Indexed OCR Text

Pages 441-460

بالله شيئا. وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع فى أهل
التوحيد ، فبحسب توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة
الشفاعة وغيرها .
وهو سبحانه علق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم
بالإيمان به وتوحيده وطاعته ، فمن كان أكمل فى ذلك كان أحق بتولى
الله له بخير الدنيا والآخرة. ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذى
يرزقهم ، وهو الذى يدفع عنهم المكاره ، وهو الذى يقصدونه فى
(وَمَابِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فَإِلَيْهِ
النوائب . قال تعالی :
وقال تعالى: (قُلْ مَن يَكْلَوُكُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَينِ)
تَجْتَرُونَ )
أى بدلا عن الرحمن. هذا أصح القولين كقوله تعالى: (وَلَوْنَشَآءُ
أى لجعلنا بدلا منكم كما قاله
◌َعَلْنَا مِنْكُ مَّلَئِكَةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ )
عامة المفسرين ، ومنه قول الشاعر :
فليت لنا من ماء زمزم شربة
مبردة بانت على طهيان
أى بدلا من ماء زمزم . فلا يكلاً الخلق بالليل والنهار فيحفظهم
ويدفع عنهم المكاره إلا الله. قال تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَجُنْدٌ لَّكُمْيَنْصُرُكُ
مِّن دُونِ الرَّحْمَنّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّ فِغُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُبَل لَّجُواْ فِى
عُنُوٍّ وَنُقُورٍ ) .
٤٤١

ومن ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها ،
أو لكونها فيها قبور الأنبياء والصالحين ، فهو غالط . فأفضل البقاع
مكة وقد عذب الله أهلها عذابا عظيما فقال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
قَرْيَةً كَانَتْءَامِنَةً مُطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ
اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَ هُمْ
رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ ) .
فصل
وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول صلى الله عليه وسلم
وما جاء به من الهدى ودين الحق، و[بإنكار] ما نهى عنه وما نسب إليه
بالباطل من الكذب والبدع . إما جهلا من ناقله، وإما عمداً ، فإن
أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ورأس المعروف هو
التوحيد، ورأس المفكر هو الشرك. وقد بعث الله محمدا صلى الله
عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، به: فرق الله بين التوحيد والشرك،
وبين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وبين الرشاد والغى ،
وبين المعروف والمنكر . فمن أراد أن يأمر بما نهى عنه، وينهى عما
أمر به، ويغير شريعته ودينه، إما جهلا وقلة علم وإما لغرض وهوى،
كان السلطان أحق بمنعه بما أمر الله به ورسوله. وكان هو أحق
٤٤٢

بإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق . فإن الله سبحانه لابد
ان ينصر رسوله والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. فمن
كان النصر على يديه كان له سعادة الدنيا والآخرة ، وإلا جعل الله
النصر على يد غيره وجازى كل قوم بعملهم ، وما ربك بظلام للعبيد .
والله سبحانه قد وعد أنه لا يزال [ هذا الدين ظاهراً ولا يظهر]
إلا بالحق وأنه من نكل عن القيام بالحق استبدل من يقوم بالحق
فقال تعالى: ( يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوةِ
الذُّنْيَا فِ اَلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلََّفِرُ واْيُعَذِّ بْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)
وقال تعالى: (يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَسَوْفَ يَتِ اللَّه ◌ِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَِّ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِعٍ ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُّ عَلِيمُ ) وقد أرى الله الناس في أنفسهم
والآفاق ما علموا به تصديق ما أخبر به تحقيقاً لقوله تعالى :
( سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ اَلَّْفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ
والله أعلم والحمد لله رب العالمين .
أَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ )
٤٤٣

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
وأما قبور الأنبياء : فالذي اتفق عليه العلماء هو «قبر النبي صلى
الله عليه وسلم)) فإن قبره منقول بالتواتر ، وكذلك قبر صاحبيه،
وأما (( قبر الخليل)) فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو
قبره ، وأنكر ذلك طائفة ، وحكى الإنكار عن مالك ، وأنه قال ليس
فى الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ، لكن
جمهور الناس على أن هذا قبره ، ودلائل ذلك كثيرة ، وكذلك هو عند
أهل الكتاب .
ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية ، وليس
حفظ ذلك من الدين ، ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر
الدين ، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصد. الصلاة عندها ،
والدعاء بها ، ونحو ذلك من البدع المنهي عنها . ومن كان مقصوده الصلاة
والسلام على الأنبياء والإيمان بهم وإحياء ذكرهم فذاك ممكن له وإن لم
٤٤٤

يعرف قبورم - صلوات الله عليهم. وقد تقدم: (( أن النبي صلى
الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد)) وما يشبه هذا من الحديث .
وسئل رحمه اللّه
عن ((قبور الأنبياء )) عليهم الصلاة والسلام هل هي هذه القبور
التى تزورها الناس اليوم ؟ مثل قبر نوح ، وقبر الخليل ، وإسحاق ،
ويعقوب ، ويوسف ، ويونس، وإلياس ، واليسع ، وشعيب، وموسى ،
وزكريا ، وهو بمسجد دمشق . وأين قبر علي بن أبى طالب ؟ فهل
يصح من تلك القبور شيء أم لا ؟؟
فأجاب : الحمد لله : القبر المتفق عليه هو قبر نبينا صلى الله عليه
وسلم ، وقبر الخليل فيه نزاع ؛ لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه
قبره . وأما يونس، وإلياس وشعيب وزكريا فلا يعرف. وقبر علي
ابن أبى طالب بقصر الإمارة الذي بالكوفة ، وقبر معاوية هو القبر
الذي نقول العامة إنه قبر هود . والله أعلم .
٤٤٥

وسل
هل المشاهد المسماة باسم علي بن أبى طالب وولده الحسين رضى الله
عنها صحيحة أم لا ؟ وأين ثبت قبر علي؟؟
فأجاب : أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعاً : مثل
المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى ((أبى بن كعب)). والمشهد
الذي بظاهرها المضاف إلى ((أوبس القرنى)) والمشهد الذي بمصر
المضاف إلى ((الحسين)) رضي الله عنه؛ إلى غير ذلك من المشاهد
التى يطول ذكرها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار ، حتى قال
طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكنانى : كل هذه القبور المضافة إلى
الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد
أثبت غيره أيضاً قبر الخليل عليه السلام .
وأما ((مشهد علي)) فعامة العلماء على أنه ليس قبره ؛ بل قد
قيل : إنه قبر المغيرة بن شعبة، وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة
سنة من موت علي فى إمارة بني بويه ، وذكروا أن أصل ذلك حكاية
٤٤٦

بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه
مما جرى بينه وبين ذرية علي، وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء .
فالرشيد أيضاً لا علم له بذلك. ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد
قيل له ذلك كما قيل لغيره ، وجمهور أهل المعرفة يقولون : إن علياً
إنما دفن فى قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا منه . وهكذا هو السنة ؛
فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير
مشروع ؛ فلا يظن بآل علي - رضي الله عنه - أنهم فعلوا به
ذلك ، ولا يظن أيضاً أن ذلك خفي على أهل بيته والمسلمين ثلاثمائة
سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجمال ذوي الأهواء .
وكذلك («قبر معاوية)» الذي بظاهر دمشق، قد قيل: إنه
ليس قبر معاوية ، وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه
((قبر هود)).
وأصل ذلك أن عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق ،
لا يكاد يوقف منه على العلم إلا فى قليل منها بعد بحث شديد . وهذا
لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام ، ولا ذلك
من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: (إِنَّانَحْنُ نَزَّْنَا
بل قد نهى النبي صلى الله عليه
الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُ لَفِظُونَ )؛
٤٤٧

وسلم عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه
عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل
أن يموت بخمس وهو يقول: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون
القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم
عن ذلك)) وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد )) .
وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على
القبور ، ولا يشرع اتخاذها مساجد ، ولا يشرع الصلاة عندها ، ولا
يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة أو اعتكاف أو استغاثة أو
ابتهال أو نحو ذلك ، وكرهوا الصلاة عندها ؛ ثم إن كثيراً منهم
قال : إن الصلاة عندها باطلة ، لأجل نهى النبي صلى الله عليه
وسلم عنها .
وإنما السنة لمن زار قبر مسلم ميت إما ني أو رجل صالح أو
غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته ، كما جمع الله
بين هذه حيث يقول فى المنافقين: (وَلَ تُصَلِّ عَلَّ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَانَهُمْ
فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم
عَلَى قَبْرِهِ )
ويقام على قبورهم ، وفى السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا
٤٤٨

دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: ((سلوا له التثبيت فإنه
الآن يسأل)). وفى الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا
القبور: ((السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم
لا حقون ؛ ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، نسأل الله
لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرم، ولا تفتنا بعدم، واغفر
لنا ولهم ».
وإنما دين الله تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له، وهي المساجد
التى تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة ، والاعتكاف، وسائر العبادات
البدنية ، والقلبية: من القراءة والذكر والدعاء اللّه. قال الله تعالى:
وقال تعالى: ( قُلْ أَمَرَ
(وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)
وقال تعالى : (إِنَّمَا
رَبِّ ◌ِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْوُجُوهَكُمْ عِندَكُلِّمَسْچِدٍ )
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمَ
يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ)
وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُأَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ،فِهَا بِالْغُدُوِّ
وَاْأَصَالِ * رِجَالٌ لََّنُذْهِمْ تَحَةٌ وَلَبَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ
يَوْمَانَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَبَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
وَاللهُيَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ). فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين
له الدين .
٤٤٩

وأما اتخاذ القبور أوئاناً فهو دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين.
والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد.
ومثل شيخ الإسلام قدس اللهروحه
عن المشهد (١) المنسوب إلى الحسين رضى الله عنه بمدينة القاهرة :
هل هو صحيح أم لا ؟.
وهل حمل رأس الحسين إلى دمشق ، ثم إلى مصر ، أم حمل إلى
المدينة من جهة العراق ؟.
وهل لما يذكره بعض الناس من جهة المشهد الذي كان بعسقلان
صحة أم لا؟
ومن ذكر أمر رأس الحسين ، ونقله إلى المدينة النبوية دون
الشام ومصر ؟
ومن جزم من العلماء المتقدمين والمتأخرين بأن مشهد عسقلان
ومشهد القاهرة مكذوب ، وليس بصحيح ؟
وليبسطوا القول فى ذلك لأجل مسيس الضرورة والحاجة إليه ،
(١) ((رأس الحسين)).
٤٥٠

مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى.
فأجاب
الحمد لله . بل المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي - رضي الله
عنهما - الذي بالقاهرة كذب مختلق. بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند
أهل العلم ، الذين يرجع إليهم المسلمون فى مثل ذلك لعلمهم وصدقهم.
ولا يعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال : إن هذا المشهد
صحيح . وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف ، على عادة من
يحكى مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب .
فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات ، ويذكرون مذاهب ومقالات .
وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله ؟ لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها . ولم يسموا
أحداً معروفا بالصدق فى نقله ، ولا بالعلم فى قوله ؛ بل غاية ما يعتمدون عليه :
أن يقولوا: أجمعت الطائفة الحقة . وم عند أنفسهم الطائفة الحقة ،
الذين هم عند أنفسهم المؤمنون ، وسائر الأمة سوا كفار .
ويقولون : إنما كانوا على الحق لأن فيهم الإمام المعصوم ، والمعصوم
عند الرافضة الإمامية الاثنى عشرية : هو الذي يزعمون أنه دخل إلى
٤٥١

سرداب سامرا بعد موت أبيه الحسن بن علي العسكري سنة ستين
ومائتين . وهو إلى الآن غائب ، لم يعرف له خبر ، ولا وقع له أحد
على عين ولا أثر .
وأهل العلم بأنساب أهل البيت يقولون : إن الحسن بن علي
العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. ولا ريب أن العقلاء كلهم يعدون
مثل هذا القول من أسفه السفه ، واعتقاد الإمامة والعصمة فى مثل
هذا : مما لا يرضاه لنفسه إلا من هو أسفه الناس وأضلهم وأجهلهم .
وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا .
والمقصود هنا : بيان جنس المقولات والمنقولات عند أهل
الجهل والضلالات .
فإن هؤلاء عند الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان
عمره عند موت أبيه : إما سنتين ، أو ثلاثاً ، أو خمساً ، على اختلاف
بينهم في ذلك .
وقد على بنص القرآن والسنة المتواترة ، وإجماع الأمة : أن مثل
هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره فى نفسه وماله . فيكون هو
نفسه محضوناً مكفولا لآخر يستحق كفالته فى نفسه ، وماله محت من يستحق
النظر والقيام عليه من ذعي أو غيره . وهو قبل السبع طفل لا يؤمر
٤٥٢

بالصلاة . فإذا بلغ العشر ولم يصل أدب على فعلها . فكيف يكون
مثل هذا إماماً معصوماً ، يعلم جميع الدين ، ولا يدخل الجنة إلا من
آمن به ؟ !.
ثم بتقدير وجوده ، وإمامته وعصمته : إنما يجب على الخلق أن
يطيعوا من يكون قائماً بينهم: يأمرهم بما أحرم الله به ورسوله ، وينهام
عما نهام عنه الله ورسوله . فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه ، لم يكن لهم
طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه. فلا يجوز تكليفهم طاعته ،
إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه، وطاعة من لا يأمر ممتعة لذاتها.
وإن قدر أنه بأمرم، ولكن لم يصل إليهم أمره، ولا يتمكنون من العلم
بذلك : كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به ، والتمكن
من العلم شرط فى طاعة الأمر ، ولا سيما عند الشيعة المتأخرين .
فإنهم من أشد الناس منعاً لتكليف ما لا يطاق ؛ لموافقتهم المعتزلة فى
القدر والصفات أيضاً .
وإن قيل : إن ذلك بسبب ذنوبهم . لأنهم أخافوه أن يظهر .
قيل : هب أن أعداءه أخافوه، فأي ذنب لأوليائه ومحبيه ؟ وأي
منفعة لهم من الإيمان به ، وهو لا يعلمهم شيئاً ، ولا يأمرهم بشيء ؟
ء
ثم كيف جاز له - مع وجوب الدعوة عليه - أن يغيب هذه
٤٥٣
٢

الغيبة التى لها الآن أكثر من أربعمائة وخمسين سنة .
وما الذي سوغ له هذه الغيبة ، دون آبائه الذين كانوا موجودين
قبل موتهم : كعلي والحسن والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن
علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد
ابن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي العسكري ؟!
فإن هؤلاء كانوا موجودين يجتمعون بالناس. وقد أخذ عن علي
والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد
من العلم ما هو معروف عند أهله ، والباقون لهم سير معروفة ،
وأخبار مكشوفة . فما باله استحل هذا الاختفاء هذه المدة الطويلة أكثر
من أربعمائة سنة. وهو إمام الأمة ، بل هو على زعمهم هاديها
وداعيها ومعصومها ، الذي يجب عليها الإيمان به . ومن لم يؤمن به
فليس بمؤمن عندهم ؟
فإن قالوا : الخوف .
قيل : الخوف على آبائه كان أشد، بلا نزاع بين العلماء . وقد
حبس بعضهم ، وقتل بعضهم . ثم الخوف إنما يكون إذا حارب . فأما
إذا فعل كما كان يفعل سلفه من الجلوس مع المسلمين وتعليمهم لم يكن
عليه خوف .
٤٥٤

وبيان ضلال هؤلاء طويل .
وإنما المقصود بيانه هنا : أنهم يجعلون هذا أصل دينهم .
ثم يقولون : إذا اختلفت الطائفة الحقة على قولين. أحدهما :
يعرف قائله ، والآخر : لا يعرف قائله ، كان القول الذي لا يعرف قائله
هو الحق ، هكذا وجدته فى كتب شيوخهم ، وعللوا ذلك : بأن القول
الذي لا يعرف قائله يكون من قائليه الإمام المعصوم . وهذا نهاية
الجهل والضلال .
وهكذا كل ما ينقلونه من هذا الباب - ينقلون سيراً أو حكايات
وأحاديث ، إذا ما طالبتهم بإسنادها لم يحيلوك على رجل معروف
بالصدق ، بل حسب أحدم أن يكون سمع ذلك من آخر مثله ، أو
قرأه في كتاب ليس فيه إسناد معروف ، وإن سموا أحداً : كان
من المشهورين بالكذب والبهتان . لا يتصور قط أن ينقلوا شيئاً مما
لا يعرف عند علماء السنة إلا وهو عن مجهول لا يعرف ، أو عن
معروف بالكذب .
ومن هذا الباب نقل الناقل : إن هذا القبر الذي بالقاهرة :
((مشهد الحسين)) رضى الله عنه ؛ بل وكذلك مشاهد غير هذا مضافة
إلى قبر الحسين ، رضي الله عنه ، فإنه معلوم باتفاق الناس : أن هذا
٤٥٥

المشهد بنى عام بضع وأربعين وخمسمائة ، وأنه نقل من مشهد بعقلان،
وأن ذلك المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمائة .
فأصل هذا المشهد القاهري : هو ذلك المشهد العسقلانى . وذلك
العسقلانى محدث بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة ،
وهذا القاهري محدث بعد مقتله بقريب من خمسمائة سنة . وهذا مما لم
يتنازع فيه اثنان ممن تكلم فى هذا الباب من أهل العلم ، على اختلاف
أصنافهم ، كأهل الحديث ، ومصنفي أخبار القاهرة، ومصفي التواريخ.
وما نقله أهل العلم طبقة عن طبقة . فمثل هذا مستفيض عنده . وهذا
بينهم مشهور متواتر ، سواء قيل : إن إضافته إلى الحسين صدق أو
كذب ، لم يتنازعوا أنه نقل من عسقلان في أواخر الدولة العبيدية .
وإذا كان أصل هذا المشهد القاهري : منقولا عن ذلك المشهد
العسقلانى باتفاق الناس وبالنقل المتواتر ، فمن المعلوم أن قول القائل :
إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني على رأس الحسين رضي الله عنه :
قول بلا حجة أصلا . فإن هذا لم ينقله أحد من أهل العلم الذين
من شأنهم نقل هذا. لا من أهل الحديث ، ولا من علماء الأخبار
والتواريخ ، ولا من العلماء المصنفين فى النسب : نسب قريش ، أو
نسب بني هاشم ونحوه .
٤٥٦

وذلك المشهد العسقلانى : أحدث في آخر المائة الخامسة ، لم يكن
قديماً ، ولا كان هناك مكان قبله أو نحوه مضاف إلى الحسين ، ولا
حجر منقوش ولا يحوه مما يقال : إنه علامة على ذلك .
فتبين بذلك أن إضافة مثل هذا إلى الحسين قول بلا علم أصلا.
وليس مع قائل ذلك ما يصلح أن يكون معتمداً ، لا نقل صحيح ولا
ضعيف ، بل لا فرق بين ذلك وبين أن يجيء الرجل إلى بعض القبور
التى بأحد أمصار المسلمين ، فيدعى أن فى واحد منها رأس الحسين ،
أو يدعي أن هذا قبر نبي من الأنبياء ، أو نحو ذلك مما يدعيه كثير من
أهل الكذب والضلال .
ومن المعلوم أن مثل هذا القول غير منقول باتفاق المسلمين .
وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء : أن يدعي أنه رأى مناماً ،
أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه : إما رائحة
طيبة ، وإما توم خرق عادة ونحو ذلك ، وإما حكاية عن بعض الناس :
أنه كان يعظم ذلك القبر .
فأما المنامات فكثير منها ، بل أكثرها كذب ، وقد عرفنا فى
زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض
البقاع أنه قبر نبي ، أو أن فيه أثر فى ونحو ذلك . ويكون كاذباً .
٤٥٧

وهذا الشيء منتشر . فرائى المنام غالبا ما يكون كاذباً ، وبتقدير صدقه:
فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان . والرؤيا المحضة التى لا دليل
يدل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق . فإنه قد ثبت
فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الرؤيا ثلاثة:
رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان)).
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة . فلا بد من تميز كل
نوع منها عن نوع .
ومن الناس - حتى من الشيوخ الذي لهم ظاهر علم وزهد .-
من يجعل مستنده فى مثل ذلك : حكاية يحكيها من مجهول ، حتى إن
منهم من يقول : حدثنى أخي الخضر أن قبر الخضر [ بمكان كذا .]
ومن المعلوم الذي بينا. في غير هذا الموضع أن [كل من ادعى أنه
رأى الخضر ، أو رأى من رأى الخضر أو سمع ] شخصا رأى الخضر أو ظن
الرائى أنه الخضر : أن كل ذلك لا يجوز إلا على [ الجهلة المخرفين،
الذين لاحظ لهم من علم ولا عقل ولا دين ، بل م من الذين لا
يفقهون ولا يعقلون ] .
وأما ما يذكر من وجود رائحة طيبة ، أو خرق عادة أو نحو ذلك
مما يتعلق بالقبر : فهذا لا يدل على تعينه، وأنه فلان أو فلان ، بل
٤٥٨

غاية ما يدل عليه - إذا ثبت - أنه دليل على صلاح المقبور ، وأنه
قبر رجل صالح أو في .
وقد تكون تلك الرائحة مما صنعه بعض السوقة . فإن هذا مما
يفعله طائفة من هؤلاء ، كما حدثنى بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ
الفرات رجلان ، وكان أحدهما قد اتخذ قبراً تجبى إليه أموال ممن يزور.
وينذر له من الضلال ، فعمد الآخر إلى قبر ، وزعم أنه رأى فى المنام
أنه قبر عبد الرحمن بن عوف ، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت
له رائحة عظيمة .
وقد حدثنى جيران القبر الذي يجبل لبنان بالبقاع ، الذي يقال :
إنه قبر نوح ، وكان قد ظهر قريبا في أثناء المائة السابعة ، وأصله :
أنهم شموا من قبر رائحة طيبة ووجدوا عظاما كبيرة ، فقالوا : هذه ندل
على كبير خلق البنية . فقالوا - بطريق الظن - هذا قبر نوح .
وكان بالبقعة موتى كثيرون من جنس هؤلاء .
وكذلك هذا المشهد العسقلانى قد ذكر طائفة : أنه قبر بعض
الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى بن مريم . وقد يوجد عند قبور
الوثنيين من جنس ما يوجد عند قبور المؤمنين ؛ بل إن زعم الزاعم أنه
قبر الحسين ظن وتخرص . وكان من الشيوخ المشهورين بالعلم والدين
٤٥٩

بالقاهرة من ذكروا عنه أنه قال : هو قبر نصر انى .
وكذلك بدمشق بالجانب الشرقي مشهد يقال : إنه قبر أبي بن
كعب . وقد اتفق أهل العلم على أن أبياً لم يقدم دمشق . وإنما مات
بالمدينة . فكان بعض الناس يقول : إنه قبر نصراني . وهذا غير
مستبعد . فإن اليهود والنصارى هم السابقون فى تعظيم القبور
والمشاهد. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه:
( لعن الله اليهود والنصارى : اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد،
يحذر ما فعلوا )) .
والنصارى أشد غلواً في ذلك من اليهود ، كما في الصحيحين عن
عائشة: ((أن النى صلى الله عليه وسلم ذكرت له أم حبيبة وأم
سلمة رضي الله عنها كنيسة بأرض الحبشة ، وذكرتا من حسنها وتصاوير
فيها . فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح ، فمات ، بنوا
على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند
الله يوم القيامة)).
والنصارى كثيراً ما يعظمون آثار القديسين منهم . فلا يستبعد
أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه
المسلمون ليوافقوم على تعظيمه. كيف لا ؟ وم قد أضلوا كثيراً من
٤٦٠