Indexed OCR Text
Pages 361-380
صم شيطان يتراءى للسدنة ويكلمهم . وقال أبى بن كعب : مع كل ضم جنية. وقد قيل : الإناث هي الموات. وعن الحسن : كل شىء لا روح فيه كالخشب والحجر فهو إناث . قال الزجاج: والموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث . فتقول فى ذلك : الأحجار تعجبنى، والدرام تنفعك. وليس ذلك مختصا بالموات ، بل كل ما سوى الله تعالى يجمع بلفظ التأنيث، فيقال : الملائكة ، ويقال لما يعبد من دون الله: آلهة. قال تعالى: (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهَدَّةٌ قُلِ اللّه شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ يَلَغَ أَيِنَّكُمْ لَتَشْهَدُ ونَ أَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَّ أُخْرَ قُل لَّ أَشْهَذٌ قُلّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَ إِنَِّ بَرِىٌّبِمَا تُشْرِكُونَ ) وقال تعالى : (وَجَوَزْنَابِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْبَحْرَ فَأَتَواْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ قَالُواْيَمُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْءَ الِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرْقَاهُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ اُلْعَلَمِينَ ) هي أونان وهي مؤنثة ، قال تعالى : ( أَفَرَّهَيْتُمِ مَّاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوِةٍ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اَللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ). فالآ لهة المعبودة من دون الله كلها بهذه المثابة ، وهي الأوثان التى ٣٦١ تتخذ من دون الله ، قال تعالى : ( وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْكَبِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَأَبَا أَيَأْمُرَّكُمْ بِأَلْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ ) ، وقال يوسف الصديق : (يَصَحِتَى السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اُلْقَهَارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ وكل من عبد شيئاً من دون الله فإنما يعبد اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) أسماء ما أنزل الله بها من سلطان . وأيضا فالذين يعبدون الملائكة أو الأنبياء لا يرونهم ، وإنما يعبدون تماثيل صوروها على مثال صورهم ، وهي من تراب وحجر وخشب، فهم يعبدون الموات. وفى الصحيح - صحيح مسلم - عن أبى الهياج الأسدي قال: (( قال لي علي بن أبى طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثنى أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراً مشرفا إلا سويته. وقال ج تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن ◌َّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّ واْ نِعْمَةَ اللَّهِلَا مُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) وجميع الأموات لا يشعرون أيان يبعثون. فلا يعلم بقيام الساعة إلا الله عز وجل. وفى الصحيح « أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس أبو بكر ٣٦٢ الصديق فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)). وقرأ قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِالرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْقُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ) وكأن الناس ما سمعوها حتى تلاها أبو بكر ، فلا يوجد أحد من الناس إلا وهو يتلوها. والناس تغيب عنهم معانى القرآن عند الحوادث ، فإذا ذكروا بها عرفوها . وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَاهُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ اَلْفَيِ ثُمَّ * لَا يُقْصِرُونَ ). وأما قوله تعالى: (أَلَكُمُالذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيْرَى) أي قسمة جائرة عوجاء، إذ تجعلون لكم ما تحبون وم الذكور ويجعلون لي الإناث! وهذا من قولهم : الملائكة بنات الله ، حيث جعلوا له أولاداً إناثا وم يكرهون أن يكون ولد أحدم أنثى . كالنصارى الذين يجعلون للّه ولداً ويجلون الراهب الكبير أن يكون له ولد . وأما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلما قال تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُوَلَهُ الْأُنْنَى ) فسرها طائفة منهم الكلبى بأنهم كانوا يقولون: هذه الأصنام بنات اللّه. وهذا هو الذي ذكره طائفة من المتأخرين. ٣٦٣ وليس كذلك ؛ فإنهم لم يكونوا يقولون عن هذه الأصنام إنها بنات الله، وإنما قالوا ذلك عن الملائكة ، كما ذكر الله عنهم فى قوله تعالى بعد وقال : هذا: (إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَتِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى) وقال (وَجَعَلُوْاُلْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا أَشَهِدُ واْخَلْقَهُمْ ) تعالى: (وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَكَظِيمٌ) فإن الولد يماثل أباء، وكذلك الشريك يماثل شريكه ، فهم ضربوا الإناث مثلا، وهم جعلوا هذه شركاء لله سبحانه، فكانوا يجعلونها أنداداً لله، والشريك كالأخ فجعلوا له أولاداً إناثا، وشركاء إناثا فجعلوا له بنات وأخوات ، وهم لا يحبون أن تكون لأحدهم أنثى لا بنت ولا أخت ؛ بل إذا كان الأب يكره أن تكون له بنت فالأخت أشد كراهة له منها . ولم يكونوا يورثون البنات والأخوات . فتبين فرط جهلهم وظلمهم إذ جعلوا لله مالا يرضونه لأنفسهم ، فكانت أنفسهم عندم أعظم من الله سبحانه . وهذا كما ضرب لهم مثلا فقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّارَ زَقْتَهُمُّ ◌َللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) إلى قوله: (لِلَّذِينَ لَيُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ)، وقال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنْفُسِكُمْهَل ◌َّكُمْ مِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِ مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ ٣٦٤ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). فهم لا يرضون أن يكون مملوك أحدم شريكه، وقد جعلوا مملوكي الرب شركاء له ، فجعلوا لله ما لا يرضونه لأنفسهم من الشركاء ومن الأولاد : لا يرضون مملوكيهم أن يكونوا شركاء وقد جعلوم لله شركاء ، ولا يرضون من الأولاد بالإناث فلا يرضونها ولداً ولا نظيراً وم جعلوا الإناث لله أولاداً ونظراء. والنكتة أن الله أجل وأعظم وأعلى وأكبر من كل شيء، وم قد جعلوا الله مالا يرضونه لأنفسهم . وهذا يتناول كل من وصف الله بصفة ينزه عنها المخلوق ، كالذين قالوا : إنه فقير ، وإنه بخيل. والذين قالوا: إنه لا يوصف إلا بالسلوب، أو لا يوصف لا بسلب ولا إثبات . والذين جعلوا بعض المخلوقات مماثلة له في شيء من الأشياء فى عبادة له أو دعاء له أو توكل عليه أو حبها مثل حبه ، والذين قالوا : يفعل لا لحكمة ؛ بل عبثا . والذين قالوا : إنه يجوز أن يضع الأشياء فى غير مواضعها ، فيعاقب خيار الناس ، ويكرم شرارهم، والذين قالوا : لا يقدر أن يتكلم بمشيئته . والذين قالوا : إنه لا يسمع ولا يبصر . والذين قالوا : إنه يجوز أن يحب غيره كما يحب هو ويدعى ويسأل ، فجعلوا مملوكه نداً له . ونظائر ذلك كثيرة . ٣٦٥ والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء . فلا يمثل به شيء من المخلوقات في شيء من الأشياء ، إذ ليس كمثله شيء لا فى ذاته ، ولا فى صفاته، ولا فى أفعاله ، ولا فيما يستحقه من العبادة والمحبة والتوكل والطاعة والدعاء وسائر حقوقه . قال تعالى: (رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَبْ لِعِبَدَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُسَمِيًّا فلا أحد يساميه . ولا يستحق أن يسمى بما يختص به من الأسماء، ولا يساويه فى معنى شيء من الأسماء ، لا فى معنى الحي ، ولا العليم ، ولا القدير ولا غير ذلك من الأسماء ، ولا فى معنى الذات والموجود ونحو ذلك من الأسماء العامة ، ولا يكون إلها ، ولا ربا ، ولا خالقا. فقال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ ) فلم يكن أحد يكافيه فى شيء من الأشياء : فلا يساويه شيء ولا يماثله شيء ، ولا يعادله شيء. قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَ الُلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ ) وَحُنُودُ إِبْلِسَ أَجْمَعُونَ * وقال تعالى: ( فَكُبْكِبُواْفِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ إِذْ نُسَوِيِكُمْ بِرَبِّ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلِ شُبِينٍ * اُلْعَلَمِينَ ) وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِ بُوْلِلَّهِالْأَمْثَالَ إِنَّاللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَاتَعْلَمُونَ). ٣٦٦ وهذا الذى ذكرنا من أن السفر إلى الأماكن المعظمة - القبور وغيرها - عند أصحابه كالحج عند المسلمين هو أمر معروف عند المتقدمين والمتأخرين لفظا ومعنى ، فإنهم بقصدون من دعاء المخلوق والخضوع له والتضرع إليه نظير ما يقصده المسلمون من دعاء الله تعالى والخضوع له والتضرع إليه؛ لكن كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَسَدُّ حُبَّالِلَّهِ ) وثم يسمون ذلك حجاً إليها ، وهذا معروف عند متقدميهم ومتأخربهم . وكذلك أهل البدع والضلال من المسلمين كالرافضة وغيرم يحجون إلى المشاهد وقبور شيوخهم وأمتهم ويسمون ذلك حجاً . ويقول داعيتهم: السفر إلى الحج الأكبر . ويظهرون علما للحج إليه ، ومعه مناد ينادي إليه ، كما يرفع المسلمون علما للحج، لكن دامي أهل البدع ينادي: السفر إلى الحج الأكبر علانية في مثل بغداد ، يعني السفر إلى مشهد من المشاهد ، فيجعلون السفر إلى قبر بعض المخلوقين هو الحج الأكبر، والحج إلى بيت الله عندهم الأصغر. وقد ذكر ذلك أتمتهم فى مصنفاتهم. ومن جهال الناس من يقول : وحق النبى الذي يحج المطايا إليه . فلما كان المشركون يصلون ويدعون المخلوق ويحجون إلى قبره قال تعالى: ( قُلْ إِنَِّى هَدَدِ رَةٍ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِبِدِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ: * الْمُشْرِکِینَ ٣٦٧ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْأَوَّلُ اْلِمِينَ ) وقوله تعالى : وقال تعالى: ( وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ ). (وَنُشُكِى) قد ذكروا فى تفسيره: الذبح اللّه، والحج إلى بيت الله. وذكروا أن لفظ النسك يتناول العبادة مطلقاً . والله سبحانه قد بين فى القرآن أن الذبح والحج كلاهما منسك: قال تعالى: (وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكَالِيَذْكُرُوْ اُسْمَ اللَّهِ عَلَى مَارَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ذبح بعد الصلاة فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم عجلها لأهله، ليس من النسك فى شيء)). (رَبَّنَافَقَبَّلْ مِنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ وقال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل : اُلْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ فأرى الله إبراهيم وابنه إسماعيل عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) المواضع التى تقصد في الحج ، والأفعال التى تفعل هناك: كالطواف والسعي والوقوف والرمي ، كما ذكر ذلك غير واحد من السلف . والصلاة تتناول الدعاء الذي هو معنى العبادة . والذي هو بمعنى السؤال . فالصلاة بجمع هذا وهذا ، قال تعالى : (وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين ) فقد فسر دعاءه بسؤاله ، فالنبى صلى الله عليه وسلم أمره اللّه أن يقول: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ ٣٦٨ اُلْعَلَمِينَ ) فأمره تعالى أن يكون الدعاء لله والصلاة لله، ولا تبنى المساجد إلا لله ؛ لا تبنى على قبر مخلوق ، ولا من أجله ، ولا يسافر إلى بيوت المخلوقين . وقد نهى أن يحج ويسافر إلى بيوت الله التى ليست لها تلك الخصائص . وهذا ونحوه يعرف من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ، وسنة خلفائه الراشدين ، وما كان عليه الصحابة من بعده ، والتابعون لهم بإحسان ، وما ذكره أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم . ولهذا لا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه يستحب السفر إلى زيارة قبر نبي أو رجل صالح . ومن نقل ذلك فليخرج نقله . وإذا كان الأمر كذلك وليس فى الفتيا إلا ما ذكره أئمة المسلمين وعلماؤهم ، فالمخالف لذلك مخالف لدين المسلمين وشرعهم ، ولسنة نبيهم ؛ وسنة خلفائه الراشدين ، ولما بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه ، من توحيده وعبادته وحده لا شريك له ، وأنه إنما يعبد بما شرعه من واجب ومستحب ، لا يعبد بما نهى عنه ولم يشرعه . والله سبحانه بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً. فيعثه بدين الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء ، فإن الدين عند الله الإسلام، (وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) لا من الأولين ولا من الآخرين . ٣٦٩ وجميع الأنبياء كانوا على دين الإسلام ، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد ، الأنبياء إخوة لعلات)) . وقد أخبر تعالى فى القرآن من نوح وإبراهيم وإسرائيل وأتباع موسى والمسيح وغيرهم أنهم كانوا مسلمين ، متفقين على عبادة الله وحده لا شريك له ، وأن يعبد بما أمر هو سبحانه وتعالى ، فلا يعبد غيره ، ولا يعبد هو بدين لم يشرعه . فلما أمر أن يصلى فى أول الإسلام إلى بيت المقدس كان ذلك من دين الإسلام. ثم لما نسخ ذلك وأمر باستقبال البيت الحرام كان هذا من دين الإسلام . وذلك المنسوخ ليس من دين الإسلام . وقد قال تعالى : ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ بِشِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) فللتوراة شرعة، وللإنجيل شرعة، وللقرآن شرعة . فمن كان متبعاً لشرع التوراة أو الإنجيل الذي لم يبدل ولم ينسخ فهو على دين الإسلام ، كالذين كانوا على شريعة التوراة بلا تبديل قبل مبعث المسيح عليه السلام ، والذين كانوا على شريعة الإنجيل بلا تبديل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم . وأما من اتبع دينا مبدلا ما شرعه الله ، أو دينا منسوخا ، فهذا قد خرج عن دين الإسلام، كاليهود الذين بدلوا التوراة وكذبوا المسيح عليه السلام ثم كذبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم . والنصارى الذين بدلوا الإنجيل وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم . فهؤلاء ليسوا على ٣٧٠ دين الإسلام الذي كان عليه الأنبياء ، بل هم مخالفون لهم فيما كذبوا به من الحق وابتدعوه من الباطل . وكذلك كل مبتدع خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب ببعض ماجاء به من الحق ، وابتدع من الباطل ما لم تشرعه الرسل . فالرسول بريء مما ابتدعه ( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِى بَرِىُّمِمَاتَعْمَلُونَ وخالفه فيه . قال تعالى : ( وقال تعالى : ( إِنَّاُلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىءٍ ( فالخلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ماحرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله . وقد ذم الله المشركين على أنهم حللوا وحرموا وشرعوا دينا لم يأذن به الله، فقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُاْ شَرَعُواْ لَهُمْ مِنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِ اللَّهُ) والسور المكية أنزلها الله تبارك وتعالى فى الدين العام الذي بعث به جميع الرسل كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين، لانى بعده . وأمته خير أمة أخرجت للناس . وقد بعثه اللّه بأفضل الكتب وأفضل الشرائح . وأكمل له ولأمته الدين . وأتم عليه النعمة . ورضي لهم الإسلام دينا . وهو قد دعا إلى الصراط المستقيم ، كما قال تعالى : صِرَطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وقد أمرنا الله أن نتبع ( وَمَا فِى الْأَرْضِّ ◌َلَّ إِلَى اللَّهِ نَصِيُ الأُمُورُ ٣٧١ هذا الصراط المستقيم ، ولا نعدل عنه الى السبل المبتدعة . فقال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْالسُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَنسَبِيلِهِ. وقال عبد الله بن مسعود ذَلِكُمْ وَضَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ) رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وخط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذا سبيل الله ، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) ولهذا أمرنا الله أن نقول فى صلاتنا: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ). وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون)). وهو صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى بين الدين، وأوضح السبيل، وقال: ((تركتكم على البيضاء النقية ، ليلها كهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)). وقال صلى الله عليه وسلم (( ما تركت من شيء بقربكم من الجنة إلا وقد حدثتكم به ، ولا من شيء يبعدكم من النار إلا وقد حدثتكم به». وقال « إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). قال الترمذي : حديث صحيح . ٣٧٢ ولهذا كان أئمة المسلمين لا يتكلمون فى الدين بأن هذا واجب أو مستحب أو حرام أو مباح إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة ، وما دلا عليه . وما اتفق عليه المسلمون فهو حق جاء به الرسول ؛ فإن أمته ولله الحمد لا تجتمع على ضلالة، كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن الله أجاركم على لسان نبيكم أن تجتمعوا على ضلالة)). وما تنازعوا فيه ردوه إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى : ◌ََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِ نَزَعْهُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ ) إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) كما كان السلف يفعلون ، فقد يكون عند هذا حديث سمعه أو معنى فهمه خفي على الآخر ، والآخر مأجور على اجتهاده أيضا . ولا إثم عليه فيها خفي عليه بعد اجتهاده . كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )). ولو صلى أربعة أنفس إلى أربع جهات إذا أغيمت السماء كل باجتهاده فكلهم مطيع الله عز وجل ، وتبرأ ذمته ، لكن الذي أصاب جهة الكعبة واحد ، وله أجران . وقد قال تعالى : ( وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّءَانَيْنَا حُكْمَا وَعِلْمًا ) فأثنى تعالى على ٣٧٣ النبيين جميعا مع أنه خص أحدهما بفهم تلك الحكومة . والدين كله مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد بعده أن يغير من دينه شيئا . هذا دين المسلمين ؛ بخلاف النصارى فإنهم يجوزون لعلمائهم وعبادهم أن يشرعوا شرعا يخالف شرع الله ، قال تعالى: (أَتَّخَذُواْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنجَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَ أْ إِلَهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم ، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ، فكانت تلك عبادتهم إياهم)). ولهذا كان أئمة المسلمين لا يتكلمون فى شيء أنه عبادة وطاعة وقربة إلا بدليل شرعي واتباع لمن قبلهم ، لا يتكلمون فى الدين بلا علم، فإن الله حرم ذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْيُنْزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَنَعْلَمُونَ). وقد اتفق أئمة الدين على أنه يشرع السفر إلى المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى ؛ بخلاف غير هذه الثلاثة ؛ لأن فى الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (( لا نشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)). ٣٧٤ وتنازع المسلمون فى زيارة القبور ، فقال طائفة من السلف إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري ، ولم تشتهر . ولما ذكر البخاري زيارة القبور احتج بحديث المرأة التى بكت عند القبر . ونقل ابن بطال عن الشعبى أنه قال : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابى . وقال النخعي : كانوا يكرهون زيارة القبور ، وعن ابن سيرين مثله . قال ابن بطال : وقد سئل مالك عن زيارة القبور فقال : قد كان نهى عنها عليه السلام ثم أذن فيها، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيراً لم أر بذلك بأساً ، وليس من عمل الناس . وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أولاً عن زيارة القبور باتفاق العلماء . فقيل : لأن ذلك يفضى إلى الشرك . وقيل لأجل النياحة عندها . وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها . وقد ذكر طائفة من العلماء فى قوله تعالى: (أَلْهَنْكُمُ الشَّكَثُرُ * حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) أنهم كانوا بتكاترون بقبور الموتى . وممن ذكره ابن عطية فى تفسيره ، قال : وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور ، أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة لكم عن العبادة والعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف، وإشادة بذكره. ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم (( كنت نهيتكم عن زيارة ٣٧٥ القبور فزوروها ولا تقولوا محجرا )) فكان نهيه فى معنى الآية. ثم أباح الزيارة بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر وتسليمها بالحجارة الرخام ، وتلوينها سرفا ، وبنيان النواويس عليها ، هذا لفظ ابن عطية . والمقصود أن العلماء متفقون على أنه كان نهى عن زيارة القبور . ونهى عن الانتباذ فى الدباء والحنتم والمزفت والمقير . واختلفوا هل نسخ ذلك ؟ فقالت طائفة : لم ينسخ ذلك ؛ لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة. ولهذا لم يخرج أبو عبد الله البخاري ما فيه نسخ عام . وقال الآخرون : بل نسخ ذلك . ثم قالت طائفة منهم : إنما نسخ إلى الإباحة ، فزيارة القبور مباحة لا مستحبة . وهذا قول فى مذهب مالك وأحمد . قالوا : لأن صيغة افعل بعد الحظر إنما تفيد الإباحة . كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فى الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا)). وروى «فزوروها، ولا تقولوا حجراً)). وهذا يدل على أن النهى كان لما كان يقال عندها من الأقوال المنكرة سداً للذريعة ، كالنهي عن الانتباذ في الأوعية أولاً، لأن الشدة المطربة تدب فيها ولا يدرى بذلك ، فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري . وقال الأكثرون : زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع ٣٧٦ السلام عليهم ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيدعو لهم . وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيحين أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرم، ولا تفتنا بعدم، واغفر لنا ولهم)) . وهذا فى زيارة قبور المؤمنين. وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيها لأجل تذكار الآخرة ، ولا يجوز الاستغفار لهم . وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه «زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله . وقال: استأذنت ربي فى أن أزور قبرها فأذن لي ، واستأذنته فى أن أستغفر لها فلم بأذن لى ، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر - فإن العلماء ورثة الأنبياء - وقال تعالى: (وَدَاوُودَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلّءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) . ٣٧٧ والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار ؛ فإن الزيارة إذا تضمنت أمراً محرما : من شرك، أو كذب ، أو ندب ، أو نياحة وقول حجر : فهي محرمة بالإجماع، كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله ، فإن هؤلاء زيارتهم محرمة . فإنه لا يقبل دين إلا دين الإسلام. وهو الاستسلام لخلقه وأمره. فيسلم لما قدره وقضاء ، ويسلم لما يأمر به ويحبه . وهذا نفعله وندعو إليه ، وذاك نسلمه ونتوكل فيه عليه . فنرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. ونقول فى صلاتنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيبُ) مثل قوله تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقوله تعالى : وقوله تعالى : ( أُسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّ اللََّ مَعَ الصَّبِينَ ) وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى ) لِلَّكِرِينَ * وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). والنوع الثانى: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت ، لقرابته أو صداقته ، فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة . كما زار النبى صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، وقال: ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)). فهذه الزيارة كان نهى عنها لما كانوا يفعلون من المنكر ، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها ، لأن فيها مصلحة ، وهو تذكر الموت. فكثير من الناس إذا رأى قريبه وهو ٣٧٨ مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة ، وقد يحصل منه جزع ، فيتعارض الأمران . ونفس الحزن مباح ، إن قصد به طاعة كان طاعة ، وإن عمل معصية كان معصية . وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة. فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم فعله ، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور. وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتى قباء فيصلي في مسجدها . وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتى البقيع وشهداء أحد ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعل ، فزيارة القبور الدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم ، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقا من دون الله ، ولا يجوز أن تتخذ مساجد ، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء فى المساجد والبيوت. والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم. وهذا مشروع بل فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين . ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين . ولو ندبه وناح لكان أيضاً محرما ، وهو دون الأول . فمن احتج بزيارة النى صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ولأهل ٣٧٩ أحد على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة فهو أعظم ضلالا ممن يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز أن يشرك بالميت ، ويدعى من دون الله، ويندب ويناح عليه، كما يفعل ذلك بعض الناس يستدل بهذا الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو عبادة الله وطاعة له يثاب عليه الفاعل وينتفع به المدعو له ويرضى به الرب عز وجل - على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء للميت وظلم من العبد لنفسه، كزيارة المشركين وأهل الجزع الذين لا يخلصون لله الدين ، ولا يسلمون لما حكم به سبحانه وتعالى . فكل زيارة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به - كالتى تتضمن الجزع وقول الهجر وترك الصبر، أو تتضمن الشرك ودعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله - فهي منهى عنها . وهذه الثانية أعظم إنما من الأولى . ولا يجوز أن يعلى إليها ، بل ولا عندها ، بل ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( لا تصلوا إلى القبور ، ولا يجلسوا عليها )) رواه مسلم في محيحه . فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق العلماء على أنه غير مشروع ، وهو أن تتخذها مساجد ونتخذها وثنا ونتخذها عيداً، فلا يجوز أن تقصد للصلاة الشرعية ، ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ، ولا أن تتخذ عيداً يجتمع إليها في وقت ٣٨٠