشور ، وما يصالح
عليه الكفار من المال ، كالذي يحملونه ، وغير ذلك . ويدخل فيه
ما جلوا عنه وتركوه خوفا من المسلمين ، كأموال بنى النضير ، التى
أنزل الله فيها ((سورة الحشر)) وقال: (هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمٍ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا طَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُ جُواْ وَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِّنَ
اللَّهِ فَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الزُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَبْدِيهِمْ وَأَبْدِى
الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُ واْيَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى
وهؤلاء أجلاهم النبى صلى
الدُّنْيّاً وَلَهُمْ فِ آْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ )
اللّه عليه وسلم، وكانوا يسكنون شرقي المدينة النبوية، فأجلاهم
بعد أن حاصرهم ، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.
٥٦٣

وذكر مصارف الفيء بقوله: (مَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ اَلْقُرَى فَلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَسَّمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ
وَمَآءَ انَكُمُالرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ وَنَّقُواْاللّه إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *
لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ والدَّارَ وَآلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِ هِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:
وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فهؤلاء
المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ، ولهذا قال مالك
وأبو عبيد وأبو حكيم النهروانى من أصحاب أحمد وغيرهم: أن من سب
الصحابة لم يكن له في الفيء نصيب .
ومن الفىء ما ضربه عمر رضى الله عنه على الأرض التى فتحها
عنوة ولم يقسمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق - إلا شيئا يسيراً
منها ــ وبر الشام، وغير ذلك . فهذا الفىء لا خمس فيه عند جماهير
الأئمة : كأبي حنيفة، ومالك ، وأحمد. وإنما يرى خميسه الشافعي وبعض
٥٦٤

أصحاب أحمد ، وذكر ذلك رواية عنه ، قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد
قبل الشافعي أن فى الفيء خمسا كخمس الغنيمة .
وهذا الفيء لم يكن ملكا للنبي صلى الله عليه وسلم فى حياته عند
أكثر العلماء . وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد : كان ملكا له .
وأما مصرفه بعد موته ؛ فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق
الجند المقاتلين ، الذين يقاتلون الكفار ؛ فإن تقويتهم تذل الكفار ،
فيؤخذ منهم الفيء . وتنازعوا هل يصرف فى سائر مصالح المسلمين ،
أم يختص به المقاتلة ؟ على قولين للشافعي ، ووجهين فى مذهب الإمام
أحمد ؛ لكن المشهور فى مذهبه ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك : أنه
لا يختص به المقاتلة ؛ بل يصرف فى المصالح كلها .
وعلى القولين : يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء ؛ فإن
الشافعي قال : ينبغي للإمام أن يخص من فى البلدان من المقاتلة ، وهو
من بلغ ، ويحصى الذرية ، وهي من دون ذلك ، والنساء . إلى أن قال:
ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءم ، ويعطى الذرية والنساء ما يكفيهم
لسنتهم . قال : والعطاء من الفيء لا يكون إلا لبالغ بطيق القتال .
قال : ولم يختلف أحد ممن لقيه فى أنه ليس للمماليك فى العطاء حق ،
ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة . قال : فإن فضل من الفيء شيء
وضعه الإمام فى أهل الحصون ، والازدياد في الكراع والسلاح ، وكل ما
٥٦٥

يقوى به المسلمون . فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق
ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال . قال : ويعطى
من الفيء رزق العمال، والولاة ، وكل من قام بأمر الفيء : من وال
وحاكم، وكانب وجندي ممن لا غنى لأهل الفيء عنه .
وهذا مشكل مع قوله : إنه لا يعطى من الفيء صى ولا مجنون
ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال ؛ لأنه للمجاهدين .
وهذا إذا كان للمصالح ، فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به
منفعة عامة ، كالمجاهدين ، وكولاة أمورهم: من ولاة الحرب ، وولاة
الديوان ، وولاة الحكم ، ومن يقرئهم القرآن ، ويفتيهم ، ويحدثهم ،
ويؤمهم فى صلاتهم ، ويؤذن لهم . ويصرف منه فى سداد ثغورم وعمارة
طرقاتهم وحصونهم ، ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضا، ويبدأ
فيه بالأم فالأم : فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي
الحاجات الذين لا منفعة فيهم . هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب
أحمد والشافعي وأبى حنيفة وغيرهم .
قال أصحاب أبى حنيفة يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من
القناطر والجسور ، ويعطى قضاة المسلمين ما يكفيهم ، ويدفع منه أرزاق
المقاتلة ، وذوو الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها . وما فضل عن
٥٦٦

منافع المسلمين قسم بينهم ؛ لكن مذهب الشافعى وبعض أصحاب أحمد :
أنه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق ، إذا فضل المال
واتسع عن حاجات المسلمين ، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
لما كثر المال أعطى منه عامة المسلمين ، فكان لجميع أصناف المسلمين
فرض فى ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيهم، وفقيرم ؛ لكن كان أهل الديوان
نوعين : مقاتلة ، وهم البالغون . وذرية ، وهم الصغار ، والنساء الذين
ليسوا من أهل القتال ؛ ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء
الذين لا منفعة فيهم ، فلا يعطى غنى شيئا حتى يفضل عن الفقراء .
هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه . ومذهب
الشافعي - كما تقدم - تخصيص الفقراء بالفاضل.
وأما ((المال الثالث)) فهو الصدقات، التي هي زكاة أموال
المسلمين : زكاة الحرث ، وهي العشور ، وأنصاف العشور : المأخوذة
من الحبوب والثمار . وزكاة الماشية ، وهي الإبل والبقر والغنم .
وزكاة التجارة . وزكاة النقدين . فهذا المال مصرفه ما ذكره الله
تعالى فى قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
قُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ
وفى السنن: (( أن
اُللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
النبى صلى الله عليه وسلم سأله رجل أن يعطيه شيئا من الصدقات.
٥٦٧

فقال : إن الله لم يرض في الصدقات بقسمة فى ولا غيره ؛ ولكن جزاها
ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك)). وقد اتفق
المسلمون على أنه لا يجوز أن يخرج بالصدقات عن الأصناف الثانية
المذكورين فى هذه الآية ، كما دل على ذلك القرآن .
إذا تبين هذا الأصل . فنذكر أصلا آخر ، ونقول : أموال بيت
المال في مثل هذه الأزمنة هي أصناف : صنف منها هو من الفيء ،
أو الصدقات ، أو الخمس. فهذا قد عرف حكمه. وصنف صار إلى
بيت المال بحق من غير هذه. مثل من مات من المسلمين ولا وارث له.
ومن ذلك ما فيه نزاع ، ومنه ما هو متفق عليه . وصنف قبض بغير
حق أو بتأويل ، يجب رده إلى مستحقه إذا أمكن وقد تعذر ذلك .
مثل ما يؤخذ من مصادرات العمال وغيرهم ، الذين أخذوا من الهدايا،
وأموال المسلمين ما لا يستحقونه ، فاسترجعه ولي الأمر منهم ، أو من
تركاتهم ، ولم يعرف مستحقه. ومثل ما قبض من الوظائف المحدثة
وتعذر رده إلى أصحابه ، وأمثال ذلك .
فهذه الأموال التى تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلا ، هي
مما يصرف في مصالح المسلمين عند أكثر العلماء . وكذلك من كان
عنده مال لا يعرف صاحبه ، كالغاصب التائب ، والخائن التائب، والمرابي
التائب ، ومحوهم ممن صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه ؛ فإنه
٥٦٨

بصرفه إلى ذوى الحاجات ، ومصالح المسلمين .
إذا تبين هذان الأصلان. فنقول : من كان من ذوي الحاجات :
كالفقراء ، والمساكين ، والغارمين ، وابن السبيل ، فهؤلاء يجوز ؛
بل يجب أن يعطوا من الزكوات ، ومن الأموال المجهولة باتفاق المسلمين.
وكذلك بعطوا من الفيء مما فضل عن المصالح العامة التى لا بد منها
عند أكثر العلماء ، كما تقدم . سواء كانوا مشتغلين بالعلم الواجب على
الكفاية أو لم يكونوا ، وسواء كانوا فى زوايا، أو ربط، أو لم يكونوا؛
لكن من كان مميزا بعلم أو دين كان مقدما على غيره . وأحق هذا
الصنف من ذكرهم الله بقوله: (لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافً) فمن كان ما هو مشغول به
من العلم والدين الذى أحصر به فى سبيل الله قد منعه الكسب فهو
أولى من غيره. ويعطى قضاة المسلمين وعلماؤهم منه ما يكفيهم ، ويدفع
منه أرزاق المقاتلة وذراريهم ؛ لا سيما من بنى هاشم الطالبيين ،
والعباسيين، وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتعين إعطاؤهم من الخمس والفيء
والمصالح ؛ لكون الزكاة محرمة عليهم .
والفقير الشرعي المذكور فى الكتاب والسنة الذي يستحق من
الزكاة والمصالح ونحوهما ليس هو الفقير الاصطلاحي الذي يتقيد بلبسة
٥٦٩

معينة ، وطريقة معينة ؛ بل كل من ليس له كفاية تكفيه وتكفي عياله
فهو من الفقراء والمساكين .
وقد تنازع العلماء : هل الفقير أشد حاجة، أو المسكين ؟ أو
الفقير من يتعفف ، والمسكين من يسأل ؟ على ثلاثة أقوال لهم .
واتفقوا على أن من لا مال له وهو عاجز عن الكسب فإنه يعطى ما
يكفيه ، سواء كان لبسه لبس الفقير الاصطلاحي ، أو لباس الجند
والمقائلة ، أو لبس الشهود، أو لبس التجار ، أو الصناع ، أو الفلاحين.
فالصدقة لا يختص بها صنف من هذه الأصناف ؛ بل كل من ليس له
كفاية تامة من هؤلاء : مثل الصانع الذي لا تقوم صنعته بكفايته ،
والتاجر الذي لا تقوم تجارته بكفايته ، والجندي الذي لا يقوم إقطاعه
بكفايته . والفقير والصوفى الذي لا يقوم معلومه من الوقف بكفايته ،
والشاهد والفقيه الذي لا يقوم ما يحصل له بكفايته ، وكذلك من كان
فى رباط أو زاوية وهو عاجز عن كفايته . فكل هؤلاء مستحقون .
ومن كان من هؤلاء كلهم مؤمنا تقيا كان الله وليا ؛ فإن أولياء
الله: (لَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ )
من أي صنف كانوا من أصناف القبلة. ومن كان من هؤلاء
منافقا ، أو مظهراً لبدعة تخالف الكتاب والسنة من بدع الاعتقادات
والعبادات ؛ فإنه مستحق للعقوبة . ومن عقوبته أن يحرم حتى يتوب.
٥٧٠

وأما من كان زنديقا كالحلولية والمباحية ، ومن يفضل متبوعه على النبي
صلى الله عليه وسلم، ومن يعتقد أنه لا يجب عليه فى الباطن اتباع
شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه إذا حصلت له المعرفة
والتحقيق سقط عنه الأمر والنهي ، أو أن العارف المحقق يجوز له التدين
بدين اليهود والنصارى ، ولا يجب عليه الاعتصام بالكتاب والسنة ،
وأمثال هؤلاء ؛ فإن هؤلاء منافقون زنادقة ، وإذا ظهر على أحدم فإنه
يجب قتله باتفاق المسلمين ، وم كثيرون في هذه الأزمنة .
وعلى ولاة الأمور مع إعطاء الفقراء ؛ بل والأغنياء : بأن يلزموا
هؤلاء باتباع الكتاب والسنة، وطاعة الله ورسوله ، ولا يمكنوا أحداً
من الخروج من ذلك ، ولو ادعى من الدعاوي ما ادعاه ، ولو زعم أنه
يطير فى الهواء ، أو يمشي على الماء .
ومن كان من الفقراء الذين لم تشغلهم منفعة عامة للمسلمين عن
الكسب ، قادرا عليه ، لم يجز أن يعطى من الزكاة عند الشافعي وأحمد .
وجوز ذلك أبو حنيفة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( لا نحل الصدقة لغنى ولا لقوي مكتسب)) ولا يجوز أن يعطى من
الزكاة من يصنع بها دعوة وضيافة للفقراء ، ولا يقيم بها سماطا ؛ لا
لوارد ، ولا غير وارد ؛ بل يجب أن يعطى ملكا للفقير المحتاج ؛ بحيث
ينفقها على نفسه وعياله فى بيته إن شاء ، ويقضي منها ديونه ، ويصرفها
٥٧١

فى حاجاته .
وليس فى المسلمين من ينكر صرف الصدقات وفاضل أموال
المصالح إلى الفقراء والمساكين . ومن نقل عنه ذلك فإما أن يكون من
أجهل الناس بالعلم ، وإما أن يكون من أعظم الناس كفرا بالدين ؛ بل
بسائر الملل والشرائع ، أو يكون النقل عنه كذبا أو محرفا . فأما من
هو متوسط فى علم ودين فلا يخفى عليه ذلك ولا ينهى عن ذلك .
ولكن قد اختلط فى هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق والباطل.
فأقوام كثيرون من ذوي الحاجات والدين والعلم لا يعطى أحدم
كفايته ، ويتمزق جوعا وهو لا يسأل ، ومن يعرفه فليس عنده ما
يعطيه . وأقوام كثيرون يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون عن
سبيل الله. وقوم لهم رواتب أضعاف حاجاتهم. وقوم لهم رواتب مع
غنام وعدم حاجاتهم . وقوم ينالون جهات كمساجد وغيرها ، فيأخذون
معلومها ويستثنون من يعطون شيئا بسيرا . وأقوام فى الربط والزوايا
يأخذون مالا يستحقون ، ويأخذون فوق حقهم ، ويمنعون من هو أحق
منهم حقه أو تمام حقه . وهذا موجود فى مواضع كثيرة .
ولا يستريب مسلم أن السعي فى تمييز المستحق من غيره، وإعطاء
الولايات والأرزاق من هو أحق بها ، والعدل بين الناس فى ذلك ،
٥٧٢

وفعله بحسب الإمكان : هو من أفضل أعمال ولاة الأمور ؛ بل ومن
أوجيها عليهم؛ فإن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل واجب على
كل أحد فى كل شيء. وكما أن النظر في الجند المقاتلة ، والتعديل
بينهم ؛ وزيادة من يستحق الزيادة ، ونقصان من يستحق النقصان ،
وإعطاء العاجز عن الجهاد من جهة أخرى: هو من أحسن أفعال ولاة
الأمور وأوجبها ، فكذلك النظر في حال سائر المرتزقين من أموال
الفيء ، والصدقات ، والمصالح ، والوقوف، والعدل بينهم فى ذلك ، واعطاء
المستحق تمام كفايته، ومنع من دخل فى المستحقين - وليس منهم - من
أن يزاحمهم فى أرزاقهم .
وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى ، وطلب الأخذ من الصدقات ،
فإنه يجوز للإمام أن يعطيه بلا بينة ، بعد أن يعلمه أنه لاحظ فيها لغني
ولا لقوي مكتسب ؛ فإن النى صلى الله عليه وسلم سأله رجلان من
الصدقة، فلما رآهما جلدين صعد فيهما النظر وصوبه. فقال: ((إن
شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغنى ولا لقوي مكتسب)).
وأما إن ذكر أن له عيالا . فهل يفتقر إلى بينة ؟ فيه قولان
للعلماء ، مشهوران : هما قولان فى مذهب الشافعي وأحمد . وإذا رأى
الإمام قول من يقول فيه : يفتقر إلى بينة . فلا نزاع بين العلماء أنه
لا يجب أن تكون البينة من الشهود المعدلين ؛ بل يجب أنهم لم يرزقوا
٥٧٣

على أداء الشهادة ، فترد شهادتهم إذا أخذوا عليها رزقا ، لا سيما مع
العلم بكثرة من يشهد بالزور ؛ ولهذا كانت العادة أن الشهود فى الشام
المرتزقة بالشهادة لا يشهدون فى الاجتهاديات ، كالأعشار ، والرشد ،
والعدالة ، والأهلية ، والاستحقاق، ونحو ذلك ؛ بل يشهدون بالحسيات
كالذي سمعوه ورأوه ؛ فإن الشهادة بالاجتهاديات يدخلها التأويل والتهم ،
فالجعل يسهل الشهادة فيها بغير محر ؛ بخلاف الحسيات ؛ فإن الزيادة
فيها كذب صريح ، لا يقدم عليه إلا من يقدم على صريح الزور .
وهؤلاء أقل من غيرهم ؛ بل إذا أتى الواحد من هؤلاء بمن يعرف
صدقه من جيرانه ومعارفه وأهل الخبرة الباطنة به قبل ذلك منهم .
وإطلاق القول بأن جميع من بالربط والزوايا غير مستحقين باطل ،
ظاهر البطلان . كما أن إطلاق القول بأن كل من فيهم مستحق لما
يأخذه هو باطل أيضا ، فلا هذا، ولا هذا ؛ بل فيهم المستحق الذي
يأخذ حقه . وفيهم من يأخذ فوق حقه. وفيهم من لا يعطى إلا دون
حقه . وفيهم غير المستحق . حتى إنهم فى الطعام الذي يشتركون فيه
يعطى أحدم أفضل مما يعطى الآخر ، وإن كان أغنى منه ؛ خلاف ما
جرت عادة أهل العدل الذين يسوون فى الطعام بالعدل ، كما يعمل فى
رباطات أهل العدل. وأحر ولي الأمر هؤلاء بجميع [ ما ذكر] هو من أفضل
العبادات ، وأعظم الواجبات .
٥٧٤

وما ذكر عن بعض الحكام : من أنه لا يستحق من هؤلاء إلا
الأعمى ، والمكسح، والزمن . قول لم يقله أحد من المسلمين، ولا
يتصور أن يقول هذا حاكم ممن جرت العادة بأن يتولى الحكم . اللهم
إلا أن يكون من أجهل الناس ، أو أفرم. فمعلوم أن ذلك يقدح فى
عدالته ، وأنه يجب أن يستدل به على جرحه ، كما أنه إن كان الناقل
لهذا عن حاكم قد كذب عليه فينبغي أن يعاقب على ذلك عقوبة تردعه
وأمثاله من المفترين على الناس . وعقوبة الإمام للكذاب المفتري على
الناس ، والمتكلم فيهم ، وفى استحقاقهم ، لما يخالف دين الإسلام : لا
يحتاج إلى دعوام ؛ بل العقوبة فى ذلك جائزة بدون دعوى أحد ، كعقوبته
لمن يتكلم فى الدين بلا علم : فيحدث بلا علم ويفتى بلا علم ، وأمثال هؤلاء
يعاقبون . فعقوبة كل هؤلاء جائزة بدون دعوى . فإن الكذب
على الناس ، والتكلم فى الدين ، وفى الناس بغير حق: كثير فى كثير
من الناس .
فمن قال: إنه لا يستحق إلا الأعمى ، والزمن ، والمكسح . فقد
أخطأ باتفاق المسلمين . وكذلك من قال : إن أموال بيت المال على
اختلاف أصنافها مستحقة لأصناف : منهم الفقراء ، وإنه يجب على الإمام
إطلاق كفايتهم من بيت المال : فقد أخطأ ؛ بل يستحقون من الزكوات
بلا ريب . وأما من الفيء والمصالح فلا يستحقون إلا ما فضل عن
٥٧٥

المصالح العامة . ولو قدر أنه لم يحصل لهم من الزكوات ما يكفيهم، وأموال
بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة ، كان إعطاء العاجز منهم عن الكسب
فرضاً على الكفاية . فعلى المسلمين جميعا أن يطعموا الجائع ، ويكسوا
العاري ، ولا يدعوا بينهم محتاجا . وعلى الإمام أن يصرف ذلك من
المال المشترك الفاضل عن المصالح العامة التى لابد منها .
وأما من يأخذ بمصلحة عامة ، فإنه يأخذ مع حاجته باتفاق المسلمين.
وهل له أن يأخذ مع الغنى ــ كالقاضي، والشاهد، والمفتى ، والحاسب
والمقرئ ، والمحدث إذا كان غنيا ؟ فهل له أن يرتزق على ذلك من بيت
المال مع غناه ؟ - قولان مشهوران للعلماء .
وكذلك قول القائل : إن عناية الإمام بأهل الحاجات تجب أن تكون
فوق عنايته بأهل المصالح العامة التى لا بد للناس منها فى دينهم ودنياه ،
كالجهاد ، والولاية ، والعلم : ليس بمستقيم لوجوه :
أحدها: أن العلماء قد نصوا على أنه يجب في مال الفيء والمصالح
أن يقدم أهل المنفعة العامة . وأما مال الصدقات فيأخذه نوعان : نوع
بأخذ بحاجته: كالفقراء ، والمساكين ، والغارمين لمصلحة أنفسهم، وابن
السبيل . وقوم يأخذون لمنفعتهم: كالعاملين ، والغارمين في إصلاح
ذات البين . كمن فيه نفع عام: كالمقاتلة ، وولاة أمورم ، وفى سبيل
٥٧٦

الله. وليس أحد الصنفين أحق من الآخر، بل لابد من هذا وهذا.
الثانى: أن ما يذكره كثير من القائمين بالمصالح من الجهاد والولايات
والعلم من فساد النية معارض بما يوجد فى كثير من ذوي الحاجات من
الفسق والزندقة . وكما أن من ذوي الحاجات صالحين أولياء الله، ففي
المجاهدين والعلماء أولياء لله، وأولياء اللّه ثم المؤمنون المتقون ؛ من أي
صنف كانوا . ومن كان من أولياء الله من أهل الجهاد والعلم ، كان
أفضل ممن لم يكن من هؤلاء . فإن سادات أولياء الله من المهاجرين
والأنصار كانوا كذلك .
وقول القائل : اليوم في زماننا كثير من المجاهدين والعلماء إنما
يتخذون الجهاد والقتال والاشتغال بالعلم معيشة دنيوية ، محامون بها عن
الجاه والمال ، وأنهم عصاة بقتالهم واشتغالهم ، مع انضمام معاص
ومصائب أخرى لا يتسع الحال لها . والمجاهد لتكون كلمة الله هي
العليا ، والمعلم ليكون التعلم محض التقرب : قليل الوجود أو مفقود. فلا
ريب أن الإخلاص واتباع السنة فيمن لا يأكل أموال الناس أكثر
ممن بأكل الأموال بذلك ؛ بل والزندقة ... نعارضه بما هو أصدق منه ،
وهو أن يقال : كثير من أهل الربط والزوايا والمتظاهرين للناس
بالفقر ، إنما يتخذون ذلك معيشة دنيوية ، هذا مع انضمام كفر وفسوق
ومصائب لا يتسع الحال لقولها ؛ بمثل دعوى الحلول والاتحاد في
٥٧٧

العباد أكثر منها فى أهل العلم والجهاد. وكذلك التقرب إلى الله
بالعبادات البدعية .
ومعلوم أنه في كل طائفة بار وفاجر ، وصديق وزنديق. والواجب
موالاة أولياء الله المتقين من جميع الأصناف ، وبغض الكفار والمنافقين
من جميع الأصناف ، والفاسق الملي يعطى من الموالاة بقدر إيمانه ،
ويعطى من المعاداة بقدر فسقه ؛ فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن
الفاسق الملي له الثواب والعقاب، إذا لم يعف اللّه عنه. وأنه لابد أن
يدخل النار من الفساق من شاء اللّه، وإن كان لا يخلد فى النار
أحد من أهل الإيمان ؛ بل يخلد فيها المنافقون ، كما يخلد فيها
المتظاهرون بالكفر .
الوجه الثالث أن يقال : غالب الذين يأخذون لمنفعة المسلمين
من الجند وأهل العلم ونحوم محاويج أيضاً ؛ بل غالبهم ليس له رزق إلا
العطاء . ومن يأخذ للمنفعة والحاجة أولى ممن يأخذ بمجرد الحاجة .
الوجه الرابع أن يقال : العطاء إذا كان لمنفعة المسلمين لم ينظر
إلى الآخذ هل هو صالح النية أو فاسدها . ولو أن الإمام أعطى ذوي
الحاجات العاجزين عن القتال ، وترك إعطاء المقاتلة حتى يصلحوا نياتهم
لأهل الإسلام ، لاستولى الكفار على بلاد الإسلام ؛ فإن تعليق العطايا
٥٧٨

فى القلوب متعذر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام الاخلاق لهم)) وقال: ((إنى
لأعطي رجالا وأدع رجالا ، والذين أدع أحب إلي من الذين أعطى .
أعطي رجالا لما فى قلوبهم من الهلع والجزع ، وأكل رجالالما فى قلوبهم
من الغنى والخير)) وقال: ((إني لأعطي أحدم العطية فيخرج بها يتأبطها
ناراً . قالوا يا رسول الله! فلم تعطيهم ؟ قال يأبون إلا أن يسألوني
ويأبى الله لي البخل)).
ولما كان عام حنين قسم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم من أهل
نجد والطلقاء من قريش ، كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، والأقرع
ابن حالس، وأمثالهم . وبين سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة
ابن أبى جهل وأبى سفيان بن حرب وابنه معاوية وأمثالهم من الطلقاء
الذين أطلقهم عام الفتح ، ولم يعط المهاجرين والأنصار شيئاً . أعطام
ليتألف بذلك قلوبهم على الإسلام، وتأليفهم عليه مصلحة عامة للمسلمين.
والذين لم يعطهم م أفضل عنده ، وثم سادات أولياء الله المتقين، وأفضل
عباد الله الصالحين بعد النبيين والمرسلين ، والذين أعطام منهم من ارتد
عن الإسلام قبل موته، وعامتهم أغنياء لا فقراء . فلو كان العطاء للحاجة
مقدما على العطاء للمصلحة العامة لم يعط النبى صلى الله عليه وسلم
هؤلاء الأغنياء السادة المطاعين فى عشائرهم ، ويدع عطاء من عنده من
٥٧٩

المهاجرين والأنصار الذين ثم أحوج منهم وأفضل .
وبمثل هذا طعن الخوارج على النبى صلى الله عليه وسلم . وقال له
أولهم : يا محمد اعدل فإنك لم تعدل ، وقال : إن هذه القسمة ما أريد
بها وجه الله تعالى. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك
ومن يعدل إذا لم أعدل ؟! لقد خبت وخسرت إن لم أعدل )) فقال
له بعض الصحابة: دعني أضرب عنق هذا. فقال: ((إنه يخرج من
ضئفئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم،
وقراءته مع قراءتهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم . يمرقون من
الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما لقيتموم فاقتلوه ، فإن فى
قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) وفي رواية: ((لئن أدركتهم
لأقتلنهم قتل عاد )).
وهؤلاء خرجوا على عهد أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي
الله عنه ، فقتل الذين قاتلوه جميعهم ، مع كثرة صومهم وصلاتهم
وقراءتهم . فأخرجوا عن السنة والجماعة. وم قوم لهم عبادة ، وورع ،
وزهد ؛ لكن بغير علم، فاقتضى ذلك عندم أن العطاء لا يكون إلا
لذوى الحاجات ، وأن إعطاء السادة المطاعين الأغنياء لا يصلح لغير الله
بزعمهم . وهذا من جهلهم ؛ فإن العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين الله.
فكلما كان لله أطوع ولدين الله أنفع كان العطاء فيه أولى. وعطاء
٥٨٠