Indexed OCR Text

Pages 41-60

وَأَشْكُرُ وْلَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). وقال تعالى: (إِن يَنصُرُّكُمُ اللهُ فَلَ غَالِبَ
لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لَكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ).
وقال تعالى: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ قُّؤْ مِنِينَ ).
وهذا باب واسع قد كتبت فيه شيئاً كثيراً ، وعرفته : علماً ،
وذوقاً ، وتجربة .
فصل
وفى ((الجملة)) ما يبين نعم الله التى أنعم بها علي وأنا فى هذا
المكان أعظم قدراً وأكثر عدداً ما لا يمكن حصره، وأكثر ما ينقص
علي الجماعة ، فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقربه
أعينهم ، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد فى سبيله ما يصلون
به إلى أعلى الدرجات ، وأعرف أكثر الناس قدر ذلك فإنه لا يعرف
إلا بالذوق والوجد ، لكن ما من مؤمن إلا له نصيب من ذلك ، ويستدل
منه بالقليل على الكثير وإن كان لا يقدر قدره الكبير ، وأنا أعرف
أحوال الناس والأجناس واللذات ؛ وأين الدر من البحر ؟ وأين الفالوذج
من الدبس ؟ وأين الملائكة من البهيمة أو البهائم ؟ لكن أعرف أن حكمة
٤١

الله وحسن اختياره ولطفه ورحمته يقتضى أن كل واحد يريد أن يعبد
اللّه ويجاهد فى سبيله - علماً وعملا بحسب طاقته ليكون الدين لله ،
ويكون مقصوده أن كلمة الله هي العليا ، ولا يكون حبه وبغضه ومعاداته
ومدحه وذمه إلا الله - لا لشخص معين.
والهادي المطلق الذي يهدي إلى كل خير - وكل أحد محتاج إلى
هدايته فى كل وقت - هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أفضل
أمته أفضلهم متابعة له ، وهذا يكون بالإيمان واليقين والجهاد ، كما قال
إلى
تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ).
قوله: ( أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ) . فبين سبحانه وتعالى أن المؤمن لا بد
له من ثلاثة أمور :
أولها : أن يؤمن بالله ورسوله .
وثانيها : لا يرتاب بعد ذلك : أن يكون موقناً ثابتاً ؛ واليقين
يخالف الريب ، والريب نوعان : نوع يكون شكاً لنقص العلم . ونوع
يكون اضطراباً فى القلب ، وكلاهما لنقص الحال الإيمانى ؛ فإن الإيمان
لا بد فيه من على القلب ، وليس كل مكان يكون له على يعلمه. وعمل
القلب أو بصيرته وثباته وطمأنينته وسكينته وتوكله وإخلاصه وإنابته إلى
الله تعالى، وهذه الأمور كلها فى القرآن، يقال: رابى كذا وكذا
٤١

يرينى أي: حرك قلى، ومنه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أنه مر بظى حاقف فقال: ((لا يريبه أحد)) أي: لا يحركه
أحد. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا
يريبك )) فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ؛ فإن الصادق من لا يقلق
قلبه والكاذب يقلق قلبه ، وليس هناك شك بل يعلم أن الريب أعم من الشك.
ولهذا فى الدعاء المأثور: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا
وبين معصيتك)) الحديث إلى آخره. وفى المسند والترمذي عن أبى بكرة -
رضى الله عنه - أنه قال: ((سلوا الله اليقين والعافية؛ فإنه لم يعط
خير من اليقين والعافية فاسألوها اللّه سبحانه وتعالى)) والعرب تقول :
ماءيقن ، إذا كان ساكناً لا يتحرك . فقلب المؤمن مطمئن لا يكون
فيه ريب. هذا معنى قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ
وَرَسُولِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْبِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ
الضَلِفُونَ ). وفى الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
قال: ((أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهطا ولم يعط رجلا
وهو أحب إلي منهم فقلت : يا رسول الله ! مالك عن فلان ؟ فوالله
إني أراء مؤمناً، قال : أو مسلماً مرتين أو ثلاثاً ثم قال : إنى لأعطى
الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه اللّه على وجهه في النار)).
ولهذا قال أبو جعفر الباقر وغيره من السلف : الإسلام دائرة
٤٣

كبيرة ، والإيمان دائرة في وسطها ؛ فإذا زنا العبد خرج من
الإيمان إلى الإسلام ؛ كما فى الصحيحين عن النى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ، ولا
بسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين
بشربها وهو مؤمن)).
وهذا أظهر قولي العلماء : أن هؤلاء الأعراب الذين قالوا : أسلمنا
ونحوم من المسلمين الذين لم يدخل الإيمان المتقدم فى قلوبهم يثابون
على أعمالهم الصالحة، كما قال تعالى: ( وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ
وهم ليسوا بكفار ولا منافقين ؛ بل لم يبلغوا
أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا )
حقيقة الإيمان وكماله ، فنفى عنهم كمال الإيمان الواجب وإن كانوا يدخلون
فى الإيمان، مثل قوله: (فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وقوله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
وهذا
ءَامَنُوْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ )
باب واسع .
والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير
ونحن بحمد الله فى زيادة من نعم الله وإن لم يمكن خدمة الجماعة باللقاء
فأنا داع لهم بالليل والنهار؛ قياماً ببعض الواجب من حقهم ؛ وتقرباً إلى
الله تعالى في معاملته فيهم، والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقى الله
ويعمل اللّه، مستعيناً بالله، مجاهداً فى سبيل الله ، ويقصد بذلك أن
٤٤

تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، ويكون دعاؤ.
وغيره بحسب ذلك، كما أمر الله به ورسوله :
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، وألف بين
قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ؛ وانصرهم على عدوك وعدوم ؛ واهدم
سبل السلام ، وأخرجهم من الظلمات إلى النور ؛ وجنبهم الفواحش
ما ظهر منها وما بطن ؛ وبارك لهم فى أسماعهم وأبصارهم ما أبقيتهم؛ واجعلهم
شاكرين لنعمك مثنين بها عليك ؛ قابليها وأتمها عليهم يارب العالمين .
اللهم انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين؛ وأظهر الهدى ودين الحق
الذى بعثت به نبينا محمداً صلى اللّه عليه وسلم على الدين كله . اللهم عذب
الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون
المؤمنين . اللهم خالف كلمتهم وشتت بين قلوبهم ؛ واجعل تدميرم فى
تدبيرهم ؛ وأدر عليهم دائرة السوء . اللهم أنزل بهم بأسك الذى لا يرد
عن القوم المجرمين . اللهم مجرى السحاب ! ومنزل الكتاب ! وهازم
الأحزاب ! اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم . ربنا ! أعنا ولا تعن
علينا ؛ وانصرنا ولا تنصر علينا؛ وامكر لنا ولا تمكر علينا ؛
واهدنا ويسر الهدى لنا ؛ وانصرنا على من بغى علينا . ربنا !
اجعلنا لك شاكرين مطاوعين مخبتين ؛ أواهين منيين . ربنا ! تقبل
توبتنا ؛ واغسل حوبتنا وثبت حجتنا ؛ واهد قلوبنا ؛ وسدد ألسنتنا
٤٥

واسلل سخائم صدورنا .
وهذا رواه الترمذى بلفظ إفراد ، وصححه ، وهو من أجمع
الأدعية بخير الدنيا والآخرة ، وله شرح عظيم .
والحمد لله ناصر السنة وغاذل أهل البدعة والغرة، وصلى الله على
محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
٤٦

وكتب رحمه الله
وهو في السجن :
ونحن - ولله الحمد والشكر - في نعم عظيمة تتزايد كل يوم ،
ويجدد الله تعالى من نعمه نعما أخرى ؛ وخروج الكتب كان من أعظم
النعم ، فإني كنت حريصا على خروج شيء منها لتقفوا عليه ، وم كرهوا
خروج ((الإختائية)) فاستعملهم الله فى إخراج الجميع؛ وإلزام المنازعين
بالوقوف عليه ، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رسوله من الهدى ودين
الحق ؛ فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس ؛ فإذا ظهرت فمن
كان قصده الحق هداه الله ؛ ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة
الله ؛ واستحق أن يذله الله ويخزيه ، وما كتبت شيئاً من هذا ليكتم
عن أحد ولو كان مبغضاً .
والأوراق التى فيها جواباتكم وصلت ، وأنا طيب ، وعيناي طيبتان
أطيب ما كانتا . ونحن فى نعم عظيمة لا تحصى ولا تعد. والحمد لله
حمداً كثيراً طيبا مباركا فيه .
ثم ذكر كلاما ، وقال : كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة
٤٧

والحكمة ؛ إن ربى لطيف لما يشاء إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم،
ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه، (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِن ◌ْللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ
فالعبد عليه أن يشكر الله
مِن سَيِّئَةِ فَينِ نَّفْسِكَ )
ويحمده دائماً على كل حال ، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجب المزيد
من النعم ، والاستغفار بدفع النقم ، ولا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا
كان خيراً له ؛ إن أصابته سراء شكر ؛ وإن أصابته ضراء صبر
فكان خيراً له .
كتاب الشبغ إلى والدته يقول فيه:
بِسْمِ اللهِلَالرَّحَّةِ
من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة ، أقر الله عينيها بنعمه،
وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه .
سلام الله عليكم ، ورحمة الله وبركاته .
فإنا محمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل.
وهو على كل شيء قدير . ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين ، وإمام
المتقين ، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
٤٨

كتابى إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة
نشكر الله عليها ، ونسأله المزيد من فضله. ونعم الله كلما جاءت فى نمو
وازدياد ، وأياديه جلت عن التعداد .
وتعلمون أن مقامنا الساعة فى هذه البلاد ، إنما هو لأمور ضرورية
متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا . ولسنا والله مختارين للبعد
عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم
لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون
الساعة إلا ذلك ، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهراً واحداً ، بل
كل يوم نستخير الله لنا ولكم ، وادعوا لنا بالخيرة ، فنسأل الله العظيم
أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ، ما فيه الخيرة ، فى خير وعافية .
ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة ،
مالم يكن يخطر بالبال ، ولا بدور في الخيال ، ونحن في كل وقت
مهمومون بالسفر ، مستخيرون الله سبحانه وتعالى . فلا يظن الظان أنا
تؤثر على قربكم شيئاً من أمور الدنيا قط . بل ولا نؤثر من أمور
الدين ما يكون قربكم أرجح منه . ولكن ثم أمور كبار ، نخاف الضرر
الخاص والعام من إهمالها . والشاهد يرى مالا يرى الغائب .
والمطلوب ، كثرة الدعاء بالخيرة ، فإن الله يعلم، ولا نعلم ، ويقدر
٤٩

ولا نقدر ، وهو علام الغيوب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( من سعادة ابن آدم استخارته الله ، ورضاه بما يقسم الله له ، ومن
شقاوة ابن آدم : ترك استخارته الله، وسخطه بما يقسم الله له)) والتاجر
يكون مسافراً فيخاف ضياع بعض ماله فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه،
وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرا كثيرا ، وعلى سائر من فى البيت
من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحداً واحدا، والحمد
لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .
وقال الشيخ
بعد حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم.
أما بعد . فإن الله - وله الحمد - قد أنعم علي من نعمه
العظيمة ومننه الجسيمة ، وآلائه الكريمة ، ما هو مستوجب لعظيم الشكر،
والثبات على الطاعة ، واعتياد حسن الصبر ، على فعل المأمور .
والعبد مأمور بالصبر فى السراء أعظم من الصبر فى الضراء قال تعالى :
( وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَعُوسُ كَفُورٌ *
وَلَبِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتُهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىّ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ *
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَبِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ كَبِيرٌ).
٥٠

وتعلمون ، أن الله سبحانه من في هذه القضية من المنن التى فيها
من أسباب نصر دينه . وعلو كلمته ، ونصر جنده ، وعزة أوليائه ،
وقوة أهل السنة والجماعة ، وذل أهل البدعة والفرقة . وتقرير ما قرر
عندكم من السنة ، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى والنصر ،
والدلائل، وظهور الحق لأمم لا يحصى عددم إلا الله تعالى، وإقبال الخلائق
إلى سبيل السنة والجماعة ، وغير ذلك من المتن ، مالا بد معه من عظيم
الشكر ، ومن الصبر ، وإن كان صبرا فى سراء .
وتعلمون أن من القواعد العظيمة ، التى هي من جماع الدين :
تأليف القلوب ، واجتماع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، فإن الله تعالى
يقول: (فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِ حُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ) ويقول: (وَأَعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اُللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ) ويقول: (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُوْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِنَتُّ وَأُوْلَبِكَ لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
وأمثال ذلك من النصوص التى تأمر بالجماعة والائتلاف ، وتنهى عن
الفرقة والاختلاف .
وأهل هذا الأصل : ثم أهل الجماعة ، كما أن الخارجين عنه هم
أهل الفرقة .
وجماع السنة : طاعة الرسول . ولهذا قال التى صلى الله عليه
٥١

وسلم فى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة
((إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه، ولا تشر كوا به شيئاً،
وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تنامحوا من ولاه
الله أموركم)) .
وفي السنن من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود - فقيهي
الصحابة - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((نضر الله امرءاً
سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه ، فرب حامل فقه غير فقيه ،
ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم :
إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر . ولزوم جماعة المسلمين ، فإن
دعوتهم تحيط من وراءم)).
وقوله ((لا يغل)) أي لا يحقد عليهن. فلا يبغض هذه الخصال
قلب المسلم ، بل يجبهن ، ويرضاهن .
وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بى، فتعلمون - رضي
الله عنكم - أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلا
عن أصحابنا - بشيء أصلا، لا باطنا ولا ظاهراً، ولا عندي عنب
على أحد منهم . ولا لوم أصلا، بل لهم عندي من الكرامة ، والإجلال
والمحبة، والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو
٥٢

الرجل . إما أن يكون مجتهداً مصيباً ، أو مخطئاً ، أو مذنباً . فالأول :
مأجور مشكور . والثانى مع أجره على الاجتهاد : فمعفو عنه ، مغفور له.
والثالث : فالله يغفر لنا وله ، ولسائر المؤمنين .
فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل .
كقول القائل : فلان قصر ، فلان ما عمل ، فلان أوذى الشيخ
بسببه ، فلان کان سبب هذه القضية ، فلان کان یتکلم فی کید فلان.
ونحو هذه الكلمات ، التى فيها مذمة لبعض الأصحاب ، والإخوان .
فإنى لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بل مثل هذا يعود على قائله بالملام ، إلا أن يكون له من حسنة
وممن يغفر الله له إن شاء. وقد عفا الله عما سلف.
وتعلمون أيضا : أن ما يجري من نوع تغليظ ، أو تخشين على
بعض الأصحاب والإخوان : ما كان يجري بدمشق ، ومما جرى الآن
بمصر ، فليس ذلك غضاضة ولا نقصا فى حق صاحبه ، ولا حصل
بسبب ذلك تغير منا ، ولا بغض . بل هو بعد ما عومل به من
التغليظ والتخشين ، أرفع قدراً، وأنبه ذكراً ، وأحب وأعظم ، وإنما
هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين ، التى يصلح الله بها بعضهم
ببعض ، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين ، تغسل إحداهما الأخرى . وقد
٥٣

لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ؛ لكن ذلك يوجب من النظافة،
والنعومة ، ما نحمد معه ذلك التخشين .
وتعلمون : أنا جميعا ، متعاونون على البر والتقوى ، واجب علينا
نصر بعضنا بعضا، أعظم مما كان، وأشد . فمن رام أن يؤذي بعض
الأصحاب ، أو الإخوان ، لما قد يظنه من نوع مخشين - عومل به
بدمشق ، أو بمصر الساعة ، أو غير ذلك - فهو الغالط.
وكذلك ، من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون
والتناصر ، فقد ظن ظنَّ سوء
( وَإِنَّ الَّنَّلَا يُغْنِ مِنَ الْحَقّ شَيْئًا)
وما غاب عنا أحد من الجماعة ، أو قدم إلينا الساعة ، أو قبل الساعة ،
إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت ، وأجل ، وأرفع .
وتعلمون - رضي اللّه عنكم -: أن مادون هذه القضية من
الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء ، واختلاف الأهواء ، وتنوع أحوال
أهل الإيمان ، وما لا بد منه - من نزغات الشيطان - مالا يتصور
أن يعرى عنه نوع الإنسان. وقد قال تعالى: (وَجَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُومَاجَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ
وَيَنُوَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا )
بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك - تنبيهاً بالأدنى على الأعلى،
٥٤

وبالأقصى على الأدنى - فأقول :
تعلمون كثرة ما وقع فى هذه القضية من الأ كاذيب المفتراة
والأغاليط المظنونة ، والأهواء الفاسدة ، وأن ذلك أمر يجل عن
الوصف . وكل ما قيل : من كذب وزور ، فهو فى حقنا خير ونعمة.
قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ جَآءُ ويَلِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرَّالَكُمْ بَلْ هُوَ خَبْلَّكُمْ
لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَلَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه، مارد به إفك
الكاذب وبهتانه .
فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي ، أو ظلمه وعدوانه،
فإنى قد أحللت كل مسلم. وأنا أحب الخير لكل المسلمين ، وأريد
لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي .
والذين كذبوا وظلموا فهم فى حل من جهتى .
وأما ما يتعلق بحقوق اللّه، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم
الله نافذ فيهم ، فلو كان الرجل مشكوراً على سوء عمله ، لكنت أشكر
كل من كان سبباً فى هذه القضية ، لما يترتب عليه من خير الدنيا
٥٥

والآخرة ؛ لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه، وأياديه التى
لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له .
وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدم ، وأهل العمل الصالح
يشكرون على عملهم ، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. وأنتم
تعلمون هذا من خلقي . والأمر أزيد مما كان وأوكد ، لكن حقوق
الناس بعضهم مع بعض، وحقوق الله عليهم، ثم فيها تحت حكم الله.
وأنتم تعلمون أن الصديق الأكبر فى قضية الإفك ، التى أنزل
الله فيها القرآن ، حلف لا يصل مسطح بن أثاثة ، لأنه كان من
الخائضين فى الإفك. فأنزل اللّه تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ
أَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَكُمْ وَالَهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
فلما نزلت قال أبو بكر : بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فأعاد
إلى مسطح النفقة التى كان ينفق .
ومع ما ذكر من العفو والإحسان ، وأمثاله، وأضعافه، والجهاد على
ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه (فَسَوْفَ يَأْتِى اللّهُ
بِقَوْمٍ يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِوَلَا يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لَا بِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ الَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ * إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ
٥٦

ءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد
لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما .
وكتب أيضا
بِسمِاللهِ الرَِّالرَّحِيَّةِ
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحن لله الحمد والشكر فى نعم
متزايدة ، متوافرة ، وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام ، وهو من
نعم اللّه العظام. و (هُوَالَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى
فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد
الدّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)
دين الله ، الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه .
ومن سنة الله : أنه إذا أراد إظهار دينه ، أقام من يعارضه ،
فيحق الحق بكلماته ، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا
هو زاهق .
٥٧

والذى سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد صلى
الله عليه وسلم وحده ، بل مخالفة لدين جميع المرسلين : إبراهيم ،
وموسى والمسيح ، ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين .
وكانوا قد سعوا فى أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب
ولا كتاب ، وجزعوا من ظهور الإخنائية ، فاستعملهم الله تعالى . حتى
أظهروا أضعاف ذلك وأعظم، وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ، ومقصوده
إظهار عيوبه ، وما يحتجون به ، فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم ،
وظهر لهم جهلهم، وكذبهم ومجزم ، وشاع هذا فى الأرض ، وأن
هذا مما لا يقدر عليه إلا اللّه، ولم يمكنهم أن يظهروا علينا فيه عيباً
فى الشرع والدين ، بل غاية ما عندم : أنه خولف مرسوم بعض
المخلوقين، والمخلوق كائناً من كان، إذا خالف أمر الله تعالى
ورسوله ، لم يجب ، بل ولا يجوز طاعته ، فى مخالفة أمر الله ورسوله
باتفاق المسلمين .
وقول القائل : إنه يظهر البدع ، كلام يظهر فساده لكل مستبصر
ويعلم أن الأمر بالعكس ، فإن الذي يظهر البدعة ، إما أن يكون لعدم
علمه بسنة الرسول ، أو لكونه له غرض وهوى يخالف ذلك ؛ وهو
أولى بالجهل بسنة الرسول ، واتباع هواه بغير هدى من اللّه (وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَنِ أَتَبَعَ هَوَنَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِ)، ممن هو أعلم بسنة
الرسول منهم، وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها ( ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى
٥٨

شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَاتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّالْمُنَّقِينَ ).
وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم . ولتعلمن نبأ، بعد حين .
ثم قال بعده :
وكانوا يطلبون تمام الإغنائية ، فعندهم ما يطمهم أضعافها ، وأقوى
فقها منها ، وأشد مخالفة لأغراضهم . فإن الزملكانية قد بين فيها من
نحو خمسين وجها : أن ما حكم به ورسم به مخالف لإجماع المسلمين ،
وما فعلوه لو كان ممن يعرف ما جاء به الرسول ، ويتعمد مخالفته
لكان كفراً وردة عن الإسلام ، لكنهم جهال دخلوا في شيء ما
كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادم،
والأمر أعظم مما ظهر لكم ، ونحن ولله الحمد، على عظيم الجهاد
في سبيله .
ثم ذكر كلاما وقال :
بل جهادنا فى هذا مثل جهادنا يوم قازان ، والجيلية ، والجهمية ،
والاتحادية ، وأمثال ذلك . وذلك من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس
ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
٥٩

وقال الشيخ الإمام العلامة
شيخ الإسلام أبو العباس ، أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب
الدين عبد الحليم ، ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبى البركات عبد
السلام بن تيمية رحمة الله عليه : (١)
الحمد لله نستعينه ونستهديه ؛ ونستغفره ونتوب إليه ؛ ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن
يضلل فلا هادي له .
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمداً
عبده ورسوله ؛ أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعياً إلى الله
بإذنه وسراجا منيراً ، فهدى به من الضلالة . وبصر به من العمى ،
وأرشد به من الفي ؛ وفتح به أعينا عميا ؛ وآذاناً مما ؛ وقلوبا غلفا ،
حيث بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة؛ ونصح الأمة؛ وجاهد في الله حق
جهاده ؛ وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه ؛ صلى الله عليه وعلى
(١) «الحسبة)).
٦٠