Indexed OCR Text
Pages 181-200
يموت بخمس: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك )) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله زوارات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج)). فإذا كان قد حرم اتخاذها مساجد والإيقاد عليها علم أنه لم يجعلها محلا للعبادة لله والدعاء. وإنما سن لمن زار القبور أن يسلم على الميت ، ويدعو له ، كما سن أن يصلي عليه قبل دفنه ويدعو له . فالمقصود بما سنه صلى الله عليه وسلم الدعاء للميت، لا دعاؤه. والله أعلم. ١٨١ وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي: بِسْمِاللَّهِلَِّ الرَّحَمِ الحمد لله رب العالمين . أما بعد فهذه فتيا أفتى بها الشيخ الإمام تقي الدين أبو العباس ((أحمد بن تيمية)) رضي الله عنه، ثم بعد مدة نحو سبع عشرة سنة ، أنكرها بعض الناس ، وشنع بها جماعة عند بعض ولاة الأمور، وذكرت بعبارات شنيعة : ففهم منها جماعة غير ما هي عليه ، وانضم إلى الإنكار والشناعة وتغير الألفاظ أمور أوجب ذلك كله مكاتبة السلطان - سلطان الإسلام بمصر - أيده الله تعالى، لجمع قضاة بلده ، ثم اقتضى الرأي حبسه ، خبس بقلعة دمشق المحروسة بكتاب ورد سابع شعبان المبارك سنة ست وعشرين وسبعمائة . وفي ذلك كله لم يحضر الشيخ المذكور بمجلس حكم، ولا وقف على خطه الذي أنكر ، ولا ادعى عليه بشيء . فكتب بعض الغرباء من بلده هذه الفتيا ، وأوقف عليها بعض علماء بغداد ، فكتبوا عليها بعد تأملها ، وقراءة ألفاظها . ١٨٢ وسئل بعض مالكية دمشق عنها، فكتبوا كذلك . وبلغنا أن بمصر من وقف عليها فوافق . ونبدأ الآن بذكر السؤال الذي كتب عليه أهل بغداد ، وبذكر الفتيا ، وجواب الشيخ المذكور عليها ، وجواب الفقهاء بعده . وهذه صورة السؤال والأجوبة . المسئول من إنعام السادة العلماء ، والهداة الفضلاء ، أئمة الدين ، وهداة المسلمين، وفقهم الله لمرضاته ، وأدام بهم الهداية : أن ينعموا ويتأملوا الفتوى وجوابها المتصل بهذا السؤال المنسوخ عقبه ، وصورة ذلك : ما يقول السادة العلماء ، أئمة الدين ، نفع الله بهم المسلمين : فى رجل نوى السفر إلى ((زيارة قبور الأنبياء والصالحين )) مثل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره. فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة ؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا ؟؟ وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حج ولم یزرنی فقد جفانی )»« ومن زارنى بعد موتى، کمن زارني فى حياتى ، ١٨٣ وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى )). أفتونا مأجورين رحمكم الله . فأجاب الحمد لله رب العالمين . أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، فهل يجوز له قصر الصلاة ؟ على قولين معروفين : أحدهما وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بطة، وأبى الوفاء بن عقيل ، وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين : أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أن السفر المنهى عنه فى الشريعة لا يقصر فيه . والقول الثاني : أنه يقصر ، وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم ، كأبى حنيفة . ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ، ١٨٤ وأحمد ، ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبى حامد الغزالي، وأبى الحسن بن عبدوس الحرانى، وأبى محمد بن قدامة المقدسي. وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم . لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ((زوروا القبور)). وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث ، بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. كقوله ((من زارنى بعد مماتي، فكأنما زارنى في حياتي)) رواه الدار قطنى وابن ماجه. وأما ما ذكره بعض الناس من قوله: (( من حج ولم يزرنى فقد جفانى)) فهذا لم يروه أحد من العلماء. وهو مثل قوله: ((من زارنى وزار أبى إبراهيم فى عام واحد ضمنت له على الله الجنة)). فإن هذا أيضا باتفاق العلماء لم يروه أحد، ولم يحتج به أحد ، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطنى ونحوه . وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأنه صلى الله عليه وسلم ، كان يزور مسجد قباء . وأجاب عن حديث ((لا تشد الرحال)) بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب . ١٨٥ وأما الأولون ، فإنهم يحتجون بما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ، وهذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به . فلو نذر الرجل أن يشد الرحل ليصلي بمسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه أو يسافر إليه ، غير هذه الثلاثة . لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة . ولو نذر أن يسافر ويأتى المسجد الحرام لحج أو عمرة. وجب عليه ذلك باتفاق العلماء . ولو نذر أن يأتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر ، عند مالك والشافعي فى أحد قوليه ، وأحمد ؛ ولم يجب عليه عند أبى حنيفة ؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجباً بالشرع . أمسا الجمهور ، فيوجبون الوفاء بكل طاعة ، كما ثبت فى صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيح الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا بعصه)) . والسفر إلى المسجدين طاعة ، فلهذا وجب الوفاء به . ١٨٦ وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة ، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره ، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء ؛ لأنه ليس من المساجد الثلاثة ، مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان فى المدينة ؛ لأن ذلك ليس بشد رحل ، كما فى الحديث الصحيح: (( من تطهر فى بيته ، ثم أتى مسجد قباء ، لا يريد إلا الصلاة فيه ، كان كعمرة )) . قالوا : ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة ، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة ، وفعله، فهو مخالف للسنة ولإجماع الأمة . وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة فى ((الإبانة الصغرى)) من البدع المخالفة للسنة والإجماع . وبهذا يظهر بطلان حجة أبى محمد المقدسى ؛ لأن زيارة النبى صلى اللّه عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر . وقوله: بأن الحديث الذي مضمونه ((لا تشد الرحال)): محمول على نفي الاستحباب . يجاب عنه بوجهين : ١٨٧ أحدهما : أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ، ولا قربة ، ولا طاعة ، ولا هو من الحسنات . فإذاً من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع . وإذا سافر لاعتقاد أن ذلك طاعة ، كان ذلك محرما بإجماع المسلمين . فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة ، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك . وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض مباح ، فهذا جائز ، وليس من هذا الباب . الوجه الثاني : أن هذا الحديث يقتضي النهى ، والنهي يقتضي التحريم . وما ذكروه من الأحاديث فى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة ، باتفاق أهل العلم بالحديث ؛ بل هي موضوعة ، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها ، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها ، بل مالك - إمام أهل المدينة النبوية الذين ثم أعلم الناس بحكم هذه المسألة - كره أن يقول الرجل: زرت قبره صلى الله عليه وسلم ، ولو كان هذا اللفظ معروفا عندم ، أو مشروعا، أو مأثوراً عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم أهل المدينة . والإمام أحمد أعلى الناس فى زمانه بالسنة: لما سئل عن ذلك لم ١٨٨ يكن عنده ما يعتمد عليه فى ذلك من الأحاديث ، إلا حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مامن رجل يسلم علي إلا رد اللّه علي روحي حتى أرد عليه السلام)) وعلى هذا اعتمد أبو داود فى سننه . وكذلك مالك فى الموطأ، روى عن عبد اللّه بن عمر: أنه كان إذا دخل المسجد قال : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت ، ثم ينصرف. وفي سنن أبى داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم». وفي سنن سعيد بن منصور : أن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبى طالب ، رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده فقال: يا هذا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تتخذوا قبري عيداً . وصلوا علي. فإن صلاتكم حيثما كنتم تبلغني)) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء . وفى الصحيحين عن عائشة: عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى مرض موته: ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )» يحذر ما فعلوا. ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كر. ١٨٩ أن يتخذ مسجداً . وهم دفنوه صلى الله عليه وسلم فى حجرة عائشة رضي الله عنها ، خلاف ما اعتادوه من الدفن فى الصحراء ؛ لئلا يصلى أحد عند قبره ويتخذه مسجداً ، فيتخذ قبره وثنا . وكان الصحابة والتابعون - لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد ، إلى زمن الوليد بن عبد الملك - لا يدخل أحد إليه ، لا لصلاة هناك، ولا تمسح بالقبر ، ولا دعاء هناك . بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد . وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبى صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر. وأما الوقوف للسلام عليه ، صلوات الله عليه وسلامه ، فقال أبو حنيفة : يستقبل القبلة أيضاً ، ولا يستقبل القبر . وقال أكثر الأئمة : بل يستقبل القبر عند السلام خاصة ، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء . وليس فى ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ، ومذهبه بخلافها . ١٩٠ واتفق الأمة على أنه لا يتمسح بقبر النبى صلى الله عليه وسلم ولا يقبله . وهذا كله محافظة على التوحيد. فإن من أصول الشرك بالله : اتخاذ القبور مساجد ، كما قال طائفة من السلف فى قوله تعالى : (وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّءَ الِهَنَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قالوا: ((هؤلاء كانوا قوماً صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا على صورم تماثيل ، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها )) وقد ذكر البخارى في صحيحه هذا المعنى عن ابن عباس . وذكره محمد بن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف وذكره ((وثيمة)) وغيره فى قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع . وأول من وضع هذه الأحاديث فى السفر لزيارة المشاهد التى على القبور : أهل البدع ، من الرافضة وبحوم ، الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد ، يدعون بيوت الله التى أمر أن يذكر فيها أسمه ، ويعبد وحده لا شريك له، ويعظمون المشاهد التى يشرك فيها ويكذب، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا؛ فإن الكتاب والسنة إنما فيها ذكر المساجد ؛ دون المشاهد، كما قال تعالى (قُلْ أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطْ وَأَقِيمُواْ ١٩١ : وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَّهُ الّذِينَ ) وقال تعالى : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ) وقال تعالى: (وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ ) وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِىِ خَرَابِهَا). وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح: أنه كان يقول: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك )). والله أعلم . هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام والله سبحانه وتعالى أعلم . وله من الكلام فى مثل هذا كثير ، كما أشار إليه فى الجواب . ولما ظفروا فى دمشق بهذا الجواب كتبوه ، وبعثوا به إلى الديار المصرية وكتب عليه قاضى الشافعية : قابلت الجواب عن هذا السؤال ، المكتوب على خط ابن تيمية . فصح ـ إلى أن قال : وإنما المحرف جعله : زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية بالإجماع مقطوعا بها، هذا كلامه . فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام، والجواب ليس فيه المنح من زيارة قبور الأنبياء والصالحين وإنما ذكر فيه قولين : فى شد الرحل، والسفر إلى مجرد زيارة القبور . ١٩٢ ١ وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة ، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى . والشيخ لا يمنع الزيارة الحالية عن شد رحل ، بل يستحبها، ويندب إليها . وكتبه ومناسكه تشهد بذلك . ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة فى الفتيا ، ولا قال : إنها معصية ، ولا حكى الإجماع على المنع منها . والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية . ولما وصل خط القاضى المذكور إلى الديار المصرية ، كثر الكلام وعظمت الفتنة ، وطلب القضاة بها ، فاجتمعوا وتكلموا ، وأشار بعضهم بحبس الشيخ . فرسم السلطان به . وجرى ما تقدم ذكره ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين فى هذه القضية لا يمكن ذكرها فى هذا الموضع . وقد وصل ما أجاب به الشيخ فى هذه المسألة إلى علماء بغداد ، فقاموا فى الانتصار له ، وكتبوا بموافقته ، ورأيت خطوطهم بذلك . وهذا صورة ما كتبوا : ١٩٣ بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى الله تعالى : - بعد حمد الله السابعة نعمه ، السابقة مننه . والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين : محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . إنه حيث قد من الله تعالى على عباده ، وتفضل برحمته على بلاده بأن وسد أمور الأمة المحمدية ، وأسند أزمة الملة الحنيفية ، إلى من خصصه الله تعالى بأفضل الكالات النفسانية ، وخصص بأ كمل السعادات الروحانية ، محي سنن العدل ، ومبدى سنن الفضل ، المعتصم بحبل الله، المتوكل على الله، المكتفى بنعم الله. القائم بأوامر الله، المستظهر بقوة الله، المستضىء بنور الله، أعز الله سلطانه، وأعلى على سائر الملوك شأنه، ولا زالت رقاب الأمم خاضعة لأوامره ، وأعناق العباد طائعة لمراسمه ، ولا زال موالى دولته بطاعته مجبوراً ، ومعادى صولته بخزيه مذموما مدحورا . فالمرجو من ألطاف الحضرة المقدسة - زادها الله تعالى علوا وشرفا - أن يكون للعلماء الذين م ورثة الأنبياء، وصفوة الأصفياء، ١٩٤ وعماد الدين ، ومدار أهل اليقين : حظ من العناية السلطانية وافر ، ونصيب من الرحمة والشفقة ، فإنها منقبة لا يعادلها فضيلة ، وحسنة لا يحيطها سيئة ، لأنها حقيقة التعظيم لأمر الله تعالى، وخلاصة الشفقة على خلق الله تعالى . ولا ريب أن المملوك وقف على ما سئل عنه الشيخ الإمام العلامة وحيد دهره ، وفريد عصره ، تقى الدين أبو العباس ، أحمد بن تيمية وما أحاب به. فوجدته خلاصة ما قاله العلماء في هذا الباب حسب ما اقتضاه الحال : من نقله الصحيح ، وما أدى إليه البحث من الإلزام والالتزام ، لا يداخله تحامل ، ولا يعتريه تجاهل . وليس فيه - والعياذ بالله - ما يقتضى الإزراء والتنقيص بمنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم . وكيف يجوز للعلماء أن تحملهم العصبية : أن يتفوهوا بالإزراء والتنقيص في حق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل يجوز أن يتصور متصور : أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم تزيد في قدره، وهل تركها مما ينقص من تعظيمه ؟ ماشا للرسول من ذلك . نعم لو ذكر ذلك ذاكر ابتداء وكان هناك قرائن تدل على الإزراء والتنقيص، أمكن حمله على ذلك. مع أنه كان يكون كناية لا صريحا ١٩٥ فكيف وقد قاله فى معرض السؤال ، وطريق البحث والجدل ؟؟. مع أن المفهوم من كلام العلماء ، وأنظار العقلاء : أن الزيارة ليست عبادة وطاعة لمجردها ، حتى لو حلف : أنه يأتي بعبادة أو طاعة لم بير بها : لكن القاضى ابن كج ـ من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها . وهو منفرد به ، لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح . والذى يقتضيه مطلق الخبر النبوى فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال - إلى آخره)) أنه لا يجوز شد الرحال إلى غير ما ذكر أو وجوبه ، أو ندبيته . فإن فعله كان مخالفا لصريح النهي ، ومخالفة النهي معصية - إماكفر، أو غيره - على قدر المنهي عنه، ووجوبه، وتحريمه، وصفة النهي، والزيارة أخص من وجه . فالزيارة بغير شد غير منهي عنها ، ومع الشد منهى عنها . وبالجملة ، فما ذكره الشيخ تقى الدين على الوجه المذكور الموقوف عليه . لم يستحق عليه عقابا، ولا يوجب عتابا. والمراحم السلطانية أحرى بالتوسعة ، والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه والآراء الملكية على المزيد . حرره ابن الكتبى الشافعي. حامداً لله على نعمه . اهـ ١٩٦ جواب آخر الله الموفق ما أجاب به الشيخ الأجل الأوحد ، بقية السلف ، وقدوة الخلف رئيس المحققين ، وخلاصة المدققين ؛ تقي الملة والحق والدين : من الخلاف في هذه المسألة : صحيح منقول في غير ما كتاب من كتب أهل العلم ، لا اعتراض عليه في ذلك ، إذ ليس فى ذلك ثلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غض من قدره صلى الله عليه وسلم . وقد نص الشيخ أبو محمد الجوبني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور . وهذا اختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في إ كماله . وهو من أفضل المتأخرين من أصحابنا . ٠١ ومن المدونة : ومن قال : علي المشي إلى المدينة ، أو بيت المقدس ، فلا يأتيها أصلا ، إلا أن يريد الصلاة فى مسجديهما . فليأتها . فلم يجعل نذر زيارة قبره صلى الله عليه وسلم طاعة يجب الوفاء بها؛ إذ من أصلنا : أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها ، ١٩٧ كان من جنسها ما هو واجب بالشرع ، كما هو مذهب أبى حنيفة ، أو لم يكن . قال القاضى أبو إسحق إسماعيل بن إسحق ، عقيب هذه المسألة : ولو لا الصلاة فيها لما لزمه إتيانهما ، ولو كان نذر زيارة طاعة لما لزمه ذلك . وقد ذكر ذلك القيرواني فى تقريبه . والشيخ ابن سيرين فى تنبيهه. وفي المبسوط : قال مالك: ومن نذر المشى إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه. قال: فإنى أكره ذلك له. لقوله صلى الله عليه وسلم ((لا تعمل المطي ، إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا)). وروى محمد بن المواز فى الموازية : إلا أن يكون قريباً ، فيلزمه الوفاء ، لأنه ليس بشد رحل . وقد قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر فى كتابه ((التمهيد)): يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد. وحيث تقرر هذا فلا يجوز أن ينسب من أجاب فى هذه المسألة بأنه سفر منهى عنه إلى الكفر ، فمن كفره بذلك من غير موجب ، فإن كان مستبيحاً ذلك فهو كافر ؛ وإلا فهو فاسق . قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري في ((كتاب المعلم)): ١٩٨ من كفر أحداً من أهل القبلة ، فإن كان مستبيحاً ذلك فقد كفر ، وإلا فهو فاسق. يجب على الحاكم إذا رفع أمره إليه أن يؤدبه ، ويعزره بما يكون رادعا لأمثاله، فإن ترك مع القدرة عليه فهو آثم . والله تعالى أعلم . كتبه محمد بن عبد الرحمن البغدادي ، الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة الشريفة المستنصرية . رحمة الله على منشئها . وأجاب غيره فقال: الحمد لله رب العالمين ، وصلواته على سيدنا محمد . وعلى آله الطاهرين . ما ذكره مولانا الإمام، العالم العامل ، جامع الفضائل والفوائد، بحر العلوم، ومنشأ الفضل جمال الدين ، كاتب خطه أمام خطى هذا، جمل الله به الإسلام، وأسبغ عليه سوابغ الإنعام، أتى فيه بالحق الجلى الواضح، وأعرض فيه عن إغضاء المشايخ، إذ السؤال والجواب اللذان تقدماء ، لا يخفى على ذي فطنة وعقل أنه أتى فى الجواب المطابق للسؤال بحكاية أقوال العلماء الذين تقدموه ، ولم يبق عليه فى ذلك إلا أن يعترضه معترض فى نقله فيبرز. ١٩٩ له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم . والمعترض له بالتشنيع ، إما جاهل لا يعلم ما يقول ، أو متجاهل يحمله حسده وحمية الجاهلية على رد ما هو عند العلماء مقبول ، أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد، وعصمنا من مخائل النكد، بمحمد وآله الطيبين الطاهرين ؛ والحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير إلى عفو ربه ورضوانه . عبد المؤمن بن عبد الحق الخطيب . غفر الله له وللمسلمين أجمعين . وأجاب غيره فقال بعد حمد الله الذي هو فاتح كل كلام ، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام ، أعلام الهدى ومصابيح الظلام : يقول أفقر عباد الله، وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخ الإمام البارع الهمام ، افتخار الأنام ، جمال الإسلام ، ركن الشريعة ، ناصر السنة ، قامع البدعة ، جامع أشتات الفضائل ، قدوة العلماء الأماثل ، فى هذا الجواب ، من أقوال العلماء والأئمة النبلاء - رحمة الله عليهم ٢٠٠