Indexed OCR Text

Pages 321-340

عن حق وجب عليه أداؤه ؛ فإن الله قد أباح للرجل فى كتابه أن يضرب
امرأنه إذا نشزت ، فامتنعت من الحق الواجب عليها ، حتى تؤديه .
فهؤلاء أولى وأحرى . وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال ، فإن أراد
هبتهم المال ، أو المصالحة عليه ، أو العفو عن عقوبتهم ، فله ذلك؛
بخلاف إقامة الحد عليهم؛ فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال ، وليس
لإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه .
وإن كانت الأموال قد تلفت بالأكل وغيره عندم أو عند السارق.
فقيل : يضمنونها لأربابها ، كما يضمن سائر الغارمين . وهو قول الشافعى
وأحمد رضي الله عنهما. وتبقى مع الإعسار فى ذمتهم إلى ميسرة . وقيل:
لا يجتمع الغرم والقطع؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. وقيل: يضمنونها
مع اليسار فقط دون الإعسار ، وهو قول مالك رحمه الله.
ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب
المحاربين ، وإقامة الحمد، وارتجاع أموال الناس منهم ، ولا على طلب
السارقين ، لا لنفسه ، ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم ؛ بل طلب
هؤلاء من نوع الجهاد فى سبيل الله؛ فيخرج فيه جند المسلمين ، كما يخرج
فى غيره من الغزوات التى تسمى البيكار . وينفق على المجاهدين في هذا
من المال الذى ينفق منه على سائر الغزاة ، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء
يكفيهم وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوم من مال المصالح من الصدقات ؛
٣٢١

فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة ، مثل
التجار الذين قد يؤخذون ، فأخذ الإمام زكاة أموالهم ، وأنفقها فى
سبيل الله ، كنفقة الذين يطلبون المحاربين جاز . ولو كانت لهم شوكة
قوية تحتاج إلى تأليف ، فأعطى الإمام من الفى والمصالح والزكاة
لبعض رؤسائهم يعينهم على إحضار الباقين، أو لترك شره فيضعف الباقون
ونحو ذلك جاز ، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم ، وقد ذكر مثل ذلك
غير واحد من الأئمة ، كأحمد وغيره ، وهو ظاهر الكتاب والسنة
وأصول الشريعة .
ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية ، ولا
من يأخذ مالا من المأخوذين : التجار ونحوم من أبناء السبيل ؛ بل
يرسل من الجند الأقوياء الأمناء ؛ إلا أن يتعذر ذلك ، فيرسل
الأمثل فالأمثل .
فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى ونحوم يأمرون
الحرامية بالأخذ فى الباطن أو الظاهر ، حتى إذا أخذوا شيئاً قاسهم ودافع
عنهم ، وأرضى المأخوذين ببعض أموالهم ، أو لم يرضهم ، فهذا أعظم
جرماً من مقدم الحرامية ؛ لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به هذا.
والواجب أن يقال فيه ما يقال فى الردء والعون لهم . فإن قتلوا قتل
هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وأكثر أهل
٣٢٢

العلم . وإن أخذوا المال قطعت بده ورجله، وإن قتلوا وأخذوا المال
قتل وصلب وعلى قول طائفة من أهل العلم يقطع ويقتل ويصلب . وقيل
يخير بين هذين ، وإن كان لم يأذن لهم ؛ لكن لما قدر عليهم قاسمهم
الأموال ، وعطل بعض الحقوق والحدود .
ومن آوى محارباً أو سارقاً ، أو قائلا ونحوهم ، ممن وجب عليه
حد أو حق لله تعالى ، أو الآدمي ، ومنعه أن يستوفى منه الواجب بلا
عدوان ، فهو شريكه فى الجرم . وقد لعنه الله ورسوله . روى مسلم في
صحيحه ، عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا)) وإذا
ظفر بهذا الذى آوى المحدث ، فإنه يطلب منه إحضاره، أو الإعلام به،
فإن امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك
المحدث ، كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب . فمن وجب
حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها .
ولو كان رجلٌ يعرف مكان المال المطلوب بحق ، أو الرجل المطلوب
بحق، وهو الذى يمنعه، فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه . ولا يجوز
كتمانه . فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى ، وذلك واجب ؛
بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوباً بباطل ، فإنه لا يحل الإعلام
به ، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان ؛ بل يجب الدفع عنه ؛ لأن
٣٢٣

نصر المظلوم واجب ، ففى الصحيحين ، عن أنس بن مالك ، رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( انصر أخاك ظالماً
أو مظلوماً. قلت: يا رسول الله أنصره مظلوماً. فكيف أنصره ظالماً؟
قال : تمنعه من الظلم ، فذلك نصرك إياه )).
وروى مسلم نحوه عن جابر ، وفى الصحيحين عن البراء بن عازب ،
رضي الله عنه. قال: « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا
عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار
المقسم ، وإجابة الدعوة ، ونصر المظلوم ، ونهانا عن خواتيم الذهب ،
وعن الشرب بالفضة ، وعن المياثر ، وعن لبس الحرير والقسى والديباج
والإستبرق)). فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه جازت عقوبته
بالحبس وغيره، حتى يخبر به ، لأنه امتنع من حق واجب عليه ، لا
تدخله النيابة . فعوقب كما تقدم ، ولا يجوز عقوبته على ذلك ، إلا إذا
عرف أنه عالم به .
وهذا مطرد فيما تتولاء الولاة والقضاة وغيرهم ، فى كل من
امتنع من واجب ، من قول أو فعل ، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق
وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره ، حتى يدخل في قوله تعالى:
( وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَأُخْرَى ) وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم:
(( ألا لا يجنى جان إلا على نفسه)). وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد
٣٢٤

وجب على غيره، وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال . أو
يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أُذنب،
لا بترك واجب ، ولا بفعل محرم ، فهذا الذي لا يحل . فأما هذا
فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم ، الذي
يطلب حضوره لاستيفاء الحق ، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به
حقوق المستحقين ، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب
والسنة والإجماع ، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم ، كما قد يفعل أهل
العصبية بعضهم ببعض ، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم . وقد قال الله
تعالى: ( وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى ).
وإما إعراضا - عن القيام الله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله - وجبنا
وفَشْلاً وخِذْلاناً لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله، ودينه
وكتابه ، الذين إذا قيل لهم انفروا فى سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض .
وعلى كل تقدير فهذا الضرب ، يستحق العقوبة باتفاق العلماء .
ومن لم يسلك هذه السبل ، عطل الحدود وضيع الحقوق ، وأكل
القوى الضعيف .
وهو بشبه من عنده مال الظالم الماطل من عين أودين ، وقد امتنع
٣٢٥

من تسليمه لحاكم عادل ، يوفي به دينه ، أو يؤدى منه النفقة الواجبة
عليه لأهله أو أقاربه أو مماليكه أو بهائه . وكثيراً ما يجب على الرجل
حق بسبب غيره ، كما يجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبه ، وكما يجب
الدية على عاقلة القاتل . وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده
مالا أو نفسا يجب إحضاره ، وهو لا يحضره ؛ كالقطاع والسراق
وحماتهم، أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من
الإخبار والإحضار ، لئلا يتعدى عليه الطالب أو يظلمه ، فهذا محسن .
وكثيراً ما يشتبه أحدهما بالآخر ، ويجتمع شبهة وشهوة . والواجب تمييز
الحق من الباطل .
وهذا بقع كثيراً فى الرؤساء من أهل البادية والحاضرة ، إذا استجار
بهم مستجير، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية،
والعزة بالإثم ، والسمعة عند الأوباش : أنهم ينصرونه - وإن كان
ظالما مبطلا - على المحق المظلوم ؛ لا سيما إن كان المظلوم رئيساً
يناديهم ويناويهم، فيرون فى تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو
عجزا؛ وهذا - على الإطلاق - جاهلية محضة. وهي من أكبر
أسباب فساد الدين والدنيا . وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من
حروب الأعراب ، كحرب البسوس التى كانت بين بى بكر وتغلب ، إلى
نحو هذا ، وكذلك سبب دخول الترك ، والمغول دار الإسلام ،
٣٢٦

واستيلاؤم على ملوك ما وراء النهر وخراسان : كان سببه نحو هذا .
ومن أذل نفسه لله فقد أعزها ، ومن بذل الحق من نفسه فقد
أكرم نفسه، فإن أكرم الخلق عند الله أنقام. ومن اعتز بالظلم: من
منع الحق ، وفعل الإثم ، فقد أذل نفسه وأهانها ، قال الله تعالى:
وقال تعالى عن المنافقين :
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَإِلَّهِ الْعِزَّةُ جَميعًا)
)
( يَقُولُونَ لَيِّن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ،
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) وقال الله تعالى فى صفة هذا
الضرب: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَ مَا فِى
قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّاَ لْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ.
جَهَتٌَّ وَلَيْسَ الْمِهَادُ ) .
وإنما الواجب على من استجار به مستجير - إن كان مظلوما
ينصره . ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه : فطالما اشتكى الرجل
وهو ظالم ؛ بل يكشف خبره من خصمه وغيره ، فإن كان ظالماً
رده عن الظلم بالرفق إن أمكن ؛ إما من صلح أو حكم بالقسط ،
وإلا فبالقوة .
وإن كان كل منهم ظالماً مظلوماً كأهل الأهواء ، من قيس ويمن
٣٢٧

ونحوم ، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي ، أو كانا جميعاً
غير ظالمين . لشبهة أو تأويل ، أو غلط وقع فيما بينها : سعى بنها
بالإصلاح، أو الحكم ، كما قال الله تعالى: (وَإِن ◌َاِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ مُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْالَّتِى تَبْغِى حَتَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِلَّهِ فَإِن فَآءَتْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تعالى: (لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ
مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
وقد روى أبو داود
فى السنن . عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قيل له: «أمن العصبية
أن ينصر الرجل قومه فى الحق ؟ قال : لا . قال: ولكن من العصبية
أن ينصر الرجل قومه فى الباطل)) وقال: ((خيركم الدافع عن
قومه مالم يأثم)). وقال: ((مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير
تردى فى بئر فهو يجر بذنبه)). وقال: ((من سمعتموه يتعزى بعزاء
الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ، ولا تكنوا )) .
وكل ماخرج عن دعوة الإسلام والقرآن : من نسب أو بلد .
أو جنس أو مذهب ، أو طريقة : فهو من عزاء الجاهلية ؛ بل لما
اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري : يا للمهاجرين ،
٣٢٨

وقال الأنصاري : يا للأنصار ، قال النى صلى الله عليه وسلم :
((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟)). وغضب لذلك غضباً شديداً.
عل
وأما السارق فيجب قطع بده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع ،
قال الله تعالى: ( وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْ اْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بِمَاكَسَبَانَكَلًا
مِّنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَبِزُحَكِيمٌ
فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ
عَلَيَّةٌ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ ).
ولا يجوز بعد ثبوت الحد
بالبينة عليه ، أو بالإقرار تأخيره : لا بحبس ، ولا مال يفتدى به ولا
غيره ؛ بل تقطع بده فى الأوقات المعظمة وغيرها ؛ فإن إقامة الحد من
العبادات ، كالجهاد فى سبيل الله. فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود
رحمة من الله بعباده : فيكون الوالي شديداً فى إقامة الحد : لا تأخذه
رأفة فى دين الله فيعطله. ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس
عن المنكرات ؛ لاشفاء غيظه ، وإرادة العلو على الخلق : بمنزلة الوالد
إذا أدب ولده ؛ فإنه لوكف عن تأديب ولده - كما تشير به الأم
رقة ورأفة - لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحا لحاله ؛ مع
أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب ، وبمنزلة الطبيب الذي بسقي
المريض الدواء الكريه ، وبمنزلة قطع العضو المتآ كل ، والحجم ، وقطع
٣٢٩

العروق بالفصاد ، ونحو ذلك ؛ بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه ،
وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة .
فهكذا شرعت الحدود ، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي فى
إقامتها ، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات ، يجلب
المنفعة لهم ، ودفع المضرة عنهم ، وابتغى بذلك وجه الله تعالى ، وطاعة
أمره: ألان الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير ، وكفاء
العقوبة البشرية ، وقد يرضى المحدود ، إذا أقام عليه الحد .
وأما إذا كان غرضه العلو عليهم ، وإقامة رياسته ليعظموه ، أو
ليبذلوا له ما يريد من الأموال ، انعكس عليه مقصوده . ويروى أن عمر
ابن عبد العزيز - رضي الله عنه - قبل أن يلي الخلافة كان نائباً للوليد
ابن عبد الملك على مدينة النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان قد
ساسهم سياسة صالحة ، فقدم الحجاج من العراق ، وقد سامهم سوء
العذاب ، فسأل أهل المدينة عن عمر . كيف هيبته فيكم ؟ قالوا : ما
نستطيع أن نظر إليه . قال : كيف محبتكم له ؟ قالوا : هو أحب إلينا
من أهلنا قال : فكيف أدبه فيكم ؟ قالوا : ما بين الثلاثة الأسواط
إلى العشرة . قال : هذه هيبته، وهذه محبته ، وهذا أدبه ، هذا
أمر من السماء .
وإذا قطعت بده حسمت ، ويستحب أن تعلق في عنقه . فإن
٣٣٠

سرق ثانيا : قطعت رجله اليسرى . فإن سرق ثالثا ، ورابعاً : ففيه
قولان للصحابة ، ومن بعدم من العلماء أحدهما : تقطع أربعته فى الثالثة
والرابعة ، وهو قول أبى بكر رضي الله عنه، ومذهب الشافعى، وأحمد،
فى إحدى الروايتين . والثانى أنه يحبس ، وهو قول علي رضي الله
عنه ، والكوفيين ، وأحمد فى روايته الأخرى .
وإنما تقطع بده إذا سرق نصابا، وهو ربع دينار أو ثلاثة درام،
عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرم ، كمالك ،
والشافعي ، وأحمد، ومنهم من يقول : دينار أو عشرة درام . فمن سرق
ذلك قطع بالاتفاق ، وفى الصحيحين عن ابن عمر ، رضي الله عنهما
(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قطع فى مجن ثمنه ثلاثة درام))
وفي لفظ لمسلم ((قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة درام)» والمجن الترس.
وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((تقطع اليد فى ربح دينار فصاعداً)) وفي
رواية لمسلم: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)). وفي
رواية للبخاري، قال: ((اقطعوا في ربع دينار ، ولا تقطعوا فيما هو
أدنى من ذلك)) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، والدينار
اثنى عشر درها .
ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من حرز . فأما المال
٣٣١

الضائع من صاحبه ، والثمر الذى يكون فى الشجر في الصحراء بلا
حائط، والماشية التى لا راعي عندها ونحو ذلك ، فلا قطع فيه ، لكن
يعزر الآخذ ، ويضاعف عليه الغرم . كما جاء به الحديث.
وقد اختلف أهل العلم فى التضعيف ، ومن قال به أحمد وغيره ،
قال رافع بن خديج : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
((لاقطع فى تمر ولاكثر)) والكثر جمار النخل . رواه أهل السنن ،
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، رضى الله عنه، قال:
((سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل ، قال : معها
حذاؤها وسقاؤها ، تأكل الشجر ، وترد الماء ، فدعها حتى يأتيها
باغيها. قال : فالضالة من الغنم ؟ قال: لك أولأخيك أو للذئب ، تجمعها
حتى يأتيها باميها : قال : فالحريسة التى تؤخذ من مراتعها ؟ قال :
فيها ثمنها مرتين ، وضرب نكال . وما أخذ من عطنه ، ففيه القطع
إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن . قال : يا رسول الله: فالثمار وما
أخذ منها من أكمامها قال : من أخذ منها بفمه ، ولم يتخذ خبنة
فليس عليه شيء ، ومن احتمل فعليه تمنه مرتين ، وضرب نكال ،
وما أخذ من أجرانه ففيه القطع ، إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن،
وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال)). رواه أهل
٣٣٢

السنن . لكن هذا سياق النسائي . ولذلك قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع))،
فالمنتهب الذي ينهب الشيء والناس ينظرون ، والمختلس الذي يجتذب
الشيء ، فيعلم به قبل أخذه ، وأما الطرار وهو البطاط الذي يبط
الجيوب والمناديل والأكام ونحوها ، فإنه يقطع على الصحيح .
فصل
وأما الزانى : فإن كان محصناً ، فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت ،
كما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم
الغامدية ، ورجم اليهوديين ، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده .
وقد اختلف العلماء : هل يجلد قبل الرجم مائة ؟ على قولين فى مذهب
أحمد وغيره . وإن كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة بكتاب الله،
ويغرب عاماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإن كان بعض العلماء
لا يرى وجوب التغريب .
ولا يقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء ، أو يشهد على
نفسه أربع شهادات ؛ عند كثير من العلماء أو أكثرهم . ومنهم من
يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة ، ولو أقر على نفسه ، ثم رجع
٣٣٣

فمنهم من يقول : يسقط عنه الحد ، ومنهم من يقول : لا يسقط .
والمحصن من وطىء - وهو حر مكلف ـ لمن تزوجها نكاحا
صحيحاً فى قبلها ، ولو مرة واحدة . وهل يشترط أن تكون الموطوءة
مساوية للواطئ فى هذه الصفات ؟ على قولين للعلماء .. وهل نحمن
المراحقة للبالغ ؛ وبالعكس ؟
فأما أهل الذمة، فإنهم محصنون أيضا عند أكثر العلماء كالشافعي وأحمد؛
لأن النبى صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين عند باب مسجده ،
وذلك أول رجم كان فى الإسلام .
واختلفوا فى المرأة إذا وجدت حبلى، ولم يكن لما زوج ولا سيد ،
ولم تدع شبهة فى الحبل . ففيها قولان فى مذهب أحمد وغيره . قيل :
لاحد عليها ؛ لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة، أو بتحمل ، أو بوط.
شبهة . وقيل : بل بحد ، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين ،
وهو الأشبه بأصول الشريعة ، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات
النادرة لا يلتفت إليها ، كاحتمال كذبها ، وكذب الشهود .
وأما اللواط ، فمن العلماء من يقول : حده كد الزنا . وقد قيل:
دون ذلك . والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة : أن يقتل الاثنان الأعلى
والأسفل . سواء كانا محصنین أو غیر محصنین ؛ فإن أهل السنن رووا عن ابن
٣٣٤

عباس ، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به )). وروى
أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: فى البكر يوجد على
اللوطية . قال : يرجم . ويروى عن على بن أبى طالب رضي الله
عنه نحو ذلك .
ولم تختلف الصحابة فى قتله ؛ ولكن تنوعوا فيه . فروى عن
الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه، وعن غيره قتله ، وعن بعضهم:
أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم ، وقيل : يحبسان فى أنتن
موضع حتى يموتا . وعن بعضهم : أنه يرفع على أعلى جدار في القرية
ويرمى منه ، ويتبح بالحجارة ، كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية
عن ابن عباس . والرواية الأخرى قال: يرجم. وعلى هذا أكثر
السلف . قالوا لأن الله رجم قوم لوط ، وشرع رجم الزانى تشبيها
برجم قوم لوط ، فيرجم الاثنان ، سواء كانا حرين أو مملوكين ، أو
كان أحدهما مملوكا والآخر حراً ، إذا كانا بالغين ، فإن كان أحدهما غير
بالغ عوقب بما دون القتل ، ولا يرجم إلا البالغ .
٣٣٥

فصل
وأما حد الشرب : فإنه ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وإجماع المسلمين ، فقد روى أهل السنن ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم من وجوه أنه قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن
شعرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب الرابعة
فاقتلوه))، وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة ، هو وخلفاؤه
والمسلمون بعده .
والقتل عند أكثر العلماء منسوخ . وقيل : هو محكم . يقال : هو
تعزير يفعله الإمام عند الحاجة .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ضرب في الخمر
بالجريد والتعال أربعين . وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وضرب
عمر في خلافته ثمانين . وكان علي رضي الله عنه، يضرب مرة أربعين،
ومرة ثمانين . فمن العلماء من يقول : يجب ضرب الثمانين . ومنهم من
يقول : الواجب أربعون ، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة ، إذا أدمن
الناس الخمر . أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها ، ونحو ذلك .
٣٣٦

فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفى الأربعون .
وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد. رحمها الله، فى إحدى
الروايتين عن أحمد .
وقد كان عمر رضي الله عنه - لما كثر الشرب ـ زاد فيه النفي
وحلق الرأس مبالغة فى الزجر عنه ، فلو غرب الشارب مع الأربعين
لينقطع خبره ، أو عزله عن ولايته كان حسنا ؛ فإن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات فى المحمر فعزله .
والخمر التى حرمها الله ورسوله، وأمر النبى صلى الله عليه وسلم
يجلد شاربها ، كل شراب مسكر من أي أمل كان ، سواء كان من
الثمار كالعنب ، والرطب ، والتين . أو الحبوب ، كالخطة ، والشعير .
أو الطلول كالعسل . أو الحيوان، كلبن الخيل . بل لما أنزل الله سبحانه
وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر، لم يكن
عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء ؛ لأنه لم يكن بالمدينة شجر عنب ،
وإنما كانت تجلب من الشام ، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر ،
وقد تواترت السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين
وأصحابه رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر ، وبين أنه خمر .
وكانوا يشربون النبيذ الحلو ، وهو أن ينبذ فى الماء تمر وزبيب
٣٣٧

أي يطرح فيه ، والنبذ الطرح - ليحلو الماء لا سيما كثير من مياه
الحجاز ، فإن فيه ملوحة ، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين ؛ لأنه لا
يسكر ، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكراً ، وكان
النبى صلى الله عليه وسلم ، قد نهام أن ينبذوا هذا النبيذ فى أوعية
الخشب ، أو الجرى، وهو ما يصنع من التراب . أو القرع ، أو الظروف
المزفتة ، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التى تربط أفواهها بالأوكية ؛
لأن الشدة تدب فى النبيذ دبيباً خفيفاً، ولا يشعر الإنسان ، فربما
شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة ، وهو لا يشعر ، فإذا كان
السقاء موكى انشق الظرف، إذا غلا فيه النبيذ ، فلا يقع الإنسان فى
محذور ، وتلك الأوعية لا تنشق .
وروى عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد هذا فى الانتباذ
فى الأوعية، وقال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ، ولا
تشربوا المسكر ، فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء . منهم من لم
يبلغه النسخ أو لم يثبته ، فهى عن الانتباذ فى الأوعية . ومنهم من اعتقد
ثبوته وأنه ناسخ فرخص فى الانتباذ فى الأوعية . فسمع طائفة من
الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ فاعتقدوا أنه المسكر ،
فترخصوا فى شرب أنواع من الأشربة التى ليست من العنب والتمر ،
وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب .
٣٣٨

والصواب ما عليه جماهير المسلمين : أن كل مسكر خمر ، يجلد
شاربه ، ولو شرب منه قطرة واحدة ، لتداو أو غير تداو ، فإن النبى
صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر بتداوى بها، فقال: (( إنها داء
وليست بدواء ، وإن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها)).
والحد واجب إذا قامت البينة ، أو امترف الشارب ؛ فإن وجدت
منه رائحة الخمر ، أو رؤي وهو يتقيؤها ونحو ذلك . فقد قيل : لا
يقام عليه الحد ، لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر ، أو شربها باهلا بها،
أو مكرها ونحو ذلك . وقيل : بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر .
وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة : كمثمان ،
وعلي ، وابن مسعود ؛ وعليه تدل سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وهو الذي يصلح عليه الناس ، وهو مذهب مالك . وأحمد فى
غالب نصوصه ، وغيرها .
والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضاً ، يجلد صاحبها كما
يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد
العقل والمزاج ، حتى بصير في الرجل تخنث وديائة ، وغير ذلك من
الفساد ، والخمر أخبث ؛ من جهة أنها نفضى إلى المخاصمة والمقاتلة ،
وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة .
وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين فى حدها ، ورأى أن آ كلها
٣٣٩

يعزر بما دون الحد ؛ حيث ظنها تغير العقل من غير طرب ، بمنزلة البنج ،
ولم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما، وليس كذلك ، بل آ كلوها ينشون
عنها، ويشتهونها، كشراب الخمر وأكثر. وتصدم عن ذكر الله، وعن
الصلاة ، إذا أكثروا منها ، مع ما فيها من المفاسد الأخرى : من
الديانة والتخنث ، وفساد المزاج والعقل وغير ذلك .
ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شراباً ، تنازع الفقهاء فى
نجاستها ، على ثلاثة أقوال : فى مذهب أحمد وغيره . فقيل : هي مجسة
كالخمر المشروبة ، وهذا هو الاعتبار الصحيح . وقيل : لا ؛ لجمودها.
وقيل : يفرق بين بامدها ومائعها . وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه
الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظاً ومعنى . قال أبو موسى الأشعرى
رضي الله عنه: يا رسول الله! أفتنا فى شرابين كنا نصنعها باليمن:
البتع ، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد. والمزر وهو من الذرة والشعير
ينبذ حتى يشتد . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد
أعطي جوامع الكلم وخواتيمه. فقال: ((كل مسكر حرام)). متفق
عليه فى الصحيحين .
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((إن من الخنطة خمراً ومن الشعير خمراً. ومن الزبيب خمراً،
ومن التمر خمرا، ومن العسل خمراً. وأنا أنهى عن كل مسكر)). رواه
٣٤٠