Indexed OCR Text

Pages 401-420

عندهم سنة سنها لهم . وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدم
يسافرون إلى الحجج ، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك .
فَوْفَ يَأَتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ
وكانت أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: (
على عهد أبى بكر الصديق وعمر يأتون أفواجا من
وَيُحِبُّونَهُ )
اليمن للجهاد فى سبيل الله ، ويصلون خلف أبى بكر وعمر في مسجده،
ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة ، ولا يقف فى المسجد خارجا ،
لا لدعاء ولا لصلاة ولا سلام ولا غير ذلك. وكانوا عالمين بسنته كما
علمتهم الصحابة والتابعون ، وأن حقوقه لازمة لحقوق الله عز وجل ،
وأن جميع ما أمر الله به وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها
يؤمر بها فى جميع المواضع والبقاع . فليست الصلاة والسلام عند قبره
المكرم بأوكد من ذلك في غير ذلك المكان . بل صاحبها مأمور بها
حيث كان : إما مطلقا ، وإما عند الأسباب المؤكدة لها ، كالصلاة
والدعاء والأذان . ولم يكن شيء من حقوقه ولا شيء من العبادات هو
عند قبره أفضل منه فى غير تلك البقعة . بل نفس مسجده له فضيلة
لكونه مسجده
ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبي صلى الله
عليه وسلم يصلي فيه والمهاجرون والأنصار ، وإنما حدثت له الفضيلة في
خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده ، فهذا لا يقوله
٤٠١

إلا جاهل مفرط فى الجهل ، أو كافر ، فهو مكذب لما جاء به مستحق
للقتل . وكان الصحابة يدعون فى مسجده كما كانوا يدعون فى حياته .
لم تحدث لهم شريعة غير الشريعة التى علمهم إياها فى حياته . وهو لم
بأمرهم إذا كان لأحدهم حاجة أن يذهب إلى قبر نبي أو صالح فيصلي
عنده ويدعوه، أو يدعو بلا صلاة ، أو يسأل حوائجه ، أو يسأله
أن يسأل ربه . فقد على الصحابة - رضوان الله عليهم - أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بشيء من ذلك، ولا
أمرهم أن يخصوا قبره أو حجرته لا بصلاة ولا دعاء ، لا له ولا
لأنفسهم . بل قد نهام أن يتخذوا بيته عيداً . فلم يقل لهم كما يقول
بعض الشيوخ الجهال لأصحابه : إذا كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبري !
بل نهام عما هو أبلغ من ذلك أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا
يصلون فيه لله عز وجل ، ليسد ذريعة الشرك . فصلى الله عليه وعلى
آله وسلم تسليما، وجزاء أفضل ما جزى نبيا عن أمته ، قد بلغ
الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد فى الله حق جهاده ،
وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه. وكان إنعام الله به أفضل نعمة أنعم
بها على العباد .
وقد دلهم صلى الله عليه وسلم على أفضل العبادات وأفضل
البقاع ، كما فى الصحيحين عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: ((قلت
٤٠٢

يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على مواقيتها . قلت :
ثم أي ؟ قال بر الوالدين . قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد فى سبيل
الله. قال سألته عنهن ولو استزدته لزادنى)). وفى المسند وسنن ابن
ماجه عن ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((استقيموا
ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء
إلا مؤمن)). والصلاة قد شرع للأمة أن تتخذ لها مساجد ، وهي
أحب البقاع إلى الله كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى صحيح مسلم
وغيره أنه قال: ((أحب البقاع إلى الله المساجد. وأبغض البقاع إلى
الله الأسواق)).
ومع هذا فقد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وهو
فى مرض موته، نصيحة للأمة، وحرصا منه على هداها . كما نعته الله بقوله:
(لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذي لم
بقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً ، وفى
رواية: ولكن خشى أن يتخذ مسجداً. وفي رواية للبخاري ((غير أنى أخشى
أن يتخذ مسجداً)). وعن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى
٤٠٣

اللّه عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن
وجهه فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد )» يحذر ما صنعوا. ومن حكمة الله أن عائشة أم المؤمنين
صاحبة الحجرة التى دفن فيها صلى الله عليه وسلم تروى هذه الأحاديث،
وقد سمعتها منه ، وإن كان غيرها من الصحابة أيضا يرويها : كابن
عباس ، وأبى هريرة ، وجندب بن عبد الله، وابن مسعود - رضي
الله تعالى عنهم .
وفي الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد)) . وفى الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا
كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولئك إذا كان فيهم
الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور
أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). وفى صحيح مسلم عن جندب
ابن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إنى أبرأ إلى الله أن يكون
لي منكم خليل ، فإن الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو
كنت متخذاً من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ألا وإن من
٤٠٤

كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور
مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)). وفي صحيح مسلم عن أبى مرئد
الغنوي أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجلسوا على القبور ،
ولا تصلوا إليها». وفي المسند وصحيح أبى حاتم أنه صلى الله عليه
وسلم قال: (( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وم أحياء ،
والذين يتخذون القبور مساجد)). وقد تقدم نهيه أن يتخذوا
قبره عيداً .
فلما علم الصحابة أنه قد نهام عن أن يتخذوه مصلى للفرائض التى
يتقرب بها إلى الله عز وجل ، لئلا يتشبهوا بالمشركين الذين يدعونها
ويصلون لها وينذرون لها : كان نهيهم عن دعائها أعظم وأعظم . كما أنه
لما نهام عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يتشبهوا بمن
يسجد للشمس كان نهيهم عن السجود للشمس أولى وأحرى . فكان
الصحابة رضوان الله عليهم يقصدون الصلاة والدعاء والذكر فى المساجد
التى بنيت اللّه دون قبور الأنبياء والصالحين التى نهوا أن يتخذوها مساجد ،
وإنما هي بيوت المخلوقين. وكانوا يفعلون بعد موته ما كانوا يفعلون فى حياته
صلى الله عليه وآله وسلم تسليما .
ومما يدل على ماذكره مالك وغيره من علماء المسلمين من
الكراهة لأهل المدينة قصدم القبر إذا دخلوا أو خرجوا منه ونحو ذلك،
٤٠٥

وإن كان قصدهم مجرد السلام عليه والصلاة : أن النبى صلى الله عليه
وسلم كان يأتى قباء راكبا وماشيا كل سبت ، كما ثبت ذلك فى
الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: (( كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يأتى قباء كل سبت راكبا وماشيا))، وكان ابن عمر يفعله.
زاد نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ((فيصلي فيه
ركعتين)) . وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه كان يصلي فى مسجده
يوم الجمعة ، ويذهب إلى مسجد قباء فيصلي فيه يوم السبت ، وكلاهما
أسس على التقوى، وقد قال تعالى: (لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ
يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)
ج
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير
وجه أنه سأل أهل قباء عن هذا الطهور الذي أثنى الله عليهم، فذكروا
أنهم يستنجون بالماء . وفى سنن أبى داود وغيره قال ((نزلت هذه
الآية فى مسجد أهل قباء ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ ) قال : كانوا
يستنجون بالماء . فنزلت فيهم هذه الآية)). وقد ثبت فى الصحيح عن
سعد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على
التقوى وهو فى بيت بعض نسائه ، فأخذ كفاً من حصى فضرب به
الأرض ثم قال: ((هو مسجدكم هذا)» لمسجد المدينة . فتبين أن كلا
المسجدين أسس على التقوى ، لكن مسجد المدينة أكمل فى هذا النعت ،
فهو أحق بهذا الاسم . ومسجد قباء كان سبب نزول الآية ، لأنه
٤٠٦

مجاور لمسجد الضرار الذي نهى عن القيام فيه .
والمقصود أن إتيان قباء كل أسبوع للصلاة فيه كان ابن عمر يفعله
اتباعا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ابن عمر ولا غيره إذا كانوا
مقيمين بالمدينة بأنون قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا في الأسبوع ولا
فى غير الأسبوع . وإنما كان ابن عمر يأتى القبر إذا قدم من سفر .
وكثير من الصحابة أو أكثرم كانوا يقدمون من الأسفار ولا يأتون
القبر لا لسلام ولا لدعاء ولا غير ذلك . فلم يكونوا يقفون عند.
خارج الحجرة فى المسجد ، كما كان ابن عمر يفعل . ولم يكن أحد منهم
يدخل الحجرة لذلك ؛ بل ولا يدخلونها إلا لأجل عائشة رضي الله
عنها لما كانت مقيمة فيها . وحينئذ فكان من يدخل إليها يسلم على
النبى صلى الله عليه وسلم كما كانوا يسلمون عليه إذا حضروا عنده. وأما
السلام الذي لا يسمعه فذلك سلام الله عليهم به عشراً، كالسلام عليه
في الصلاة ، وعند دخول المسجد ، والخروج منه . وهذا السلام مأمور
به فى كل مكان وزمان . وهو أفضل من السلام المختص بقبره . فإن
هذا المختص بقبره من جنس بحية سائر المؤمنين أحياء وأمواتا .
وأما السلام المطلق العام فالأمر به من خصائصه كما أن الأمر
بالصلاة من خصائصه . وإن كان في الصلاة والسلام على غيره عموما
وفى الصلاة على غيره خصوصاً نزاع . وقد عدى بعضهم ذلك إلى السلام
٤٠٧

فجعله مختصاً به ، كما اختص بالصلاة . وحكي هذا عن أبى محمد الجوينى؛
لكن جمهور العلماء على أن السلام لا يختص به . وأما الصلاة ففيها
نزاع مشهور . وذلك أن الله تعالى أمر فى كتابه بالصلاة والسلام
عليه مخصوصاً بذلك فقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْتَسْلِيمًا)
فهنا أخبر وأمر.
وأما فى حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر فقال تعالى: (هُوَلَّذِى
يُصَلَى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ). ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك قالوا: إن الله أمركم
بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى بملائكته، وأيه بالمؤمنين من بريته ، أي
قال (يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ). فإن صلاته تعالى على المؤمنين بدأ فيها
بنفسه ، وثنى بملائكته ، لكن لم يؤبه فيها بالمؤمنين من بريته . وقد جاء
فى الحديث: ((إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير)).
وقد اتفق المسلمون على أنه تشرع الصلاة عليه صلى الله عليه
وسلم في الصلاة قبل الدعاء ، وفي غير الصلاة. وإنما تنازعوا فى وجوب
الصلاة عليه فى الصلاة المكتوبة . وفى الخطب ، فأوجب ذلك الشافعي
ولم يوجبه أبو حنيفة ومالك . وعن الإمام أحمد روايتان . وإذا قيل
بوجوبها فهل هي ركن أو تسقط بالسهو ؟ على روايتين. وأظهر الأقوال
أن الصلاة واجبة مع الدعاء فلا ندعو حتى نبدأ به صلى الله عليه
وسلم ، والسلام عليه مأمور به في الصلاة ، وهو فى التشهد الذي هو
٤٠٨

ركن فى الصلاة عند الشافعى وأحمد فى المشهور عنه ، فتبطل الصلاة
بتركه عمداً أو سهواً . والتشهد الأخير عند مالك وأبى حنيفة ، وعند
مالك وأحمد في المشهور عنه: إذا ترك التشهد الأول عمداً بطلت
صلاته ، وإن تركه سهواً فعليه سجود السهو . وهذا بسميه الإمام
أحمد واجباً ، ويسميه أصحاب مالك سنة واجبة . ويقولون : سنة واجبة.
وليس فى ذلك نزاع معنوي مع القول بأن من تعمد تركه بعيد ومن
تركه سهوا فعليه سجود السهو .
ومالك وأحمد عندهما الأفعال في الصلاة أنواع كأفعال الحج . وأبو
حنيفة يجعلها ثلاثة أنواع ؛ لكن عنده أن النوع الواجب يكون سيئاً
بتركه ولا إعادة عليه سواء تركه عمداً أو سهواً . وأما الشافعي فعنده
الواجب فيها هو الركن ، بخلاف الحج فإنه باتفاقهم فيه واجب يجبر
بالدم غير الركن وغير المستحب .
ولا نزاع أنه هو صلى الله عليه وسلم يصلي على غيره كما قال تعالى:
(وَصَلّ عَلَيَّهِمْ) وكما ثبت في الصحيح أنه قال: ((اللهم صل على آل
أبى أو فى)). وكما روى أنه قال لامرأة: ((صلى الله عليك وعلى
زوجك )) وكانت قد طلبت منه أن يصلي عليها وعلى زوجها .
وأيضا لا نزاع أنه يصلى على آله تبعاً كما علم أمته أن يقولوا :
: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد
٤٠٩

مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك
حميد مجيد)).
وأما صلاة غيره على غيره منفرداً مثل أن يقال : صلى الله على
أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي . ففيها قولان .
أحدهما : أن ذلك جائز ، وهو منصوص أحمد فى غير موضع ،
واستدل على ذلك بأن عليا قال لعمر : صلى الله عليك . وعليه جمهور
أصحابه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل والشيخ عبد القادر ، ولم يذكروا
فی ذلك نزاعا .
والثانى: المنع من ذلك كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك
والشافعي ونقل ذلك عنهما ، وهو الذي ذكره جدنا أبو البركات في
كتابه الكبير . لم يذكر غيره، واحتج بما رواه جماعة عن ابن عباس
قال : لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم. وقال من منع: أما صلاته على غيره فإن الصلاة له
فله أن يعطيها لغيره ، وأما الصلاة على غيره تبعاً فقد يجوز تبعا مالا
يجوز قصداً . ومن جوز ذلك يحتج بالخليفتين الراشدين عمر وعلي ،
وبأنه ليس في الكتاب والسنة نهى عن ذلك ؛ لكن لا يجب ذلك في
حق أحد كما يجب في حق النبي صلى الله عليه وسلم. فتخصيصه
كان بالأمر والإيجاب لا بالجواز والاستحباب . قالوا : وقد ثبت أن
٤١٠

الملائكة تصلي على المؤمنين كما في الصحيح: ((إن الملائكة تصلي على
ء
أحدكم ما دام فى مصلاه )). فإذا كان الله وملائكته يصلون على المؤمن،
فلماذا لا يجوز أن يصلي عليه المؤمنون ؟.
وأما قول ابن عباس فهذا ذكره لما صار أهل البدع يخصون
بالصلاة عليا أو غيره، ولا يصلون على غيرهم . فهذا بدعة بالاتفاق . وثم
لا يصلون على كل أحد من بنى هاشم من العباسيين ولا على كل أحد
من ولد الحسن والحسين ولا على أزواجه، مع أنه قد ثبت فى الصحيح
((اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)). فينئذ لا حجة لمن
خص بالصلاة [ بعض ] أهل البيت دون سائر أهل البيت ، ودون
سائر المؤمنين .
ولما كان اللّه تعالى أمر بالصلاة والسلام عليه ثم قال من قال إن
الصلاة على غيره ممنوع منها طرد ذلك طائفة منهم أبو محمد الجوينى
فقالوا : لا يسلم على غيره . وهذا لم يعرف عن أحد من المتقدمين ،
وأكثر المتأخرين أنكروه. فإن السلام على الغير مشروع سلام
التحية يسلم عليه إذا لقيه وهو إما واجب أو مستحب مؤكد، فإن في
ذلك قولين للعلماء ، وهما قولان فى مذهب أحمد، والرد واجب بالإجماع
إما على الأعيان، وإما على الكفاية. والمصلي إذا خرج من الصلاة
يقول : السلام عليكم. السلام عليكم. وقد كان النبي صلى الله عليه
٤١١

وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يسلموا عليهم فيقولوا: ((السلام
عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين)) . فالذين جعلوا السلام من
خصائصه لا يمنعون من السلام على الحاضر ، لكن يقولون: لا يسلم
على الغائب . فجعلوا السلام عليه مع الغيبة من خصائصه . وهذا
حق . لكن الأمر بذلك وإيجابه هو من خصائصه كما في التشهد . فليس
فيه سلام على معين إلا عليه . وكذلك عند دخول المسجد والخروج منه
وهذا يؤيد أن السلام كالصلاة كلاهما واجب له فى الصلاة وغيرها .
وغيره فليس واجبا إلا سلام التحية عند اللقاء فإنه مؤكد بالاتفاق .
وهل يجب أو يستحب ؟ على قولين معروفين فى مذهب أحمد
وغيره . والذي تدل عليه النصوص أنه واجب. وقد روى مسلم في
محيحه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خمس تجب للمسلم على
المسلم : يسلم عليه إذا لقيه ، ويعوده إذا مرض ، ويشيعه إذا مات
ويجيبه إذا دعاه)) وروى ((ويشمته إذا عطس)). وقد أوجب أكثر
الفقهاء إجابة الدعوة. والصلاة على الميت فرض على الكفاية بإجماعهم ،
والسلام عند اللقاء أوكد من إجابة الدعوة . وكذلك عيادة المريض ،
والشر الذي يحصل إذا لم يسلم عليه عند اللقاء ولم يعده إذا مرض
أعظم مما يحصل إذا لم يجب دعوته. والسلام أسهل من إجابة الدعوة
ومن العيادة . وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر .
٤١٢

والمقصود هنا: أن سلام التحية عند اللقاء في المحيا، وفى المات إذا
زار قبر المسلم مشروع في حق كل مسلم لكل من لقيه حيا أو
زار قبره أن يسلم عليه. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون
أن هذا السلام عليه عند قبره الذي قال فيه: (( ما من أحد بسلم
علي إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام)) ليس من خصائصه ،
ولا فيه فضيلة له على غيره . بل هو مشروع فى حق كل مسلم »
حي وميت. وكل مؤمن يرد السلام على من سلم عليه . وهذا ليس
مقصوداً بنفسه، بل إذا لقيه سلم عليه . وهكذا إذا زار القبر يسلم على
الميت . لا أنه يتكلف قطع المسافة واللقاء لمجرد ذلك. والسلام عليه في
الصلاة، وعند دخول المسجد والخروج منه، فهو من خصائصه ، هو من
السلام الذي أمر الله به فى القرآن أن يسلم عليه، ومن سلم يسلم
الله عليه عشراً ، كما يصلي عليه إذا صلى عليه عشراً . فهو المشروع
المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذي لا مفسدة فيه . وذاك جهد
لا يختص به ولا يؤمر بقطع المسافة لمجرده ؛ بل قصد نية الصلاة
والسلام والدعاء هو اتخاذ له عيداً، وقد قال صلى الله عليه وسلم
(( لا تتخذوا بيتى عيداً)).
فلهذا كان العمل الشائع فى الصحابة - الخلفاء الراشدين والسابقين
الأولين من المهاجرين والأنصار - أنهم يدخلون مسجده ويصلون عليه
٤١٣

فى الصلاة، ويسلمون عليه كما أمرم الله ورسوله، ويدعون لأنفسهم
في الصلاة مما اختاروا من الدعاء المشروع كما في الصحيح من حديث
ابن مسعود لما علمه التشهد قال: (( ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء
أعجبه إليه )). ولم يكونوا يذهبون إلى القبر لا من داخل الحجرة ولا
من خارجها ؛ لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام ولا غير ذلك من حقوقه
المأمور بها في كل مكان ، فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم ، كما يفعله
أهل الشرك والبدع ، فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة ،
لا عند قبره ولا قبر غيره، لا فى زمن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم.
فهذه الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم عرف دين الإسلام فى
هذه الأمور . وفرق بين من يعرف التوحيد والسنة والإيمان ، ومن
يجهل ذلك . وقد تبين أن الخلفاء الراشدين وجمهور الصحابة كانوا
يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبى صلى الله عليه وسلم ولا
يسلمون عليه عند الخروج من المدينة وعند القدوم من السفر ، بل
يدخلون المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبى صلى الله عليه وسلم
ولا يأتون القبر ، ومقصود بعضهم التحية .
وأيضا فقد استحب لكل من دخل المسجد أن يسلم على النبي
صلى الله عليه وسلم فيقول: بسم الله والسلام على رسول الله . اللهم
اغفر لى ذنوبى، وافتح لى أبواب رحمتك . وكذلك إذا خرج يقول :
٤١٤

بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب
فضلك . فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل يغنى عن السلام
عليه عند القبر . وهو من خصائصه ، ولا مفسدة فيه وهو يفعل ذلك
في الصلاة ، فيصلون ويسلمون عليه فى الصلاة ، ويصلون عليه إذا سمعوا
الأذان ، ويطلبون له الوسيلة لما رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن
عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا
سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة
صلى الله عليه عشراً ، ثم سلوا الله لى الوسيلة ؛ فإنها درجة في الجنة
لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل
لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ))
وقد علموا أن الذى يستحب عند قبره المكرم من السلام عليه هو
سلام التحية عند اللقاء ، كما يستحب ذلك عند قبر كل مسلم وعند لقائه،
فيشاركه فيه غيره كما قال: (( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي
روحى حتى أرد عليه السلام)) وقال: (( ما من رجل يمر بقبر أخيه
المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام )). وكان إذا
أتى المقابر قال: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ،
وإنا إن شاء الله بكم لاحقون . أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع . أسأل
الله العافية لنا ولكم)) وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا
٤١٥

((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين)). والسلام عليه
فى الصلاة أفضل من السلام عليه عند القبر ، وهو من خصائصه ،
وهو مأمور به . والله يسلم على صاحبه كما يصلى على من صلى عليه ،
فإنه من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً ، ومن سلم عليه
واحدة سلم الله عليه عشراً . وقد حصل مقصودم ومقصوده من السلام
عليه والصلاة عليه فى مسجده وغير مسجده ، فلم يبق فى إتيان القبر
فائدة لهم ولا له ، بخلاف إتيان مسجد قباء فإنهم كانوا يأتونه كل سبت
فيصلون فيه اتباعا له صلى الله عليه وسلم. فإن الصلاة فيه كعمرة.
ويجمعون بين هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة ، إذ كان أحد هذين
لا يغنى عن الآخر ، بل يحصل بهذا أجر زائد . وكذلك إذا خرج
الرجل إلى البقيع وأهل أحد كما كان يخرج إليهم النبي صلى الله عليه
وسلم يدعو لهم كان حسنا ، لأن هذا مصلحة لا مفسدة فيها ، وهم لا
يدعون لهم فى كل صلاة حتى يقال : هذا يغني عن هذا .
ومع هذا فقد نقل عن مالك كراهة اتخاذ ذلك سنة . ولم يأخذ
فى هذا بفعل ابن عمر ، كما لم يأخذ بفعله في التمسح بمقعده على المنبر ،
ولا باستحباب قصد الأماكن التى على فيها لكون الصلاة أدر كته فيها ،
فكان ابن عمر يستحب قصدها للصلاة فيها ، وكان جمهور الصحابة لا
يستحبون ذلك ؛ بل يستحبون ما كان صلى الله عليه وسلم يستحبه
٤١٦

وهو أن يصلى حيث أدركته الصلاة، وكان أبوه عمر بن الخطاب ينهى
من يقصدها للصلاة فيها، ويقول : إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فإنهم
اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد، من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا
فليذهب . فأمرهم عمر بن الخطاب بما سنه لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، إذ كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه من الخلفاء الراشدين
الذين أمرنا باتباع سنتهم، وله خصوص الأمر بالاقتداء به وبأبي بكر حيث
قال: ((اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر)). فالأمر بالاقتداء
أرفع من الأمر بالسنة ، كما قد بسط في مواضع .
وكذلك نقل عن مالك كراهة المجىء إلى بيت المقدس خشية أن
يتخذ السفر إليه سنة ، فإنه كره ذلك لما جعل لهذا وقت معين كوقت
الحج الذى يذهب إليه جماعة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل
هذا ، لا في قباء ولا فى قبور الشهداء وأهل البقيع ولا غيرهم ، كما فعل
مثل ذلك في الحج وفى الجمع والأعياد . فيجب الفرق بين هذا وبين
هذا . مع أنه صلى التطوع فى جماعة مرات فى قيام الليل ووقت الضحى
وغيره ، ولكن لم يجعل الاجتماع مثل تطوع فى وقت معين سنة كالصلوات
الخمس وكصلاة الكسوف والعيدين والجمعة . وأما إتيان القبر للسلام
عليه فقد استغنوا عنه بالسلام عليه فى الصلاة وعند دخول المسجد والخروج
منه وفى إتيانه بعد الصلاة مرة بعد مرة ذريعة إلى أن يتخذ عيداً ووتنا ،
٤١٧

وقد نهوا عن ذلك .
وهو صلى الله عليه وسلم مدفون فى حجرة عائشة ، وكانت حجرة
عائشة وسائر حجر أزواجه من جهة شرقى المسجد وقبلته ، لم تكن داخلة
فى مسجده ، بل كان يخرج من الحجرة إلى المسجد ، ولكن في خلافة
الوليد وسع المسجد ، وكان يحب عمارة المساجد ، وعمر المسجد الحرام
ومسجد دمشق وغيرهما ، فأحر نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري
الحجر من أصحابها الذين ورثوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
ويزيدها فى المسجد . فمن حينئذ دخلت الحجر في المسجد ، وذلك بعد
موت الصحابة : بعد موت ابن عمر ، وابن عباس ، وأبي سعيد الخدرى،
وبعد موت عائشة؛ بل بعد موت عامة الصحابة ، ولم يكن بقى فى المدينة منهم
أحد . وقد روى أن سعيد بن المسيب كره ذلك . وقد كره كثير من
الصحابة والتابعين ما فعله عثمان رضي الله عنه من بناء المسجد بالحجارة والقصة
والساج ، وهؤلاء لما فعله الوليد أكره . وأما عمر رضي الله عنه فإنه
وسعه ، لكن بناء على ما كان من بنائه من اللبن وعمده جذوع النخل
وسقفه الجريد . ولم ينقل أن أحداًكره ما فعل عمر ؛ وإنما وقع النزاع
فيما فعله عثمان والوليد.
وكان من أراد السلام عليه على عهد الصحابة رضوان الله عليهم
يأتيه صلى الله عليه وسلم من غربى الحجرة فيسلم عليه إما مستقبل الحجرة
٤١٨

وإما مستقبل القبلة . والآن يمكنه أن يأتى من جهة القبلة . فلهذا كان
أكثر العلماء يستحبون أن يستقبل الحجرة ويسلم عليه ، ومنهم من يقول:
بل يستقبل القبلة ويسلم عليه كقول أبي حنيفة .
فإن الوليد بن عبد الملك تولى بعد موت أبيه عبد الملك سنة بضع وثمانين
من الهجرة ، وكان قد مات هؤلاء الصحابة كلهم، وتوفى عامة الصحابة في جميع
الأمصار. ولم يكن بقى بالأمصار إلا قليل جداً: مثل أنس بن مالك بالبصرة
فإنه توفى فى خلافة الوليد سنة بضع وتسعين ، وجابر بن عبدالله مات سنة
ثمان وسبعين بالمدينة ، وهو آخر من مات بها . والوليد أدخل الحجرة
بعد ذلك بمدة طويلة نحو عشر سنين . وبناء المسجد كان بعد موت
جابر فلم يكن قد بقى بالمدينة أحد . وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه
فزاد في المسجد والصحابة كثيرون ، ولم يدخل فيه شيئا من الحجرة بل
ترك الحجرة النبوية على ما كانت عليه خارجة عن المسجد متصلة به من
شرقيه ، كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر،
وكانت عائشة رضي الله عنها فيها. ولم تزل عائشة فيها إلى أواخر خلافة
معاوية ، وتوفيت بعد موت الحسن بن علي . وكان الحسن قد استأذنها
في أن يدفن في الحجرة فأذنت له ، لكن كره ذلك ناس آخرون، ورأوا
أن عثمان رضي الله عنه لما لم يدفن فيها فلا يدفن غيره . وكادت تقوم
فتنة . ولما احتضرت عائشة رضى الله عنها أوصت أن تدفن مع
٤١٩

صواحباتها بالبقيع ، ولا تدفن هناك . فعلت هذا تواضعاً أن تزكى به
صلى الله عليه وسلم.
فلهذا لم يتكلم فيما فعله الوليد هل هو جائز أو مكروه إلا التابعون
كسعيد بن المسيب وأمثاله . وكان سعيد إذ ذاك من أجل التابعين ،
قيل لأحمد بن حنبل : أى التابعين أفضل ؟ قال : سعيد بن المسيب .
فقيل له : فعلقمة والأسود ؟ فقال : سعيد بن المسيب . وعلقمة والأسود
هذان كانا قد مانا قبل ذلك بمدة . ومن ذلك الوقت دخلت في المسجد .
وكان المسجد قبل دخول الحجرة فيه فاضلا ، وكانت فضيلة المسجد
بأن النبى صلى الله عليه وسلم بناه لنفسه وللمؤمنين يصلى فيه هو
والمؤمنون إلى يوم القيامة ، ففضل ببنائه له . قلت قال مالك : بلغنى
أن جبريل هو الذى أقام قبلته للنبي صلى الله عليه وسلم . وبأنه كان
هو الذى يقصد فيه الجمعة والجماعة إلى أن مات ، وما صلى جمعة بغيره
قط لا فى سفره ولا في مقامه . وأما الجماعة فكان يصليها حيث أدركته .
ونحن مأمورون باتباعه صلى الله عليه وسلم ، وذلك بأن نصدقه
فى كل ما أخبر به ، ونطيعه فى كل ما أوجبه وأمر به ، لا يتم الإيمان
به إلا بهذا وهذا . ومن ذلك أن نقتدى به في أفعاله التى يشرع لنا
أن نقتدى به ، فما فعله على وجه الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة نفعله
على وجه الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة، وهو مذهب جماهير العلماء ،
٤٢٠