Indexed OCR Text
Pages 461-480
جهال المسلمين ، حتى صاروا يعمدون أولادهم، ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر للولد ، وحتى جعلوم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع ، وصار كثير من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التى يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ومحوم . والذين يعظمون القبور والمشاهد : لهم شبه شديد بالنصارى ، حتى إنى لما قدمت القاهرة اجتمع بى بعض معظميهم من الرهبان ، وناظرنى فى المسيح ودين النصارى ، حتى بينت له فساد ذلك ، وأجبته عما يدعيه من الحجة ، وبلغنى بعد ذلك أنه صنف كتابا فى الرد على المسلمين ، وإبطال نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، وأحضره إلي بعض المسلمين ، وجعل يقرؤه علي لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها . وكان من أواخر ما خاطبت به النصراني : أن قلت له : أنتم مشركون ، وبينت من شركهم مام عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها ، والاستغاثة بها . قال لي : نحن ما نشرك بهم ولا نعبدم. وإنما نتوسل بهم، كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح ، فيتعلقون بالشباك الذي ٤٦١ عليه ونحو ذلك . فقلت له : وهذا أيضاً من الشرك ، ليس هذا من دين المسلمين، وإن فعله الجهال ، فأقر أنه شرك ، حتى إن قسيسما كان حاضراً فى هذه المسألة . فلما سمعها قال : نعم ، على هذا التقدير نحن مشركون . وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين : لنا سيد وسيدة ، ولكم سيد وسيدة ، لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة . فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر ، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين ، وقسيسيهم مثل علماء المسلمين . ويضاهئون المسلمين، فإن عقلاءم لا ينكرون صحة دين الإسلام. بل يقولون : هذا طريق إلى اللّه، وهذا طريق إلى الله. ولهذا يسهل إظهار الإسلام على كثير من المنافقين الذين أسلموا منهم. فإن عندهم أن المسلمين والنصارى كأهل المذاهب من المسلمين ، بل يسمون الملل مذاهب . ومعلوم أن أهل المذاهب ، كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، دينهم واحد. وكل من أطاع الله ورسوله منهم بحسب وسعه كان مؤمناً سعيداً باتفاق المسلمين . ٤٦٢ فإذا اعتقد النصارى مثل هذا فى الملل يبقى انتقال أحدهم عن ملته كانتقال الإنسان من مذهب إلى مذهب . وهذا كثيراً ما يفعله الناس لرغبة أو رهبة . وإذا بقي أقاربه وأصدقاؤه على المذهب الأول لم ينكر ذلك ، بل يحبهم ويودم فى الباطن . لأن المذهب كالوطن، والنفس نحن إلى الوطن ، إذا لم تعتقد أن المقام به محرم أو به مضرة وضياع دنيا . فلهذا يوجد كثير ممن أظهر الإسلام من أهل الكتاب لا يفرق بين المسلمين وأهل الكتاب . ثم منهم من يميل إلى المسلمين أكثر، ومنهم من يميل إلى ما كان عليه أكثر . ومنهم من يميل إلى أولئك من جهة الطبع والعادة ، أو من جهة الجنس والقرابة والبلد ، والمعاونة على المقاصد ونحو ذلك . وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوم يجوز عندم أن يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى . ومعلوم أن هذا كله كفر باتفاق المسلمين . فمن لم يقر باطنا وظاهراً بأن الله لا يقبل ديناً سوى الإسلام ، فليس بمسلم . ٤٦٣ ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لن يكون مسلم إلا من آمن به واتبعه باطناً وظاهراً فليس بمسلم . ومن لم يحرم التدين - بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم - بدين اليهود والنصارى ، بل من لم يكفرم ويبغضهم ، فليس بمسلم باتفاق المسلمين . والمقصود هنا : أن النصارى يحبون أن يكون فى المسلمين ما يشابهونهم به ليقوى بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون فهم وعن دينهم . ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بمخالفة اليهود والنصارى ، كما قد بسطناه فى كتابنا ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم». وقد حصل للنصارى من جهال المسلمين كثير من مطلوبهم ، لا سيما من الغلاة من الشيعة وجهال النساك والغلاة فى المشابخ . فإن فيهم شبهاً قريباً بالنصارى فى الغلو والبدع فى العبادات ونحو ذلك . فلهذا يلبسون على المسلمين فى مقابر تكون من قبورهم ، حتى يتوهم الجهال أنها من قبور صالحي المسلمين ليعظموها . وإذا كان ذلك المشهد العسقلاني قد قال طائفة: إنه قبر بعض النصارى، أو بعض الحواريين - وليس معنا ما يدل على أنه قبر مسلم ، فضلا عن أن يكون قبراً لرأس الحسين - كان قول من قال : إنه قبر ٤٦٤ مسلم : الحسين أو غيره - قولاً زورا وكذبا مردوداً على قائله . فهذا كاف في المنع من أن يقال: هذا ((مشهد الحسين)). فصل ثم نقول : بل نحن نعلم ونجزم بأنه ليس فيه رأس الحسين ، ولا كان ذلك المشهد العسقلانى مشهداً للحسين ، من وجوه متعددة: منها : أنه لو كان رأس الحسين هناك لم يتأخر كشفه وإظهاره إلى ما بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة سنة . ودولة بنى أمية انقرضت قبل ظهور ذلك بأكثر من ثلاثمائة وبضع وخمسين سنة . وقد جاءت خلافة بنى العباس . وظهر فى أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبا . وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهداً . وكان ينتابه أمراء عظماء ، حتى أنكر ذلك عليهم الأئمة . وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال : إنه بالغ فى إنكار ذلك وزاد على الواجب . دع خلافة بنى العباس فى أوائلها، وفى حال استقامتها ، فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد، سواء منها ما كان صدقا أوكذبا ، كما ٤٦٥ حدث فيما بعد . لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه . ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، لا فى الحجاز ، ولا اليمن ، ولا الشام ، ولا العراق، ولا مصر ، ولا خراسان ، ولا المغرب ، ولم يكن قد أحدث مشهد ، لا على قبر نى ، ولا صاحب ، ولا أحد من أهل البيت، ولا صالح أصلا؛ بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك . وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بنى العباس ، وتفرقت الأمة ، وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين ، وفشت فيهم كمة أهل البدع ، وذلك من دولة المقتدر فى أواخر المائة الثالثة . فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب . ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر . ويقال : إنه حدث قريباً من ذلك : المكوس فى الإسلام . وقريباً من ذلك ظهر بنو بويه . وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية . وفى دولتهم قوى بنو عبيد القداح بأرض مصر ، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله عنه بناحية النجف ، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول : إن قبر علي هناك، وإنما دفن علي رضي الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة ، وإنما ذكروا أن بعضهم حكى عن الرشيد: أنه جاء إلى بقعة هناك ، وجعل يعتذر إلى المدفون فيها ، فقالوا : إنه علي، وأنه اعتذر إليه مما فعل بولده فقالوا : هذا قبر علي ، وقد قال قوم ٤٦٦ إنه قبر المغيرة بن شعبة ، والكلام عليه مبسوط فى غير هذا الموضع . فإذا كان بنو بويه وبنو عبيد - مع ما كان فى الطائفتين من الغلو فى التشيع . حتى إنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر مثله ، مثل تعليق المسوح على الأبواب ، وإخراج النوائح بالأسواق ، وكان الأمر يفضي فى كثير من الأوقات إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه . وبسبب ذلك خرج الخرقى - صاحب المختصر فى الفقه - من بغداد ، لما ظهر بها سب السلف . وبلغ من أمر القرامطة الذين كانوا بالمشرق فى تلك الأوقات أنهم أخذوا الحجر الأسود ، وبقي معهم مدة، وأنهم قتلوا الحجاج وألقوهم بيثر زمزم . فإذا كان مع كل هذا لم يظهر حتى مشهد للحسين بعسقلان ، مع العلم بأنه لو كان رأسه بعقلان لكان المتقدمون من هؤلاء أعلم بذلك من المتأخرين ، فإذا كان مع توفر الهمم والدواعي والتمكن والقدرة لم يظهر ذلك ، علم أنه باطل مكذوب ، مثل من يدعى أنه شريف علوي . وقد علم أنه لم يدع هذا أحد من أجداده ، مع حرصهم على ذلك لو كان صحيحاً ، فإنه بهذا يعلم كذب هذا المدعي ، ويمثل ذلك علمنا كذب من يدعي النص على خلافة علي ، أو غير ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولم ينقل . ٤٦٧ الوجه الثانى: أن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله، مثل أبى بكر بن أبى الدنيا ، وأبى القاسم البغوى وغيرها - لم يذكر أحد منهم أن الرأس حمل إلى عسقلان ولا إلى القاهرة. وقد ذكر نحو ذلك أبو الخطاب بن دحية فى كتابه الملقب بـ ((العلم المشهور فى فضائل الأيام والشهور)) ذكر أن الذين صنفوا في مقتل الحسين أجمعوا أن الرأس لم يغترب ، وذكر هذا بعد أن ذكر أن المشهد الذى بالقاهرة كذب مختلق، وأنه لا أصل له، وبسط القول في ذلك، كما ذكر فى يوم عاشوراء ما يتعلق بذلك. الوجه الثالث: أن الذي ذكره من يعتمد عليه من العلماء والمؤرخين: أن الرأس حمل إلى المدينة. ودفن عند أخيه الحسن. ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار، صاحب (( كتاب الأنساب)) ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع: أعلم بهذا الباب ، وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين، ومن بعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم، بل قد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود ، أو يكون سئ الحفظ أو متهماً بالكذب أو بالتزيد فى الرواية ، كمال كثير من الأخباريين والمؤرخين ، ٤٦٨ لاسيما إذا كان مثل أبى مختف لوط بن يحيى وأمثاله. ومعلوم أن الواقدي نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلى ، وأبيه محمد بن السائب وأمثالهما ، وقد على كلام الناس في الواقدى، فإن ما يذكره هو وأمثاله إنما يعتضد به، ويستأنس به ، وأما الاعتماد عليه بمجرده فى العلم فهذا لا يصلح . فإذا كان المعتمد عليهم يذكرون أن رأس الحسين دفن بالمدينة وقد ذكر غيرهم أنه إما أن يكون قد عاد إلى البدن ، فدفن معه بكربلاء، وإما أنه دفن بحلب ، أو بدمشق أو نحو ذلك من الأقوال التى لا أصل لها ، ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه أنه بعسقلان - على أن ذلك باطل ، إذ يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق : على الباطل . وأهل الجهل والكذب : على الحق في الأمور النقلية التى إنما تؤخذ عن أهل العلم والصدق ، لا عن أهل الجهل والكذب . الوجه الرابع: أن الذى ثبت فى صحيح البخارى: (( أن الرأس حمل إلى قدام عبيد الله بن زياد ، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك)) وفى المسند: ((أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمى)) ولكن بعض الناس روى بإسناد منقطع ((أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية )) وهذا باطل . فإن أبا برزة ، وأنس ٤٦٩ ابن مالك كانا بالعراق ، لم يكونا بالشام ، ويزيد بن معاوية كان بالشام. لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين ، فمن نقل أنه نكت بالقضيب ثناياه بحضرة أنس وأبى برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعاً كذباً معلوماً بالنقل المتواتر . ومعلوم بالنقل المتواتر : أن عبيد الله بن زياد كان هو أمير العراق حين مقتل الحسين ، وقد ثبت بالنقل الصحيح : أنه هو الذى أرسل عمر بن سعد بن أبى وقاص مقدماً على الطائفة التى قائلت الحسين ، وكان عمر قد امتنع من ذلك ، فأرغبه ابن زياد وأرهبه حتى فعل ما فعل . وقد ذكر المصنفون من أهل العلم بالأسانيد المقبولة : أنه لما كتب أهل العراق إلى الحسين ، وهو بالحجاز : أن يقدم عليهم ، وقالوا : إنه قد أمينت السنة، وأحييت البدعة . وأنه ، وأنه ، حتى يقال : إنهم أرسلوا إليه كتباً ملء صندوق وأكثر ، وأنه أشار عليه الأحباء الألباء فلم يقبل مشورتهم فإنه كما قيل : وما كل ذى لب بمؤنيك نصحه وما كل مؤت نصحه بلبيب فقد أشار عليه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما بأن لا يذهب إليهم. وذلك كان قد رآء أخوه الحسن - واتفقت كلمتهم على أن هذا لا مصلحة فيه ، وأن هؤلاء العراقيين يكذبون ٤٧٠ عليه ويخذلونه ، إذ م أسرع الناس إلى فتنة ، وأعجزهم فيها عن ثبات، وأن أباه كان أفضل منه وأطوع في الناس ، وكان جمهور الناس معه . ومع هذا فكان فيهم من الخلاف عليه والخذلان له ما الله به عليم . حتى صار يطلب السلم، بعد أن كان يدعو إلى الحرب . وما مات إلا وقد كرههم كراهة الله بها عليم . ودعا عليهم وبرم بهم . فلما ذهب الحسين رضي الله عنه ، وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إليهم ، واتبعه طائفة . ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة ، قاموا مع ابن زياد ، وقتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة وغيرهما. فبلغ الحسين ذلك ، فأراد الرجوع ، فوافته سربة عمر بن سعد ، وطلبوا منه أن يستأسر لهم فأبى ، وطلب أن يردوه إلى يزيد ابن عمه، حتى يضع بده فى بده، أو يرجع من حيث جاء ، أو يلحق ببعض الثغور ، فامتنعوا من إجابته إلى ذلك بغياً وظلماً وعدوانا. وكان من أشدم تحريضاً عليه شمر بن ذي الجوشن . ولحق بالحسين طائفة منهم. ووقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة رضي الله عنهم وأرضاهم . وأهان بالبغى والظلم والعدوان من أهانه بما انتهكه من (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَالَهُ،مِن مكْرِمٍّ حرمتهم ، واستحله من دمائهم إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايَشَاءُ ) وكان ذلك من نعمة الله على الحسين ، وكرامته له لينال منازل الشهداء ، حيث لم يجعل له في أول الإسلام من الابتلاء ٤٧١ والامتحان ما جعل لسائر أهل بيته . كجده صلى الله عليه وسلم وأبيه وعمه ، وعم أبيه رضي الله عنهم . فإن بنى هاشم أفضل قريش، وقريشاً أفضل العرب ، والعرب أفضل بنى آدم . كما صبح ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم ، مثل قوله فى الحديث الصحيح ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم بي إسماعيل ، واصطفى كنانة من بنى إسماعيل ، واسطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بنى هاشم من قريش ، واصطفانى من بنى هاشم )). وفى صحيح مسلم عنه أنه قال يوم غدير خم ((أذكركم الله في أهل بيتى ، أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى)). وفى السنن أنه شكا إليه العباس : أن بعض قريش يحقرونهم ، فقال: ((والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتى)). وإذا كانوا أفضل الخلق فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال . وكان أفضلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذى لا عدل له من البشر ، ففاضلهم أفضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب ، بل ومن بنى إسرائيل وغيرهم . ثم علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث هم من السابقين الأولين من المهاجرين . فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل . ولهذا ٤٧٢ لما كان يوم بدر أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالمبارزة لما برز عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((قم يا حمزة. قم يا عبيدة. قم يا علي)). فبرز إلى الثلاثة ثلاثة من بنى هاشم . وقد ثبت فى الصحيح أن فيهم نزل قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِرَبِهِمْ ) الآية . وإن كان فى الآية عموم . ولما كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة . وكانا قد ولدا بعد الهجرة في عن الإسلام ، ولم ينلهما من الأذى والبلاء ما نال سلفها الطيب ، فأ كرمها الله بما أكرمهما به من الابتلاء ليرفع درجاتها [ وذلك من كرامتها عليه لا من هوانهما عنده ، كما أكرم حمزة وعلياً وجعفراً وعمر وعثمان وغيرهم بالشهادة ] وفي المسند وغيره : عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته ، وإن قدمت ، فيحدث لها استرجاعا، إلا أعطاء الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها)). فهذا الحديث رواه الحسين ، وعنه بنته فاطمة التى شهدت مصرعه . وقد على الله أن مصيبته تذكر على طول الزمان . فالمشروع إذا ذكرت المصيبة وأمثالها أن يقال: (إِنَّاللَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ ٤٧٣ رَجِعُونَ) ((اللهم آجرنا فى مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها)). قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ قُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ) قال اللّه تعالى: (أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) . والكلام في أحوال الملوك على سبيل التفصيل متعسر أو متعذر ، لكن ينبغى أن نعلم من حيث الجملة : أنهم م وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد . وتناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون عمله خالصاً لوجه اللّه، موافقاً للسنة. فإن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له : ((الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ، ويقاتل ليقال ؟ فأى ذلك فى سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)). وكذلك تناول نصوص الوعيد للشخص مشروط بألا يكون متأولا ولا مجتهداً مخطئاً . فإن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. وكثير من تأويلات المتقدمين وما يعرض لهم فيها من الشبهات معروفة يحصل بها من الهوى والشهوات . فيأتون ما يأتونه بشبهة وشهوة . والسيئات التى يرتكبها أهل الذنوب تزول بالتوبة . وقد نزول بحسنات ماحية ، ومصائب مكفرة . وقد تزول بصلاة المسلمين عليه ، وبشفاعة ٤٧٤ النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فى أهل الكبائر . فلهذا كان أهل العلم يختارون فيمن عرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة فى الظاهر - كالحجاج بن يوسف وأمثاله ـ أنهم لا يلعنون أحداً منهم بعينه؛ بل يقولون كما قال الله تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) فيلعنون من لعنه الله ورسوله عاماً . كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وساقيها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها)) ولا يلعنون المعين. كما ثبت فى صحيح البخاري وغيره: (( أن رجلا كان يدعى حمارا ، وكان يشرب الخمر . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلد .. فأتي به مرة . فلعنه رجل . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لا تلعنه . فإنه يحب الله ورسوله)). وذلك لأن اللعنة من باب الوعيد ، والوعيد العام لا يقطع به للشخص المعين لأحد الأسباب المذكورة : من توبة ، أو حسنات ماحية . أو مصائب مكفرة ، أو شفاعة مقبولة . وغير ذلك. وطائفة من العلماء يلعنون المعين، كيزيد . وطائفة بإزاء هؤلاء يقولون بل تحبه ، لما فيه من الإيمان الذي أمرنا الله أن نوالى عليه . إذ ليس كافراً . والمختار عند الأمة: أنا لا نلعن معينا مطلقاً . ولا نحب معينا مطلقاً ٤٧٥ [ فإن العبد قد يكون فيه سبب هذا وسبب هذا ] إذا اجتمع فيه من حب الأمرين. إذ كان من أصول أهل السنة ، التى فارقوا بها الخوارج : أن الشخص الواحد يجتمع فيه حسنات وسيئات ، فيثاب على حسناته ، ويعاقب على سيئاته . ويحمد على حسناته ويذم على سيئاته . وأنه من وجه مرضي محبوب ، ومن وجه بغيض مسخوط . فلهذا كان لأهل الأحداث : هذا الحكم . وأما أهل التأويل المحض الذين يسوغ تأويلهم : فأولئك مجتهدون مخطئون : خطؤم مغفور لهم . وهم مثابون على ما أحسنوا فيه من حسن قصدم واجتهادهم فى طلب الحق واتباعه . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران . وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر )). ولهذا كان الكلام في السابقين الأولين ومن شهد له النبي صلى اللّه عليه وسلم بالجنة، كعثمان وعلي وطلحة والزبير ومحوم : له هذا الحكم . بل ومن هودون هؤلاء، الأ كابر أهل الحديدية الذين بايعوا تحت الشجرة . وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ٤٧٦ ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)). فنقول فى هؤلاء ونحوم فيما شجر بينهم: إما أن يكون عمل أحدم سعياً مشكوراً ، أو ذنباً مغفوراً، أو اجتهاداً قد عفي لصاحبه عن الخطإ فيه . فلهذا كان من أصول أهل العلى: أنه لا يمكن أحد من الكلام فى هؤلاء بكلام يقدح فى عدالتهم وديانتهم ، بل يعلم أنهم عدول مرضيون، وأن هؤلاء رضي الله عنهم ــ لاسيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى ، مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون عليا بأنه أمر بقتل عثمان، أو أعان عليه . وكان بعض من يقاتله يظن ذلك به . وكان ذلك من شبهم التى قاتلوا عليا بها . وهي شبهة باطلة . وكان علي يحلف ــ وهو الصادق البار - أنى ما قتلت عثمان، ولا أعنت على قتله . ويقول: ((اللهم شتت قتلة عثمان فى البر والبحر والسهل والجميل ، وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم فى ذلك . ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ، ونحو ذلك ، لكون الناس مختلفين عليه ، وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به . فإن التفرق والاختلاف يقوم فيه من [ أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه ] من يكون [ من أهل العلم العارفين بما جاء من النصوص فى فضل ] الجماعة والإسلام . ٤٧٧ [ويزيد بن معارية: قد أتى أمورا منكرة. منها : وقعة الحرة. وقد جاء في الصحيح عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((المدينة حرام ما بين عير إلى كذا . من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل (١)، وقال « من أراد أهل المدينة بسوء أماعه الله كما ينماع الملح فى الماء)) (٢). ولهذا قيل للإمام أحمد : أنكتب الحديث عن يزيد ؟ فقال : لا ، ولا كرامة أو ليس هو الذى فعل بأهل الحرة ما فعل ؟! وقيل له - أى فى ما يقولون - أما تحب يزيد؟ فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقيل : فلماذا لا تلعنه ؟ فقال : ومتى رأيت أباك يلعن أحداً . ومذهب أهل السنة والجماعة : أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب ، ولا بمجرد التأويل ؛ بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله. وهذا الذى ذكرناه هو المتفق عليه بين الناس فى مقتل الحسين رضي الله عنه . (١) الحديث في فتح الباري مجلد ٤ ص ٨١ بلفظ مختلف . (٢) الحديث في فتح الباري مجلد ٤ ص ٩٤ بلفظ مختلف . ٤٧٨ وقد رويت زيادات : بعضها صحيح ، وبعضها ضعيف ، وبعضها كذب موضوع . والمصنفون من أهل الحديث فى ذلك : كالبغوى ، وابن أبى الدنيا ، ونحوهما: كالمصنفين من أهل الحديث فى سائر المنقولات: ثم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله يقارب الصحة ، بخلاف الأخباريين . فإن كثيراً مما يسندونه عن كذاب أو مجهول . وأما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض . وهؤلاء لعمرى ممن ينقل عن غيره مسنداً أو مرسلا. وأما أهل الأهواء ونحوم : فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلا ، لا ثقة ولا معتمد. وأهون شيء عندم الكذب المختلق. وأعلى من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين ، وروايات عن أهل الإفك المبين . فقد تبين أن القصة التى يذكرون فيها حمل رأس الحسين إلى يزيد ونكته إياها بالقضيب كذبوا فيها وإن كان الحمل إلى ابن زياد - وهو الثابت بالقصة - فلم ينقل بإسناد معروف أن الرأس حمل إلى قدام یزید . ولم أر فى ذلك إلا إسناداً منقطعاً . قد عارضه من الروايات ما هو ٤٧٩ أثبت منه وأظهر - نقلوا فيها أن يزيد لما بلغه مقتل الحسين أظهر التألم من ذلك ، وقال: لعن الله أهل العراق . لقد كنت أرضى من طاعتهم بدون هذا . وقال فى ابن زياد : أما إنه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله . وأنه ظهر فى داره النوح لمقتل الحسين ، وأنه لما قدم عليه أهله وتلاقى النساء تباكين ، وأنه خير ابنه علياً بين المقام عنده والسفر إلى المدينة ، فاختار السفر إلى المدينة . فجهزه إلى المدينة جهازاً حسناً . فهذا ونحوه مما نقلوه بالأسانيد التى هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد المنقطع المجهول تبين أن يزيد لم يظهر الرضى بقتل الحسين ، وأنه أظهر الألم لقتله . والله أعلم بسريرته . وقد علم أنه لم يأمر بقتله ابتداء، لكنه مع ذلك ما انتقم من قاتليه ، ولا عاقبهم على ما فعلوا ؛ إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه [ الذي كان يخاف عليه من ] الحسين وأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين. والمقصود هنا : أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له فى زمن يزيد . فكيف بنقله بعد زمن يزيد ؟ وإنما الثابت : هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة . والذي ذكر العلماء : أنه دفن بالمدينة . ٤٨٠