Indexed OCR Text

Pages 381-400

وسلم: ((المستبان: ما قالا فعلى البادى. منها مالم يعتد المظلوم».
ويسمى هذا الانتصار . والشتيمة التى لا كذب فيها مثل الإخبار عنه
بما فيه من القبائح ، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك . فأما
إن افترى عليه ، لم يحل له أن يفترى عليه ، ولو كفره أو فسقه بغير
حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق ، ولو لعن أباه أو قبيلته،
أو أهل بلده ونحو ذلك ، لم يحل له أن يتعدى على أولئك ، فإنهم
لم يظلموه. قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلََّ تَعْدِ لُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)
فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا . وقال :
(أُعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ).
فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه ؛ لما يلحقه من الأذى،
جاز الاقتصاص منه بمثله ، كالدعاء عليه بمثل ما دعاه ؛ وأما إذا كان
محرماً لحق الله تعالى، كالكذب ، لم يجز بحال ، وهكذا قال كثير
من الفقهاء : إذا قتله بتحريق ، أو تغريق ، أو خنق أو نحو ذلك ،
فإنه يفعل به كما فعل ، ما لم يكن الفعل محرما فى نفسه كتجريع الخمر
واللواط به . ومنهم من قال: لا قود عليه إلا بالسيف. والأول أشبه
بالكتاب والسنة والعدل .
٣٨١

فصل
وإذا كانت الفرية ، ونحوها لاقصاص فيها ؛ ففيها العقوبة بغير
ذلك . فمنه حد القذف الثابت فى الكتاب والسنة والإجماع ، قال الله
تعالى: (وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّّيَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُواْ
لَّمْ شَهَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْمِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّالَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ) .
فإذا رمى الحر محصناً بالزنا واللواط فعليه حد القذف ، وهو ثمانون
جلدة ، وإن رماء بغير ذلك عوقب تعزيراً .
وهذا الحد يستحقه المقذوف ، فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء.
فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء ، لأن المغلب فيه حق الآدمي .
كالقصاص والأموال. وقيل: لا يسقط، تغليباً لحق اللّه، لعدم
المماثلة ، كسائر الحدود . وإنما يجب حد القذف إذا كان المقذوف محصنا ،
وهو المسلم الحر العفيف .
فأما المشهور بالفجور فلا يحد قاذفه ، وكذلك الكافر والرقيق ؛
٣٨٢

لكن يعزر القاذف ؛ إلا الزوج فإنه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت
ولم تحبل من الزنا . فإن حبلت منه وولدت فعليه أن يقذفها ، وينفي
ولدها ؛ لئلا يلحق به من ليس منه . وإذا قذفها فإما أن تقر بالزنا ،
وإما أن تلاعنه ، كما ذكره الله فى الكتاب والسنة . ولو كان القاذف
عبداً فعليه نصف حد الحر ، وكذلك فى جلد الزنا وشرب الخمر ؛ لأن
(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِْنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
الله تعالى قال في الإمام :
اُلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ) . وأما إذا كان الواجب القتل ، أو قطع
اليد، فإنه لا يتنصف .
فصل
ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر
الله تعالى به ، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . فيجب على
كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح
صدر ؛ فإن المرأة على الرجل حقا في ماله ، وهو الصداق والنفقة
بالمعروف . وحقا فى بدنه ، وهو العشرة والمتعة ؛ بحيث لو آلى منها
استحقت الفرقة بإجماع المسلمين ، وكذلك لو كان محبوبا أو عنيناً لا
يمكنه جماعها فلها الفرقة ؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء .
٣٨٣

وقد قيل : إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبيعي . والصواب :
أنه واجب، كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول. وقد قال النبى
صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه - لما رآه
يكثر الصوم والصلاة -: ((إن لزوجك عليك حقاً)).
ثم قيل : يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة . وقيل : يجب
وطؤها بالمعروف ، على قدر قوته وحاجتها . كما يجب النفقة بالمعروف
كذلك ؛ وهذا أشبه .
وللرجل عليها أن يستمتع منها متى شاء ، ما لم يضر بها ، أو يشغلها
عن واجب . فيجب عليها أن تمكنه كذلك .
ولا تخرج من منزله إلا بإذنه ، أو بإذن الشارع . واختلف الفقهاء
هل عليها خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك ؟ فقيل:
يجب عليها . وقيل : لا يجب . وقيل : يجب الخفيف منه .
فصل
وأما الأموال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر
الله ورسوله ، مثل قسم المواريث بين الورثة ، على ماجاء به
٣٨٤

الكتاب والسنة .
وقد تنازع المسلمون فى مسائل من ذلك . وكذلك فى المعاملات
من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا،
ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض ؛ فإن العدل فيها هو
قوام العالمين ، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به .
فمن العدل فيها ما هو ظاهر ، يعرفه كل أحد بعقله ، كوجوب تسليم
الثمن على المشترى ، وتسليم المبيع على البائع للمشتري ، وتحريم تطفيف
المكيال والميزان ، ووجوب الصدق والبيان ، وتحريم الكذب والخيانة
والغش ، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد .
ومنه ما هو خفي ، جاءت به الشرائح أو شريعتنا - أهل
الإسلام - فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود
إلى تحقيق العدل ، والنهي عن الظلم : دقه وجله ؛ مثل أكل المال
بالباطل . وجنسه من الربا والميسر . وأنواع الربا والميسر التى نهى عنها
النبى صلى الله عليه وسلم: مثل بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة ،
وبيع الطير فى الهواء ، والسمك فى الماء ، والبيع إلى أجل غير مسمى،
وبيع المصراة ، وبيع المدلس ، والملامسة ، والمنابذة ، والمزابنة والمحاقلة
والنجش ، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وما نهى عنه من أنواع المشاركات
٣٨٥

الفاسدة ، كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض .
ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه ، فقد يرى
هذا العقد والقبض صحيحاً عدلا ، وإن كان غيره يرى فيه جورا يوجب
فساده ، وقد قال الله تعالى :
(أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِنِ تَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
والأصل فى
هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التى يحتاجون إليها إلا ما دل
الكتاب والسنة على تحريمه ، كما لا يشرع لهم من العبادات التى يتقربون
بها إلى الله، إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه ؛ إذ الدين ما شرعه
اللّه، والحرام ما حرمه الله ؛ بخلاف الذين ذمهم الله ، حيث حرموا
من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً،
وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله . اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال
ما حللته ، والحرام ما حرمته ، والدين ما شرعته .
فصل
لا غنى لولي الأمر عن المشاورة ؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه
( فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَاُسْتَغْفِرْلَهُمْ
صلى الله عليه وسلم . فقال تعالى
٣٨٦

وَشَاوِرُهُمْ فِ الْأَمِِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ )
وقد روي عن أبى هريرة رضي الله عنه قال ((لم يكن أحد
أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وقد
قيل : إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه ، وليقتدى به من بعده،
وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي : من أمر الحروب ،
والأمور الجزئية ، وغير ذلك ، فغيره - صلى الله عليه وسلم -
أولى بالمشورة .
وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله :
(وَمَاِعِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَُّونَ * وَالَّذِينَ يَجْنَنِبُونَ كَبَِّرَالإِثْمِ
وَالْفَوَحِشَ وَ إِذَامَا غَضِبُواْهُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى
وإذا استشارم ،
/٠٠١٠
بَيْنَهُمْ وَمِمَّارَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ).
فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو
إجماع المسلمين ، فعليه اتباع ذلك ، ولا طاعة لأحد فى خلاف ذلك ،
وإن كان عظيما فى الدين والدنيا. قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِمِنْكُمْ ).
وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون ، فينبغي أن يستخرج من
كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله
وسنة رسوله عمل به ، كما قال تعالى: (فَإِنِ تَعْنُمْفِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
٣٨٧

وَالرَّسُولِ إِنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء ، وهم الذين إذا صلحوا صلح
الناس ، فعلى كل منهما أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله ،
واتباع كتاب الله . ومتى أمكن فى الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه
الكتاب والسنة كان هو الواجب ؛ وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو
عجز الطالب ، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك ، فله أن يقلد من
يرتضى علمه ودينه . هذا أقوى الأقوال . وقد قيل : ليس له التقليد
بكل حال ، وقيل: له التقليد بكل حال . والأقوال الثلاثة في مذهب
أحمد وغيره .
وكذلك ما يشترط فى القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب
الإمكان ؛ بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك ، كل ذلك
واجب مع القدرة . فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ولهذا أمر الله المصلي أن يتطهر بالماء، فإن عدمه، أو خاف الضرر باستعماله
لشدة البرد أو جراحة أو غير ذلك ، تيمم صعيدا طيبا ، فمسح بوجهه
ويديه منه. وقال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (( صل
قائماً . فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب)) فقد أوجب
الله فعل الصلاة فى الوقت على أى حال أمكن، كما قال تعالى: (حَفِظُواْ
٣٨٨

عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَدِنِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْرُكْبَانًّاً
فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْتَعْلَمُونَ ).
فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف ، والصحيح والمريض ،
والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف والمريض،
كما جاء به الكتاب والسنة .
وكذلك أوجب فيها واجبات : من الطهارة ، والستارة ، واستقبال
القبلة ، وأسقط ما يعجز عنه العبد من ذلك . فلو انكسرت سفينة قوم،
أو سلبهم المحاربون ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم ، وقام إمامهم
وسطهم ؛ لئلا يرى الباقون عورته .
ولو اشتبهت عليهم القبلة ، اجتهدوا فى الاستدلال عليها . فلو عميت
الدلائل صلوا كيفما أمكنهم ، كما قد روى أنهم فعلوا ذلك على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور
الدين ، وذلك كله فى قوله تعالى: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ).
وفى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم)). كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال: (فَمَنِ
( وَمَاجَعَلَ
وقال تعالى :
اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَاعَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ )
عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ). وقال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ
٣٨٩

حَرَج ) فلم يوجب ما لا يستطاع ، ولم يحرم ما يضطر إليه ، إذا كانت
الضرورة بغير معصية من العبد .
فصل
يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ؛
بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلابها . فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا
بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس ،
حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمروا
أحدم )). رواه أبو داود ، من حديث أبى سعيد، وأبى هريرة .
وروى الإمام أحمد فى المسند عن عبد الله بن عمرو ، أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض
إلا أمروا عليهم أحدهم ، فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد
فى الاجتماع القليل العارض فى السفر ، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع
الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة . وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل
وإقامة الحيج والجمع والأعياد ونصر المظلوم . وإقامة الحدود لا تتم إلا
بالقوة والإمارة؛ ولهذا روى: ((أن السلطان ظل الله فى الأرض)).
٣٩٠

وبقال ((ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان)).
والتجربة تبين ذلك .
ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرها -
يقولون : لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان . وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا
به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من
ولاه الله أمركم)). رواه مسلم. وقال: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب
مسلم: إخلاص العمل لله ، ومنامحة ولاة الأمور ، ولزوم جماعة
المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). رواه أهل السنن. وفي
الصحيح عنه أنه قال: ((الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين
النصيحة . قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم )) .
فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب
إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات ، وإنما يفسد فيها حال
أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها . وقد روى كعب بن مالك
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ماذئبان جائعان أرسلا فى زريبة
غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه )) . قال
الترمذى حديث حسن صحيح. فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة
٣٩١

يفسد دينه ، مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم .
وقد أخبر الله تعالى عن الذى يؤتى كتابه بشماله أنه يقول :
( مَآ أَغْنَى عَنِى مَالِيَّةٌ * هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَهْ).
وغاية حريد الرياسة أن يكون كفرعون ، وجامع المال أن يكون
كقارون ، وقد بين الله تعالى فى كتابه حال فرعون وقارون ، فقال
تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْهُمْ أَشَدَّمِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاتَارًا فِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُاللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِن
(تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا
وقال تعالى :
وَاقٍ )
لِلَّذِينَ لَيُرِدُ ونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ ).
فإن الناس أربعة أقسام :
القسم الأول: يريدون العلو على الناس ، والفساد فى الأرض وهو
معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون ، كفرعون وحزبه .
وهؤلاء هم شرار الخلق . قال الله تعالى :
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ
وَيَسْتَخِىءِنِسَاءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) وروى مسلم فى صحيحه عن ابن
مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من
٣٩٢

فى قلبه مثقال ذرة من إيمان )) فقال رجل يا رسول الله : إنى أحب
أن يكون ثوبى حسناً، ونعلى حسناً. أفمن الكبر ذاك؟ قال: (( لا:
إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) فبطر
الحق دفعه وجحده . وغمط الناس ، احتقارهم وازدراؤم ، وهذا
حال من يريد العلو والفساد .
والقسم الثاني : الذين يريدون الفساد ، بلا علو ، كالسراق
والمجرمين من سفلة الناس .
والقسم الثالث : يريدون العلو بلا فساد ، كالذين عندهم دين
يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس .
وأما القسم الرابع : فهم أهل الجنة ، الذين لا يريدون علوا فى
الأرض ولا فسادا ، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم ، كما قال الله
تعالى: (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ) وقال
تعالى: (فَلاَ تَهِنُواْ وَّدْعُوْ إِلَى السَّلِّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ )
وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
فكم ممن يريد العلو ، ولا يزيد ذلك إلا سفولا، وكم ممن جعل
من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد ؛ وذلك لأن إرادة العلو
٣٩٣

على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد ، فإرادة الإنسان أن
يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من
يكون كذلك ويعادونه ؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهوراً
لنظيره ، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر ، ثم إنه مع هذا
لابد لهم - فى العقل والدين - من أن يكون بعضهم فوق بعض ،
كما قدمناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: (وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآءَاتَّنْكُمْ)
وقال تعالى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
ج
دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) .
فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال فى سبيل الله .
فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك
في سبيله ، كان ذلك صلاح الدين والدنيا . وإن انفرد السلطان عن
الدين ، أو الدين من السلطان فسدت أحوال الناس ، وإنما يمتاز أهل
طاعة الله عن أهل معصيته بالنية والعمل الصالح ، كما في الصحيحين عن
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم
وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، [و](١)صاروا
بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم: رأى كثير من الناس أن الإمارة
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣٩٤

تنافى الإيمان وكمال الدين . ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا
يتم الدين إلا به من ذلك . ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك ، فأخذه
معرضاً عن الدين ؛ لاعتقاده أنه مناف لذلك ، وصار الدين عنده في
محل الرحمة والذل . لا فى محل العلو والعز . وكذلك لما غلب على كثير
من أهل الدين العجز عن تكميل الدين ، والجزع لما قد يصيبهم فى
إقامته من البلاء: استضعف طريقتهم واستذلها من رأى أنه لا تقوم مصلحته
ومصلحة غيره بها .
وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم
يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال ، وسبيل من أقبل
على السلطان والمال والحرب ، ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل
المغضوب عليهم والضالين . الأولى للضالين النصارى ، والثانية للمغضوب
عليهم اليهود .
وإنما الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم. وم (السَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ
وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
٣٩٥

فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه ؛ فمن ولي
ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه ، ومصالح المسلمين
وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات :
لم يؤاخذ بما يعجز عنه ؛ فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار .
ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ، ففعل ما يقدر
عليه ، من النصيحة بقلبه ، والدعاء للأمة ، ومحبة الخير ، وفعل ما يقدر
عليه من الخير : لم يكلف ما يعجز عنه ؛ فإن قوام الدين بالكتاب
الهادى ، والحديد الناصر ، كما ذكره الله تعالى .
فعلى كل أحد الاجتهاد فى اتفاق القرآن والحديد لله تعالى ، ولطلب
ما عنده، مستعيناً بالله فى ذلك ؛ ثم الدنيا تخدم الدين ، كما قال معاذ
ابن جبل رضي الله عنه: يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا
وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة
مر بنصيبك من الدنيا ، فانتظمها انتظاما ، وإن بدأت بنصيبك من
الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة ، وأنت من الدنيا على خطر . ودليل
ذلك ما رواه الترمذى عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من
أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله، وجعل غناء في قلبه، وأنته
الدنيا وهي راغمة؛ ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق اللّه عليه ضيعته،
٣٩٦

وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ». وأصل
ذلك فى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْحِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم
مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُوْاْلْقُوَّةِ الْمَنِينُ ).
فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا ، وجميع المسلمين لما
يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم، والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائما إلى يوم الدين .
٣٩٧

وكتب شيخ الإسلام إلى الملك الناصر
بعد وقعة جبل كسروان بسبب فتوح الجيل
بسم الله الرحمن الرحيم
من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين ، ومن أيد الله في
دولته الدين ، وأعز بها عباده المؤمنين ، وقمح فيها الكفار والمنافقين ،
والخوارج المارقين. نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه
أمور الخاص والعام ، وأحيى به معالم الإيمان ، وأقام به شرائح القرآن،
وأخل به أهل الكفر والفسوق والعصيان . سلام عليكم ورحمة الله
وبركاته . فإنا محمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل ،
وهو على كل شيء قدير . ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين ، وإمام
المتقين محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
أما بعد. فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده،
وهزم الأحزاب وحده . وأنعم الله على السلطان ، وعلى المؤمنين فى
دولته نعما لم تعهد فى القرون الخالية . وجدد الإسلام في أيامه تجديداً
٣٩٨

بانت فضيلته على الدول الماضية . وتحقق فى ولايته خبر الصادق
المصدوق ، أفضل الأولين والآخرين ، الذي أخبر فيه عن تجديد
الدين فى رءوس المثين. والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر
هذه النعم العظيمة فى الدنيا والدين ، ويتمها بتمام النصر على سائر
الأعداء المارقين .
وذلك : أن السلطان - أتم الله نعمته - حصل للأمة بيمن
ولايته وحسن نيته ، وصحة إسلامه وعقيدته ، وبركة إيمانه ومعرفته ،
وفضل همته ، وشجاعته ، ومرة تعظيمه للدين وشرعته ، ونتيجة اتباعه
لكتاب الله وحكمته: ما هو شبيه بما كان يجري فى أيام الخلفاء الراشدين
وما كان يقصده ا كبر الأئمة العادلين : من جهاد أعداء الله المارقين
من الدين ، وم صنفان :
أهل الفجور والطغيان ، وذوو الغي والعدوان ، الخارجون عن
شرائع الإيمان ، طلبا للعلو فى الأرض والفساد ، وتركا لسبيل الهدى
والرشاد . وهؤلاء هم التنار، ونحوم من كل خارج عن شرائع الإسلام
وإن تمسك بالشهادتين ، أو ببعض سياسة الإسلام .
والصنف الثاني : أهل البدع المارقون ، وذوو الضلال المنافقون ،
الخارجون عن السنة والجماعة ، المفارقون للشرعة والطاعة ، مثل هؤلاء
٣٩٩

الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجيل ، والجرد ، والكسروان .
فإن ما من اللّه به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام ، هو من عزائم
الأمور التى أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام .
وذلك : أن هؤلاء وجنسهم من أكبر المفسدين فى أمر الدنيا
والدين . فإن اعتقادهم: أن أبا بكر وعمر وعثمان ، وأهل بدر . وبيعة
الرضوان وجمهور المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة
الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، ومشابخ الإسلام وعبادهم،
وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادم . كل هؤلاء عندهم
كفار مرتدون ، أكفر من اليهود والنصارى؛ لأنهم مرتدون عندم ،
والمرقد شر من الكافر الأصلي . ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار
على أهل القرآن والإيمان .
ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد ، وفعلوا بعسكر المسلمين مالا يحصى
من الفساد ، وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل ، وحملوا
راية الصليب ، وحملوا إلى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسرام
مالا يحصى عدده إلا الله ، وأقيم سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون
فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص ، وفرحوا بمجيء التتار،
ثم وسائر أهل هذا المذهب الملعون ، مثل أهل جزين وما حواليها .
وجبل عامل ونواحيه .
٤٠٠